Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

النازية أعلى مراحل الاستعمار في الجزائر /تقرير سري يثبت أن منظمة الجيش السري هي بنت الجيش الفرنسي

  

 النازية أعلى مراحل الاستعمار في الجزائر 

فنون الإبادة   بمدرسة جان دارك

تقرير سري لجنود الفرنسيين يثبت أن منظمة الجيش السري هي   بنت الجيش الرسمي الفرنسي

التعذيب ضرورة أساسية للعالم الاستعماري  

  أحمد رضوان شرف الدين جامعة الجزائر

قراءة في جريدة المجاهد (1957-1962

 

في عام 1957، قفز التعذيب من سراديب السجون و المواقع المتخصصة إلى مسامع الرأي العام في كل من الجزائر و فرنسا. فأمسى عاملا إضافيا- لكنه شديد الخصوصية  - في تغذية أتون الحرب الدائرة بين الطرفين. كما أنه لم يلبث أن  نال من الاهتمام الفكري حيزا خاصا به كموضوع يغني  الدراسات حول الاستعمار.

لماذا عام 1957 تحديد؟ هل التعذيب ظاهرة عارضة استثنائية؟ أم هو عامل بنيوي وقاعدة من قواعد تسيير النظام الاستعماري؟ هنا يكمن التساؤل.

  التهدئة هي حرب قذرة

عندما اندلعت ثورة التحرير في نوفمبر 1954، اختارت السلطات الفرنسية عدم الاعتراف بالطابع السياسي للقضية الجزائرية (كما كان يطلق عليها) واعتماد، بدلا من ذلك، مسلك القوة. فأحجمت عن تسمية الحرب باسمهما، وبقيت مصرة إلى غاية سنة (1956)، على نعتها رسميا بـ"حوادث الجزائر". أما العمليات الحربية التي كانت قواتها تقوم بها لمواجهة الثورة، فقد أطلقت عليها مصطلح " التهدئة".

غير أن سلسلة القوانين التي سنت تباعا، ناقضت هذا الخطاب الإدماجي و تطابقت تماما مع واقع الحرب الهادفة حقا إلى إعادة غزو الجزائر.

  منشورات  

ففي بداية عام 1955، نقل الحاكم هيرتز من الأغواط إلى بسكرة ليتولى مهمة القمع في المناطق الممتدة بين الأوراس و الصحراء. فبعث حياة جديدة في قانون "العقوبات الجماعية" السيئ لدى الجزائريين و الذي سبق أن ألغي لدواعي الإدماج بالذات، و بمقتضاه، أصبح لأي عمل فدائي، يقع في محيط بمجموعة سكانية جزائرية ما، يعتبر من مسؤولية هذه المجموعة ماديا و معنويا.

وكلما ظهر جيش التحرير الجزائري في ناحية من نواحي البلاد، راحت السلطات المحلية المعنية تطبق فيها هذه القاعدة.

وفي مطلع أفريل 1955، صادق البرلمان الفرنسي على قانون الطوارئ.

وفي 12 مارس 1956، صوت البرلمان المذكور لصالح قانون السلطات الخاصة الممنوحة للحاكم العام في الجزائر، روبير لاكوست. بموجبها حصل هذا الأخير على تعزيزات عسكرية ضخمة وعلى صلاحيات واسعة لخنق الحريات.

إن بمجمل هذه التدابير أدى إلى تنويع مهام الجيش و محو حدودها إلى درجة يصح القول معها أن أعمال فرقة ما في الجزائر أصبحت غير قابلة للخضوع للرقابة التنظيمية و التشريعية الديمقراطية الفرنسية. وفي ظلها، راحت سلطة القضاء العسكري الاستثنائي تتعزز، مقرونة بتعميم التعذيب الذي لم يبق بالنتيجة أسلوبا بوليسيا بحتا و إنما إلى وسيلة حربية أيضا. كان كل ذلك يجري في ظل تعتيم رسمي، مسند برقابة على منشورات قلقة للغاية.

