Overblog Suivre ce blog
Administration Créer mon blog

كتاب جواسيس في مهام سرية /تاناما الجاسوس الياباني الذي

تاناما  الجاسوس الياباني الذي

قضى على القيصرية

الروسية

 

إن المعارك التي دارت بين اليابان و روسيا القيصرية ابتداء من عام 1904 حتى 1905 كانت بمثابة المنعطف التاريخي في حياة الشعب الروسي فلم تكن الثورة الروسية اليابانية لعام 1905 ثورة بين خصمين فقط بل إن انهزام الروس أمام اليابان كان له الأثر البليغ في قيام الثورة الأهلية، في روسيا و الإحاطة بالقيصرية هناك.

و مجيء طبقة البروليتاريا إلى الحكم، و نحن لسنا هنا في عرض تاريخي للثورات الشعبية و لا للأوضاع السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية، بل سنعطي لمحة وجيزة عن أهم الفترات الحربية و المعارك الطاحنة خلال أربع سنوات (سنة 1901 حتى 1905 ).

 

غرضنا في هذا المقال هو البحث عن السر الذي جعل اليابانيين يتفوقون على القوات الروسية في جميع المعارك التي دارت بينهما و بالضبط الدور الذي لعبه الجاسوس الياباني الذي ذاع صيته و بقي مثلا بطوليا في ذاكرة الأصدقاء و الأعداء على السواء إنه النقيب (تاناما) الذي استطاع تغيير مجرى الصراع و القضاء على القوات الروسية و بالتالي انتهاء النزاع بين اليابان و الروس. 

 

في 27 جانفي من عام 1904 هاجم الأسطول الياباني مرفقا بورت أرثر ARTHUR PORT)) دون إعلان الحرب. و دمر أسطولا روسيا ضخما في معركة غير متكافئة استمرت 45 دقيقة  و نزلت القوات اليابانية في كوريا ثم في منشوريا و في ماي من نفس السنة هاجمت القوات اليابانية الحامية الروسية قلعة بورث آرثر و دارت معارك طاحنة استمرت سبعة أشهر انتهت بسقوط القلعة في 20 ديسمبر من عام 1904 و قد فقد اليابانيون خلال هذه المعارك زهاء 110 آلاف بين قتيل و جريح، في حين بلغت خسائر الروس في الأرواح 35 ألف و بنهاية هذه المعارك أصبح اليابانيون يسيطرون على بحر البلطيق.

 

في شهر فيفري من عام 1905، حدثت معركة ضخمة بالقرب من (موكدن) هزمت فيها القوات الروسية هزيمة مريرة، إذ بلغت خسائرها 89 ألف جندي في حيه خسر اليابانيون 71 ألف جندي، و كانت خاتمة هذه المعارك معركة تشوشيما ((Tsushima البحرية و قد بلغت خسائر روسيا في معاركها مع اليابان نحو 270 ألف قتيل و جريح بالإضافة إلى تدمير جل أساطيلها البحرية الرئيسية. و مع حلول فصل الخريف لعام 1905 وقعت معاهدة صلح بين البلدين المتحاربين في قاعدة بورتسموت (Porth-Smouth) البحرية بالولايات المتحدة الأمريكية. و بفضل هذه المعاهدة انتهت الحرب الروسية اليابانية، حيث تعهدت فيها روسيا بالجلاء عن منشوريا، و التنازل عن القطاع الجنوبي لسكة حديد منشوريا و حصلت اليابان بموجب المعاهدة على النصف الجنوبي من جزيرة سخالين

((Sakhaline، و على ملكية الامتياز الروسي الخاص باستئجار جزيرة لياتونغ (Liao-Tung)

 

إن الإستراتيجيين العسكريين يرون أن انهزام القوات الروسية أمام اليابان في جميع معاركها يرجع إلى عنصر المفاجأة و المغالطة اللذان استطاع اليابانيون إتقانهما جيدا و هذا بفضل حنكة مخابراتها و تفاني المواطن الياباني من أجل بلده. و هي الصفة التي ينفرد بها الشعب الياباني عن باقي الشعوب أنه شعب يقدس بلاده إلى درجة الانتحار من أجل ذلك أصبح عادة حميدة لمن يتاح له ذلك. و قد انتشرت ظاهرة لدى اليابانيين و أصبحت لها أصولها و طريقتها الخاصة. التي تسمى (الهاراكيري) و هي عملية تتلخص في إدخال سكين في بطن المنتحر و تمزيق أحشائه بحركة زاوية قائمة، متحركا من مكان الطعن إلى اليسار ثم الرجوع إلى مكان الطعن ثم الصعود إلى أعلى البطن حتى الصدر. و من الأسباب التي تجعل الياباني يقدم على الانتحار هو المساس بقيمة الخلفية أو الوطنية، مثل الفضائح التي يتعرض لها الياباني و التي تمس سمعته و سمعة أهله و بلده.

 

و من بين القصص الواقعية التي تحمل أكثر من معنى بطولي هي قصة الجاسوس الياباني الذي رشف الموت و سقى الروس أشر الهزائم، و قضى على القيصرية الروسية، إن أمر هذا الجاسوس يحتاج إلى سرد كل خفاياه بالتفصيل، حتى يتبين لنا كيف أنه وصل إلى مقام الأبطال و كيف دمر القيصر الروسي الجاسوس هو النقيب (تاناما)، أرسل من طرف حكومته للعمل كملحق عسكري في السفارة اليابانية بسان بترسبورغ سنة 1901 بالاتحاد السوفياتي، و كان بالنسبة للروس أن كل ياباني يعتبر مشتبها. و عليه تكون المراقبة مستمرة له و هكذا كان (تاناما) مثيرا للريبة و الشك، و كان من مهمات المخابرات الروسية أن تراقبه مراقبة دقيقة. و كانت الحكومة الروسية على يقين أن بلادها على وشك الدخول في حرب مع اليابان و ستكون بالتأكيد حربا ضارية نظرا لتكافؤ القوتين، كما أن اليابانيين كانت لهم نفس الأحاسيس و عرف الروس من عيونهم في طوكيو ( المخابرات السوفياتية في طوكيو) أن وزارة الحربية اليابانية على إطلاع بالأسرار الروسية، مما يثبت أن هناك ثغرة في مكان ما في بترسبورغ، أما تاناما فله وسائله الخاصة لتوثيق صداقاته مع الناس و الضباط و الممثلات و الشخصيات الروسية، لكنه كان في الوقت ذاته مقامرا كبيرا إذ يقضي معظم أوقاته في القمار و المجون، و كان يخسر كل أمواله لكن تبقى الابتسامة عليه و كأن شيئا لم يحدث له، كان يبدو ثريا.

 

كانت المخابرات الروسية تراقبه في كل تحركاته و خلال السنة الأولى من إقامته في بترسبورغ لم يرتكب أي خطأ، يثير حوله الشبهة على الرغم من أنه كان يرافق ضباط روسيا و فتيات حسناوات في المدينة و ضواحيها، و ركزت المخابرات الروسية على علاقاته بالجنس اللطيف لأنه الخيط الوحيد الذي منه يمكن أن يقع في الفخ. و أثناء متابعة تاناما و مراقبته و في الوقت الذي لم تتمكن المخابرات الروسية من اكتشاف حقيقة أمره، توالت التقارير من السفارة الروسية بطوكيو تشير إلى أن الأسرار الروسية تتسرب و الحكومة اليابانية على علم بكل شيء. و بات من المؤكد أن هناك ثغرة في أجهزة الحكومة الروسية و أن الثغرة تتوسع و بشكل كبير، الشيء الذي أقلق كثيرا الحكومة الروسية، و دعاها لتجنيد مخابراتها لوضع حد لهذه الكارثة، و لم يكن أمام المخابرات الروسية إلا حلا واحدا هو البحث عن طريقة لطرد تاناما من البلاد لأن الروس اقتنعوا أن (تاناما) شخصية داهية و ماهرة لا يمكن كشف أسراره و لا يمكن أن يقع في الخطأ. و كانت المخابرات الروسية تتمنى أن لا يكون خليفته مثله. و عرفت المخابرات الروسية على أي وتر تلعب مع (تاناما) إذ أنها على يقين بأن عودته إلى بلاده لن تكون إلا بتلبيسه تهمة فضيحة لأنه لا يوجد شعب في العالم حساس و تحطمه الإساءة مثل اليابانيين.

 

كان" تاناما" صديقا حميما للممثلة "اليانيسكايا" و يبدو أن علاقتهما تطورت إلى درجة أنهما تحابا. و قد كانا لا يظهران إلا نادرا، لكن خلواتهما كانت مستمرة و اتصل أحد رجالات المخابرات الروسية بالممثلة اليانيسكايا و طلب منها مساعدتهم على طرد "تاناما" من البلاد و هددها بالموت في حالة رفض هذه المساعدة، و أبدت الممثلة حبها الكبير لـ "تاناما"  إلا أنها أمام التهديدات استسلمت للأمر الواقع و قبلت في النهاية مساعدته. و أعطى الروسي الممثلة الطريقة التي تنتهجها مع "تاناما" و في إحدى لقاءاتها معه التي كانت تتم ليلا، طلبت "اليانيسكايا" من حبيبها أن يتزوجها حالا طبعا كان رفضه تاما، و لكنه قدم لها الاعتذار على أساس أن الضباط اليابانيين لا يتزوجون بفتيات أجنبيات، و إذا تم ذلك سيطرد من خدمة بلاده، هذا في حد ذاته فضيحة لا تغتفر، ثم أضاف أنه متزوج في اليابان. و أمام إصرار"اليانيسكايا" قدم لها "تاناما" مالا مقابل أن تتراجع عن فكرة الزواج لكنها رفضته، و خيرته بين الزواج أو التشهير به. و هكذا وضع "تاناما" في وضعية حرجة للغاية و كانت المخابرات الروسية تظن أنه سيرحل مباشرة إلى اليابان و بالتالي يكونون قد ربحوا معركة معه. و كانت الممثلة على استعداد للتشهير به، إذ رتبت الأمور كما ينبغي، حيث تذهب "اليانيسكايا" إلى شقته و تمزق ثيابها و تصرخ بأعلى صوت. و يكون الصحافيون أول من يقتحم باب شقته و أمام هذه الحالة الصعبة لـ "تاناما" طلب من أحد رجالات من المسؤول عن الاستخبارات في عهد القيصر الكابتن "ياباوتسكي" أن يحضر حالا في شقة "تاناما" و ذهب "ياباوتسكي" و هو يعلم بالقصة من أولها ألم يكن أحد الرجالات الذين نسجوا القضية. كان "تاناما" صريحا للغاية مع "ياباوتسكي" و عند نهايته من اعترافه قال له "ياباوتسكي" أني على علم، فقال "تاناما" أتعلم ماذا سيحدث لو نفذت تهديداتها ؟ فأجاب "ياباوتسكي" : أنها فضيحة مخجلة حقا. و طلب "تاناما" مساعدة "ياباوتسكي"، ليعمل على تغيير أفكار" اليانيسكايا" و أجاب "ياباوتسكي" يبدو الأمر في غاية الصعوبة. سأحاول مساعدتك و لست أظن أني أقدر على ذلك، على كل حال، عليك أن تغادر البلاد.

 

و لم يتردد "تاناما" عن تأييده و استعداده للرحيل في أقرب الآجال. بل كان مستعدا أن يلبي كل طلبات المخابرات الروسية، الأمر الذي دعا هذه الأخيرة أن تطالبه بتزويدها بنسخ تبين موقف اليابانيين من الحرب كما طلب منه النقيب "ياباوتسكي" أن يعطيه نسخ تبين وضعية الجيوش اليابانية في بورث آرثر و في منشوريا الجنوبية و هكذا وجد "تاناما" نفسه رهن المخابرات الروسية فهو محكوم عليه بالرحيل من جهة و بالتعامل معها من جهة ثانية. لكن المخابرات الروسية كانت متخوفة جدا من أن تكون المعلومات التي يقدمها لهم "تاناما" كاذبة. و كان رد "تاناما" بالإيجاب حيث أبلغ  "ياباوتسكي" عن طريق " اليانيسكايا" أنه سيغادر البلاد خلال أسبوع و سيبعث له بنسخ من الخطط الرئيسية و أوامر التعبئة. و شكر كثيرا "ياباوتسكي" على مساعدته له.

و ترك "تاناما" بترسبورغ في صيف 1902 و كان النقيب "ياباوتسكي" في توديعه و كما كان متوقعا التحق بعد أسابيع قليلة ملحق عسكري جديد حل محل "تاناما" و كان هزيل الشخصية و محدود الذكاء.