ومع هذا، أصدر الروائي فرانسوا مورياك مقالا له في جانفي 1955 بمجلة الإكسبريس، أثار فيه موضوع التعذيب في الجزائر. ولم تجد السلطات ما ترد به سوى توجيه الإعانة لذلك الكاتب من خلال نعته بانه " موهوم" و في شهري سبتمبر و اكتوبر 1956، كشفت مجموعة من المحامين للراي العام الفرنسي عن تعرض موكليهم الجزائريين لأصناف من التعذيب في قبو مبنى الخزينة بمدينة وهران. فتقرر هذه المرة، وإن كان بعد تسويف، تشكيل لجنة تحقيق برلمانية في 29 أكتوبر برئاسة فيكتور بروفو، أحد الأصدقاء الشخصيين لرئيس الحكومة غي مولي. غير أن هذه اللجنة سارت حسب برنامج تميز بالتماطل و المساومة إلى غاية 5 مارس 1957، تاريخ تقديم تقريرها. وما جاء في هذه الوثيقة لم يكن أكثر إنصافا إذ أن الغالبية الساحقة لأعضائها عمدت قبل كل شيء إلى رسم ثلاث صور تتماشى مع السياسة الرسمية. و عليه، فقد أصبح عناصر الشرطة، الذين قاموا بأعمال التعذيب، هم الأبرياء الذين لا ذنب لهم. و أما ضحاياهم من المعتقلين، فإنهم ليسوا سوى كذابين مفترين، في حين يكون الناس الذين اهتزت مشاعرهم مما سمعوا أناسا سذجا، غافلين. و عليه، تقرر غلق الملف.

غير ان الصحيفة الأسبوعية، تيموانياج كريتيان (شهادة مسيحية)، لم تعبأ لهذا المنطق الرسمي واستمرت في فتح "ملف   جون مولر" الذي بدأت نشره في منتصف فبراير، تخليدا لذكرى عضو قيادي في كل من حركة الشبيبة المسيحية و كشافة فرنسا و الذي جرى قتله في الجزائر في ظروف غامضة.

و الملف هذا عبارة عن مجموعة من الرسائل بعثها مولر لأصدقائه عام 1956، ويتدرج من خلالها، في إدراك مقدر متزايد من حقيقة كلام سلطات بلاده وما يحصل بالفعل في الجزائر. كتب يقول: ( نحن أبعد ما نكون عن التهدئة لقد أصابنا اليأس مما نشاهده: من درجة الانحطاط التي بلغته الطبيعة البشرية و من إقدام بعض الفرنسيين بالذات على استخدام أساليب جديرة بالهمجية النازية).

كانت الذكريات الأليمة، المتصلة بالاحتلال الألماني لفرنسا و بالحرب العالمية الثانية عامة، ما تزال تختلج في نفوس الكثيرين.

وتوالى تدوين الشهادات وتوزيع الكتابات، سرا وجهرا، وأخذت دائرة الأصوات المعبرة عن ردود الفعل المختلفة تجاه التعذيب تتسع – وإن كان اتساعا شديد البطء – بما في ذلك على المسرح السياسي. وفوق هذا، كانت التهم الخطيرة الموجهة للحكومة و للجيش تستدعي تدخلا سريعا من قبل أعلى الهيئات. فتقدم غي مولي، بصفته أمينا عاما للحزب الاشتراكي الفرنسي  وليس كرئيس للحكومة ، للحديث للفرنسيين قائلا يوم 14 أفريل 1957:

" فلنتكلم بوضوح. صحيح أعمال عنف نادرة للغاية، حصلت للأسف فيما مضى، ولكنني أؤكد أنها حصلت على إثر معارك وبعد فظائع قام بها إرهابيون. أما عن أعمال التعذيب المتعمدة بنية مسبقة، فإني أقول لو حصل هذا لكان أمرا لا يطاق. بهذا الصدد، هناك من شبه سلوك الجيش الفرنسي بسلوك " الجستابو"، إنه تشبيه منكر، لقد كان هتلر يعطي تعليمات تنص على إتباع هذه الأساليب الهمجية ، في حين دأبنا أناو لاكوست على إصدار أوامر تحمل اتجاها معاكسا تماما.

ماذا يعني حديث غي مولي ؟ إنه يركز على ثلاث نقاط أساسية :

إن وقوع حالات من " العنف" من جانب القوات الفرنسية يمثل دفاعا عن النفس تجاه إرهاب الجزائريين.

إن الممارسة المنظمة للتعذيب أمر غير ثابت.

إن تشبيه الجيش الفرنسي بالجيش النازي و سياسة الزعامة الاشتراكية الفرنسية بسياسة هتلر تشبيه ظالم.