و انهمك أعضاء المخابرات السوفياتية في الاستعداد لمواجهة حرب قد تقع في الشرق الأقصى و كانت الأحوال تتأزم بسرعة و هكذا كانت القطيعة بين "تاناما" و المخابرات الروسية لمدة ستة أشهر، و بالضبط إلى نهاية شهر ديسمبر من عام 1902 بعث "تاناما" طردا بالبريد الديبلوماسي عن طريق الملحق العسكري الروسي بطوكيو و كان رفقة الطرد رسالة من السفارة الروسية تقول أن صاحب الطرد أراد إرسال الرسالة إليكم مغلقة. كان الطرد يحتوي على خرائط و معلومات دقيقة و مفصلة، تبين العمليات اليابانية حول بورث آرثور كما تشير الوثائق إلى المواقع التي فيها الفرق العسكرية و كيفية توزيعها في المنطقة.

 

انعكف الخبراء الروس  على دراسة تلك الوثائق، و اكتشفوا التكتيك المذهل الذي تحتوي على تلك الوثائق و اختلف الخبراء في الرأي إذ قال بعضهم أن اليابانيين دقيقون حتى في خرائطهم المزيفة و قال فريق ثاني من يدري ربما تكون المعلومات التي وردت في الوثائق صحيحة. بعد ستة أشهر أخرى أي في صيف 1903 وصلت خرائط  بالطريقة نفسها، و فيها التفاصيل ذاتها و التكتيك الحربي نفسه، و لكنها هذه المرة كانت تتناول العمليات في جنوب منشوريا.

 

و تبين للإستراتيجيين العسكريين أنه في حالة صدق المعلومات التي وردت في الوثائق يتحتم تغيير جميع الخطط الروسية و قال آخرون أنه من العبث و الجنون أن نثق في "تاناما" و بعد ستة أشهر أخرى أي في شهر ديسمبر 1903 وصل طرد آخر يحتوي على وثيقة توضح العمليات اليابانية في نهر (يابو) و لم يعد بعد ذلك جدل و لا شك في صدق (تاناما) خاصة بعد وصول أخبار تشير أن "تاناما" قبض عليه متلبسا بسرقة الخرائط من وزارة الحربية اليابانية، و تسليمها للعدو. و أعدم رميا بالرصاص و أكد الملحق العسكري الروسي في طوكيو هذه المعلومات و صدقها. و على الرغم من ذلك بقي الشك يراود بعض أعضاء المخابرات الروسية لكن ذلك الشك ما فتئ أن زال بعد وصول أخبار تشير أن والد تاناما انتحر عندما سمع بالفضيحة التي ألحقها ابنه العاق بعائلته.

 

و لما أضحت الحرب على وشك الاندلاع بين روسيا و اليابان، لم يجد الخبراء و الاستراتيجيون الروس بدا من الانعكاف على دراسة الخرائط التي وصلتهم من الجاسوس الياباني "تاناما" و كان من بين المقتنعين بهذا الإحساس النقيب "ياباوتسكي" المسؤول عن علم المخابرات الروسي آنذاك.  أما الضباط الآخرون، فكانوا غير مقتنعين بمصداقية "تاناما" حتى اللحظات الأخيرة من قيام الحرب إذ بقي الشك يراودهم حتى آخر لحظة. و في فيفري من عام 1904 أعلنت الحرب بين البلدين، انتهت بانهزام الجيوش الروسية و سقوط مئات الآلاف من الجنود الروس، وكانت معركة (نهر بالو) هي الفاصلة في تاريخ العالم بالنسبة للروس، إذ بموجب ذلك أبرمت معاهدة لوقف القتال و نهاية الحرب كما ذكرنا ذلك في بداية المقال.

 

لكن الذي ترتب عن ذلك الانهزام لم يكن في الحسبان إطلاقا حيث قامت انتفاضة داخل روسيا القيصرية عصفت بالقيصر نفسه و لم تخمد الغليان و السخط الشعبي (طبقة البروليتاريا، و الفلاحين) إلا بسقوط حكومة القيصر نيقولا الثاني و حاشيته.

و على الرغم من أن الروس كانوا على إطلاع بخطط اليابانيين في حروبهم معهم و أن "تاناما" كان قد زودهم بها إلا أن الشيء الذي حدث هو أن اليابانيين كانوا يستعملون عنصر التفوق العددي في مواجهة القوات الروسية، فما أن تحاول مثلا الفرقة الروسية مهاجمة مركز ياباني معين غلا و تجد أمامها فرقتان يابانيتان و هكذا انتهت المعارك و خاصة معركة نهر بالو، بفرار الجيوش الروسية كما فقدوا 50 % من جنودهم في حين لم يسقط من الجيش الياباني سوى 2,5%  و أمام هذا الوضع الخطير لم يعد الوقت متاح لمراجعة الخطط الروسية و توالت الهزائم و خسر الروس معاركهم ضد اليابان.

 

أما حقيقة الضابط الياباني "تاناما" فكان بحق أعظم بطل وطني في اليابان و هذا بشهادة المواطنين الضباط الذين اعترفوا بأن نهاية قصته كانت من أروع البطولات التي عرفتها بلد الشمس المشرقة، و فعلا منحه الإمبراطور هو و عائلته رتبة الشمس المشرقة من الدرجة الثانية. و هذا مقابل أنه أعدم بتهمة جاسوس خائن، لكن رغبة منه للتشهير به و من ثمة ينخدع الروس. إنه حقا لشرف عظيم.

 

 

Voir les commentaires

كتاب جواسيس في مهام سرية /الجاسوس الذي تحدى الجنرال الفرنسي ديغول

الجاسوس الذي تحدى الجنرال الفرنسي ديغول

 

 

 

ليس هناك أي سبب بسيط يدعونا للشك في أن التفوق العسكري خاضع لمدى فعالية و كفاءة الاكتشافات العلمية الجديدة. و التاريخ خير شاهد على ما ندعيه فصواريخ » ف2« الألمانية التي اعتبرت من طرف الخبراء العسكريين تطويرا بعيد المدى للمدفعية الثقيلة، لعبت دورا بارزا في التعجيل بانتهاء الحرب العالمية الثانية. و شجعت جانب دول الحلفاء على استخدام التفجير النووي الذي لم يدع أي أمل لدول المحور لمواصلة الحرب. و قد كانت إسرائيل من الدول السباقة للبحث المستمر من أجل ترسيخ هذه الأفكار و العمل الدؤوب لتحويلها إلى واقع ملموس بشتى الطرق، فوق ارض فلسطين و لهذا الغرض بالذات لعبت الاستخبارات الإسرائيلية دورا أساسيا في تدعيم فكرة التفوق العسكري في المنطقة، و ذلك بمختلف الطرق الشرعية منها و غير الشرعية. الأمر الذي جعل إسرائيل قوة عسكرية لا يستهان بها في ظرف قصير من الزمن. و ما من شك في أن الاستخبارات الإسرائيلية تأثرت بظروف إنشاء دولة إسرائيل الصغيرة الحجم و بمحدودية عمقها الإستراتيجي.