الجدير بالملاحظة أن هذه النقاط شكلت أساس خط الدفاع الذي اعتمده الحكام الفرنسيون بصورة  شبه دائمة. فأضحت بالنتيجة، محاور هجوم متصل بالمجاهد.

3- التعذيب بشتى الوسائل المادية و المعنوية:

لم تتردد صحيفة المجاهد في الخوض في التفاصيل حول وسائل التعذيب وكيفياته وتعيين أماكنه المتخصصة الواقعة في المدن الجزائرية الكبرى، إلخ...

فالحملة القمعية المساماة  " معركة الجزائر "، الجارية على قدم وساق في قضية العاصمة بوجه خاص طوال الاشهر السبعة الأولى من عام 1957، مثلت مصدر معلومات حية تدين جلادي الشرطة و الجيش ومسؤوليتهم.

هؤلاء، الذين يطلقون على قاعات الفظائع اصطلاح " لابوراتوار"، أي المخابر، يشرعون في التعذيب النفسي لحظة انقضاضهم على المواطنين بقصد الاعتقال. لذا تراهم يقومون بالتحضير له بإحداث جو مرعب يوقع اثارا مدمرة: " إن الحالات التي تمت معاينتها و المتعلقة بالإصابة بالجنون بمختلف درجاته و بالولادة السابقة لأوانها و بالأزمات النفسية وبالوفيات على إثر سكتة قلبية، حالات لا تحصى (.......) إن سكان القصبة لا ينامون بسبب تخويفهم الدائم من ضربات مؤخرة البنادق على أبواب المنازل. إنهم يعلمون جيدا لماذا يأتون، يعملون أن لا الرجل و لا المرأة ولا الطفل يفلت من التعذيب. 

(.......) وقد يشاهدون بأم أعينهم التنكيل بأطفالهم في الفناء الداخلي لديارهم".

غير أن صحيفة المجاهد لم تتوقف أيضا عن الإلحاح على أن التعذيب، الذي أخذ الحديث عنه ينتشر سنة 1957، هو وجه فقط من أوجه القمع الشامل الذي يعانيه الجزائريون منذ 1830، وأن القليل الذي كان يعرف في هذا الباب، يكشف بما لا يدع مجالا للشك أن القمع يرتبط بمقاومة الاحتلال الاستعماري ارتباطا حتميا، فيتطور حسبه كذلك. بعبارة أخرى، كانت قيادة الثورة تطالب أولئك الذين يعبرون عن رد فعل رافض تجاه التعذيب –خاصة منهم المثقفين الفرنسيين – ألا يتوقفوا في منتصف الطريق.

ممارسة التعذيب قاعدة وليست إستثناء:

في مقال مطول و مفيد للغاية، تصدى أحد الكتاب لجانب من الطرح الرسمي الفرنسي الذي دافع عنه الكثيرون، من بينهم غي مولي، كما سبقت الإشارة إليه. لتنفيد القول بأن التعذيب في الجزائر لا يمثل سوى " حادثا عرضيا أو غلطة أو زلة ". إنطلق المحرر مما أظهرته بعض التقارير الطبية إثر فحص حالة من شاركوا في التعذيب تحديدا.

كانت هذه الممارسات من اختصاص عناصر الشرطة في أول الأمر.

وقد سجل منذ النصف الأول من عام 1956 وقوع العديد من هؤلاء في حالات قريبة من حالات الإصابة بالأمراض العقلية.

وكتب المحرر المشار إليه:

" لقد تطلبت الاضطرابات التي بدت عليهم في وسطهم العائلي (تهديد زوجاتهم بالقتل، معاملة أطفالهم بعنف شديد، معاناة الأرق و الكوابيس، التهديد المتواصل بالانتحار)، وكذلك تلك المعبر عنها من خلال الأخطاء المهنية التي ارتكبوها( التشاجر مع زملائهم، تطلبت إخضاعهم عدة مرات للعلاج الطبي وتحويلهم للعمل في مصالح أخرى أو نقلهم إلى فرنسا في أكثر الحالات".

و الواقع أن الشرطي المصاب لا يجهل مكمن مشاكله الخاصة:

- " إنه يضرب أطفاله بقسوة لأنه يعتقد انه لا يزال يواجه جزائريين.

- إنه يهدد زوجته لأنه (كما يقول) أنا أهدد وأنفذ على مدار اليوم.