 و إحاطتها بدول معادية كثيرة تفوقها في معظم القوى البشرية بدرجة كبيرة. و لذلك كان لزاما على القادة الإسرائيليين إعطاء الاهتمام الخاص لضمان تواجد أجهزة استخبارات *معقدة و على درجة عالية من الكفاءة مع توفير الإمكانات البشرية و التكنولوجية المتقدمة لها، لكي تضمن بقاء الدولة الإسرائيلية و تحقيق أهداف الصهيونية العالمية و إسرائيل وفق هذه القناعة، تعد اليوم، كما كانت بالأمس من الدول الرائدة في إتقان عمليات السطو و سرقة تكنولوجيات الطيران المتقدمة و المخططات الخاصة بطائرة الميراج التي حولت إلى إسرائيل عن طريق جاسوس سويسري يعمل لصالح المخابرات الإسرائيلية لخير الدليل على ذلك.

 

قبل بداية حرب 1967اشترى اليهود خمسون طائرة من نوع ميراج الفرنسية التي تتميز بفعاليتها و كفاءتها الهجومية و قدرتها الكبيرة على المناورة، و اطمأنت الحكومة الإسرائيلية و لو مؤقتا من الخطر الذي يهددها و المتمثل في الجيوش العربية التي كانت في تلك الفترة بالذات تتكاثر و تتدعم بأسلحة دفاعية و هجومية خطيرة و التي دخلت في حقيقة الأمر في سباق التسلح مع الحكومة الإسرائيلية.

 

في جوان من عام 1967 صرح الجنرال الفرنسي شارل ديغول بفرض حظر تصدير الأسلحة الهجومية لإسرائيل، و اعتبر الخبراء العسكريون هذا التصريح بمثابة ضربة قاضية لإسرائيل و حكم مسبق للنتائج الوخيمة التي ستمنى بها في حالة نشوب حرب بينها و بين جيرانها العرب الذين أعدوا العدة للدخول في تلك الحرب الشرسة هذا من حيث الجانب الإستراتيجي، أما من حيث الجانب التكتيكي فإن الخبراء العسكريين في إسرائيل و مصر على السواء اقتنعوا بأن الذي يبادر بالهجوم هو الذي سيكسب المعركة بكل تأكيد. فلا مصر و لا إسرائيل تستطيع تحمل الضربة الأولى.

 

و من ثمة كانت طائرة الميراج الفرنسية التي حصلت عليها إسرائيل، أهم الأسلحة الهجومية الفعالة آنذاك. لكن المشكلة بالنسبة لإسرائيل في تلك الظروف الصعبة هي ضمان قطع الغيار الخاصة بهذه الطائرة و مما زاد الطين بلة هو قرار الرئيس الفرنسي الجنرال ديغول السابق الذكر فلم يكن أمام إسرائيل إلا حلا واحدا هو العمل للحصول على قطع الغيار و لو بطرق غير شرعية. و هكذا أسندت هذه المهمة لرجال الموساد الذين ألفوا إ نجاز مثل هذه الأعمال.

 

لقد علم رجال الموساد أن سويسرا هي الأخرى قد تحصلت على عدد لا بأس به من طائرات الميراج الفرنسية و أن شركة » داسو « الفرنسية يوجد فرع منها بسويسرا و عليه كانت أول خطوة قام بها رجال الاستخبارات الإسرائيلية هو زرع عميل لهم من أجل أن يحول لهم قطع الغيار لبلدهم.

 

وقع الاختيار على مهندس يعمل في شركة » الإخوان زولستر« و الخاصة بصناعة الطائرات المقاتلة

كان العميل السويسري الأصل اسمه »  ألفرد فرا ونكشت « يعمل مراقبا للمشروع المبرم بين الشركة السويسرية المذكورة و شركة » داسو « الفرنسية و قد وقع  الاختيار عليه لكونه متعاطفا مع اليهود إلى أبعد الحدود، بل كان يرى أن اليهود مضطهدون من طرف شعوب العالم، و أنهم أقلية سلبت منهم أرضهم و شردوا في أنحاء العالم.

 

اندلعت الحرب بين إسرائيل و ومصر وسوريا سنة 1967 دون أن يتوصل الجاسوس السويسري فرا ونكشت إلى تقديم المساعدة لإسرائيل، لكن نتيجة الحرب التي كانت لصالح إسرائيل بعثت فيه الأمل من جديد لمواصلة البحث عن حل المعضلة. قطع الغيار الخاصة بطائرة الميراج التي برهنت على أنها سلاح فعال، بل اعتبر الخبراء الإسرائيليون أن انتصار إسرائيل يعود إلى امتلاك القوات الإسرائيلية لطائرة الميراج، يعود إلى امتلاك القوات الإسرائيلية لطائرة الميراج،( بينما يرى الخبراء العسكريون في بريطانيا أن القنابل التي استعملتها إسرائيل و الخاصة بتدمير الممرات و المطارات المصرية و التي استعملت لأول مرة على أرض مصر و هي من صنع أمريكي هي التي أكسبت إسرائيل حرب جوان 1967) و على الرغم من أن الحرب انتهت بين إسرائيل و العرب إلا أن الجنرال ديغول بقي متمسكا بقراره الأول و الخاص بمنع تصدير قطع الغيار لإسرائيل و أصبح أمام فراونكنشت متسع من الوقت للبحث عن وسيلة للحصول على قطع الغيار.

 

في ديسمبر من عام 1967 شارك فراونكنشت كممثل لشركة » الاخوة زولتسر«  السويسرية في المباحثات التي عقدت خصيصا بين أعضاء الدول التي تملك طائرة الميراج من أجل تطويرها و تحسينها و الاستفادة من الخبرة الإسرائيلية التي اكتسبتها في حرب الأيام الستة. و الشيء الذي لاحظه فراونكنشت هو الارتياح الكبير للحكومة الفرنسية لما حققته طائرة الميراج  من قدرة قتالية عالية في الميدان. و تحمس فراونكنشت خلال هذا اللقاء، و كانت تدخلاته هادفة و إيجابية.

 

و لو يكن فراونكنشت ليفعل ذلك مجانا بل كان يهدف من وراء ذلك كسب ثيقة الحكومة الفرنسية و التأثير عليها لتغير رأيها إزاء قرار جينرال ديغول و انتهت المباحثات في ذلك الاجتماع دون اصدار أي توصية بشأن رفع حضر الأسلحة الهجومية لإسرائيل و كان هذا الموقف الفرنسي بمثابة  صاعقة وقعت على رأس فراونكنشت. و اعتبر ذلك انتهاكا صارخا لقواعد العدل و الإنصاف.. بل و أن العملية أصبحت بمثابة الحجز الكامل لخمسين طائرة من طرف فرنسا للحكومة الإسرائيلية. و هذا معناه أن الأمة الصغيرة في خطر.

 

و بدأت الترتيبات الأولية لجلب قطع الغيار من فرنسا إلى سويسرا في نهاية عام 1967. إذ اتصل رجلان إسرائيليان ينتميان للمخابرات الإسرائيلية بـ» فراونكنشت« و طلبا منه، إن كان في استطاعته تزويد بلادهما بقطع الغيار الخاص بطائرة الميراج، على أساس أنه مهندس بشركة » الاخوة زولتسر« السويسرية و له علاقات حميمة مع مسيري شركة  »داسو« الفرنسية التي تشرف على صناعة طائرة الميراج بسويسرا، و كان جواب فراونكنشت الأولي أن نصح الإسرائيليين بأن يبلغوا الحكومة في تل أبيب كي تتصل بالحكومة السويسرية، من أجل مساعدتها في الحصول على قطع غيار الميراج. و وعدهما أن يعمل كل ما وسعه من أجل إقناع رؤسائه، و تمت فعلا الاتصالات بين الحكومتين،السويسرية  و الإسرائيلية في سرية تامة، لكن كان رد السويسريين بالنفي، و عاد الإسرائيليين من حيث انطلقوا.

 

لقد اقتنع رجال الموساد أن الحل بيد فراونكنشت، وعليه لابد من التأثير عليه و إغرائه، و كان قصد الموساد بعملائهم في أوربا فراونكنشت للتفاوض معه، و هذا في بداية أفريل من عام 1968. الرجلان هما العقيد "الكولونيل تسفي ألون" و الكولونيل " نحميا كاين" اللذين التقيا به في فندق الأمبسادور في زوريخ، و قدما إليه باسمين مستعارين، فعرضا عليه قضيتهما مرة أخرى. و لم يقطع فراونكنشت أية وعود على نفسه و أجابهم بمثل ما قاله في لقائه الأول قبل خمسة أشهر. و عاد العميدان بآمال ضئيلة لأن عميلهم السويسري الناطق باللغة الألمانية لم يعطيهم أية آمال جديدة، ما عدا وعده السابق ببذل كل ما في وسعه لإنجاز المهمة، و قد انقضت عدة أسابيع دون جديد.

 

و ذات يوم رن جرس الهاتف في السفارة الإسرائيلية بباريس و ردت العاملة، فطلب منها الرجل أنه يريد التحدث إلى الكولونيل ألون تسفي، فقالت العاملة أنه يوجد ببيته و يمكنك أن تتصل به غدا. و أصر على الاتصال به فورا دون تأجيل المكالمة، و عندما أوصلت العاملة بمنزل الكولونيل فرفع هذا الأخير السماعة، و إذا به يسمع جملتين موجزتين » أنا ألفرد فراونكنشت أريد مقابلتك بأسرع ما يمكن و شكرا« و انقطعت المكالمة.

 

كانت تلك المكالمة بالنسبة لرجال المخابرات الإسرائيلية في باريس بمثابة إعلان حالة الطوارئ، فبعد ساعات فقط في الليل كان خبر المكالمة قد وصل رجال الموساد في تل أبيب و روما و باريس.

 و خرج ألون تسفي بسرعة لكي يلحق بإحدى الطائرات المتجهة إلى زوريخ، كما اتجه في اللحظة نفسها زميله الكولونيل الموجود بروما للالتحاق بألون تسفي بزوريخ.

 

و كم تسائل الضابطان الإسرائيليان و هما في طريقهما على زوريخ عن سبب هذه المكالمة فهل يا ترى قد وجد فراونكنشت طريقة للحصول على قطع الغيار أم أنه استطاع أن يقنع رؤسائه لتزويد إسرائيل لقطاع الغيار التي تحتاجها إسرائيل و بعد ساعات قليلة التقى فراونكنشت بالعقيدين ألون و نوحمية في فندق الأنبسادور كما كان متفق عليه و كان يبدو على فراونكنشت هدوء تام في مقابلته لهما، بينما كان الضابطان الإسرائيليان لا يقويان على الجلوس و لا التركيز في أي شيء، كانا يتلهفان بفارغ الصبر سماع الخبر الذي طالما حلما به.

 

أدرك فراونكنشت كل ما يدور في ذهن العقيدين و قبل أن يتفوه بكلمة أمرهما بالخروج من الفندق و دون أن يستفسر الضابطان عن السبب. خرج الثلاث و استقلوا سيارة أجرة و طلب فراونكنشت من السائق أن يتجه بهم إلى حي معين بزوريخ. و كان الضابطان يعرفان أن ذلك الحي غير محترم، و لا يليق برجال الدولة المسؤولين. و كان هذا هو قصد فراونكنشت، لأن ذلك المكان بعيد عن أعين المسؤولين و لما وصلوا اتجهوا إلى إحدى المقاهي هناك فانزووا بها، و بادر فراونكنشت بفتح الكلام دون أية مقدمات قائلا :

» إنكم تضيعون وقتكم سدى في البحث عن قطع الغيار و بإمكاني أن آتيكم بالميراج بتمامها« و رد الكولونيل ألون في الفور:» مستحيل، كيف نتمكن من سرقة طائرات الميراج السويسرية و هي توجد داخل مستودعات لها أبواب معدنية سميكة للغاية، باستطاعتها الصمود حتى أمام الانفجارات الذرية.

و على كل حال حتى لو كان الأمر ممكنا لا توجد بين إسرائيل و الحكومة السويسرية خصومات.