- إنه لا ينام لأنه يسمع صراخ ضحاياه و أنينهم"

هل وجود الحالات المرضية هو دليل يثبت الطابع الاستثنائي للتعذيب؟

هل تقف برهانا على تنصل الشرطي من " الشرعية" القائمة؟ هل تعبر عن خروج الشرطي عن قيم المجتمع و الدولة اللذين وظف ليدافع عنهما؟

هذا ما كان يتم ترديده رسميا، بعد أن استحال صمود السلطات في الموقف المعتاد القاضي بنفي ممارسة التعذيب.

ولكن الشهادات لم تتوقف عن التسرب إلى مسامع الناس و أبصارهم من الطرفين معا  متضمنة تفاصيل كثيرة ودقيقة. ومما ورد فيها، مثلا، أن التعذيب في الجزائر يتحول من شبه العشوائية التي كانت تميزه حتى عام 1957إلى شكل من الأشكال المهنية وإلى مؤسسة قائمة بذاتها ضمن نظام الاحتلال ككل، لها هياكلها و منظورها – كالمدعو لوفريدو و المدعو بودفان – ومراكزها التكوينية في فنون الإبادة، مثل " مدرسة جان دارك " (لاحظ التسمية) في سكيكدة....إلخ

 

 

 

  التعذيب ضرورة أساسية للعالم الاستعماري

إن عناصر الشرطة والجيش، الذين مارسوا التعذيب في الجزائر، يعتبرون ضرورة تبريره " عارا و مفارقة " في نفس الوقت. فهم يعرفون أنه يمثل أحد الشروط التي تحكم العلاقات بين القائم بالاحتلال و الواقع تحته:

" إن الممارسات الوحشية حقا، التي برزت منذ فاتح نوفمبر 1954 تثير الدهشة لما صارت عليه من التعميم أكثر من أي اعتبار آخر ......... في الحقيقة، يجد سلوك الجيش الفرنسي في الجزائر مكانه ضمن بنية السيطرة البوليسية و العنصرية الشاملة ونزع إنسانية الإنسان بصورة عقلانية. فالتعذيب جزء من الكل الاستعماري (.........) والاستعمار الذي لا يجيز والاغتصاب والإبادة هو استعمار غير قابل للفهم

من وجهة النظر هذه، يكون الشرطي غير مخالف، في واقع الأمر، لأي قانون عندما يتصرف كجلاد. بل إنه يظهر، بهذا التصرف بالذات، وفاءه الصادق للدولة وللمجتمع الاستعماريين. و الجندي في الجيش لا يستطيع في الحقيقة ، أن يفعل شيئا معاكسا دون تعريض السيطرة القائمة للهلاك. ومن جهتهم، فإن أوربيي الجزائر و الدولة الفرنسية لا يملكون "حلا خارج المحافظة على احتلال عسكري دائم وعلى بنية بوليسية جبارة طالما لم تسقط إرادة البقاء في الجزائر".  لقد كان بوسع أندري مالرو أن يعلن، بصفته وزيرا للثقافة، عن زوال تعذيب الجزائريين منذ تولي دي غول الحكم في ماي 1958، لكن الدليل على استمرار التعذيب الواسع النطاق كان ماثلا لأعين الجميع: إنه، قبل كل شيء عدم تخلي رئيسه الجنرال عن الحل العسكري. بل إن هذا الأخير تبنى، بعد سنة من إمساكه مقاليد السلطة، مخطط شال الهادف إلى إعادة غزو الجزائر، منطقة بعد الأخرى، الشيء الذي كان يتطلب وفرة من المعلومات الدقيقة لا يمكن الحصول عليها إلا بالاستنطاق الوحشي للمساجين و المشتبه بهم و عامة الناس. و بالفعل، تم تعميم استعمال التعذيب كوسيلة حربية.

و في مطلع سنة 1960، شرع في "إصلاح العدالة" بخصوص القضايا المتصلة بحرب الجزائر. فتجسد ذلك الإصلاح أساسا في تدعيم صلاحيات المحاكم العسكرية و سلطاتها إلى درجة دفعت المحامين الفرنسيين المعنيين بالقضايا المقصودة إلى الاستنجاد برئيس الصليب الأحمر الدولي، طالبين حماية هذه الهيئة لموكليهم، نظرا لاستحالة الدفاع عنهم. فالنصوص الجديدة أعطت القاضي العسكري إمكانية التحقيق دون حضور المحامي. وأصبح الباب مفتوحا كي يقوم بمحاكمة المتهمين و "الدفاع" عنهم بنفس الضباط الذين قاموا باعتقالهم و تعذيبهم.  هذا وغيره جعل الجريدة تكتب أن دي غول يحضر للجزائريين عددا من أوامر الإعدام يساوي عدد بطاقات الاقتراع.