 

استمع فراونكنشت جيدا لكلام ألون و عرف أنه أخطأ تقديره، و قال » أتظن أنني أخون بلدي و أخرج طائرات الميراج من سويسرا هذا غير معقول، أنا لست خائنا « عندما تبادل الضابطان النظرات بينهما و شعرا بخيبة أمل كبيرة إذ فهما أن لقائهما هزاء ضياع للوقت فقط. و فهم فراونكنشت ذلك و واصل الكلام قائلا : » إنني أفكر في مخططات الميراج التي تمكنكم من صنع الطائرة بأكملها على أرض فلسطين لأنني أعرف السيد "آل شفيمر" رئيس صناعة الطيران الإسرائيلية و أعلم أنه قادر على صنع مثل هذه الطائرة الهجومية المتطورة، و لكن الأمر سيستغرق سنوات من أجل تصميم واف للطائرة و إقامة مصنع لإنتاجها، و على هذا الأساس أبحث عن وسيلة لاختصار الوقت و مساعدتكم للتوصل إلى صناعة هذه الطائرة بأسرع ما يمكن في غضون أشهر معدودة فقط..« و الحل الوحيد لبلوغ هذا الهدف، كما رآه فراونكنشت،  يتمثل في الحصول على مخططات الطائرة، و إرسالها للخبراء في إسرائيل. اندهش الضابطان الإسرائيليان للفكرة الرائعة التي توصل إليها عميلهما فراونكنشت فأخذا يسترقان السمع إليه و قد استطرد قائلا يقول : » أنا لا أفعل هذا مقابل المال، و إنما أقوم به لمساعدتكم و لأنني أعتبر قضيتكم عادلة، و أنبهكم أن الطريقة التي سوف أعرضها عليكم محفوفة بالمخاطر. لتعلما أن مخططات طائرة الميراج تكفي لملئ عربة قطار كاملة. و لنقل كل هذه الكميات يكون على فترات عديدة و بالتالي فإن المهمة كما ترون صعبة ..« ثم عرض فراونكنشت الحل قائـلا : هذه المخططات قديمة و من المفروض أنها ستحرق في المحرقة الرسمية، إلا أنه سيسلمهم إياها بدل إحراقها. لكن المشكلة تكمن في أنه من الضروري حرق أوراق في المحرقة لإتاحة فرصة كتابة محضر عنها. و قال فراونكنشت أنه سيشتري وثائق قديمة من إحدى الدوائر الحكومية و يقوم بحرقها بدل المخططات و أنه سيستأجر مستودعا خاصا به و فريب له، بحيث تنقل كل المخططات و الوثائق القديمة إلى هذا المستودع و يتم استبدالها. و تذهب المخططات إلى إسرائيل و الوثائق القديمة إلى المحرقة و مما زاد في تعجب الضابطين الإسرائيليين أن لقائهما انتهى و لم يضع فراونكنشت أية شروط و لا ضمانات، لأن الإسرائيلي بطبعه لا يعرف مثل هذه الخدمات المجانية فالمادية ضارية أطنابها منذ عهد موسى عليه السلام في الإنسان الإسرائيلي.

 

إن فراونكنشت يعد شخصية بارزة في الأوساط السويسرية و له علاقات حميمة مع كل المسؤولين و يتمتع بثقة كل من حوله بما فيهم ضابط الأمن المحترف البارع الذكاء الذي يمكن أن يشك في كل الناس إلا فراونكنشت. و أعد فراونكنشت خطته على نحو لا يستدعي أي انتباه خاصة و أنه الذي تتحدث عنه التقارير السرية قائلة » يمكن الاعتماد على هذا الرجل تماما، و حياته الشخصية و المهنية بريئتان من العيوب و هو مواطن مخلص لوطنه و زوج وفي لعائلته، و موظف نقي الوجدان يذهب إلى السكينة بانتظام و يثق به المستخدمون في كلا الجانبين، الفني و المالي، و لهم ثقة مفرطة به، بمثل هذه المؤهلات التي لا يرقى إليها الشك شق فراونكنشت طريقه نحو بلوغ هدفه.

 

خطته في ذلك بسيطة للغاية، إذ استأجر مستودعا يقع في الطريق الذي يصل بين المصنع الذي توجد به المخططات و محرقة المدينة. كما طلب من إحدى الشركات بـأن تصنع له صناديق من الورق المقوى شبيهة بالتي تحتوي مخططات طائرة الميراج. و هذه العملية كان قد أنجزها بشهور قبل بداية نقل المخططات لإحراقها. الخطوة الثانية التي قام بها فراونكنشت هو البحث عن أوراق قديمة كي يضعها مكان المخططات، و قد علم أن المكتب الفدرالي السويسري يريد التخلص من الأوراق التي بقيت لديه مدة تزيد خمسين عاما . و تقدم فراونكنشت إلى المكتب الفدرالي على أساس أنه تاجر أوراق و مسودات. و هكذا تم شراء الأوراق القديمة و استغرق نقل تلك الأوراق عدة أسابيع، لأنه كان ينقلها بنفسه على متن سيارته الخاصة إلى المستودع. و كان يقوم ابن عمه في الوقت ذاته بملء الصناديق الفارغة بالأوراق القديمة هكذا كانت الخطة بسيطة، حيث يقوم سائق الشاحنة التي تنقل صناديق المخططات من المصنع إلى المحرقة بالدخول إلى المستودع و هناك يفرغ صناديق المخططات التي تخص تصاميم  الميراج  و يشحن العربة بدلها بصناديق الأوراق القديمة ليصلها إلى المحرقة.

 

و الجدير بالذكر أن فراونكنشت و ابن عمه كانا قد تدربا على هذه الخطة عدة أسابيع و تحسبا للوقت اللازم لإتمام العملية و الظروف التي تتم فيها، فوجدا أن العملية لا تتعدى خمس دقائق و بالتالي فلا يستطيع أحد أن يشك فيهمـا، سواء الذين يراقبون المحرقة أو المصنع، و أن الوقت الضائع بسيط لا يلفت الانتباه. و هكذا سارت العملية على أحسن ما يرام . و كان الجميع رضي بما يقوم به فالمكتب الفدرالي مرتاح لأنه تخلص من الأوراق القديمة، التي كانت تشغل حيزا كبيرا في المكان، بعد أن أحرقت. و فراونكنشت كان جد مسرورا لأنه كان قد تحصل على مجموعة كاملة لمركبات طائرة نفاثة متطورة ، مقاتلة و قاذفة. بعد مرحلة تغيير الصناديق في المستودع تأتي المرحلة الصعبة و الأكثر خطرا، لأن الصناديق الموجودة في المستودع من الصعب نقلها إلى إسرائيل، و عليه كان على فراونكنشت إيجاد حل لها، و كان الحل هو نقل كل يوم سبت عدد من تلك الصناديق التي تحتوي على مخططات إلى مستودع يوجد بمنطقة صناعية تبعد عن المستودع الأول بحوالي خمسون كلم باتجاه الحدود السويسرية الألمانية، و قد اختار فراونكنشت يوم السبت بالذات، لأنه يوم عطلة و يناسب عمليات الإخفاء من أعين الملاحظين و المراقبين.

 

كان فراونكنشت قد تعرف إلى شخص ثالث يدعى "هانس شتيركر" الذي سبق و أن اشتغل لمدة سنة لدى شركة "روتستنغر" السويسرية.

و رغم المدة القصيرة التي عمل لها كمسير و أصبح ذا سمعة طيبة على طول الحدود السويسرية.

و هكذا تحصل فراونكنشت على سائق له طابع مميز و فور استلام هانس إشارة فراونكنشت انطلق بسيارته إلى المستودع الموجود بالمنطقة الصناعية، حيث يقوم بشحن الصناديق الملأى بمخططات الميراج لأنه معروف لديهم بالرجل الودود المتعاون، بل كان يقدم لرجال الجمارك الخدمات المختلفة سواء في سويسرا أو في ألمانيا، و هكذا يعبر شتريكر الحدود دون أن يوقفه أحد أو يتعرض للتفتيش و فور دخوله الأراضي الألمانية يتجه إلى مدينة شتوتغارت، و قبل بلوغه المدينة، كان ينحرف عن الطريق ليمضي صوب مطار صغير توجد به طائرات صغيرة خاصة بأغنياء المنطقة و خلال دقائق تشحن الطائرة مخططات الميراج في أحد الطائرات ذات المحرك المزدوج ثم تطير الطائرة في اتجاه جنوب إيطاليا، و هناك يتم تحويل المخططات إلى طائرة إسرائيلية و في صباح كل يوم أحد تحط الطائرة في إحدى المطارات بإسرائيل ليتم تفريغها و تحول المخططات مباشرة إلى مصانع الطيران الإسرائيلية. كانت أول شحنة من المخططات الخاصة بطائرة الميراج و التي بعثها فراونكنشت قد وصلت إلى إسرائيل في الخامس أكتوبر من عام 1968و إبتداءا من ذلك اليوم أصبحت المخططات تصل كل أسبوع بانتظام. و كان فراونكنشت يحتاج إلى سنة كاملة أو أكثر ليحول كل صناديق المخططات إلى إسرائيل. و في أواخر سبتمبر من عام 1969نقل فراونكنشت الشحنة الأخيرة من المخططات إلى مستودع المنطقة الصناعية رفقة ابن عمه فقاما بتفريغها كالعادة ثم قفلا عائدين، و في الطريق قال فراونكنشت لابن عمه » الآن أستطيع أن أنام مرتاح لأول مرور بعد سنة كاملة من الأرق و الخوف« و لم يكن حيتها يعلم أن زميله هانس كشف أمره و أمر بالقبض عليه، بتهمة تكريس الصناديق في سيارته. لقد كشف على »هانس شتريكر« بعدما تفطن أحد المارة إلى تردد الشخص نفسه كل يوم سبت على المستودع نفسه. فأبلغ الرجل المتسكع صاحب الشركة التي تضم المستودع، بأن هناك رجل يأتي كل يوم سبت و يدخل إلى المستودع و يقوم بشحن صناديق في سيارته الخاصة.

 

و عندما علم رؤساء الشركة ذلك الخبر الغامض، قرروا البحث في الموضوع و كلف رجلان بمراقبة المستودع و انتظروا يوم السبت صباحا في الأمر و في صباح يوم السبت أوقفا سيارتهما على مبعدة من المستودع و كان اندهاش الرجلين عندما تحققا من أن الرجل الغريب هو »هانس شتريكر«  المخلص الذي عمل لديهم سنة تقريبا، ثم شاهداه يضع الصناديق في صندوق سيارته، و ما أن رآهما قادمين نحوه حتى وثب إلى السيارة و انطلق بها بأقصى سرعة. و دخل الرجلان المستودع و لم يجدا به إلا صندوقا واحدا تركه وراءه و قرر الرجلان فتح الصندوق، و كانت أول عبارة مكتوبة داخل الصندوق هي       »سري  للغاية ملك للدائرة العسكرية السويسرية«  

 

اتصل الرجلان مباشرة بأقرب مركز للشرطة و ماهي إلا ساعات معدودة حتى عم خبر »هانس شتريكر« في أنحاء البلاد و أصدر أمر بالقبض عليه. لكن بعد مدة قصيرة كان هانس قد حلق فوق جبال الألب على متن طائرة سيسنا الصغيرة. و منذ ذلك الحين لم يعثر أحد على شخص اسمه »هانس شتريكر« .

 

بدأت التحقيقات في كيفية وصول مخططات الميراج السرية إلى أيدي هانس بعد نزعها من المحرقة. و كيف وصلت إلى مستودع الشركة. و استغرق البحث أيام معدودة قبل أن توجه أصابع الاتهام إلى ألفرد فراونكنشت. و سمع فراونكنشت خبر هانس الذي انكشف أمره لكن فراونكنشت بقي يعمل كالعادة، دون أن يتأثر و تحقق رجال الاستخبارات السويسرية من أن فراونكنشت كانت له اليد في إيصال مخططات الميراج إلى هانس و بذلك تم القبض عليه و هو في العمل بإحدى المطارات العسكرية السويسرية، و لما بدأ التحقيق معه هدد فراونكنشت رجال المباحث بأن يخبر الحكومة الفرنسية عن ضياع مخططات الميراج إذا لم يطلقوا سراحه. و لم يتراجع فراونكنشت عن موقفه هذا حتى بعد اعترافه بمساعدة إسرائيل للحصول على تلك المخططات بقي مصرا على تهديد رجال المباحث بأنه سيطلع الحكومة الفرنسية عن هذه الفضيحة و سوف تتخذ الحكومة الفرنسية عقوبات قاسية ضد سويسرا.