أما من يضعون أنفسهم خارج القانون، فهم كل أولئك الذين يسلكون طريق الإساءة للنظام العنصري و لبنيته البوليسية، بما فيهم رجال القانون أنفسهم.

و في اليوم السبت 23 ماي 1959، طار خبر اغتيال المحمي الجزائري أمقران ولد أو عدية، الذي سبق أن رافع أمام المحاكم الفرنسية لفائدة عدد من مناضلي جبهة التحرير الوطني، وكان ينتظر أن يدافع، في ذلك اليوم المذكور، عن مجموعة من الطلبة متهمين بإعادة تشكيل الإتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين. وبعد حوالي شهر من تلك الواقعة، أمرت الحكومة الفرنسية بحجز كتاب " لاغانغرين " الذي  تضمن شهادات سبعة من المتهمين المعنيين بشأن التعذيب الذي عانوه في مقر مديرية أمن الإقليم في باريس، إبان فترة اعتقالهم.

ولم تمضي سوى بضعة أسابيع حتى انتشر نبأ وفاة عيسات  إيدير، الأمين العام للاتحاد العام للعمال الجزائريين،  على إثر تعرضه للتعذيب. فاتسعت رقعة ردود الفعل، مرة أخرى، خاصة في أوساط الحقوقيين و النقابيين في فرنسا و في بلدلن أخرى كثيرة، مما أجبر المسؤولين العسكريين الفرنسيين على الخروج عن صمتهم المألوف. صدر عن هؤلاء نصان، واحد رسمي، وهو بيان هيئة أركان الجزائر العاصمة، و الثاني شبه رسمي، في شكل افتتاحية بجريدة البلاد.

البيان لم  يأت بجديد بالنسبة لجوهر المسألة : فهو لا يعدو " يفسر " أن عيسات إيدير " انتحر" و لم يمت نتيجة حرقه بالشفاطة (الشاليمو) ، على نحو قولهم فيما سبق أن علي بومنجل " انتحر" و العربي بن مهيدي "انتحر" وغيرهما كثيرون.

أما المقال، فإنه حمل في ثناياه ما لم يكن معهودا، ألا وهو القرار بوجود التعذيب في الجزائر. صحيح أنه تجنب الإشارة إلى التهم الدقيقة الواردة في كتاب " لا غنغرين" و إلى وفاة عيسات إيدير ومن سبقه  ولحقه، ولكنه توجه إلى أصحاب النوايا الحسنة " مطالبا إياهم" أن يعملوا و يخبروا غيرهم أن الحكومة و القيادة العليا للجيش ينددان صراحة بالتعذيب..........و انه تقرر اتخاذ عقوبات جنائية و تأديبية و سيتواصل اتخاذ مثلها في حق الأخطاء المرتكبة التي لا مفر منها على المستوى الفردي.

"...... لا شك أن الحديث عن العقوبات، حديث شكلي طالما يعمد المسؤلون إلى بقاء هذه العقوبات المفترضة في نطاق السرية و كأنها غير خاضعة للقانون الجنائي. أما الرسالة الموجهة لأصحاب النوايا الحسنة في الامة الفرنسية، فهي تحمل، من خلال التنديد بالتعذيب، اعترافا واضحا بسريان ممارسته وهو اعتراف تدلي به الأوساط الرسمية الفرنسية لأول مرة، ليس في مجالس خاصة، كما حدث أحيانا، وإنما منشورا في صحيفة يقوم بتحريرها مساعدون مقربون من وزير الحرب.

وفي مكان آخر من الافتتاحية المذكورة، لا حظ كاتبها: " أن الجيش يسير وفق تقاليد جيوش الجمهورية " ولكنه لم يذكر أن جيش الغزو، في عام 1830 وما تلاه، كان خلافا لجيش " التهدئة " و منتصف القرن العشرين، لا يخشى الكلمات، فنشر ضباطه وجنوده بصفة رسمية العديد من المذكرات و الرسائل يتحدثون فيها بزهو المنتصرين عن قيامهم بقطع الأذنين واغتصاب النساء و الزج بالجزائريين في المغارات قبل تدخينها أو هدم المداشر فوق رؤوسهم ... إلخ.

 

 

 النازية أعلى مراحل الاستعمار في الجزائر

 في الحقيقة، كان جيش " التهدئة" يسير بسرعة متزايدة على طريق التحلل من القيم الجمهورية.

هذا ما أظهرته مشاركته في عدة حركات انقلابية، بدءا من عام 1960 على الخصوص.

وكشفت المجاهد في السنة التالية عن فحوى تقرير سري كتبه بعض الجنود الفرنسيين و يرمي إلى إثبات أن منظمة الجيش السري هي فعلا بنت الجيش الرسمي، جهاز ولد رحمه كمؤسسة قمع.

هذه المنظمة، التي انصهر بداخلها العسكريون و المدنيون اليمينيون المتطرفون، كانت تأوي، في نفس الوقت تشكيلة من الفرق المسلحة وحزبا سياسيا يجمع أنصار " الجزائر الفرنسية ". وكان هؤلاء يهتدون بمذهب معاد لتراث الجمهورية الديمقراطية. فضلا عن احتماء الرؤوس المدبرة بالحكم الفاشي القائم حينذاك في إسبانيا.كان نشطاء المنظمة داخل الجزائر لا يترددون، أحيانا، في إشهار تبنيهم للتصور النازي كليا أو جزئيا. وهو الأمر الذي لم يكن خاصا بالجنود البسطاء وصغار المستوطنين المغمورين، وإنما كان يمتد إلى كبار الضباط  وأصحاب الثروات الضخمة. إن مثال سالان وقودار وأرقو                وغيرهم من القادة العسكريين " الذين وجدوا في الفلسفة النازية و الفاشية بغيتهم  المنشودة  لأنها تنسجهم مع حقدهم العنصري ضد الشعوب المكافحة في سبيل استقلالها ومع رغبتهم في بناء كل شيء على أساس القوة العسكرية و الإرهاب و الاستبداد. إن طرق التعذيب بالكهرباء وحمام الاستحمام و الزجاجات ........ إلخ، مقتبسة من أساليب " الجستابو ". وأما عمليات القتل الجماعي و إعدام من يعتبرونهم رهائن و معسكرات الانتقال ومراكز التجميع والطرق التي اتبعوها في تشويه  

المناضلين عقليا و نفسيا لاستخدامهم كحواسيس وعملاء بعد ذلك وأساليب الدعاية وترديد الشعارات و الأكاذيب لترسخ بكثرة التكرار، كلها تطبيقات للأساليب النازية مع تكيفها مع الواقع الجزائري".

أما كبار المستوطنين، فقد سبق لبعضهم، على الأقل، أن رحب بانتصار القوات الألمانية على فرنسا، عام 1940، و بالتعاون مع حكومة بيتان، من منطلق لم يتغير طوال عقود حضورهم في الجزائر وهو استعدادهم للتحالف مع كل قوة تحمي امتيازهم.فعندما شرعت منظمة الجيش السري  في عمليات القتل و التفجير، لم يجد المحققون رسوما للصليب المعكوف على جدران الفيلات و القصور التابعة لهؤلاء فقط، بل عثروا أيضا على دلائل تورطهم المباشر:

" إن قائمة المدنيين الأوربيين الذين ألقي عليهم القبض مع مرتزقة اللفيف الأجنبي في حادثة اغتيال السيد غافوري   (محافظ الشرطة بالجزائر العاصمة) تشتمل على جماعة من أكبر الإقطاعيين و الرأسماليين الأوربيين في الجزائر. إن عائلات غوتيي و سالياج و لونغ و ديمازور تنضم الآن إلى عائلة بورجو التي آوت منذ أسابيع بعض المرتزقة الفارين من وجه العدالة.

وليس من قبيل الصدفة أن تكون هذه العائلات التي تسيطر على قطاعات هامة من الاقتصاد الجزائري هي نفسها التي كانت تتعاون مع النازية خلال الحرب العالمية الثانية"

هذا ما جعل صاحب المقال يعنون دراسته: النازية أعلى مراحل الاستعمار. أما خاتمته، فإنها أشارت إلى أن الشعب الجزائري هو الذي سيخلص فرنسا من خطر الفاشية الزاحف عليها عندما يخلص نفسه من الاستعمار الجاثم على صدره. فيتم بالتالي القضاء على مصدر القمع الوحشي، ومنه التعذيب.