 

لكن رجال الاستخبارات قرروا تقديمه للمحكمة. و هناك اعترف فراونكنشت بأنه ارتكب جريمة من الناحية القانونية لكن من الناحية الأخلاقية و الأدبية فلا جناح عليه، لأنه لم يلحق أي ضرر بسويسرا. و هو قام بهذه الخدمة لصالح إسرائيل التي يرى فيها الشعب القليل المضطهد من طرف شعوب العالم. و بقي فراونكنشت في السجن لمدة 18 شهرا قبل أن يصدر في حقه الحكم النهائي و عومل خلال هذه المدة على انه ليس بمجرم فيسرت له مهمة التنظيم و الإشراف على المكتبة في السجن. و بعد المحاكمة كان الحكم أربع سنوات و نصف سنة مع الأشغال الشاقة و ذلك في 23 أبريل 1971. حيث اتهم بجريمة التجسس الصناعي و إفشاء الأسرار العسكرية السويسرية.

و قضى فراونكنشت حكمه في سجن "بازل" فواصل فيه إعادة تنظيم مكتبة السجن و قرأ فيها قدرا كبيرا من المطبوعات.

 

و في أكتوبر أي بعد حوالي سبعة أشهر من بدء تنفيذ حكم السجن ، لاحظ خبرا صغيرا في الجريدة، يتحدث عن أول طيران تجريبي تقوم به طائرة إسرا

Voir les commentaires

كتاب جواسيس في مهام سرية /حرب الجوسسة بين العراق و أمريكا

 

حرب الجوسسة بين العراق و أمريكا

حرب الخليج هل هي انتصار لصدام الحسين؟

 

منذ 38 عاما كان صدام حسين لاجئا سياسيا في مصر، و كان عمره آنذاك 22 عاما، كان طالبا في جامعة القاهرة، فعاش فيها معارضا للنظام الحاكم في العراق و الذي كان قلبا و قالبا في حضن اللوبي الأمريكي.

لقد كان صدام حسين ناشطا ضد التدخل الأمريكي في العراق و استطاع انشاء كتلة قوية من الطلبة العرب، خاصة بعد التحاقه بكلية الحقوق،حيث كان يفضل قضاء معظم أوقاته في نادي الترسانة ، و كانت مصالح الأمن المصرية (المخابرات) تراقب تحركاته، حيث اتهم مرة بحيازة أسلحة دون ترخيص، و مرة باطفاء سيجارة على خد فتاة مصرية كانت عضوة في حزب البعث، و مرة أخرى باتلاف ممتلكات في مقهى الساحة بالدقي خلال مشاجرة مع طالب يدعى أنور سالم.

 

كان صدام حسين شديد اليقظة و حريص من أن يرسل الرئيس العراقي السبق عبد الكريم قاسم إليه أشخاصا لاغتياله في القاهرة.... و حقق في معارضته للسياسة العراقية آنداك عدة انتصارات وضعت الولايات المتحدة و أجهزتها المخابرتية في حرج دائم.

لقد كان صدام حسين في منفاه عراقيا و وطنيا حتى النخاع، و صحى كثيرا من أجل تجنيد الوطنيين العرب ضذ التواجد الأمريككي البريطاني و عميلتهما "اسرائيل" بالشرق الأوسط، و ضذ الأنظمة العربية المتخاذلة. فاستمر نضاله لغاية توقيف الرئيس العراقي الأسبق عبد الكريم قاسم و اعدامه بتهمة الخيانة العظمى للوطن، فعاد صدام حسين إلى بغداد ، و واصل نضاله حيث أصبح بعد ذلك رئيسا للعراق و اهتم كثيرا  بالبحوث العلمية في مختلف الميادين و المجالات من أجل اخراج العراق من قبضة النفوذ الغربي و الشرقي، و ظلت الولايات المتحدة و مخابراتها تلاحق نظام صدام حسين و تسجل الهزائم في محاولاتها لإزاحته فكانت العامل ى الرئيسي لتدبير الفتنة (الحرب) بين العراق وايران و دفع الكويت الذي ساعد المخابرات الأمريكية في لعبتها القذرة. و كانت أمريكا تحاول إضعاف ايران و العراق. لأنهما يشكلان خطرا على الكيان الصهيوني. و كانت أمريكا تدرك جيدا أن الكويت هو في الحقيقة و الواقع الولاية 19  للعراق، لكن أمريكا دفعت مرة أخرى الكويت إلى عدم الاستجابة للمطالب العراقية فيما يخص تخفيض انتاج البترول أو الرفع من سعره.

فرغم ذلك لم يسقط صدام حسين من السلطة، و هذا ما ترك وكالة المخابرات الامريكية تغير من أساليبها، و تتجه نحو المقربين من صدام حسين و بالخصوص من الوسط العائلي و نذكر على سبيل المثال قضية كامل.

في هذا الصدد ، قام الملك الأردني حسين بمهمة سرية لإبلاغ المسؤوليين المصريين قبل هروب حسين كامل بأسبوع أن الولايات المتحدة أبلغته بأنها لن ترفع الحصار عن العراق حتى و لو دمر كل أسلحة الدمار الشامل و نفذ حرفيا جميع قرارات الأمم المتحدة   و مجلس الأمن و أن الحصار سيتواصل على العراق طالما أن صدام حسين موجود في السلطة، لأن الولايات المتحدة لها معه حسابات قديمة، فقد كان السبب في اسقاط رجالات أمريكا في الشرق الوسط.

و بتاكيد المخابرات الأمريكية CIA للملك حسين صديقهم بأنه لا رفع للحصار في ظل وجود صدام كان هذا أحد الاعتبارات الأساسية التي بنى عليها الاقتراح بالرحيل السلمي لصدام حسين و موافقة القاهرة على استضافته كلاجئ سياسي مرة أخرى، تلبية فلرغبة المريكان و "اسرائيل" و بريطانيا.

و قد أبلغ الأردنيين بأن الولايات المتحدة لم تتمكن فقط من تجند حسين كامل و صدام كامل صهري صدام حسين و قبلهما برزان التكريتي مندوب للعراق لدى الأمم المتحدة في جنيف بسويسرا، و الأخ غير الشقيق لصدام حسين ، حيث يعمل يوما ضد النظام العراقي و يوما آخرا لصالحه لكن تمكنت المخابرات الأمريكية  من تمهيد مسؤولين عراقيين آخرين موجودين داخل العراق و مازالوا يمارسون مهامهم باعتبارهم من رجال السلطة دون أن يظهر عليهم أي أثر لوجود علاقة بينهم و بين الأمريكان و هو الأمر الذي يعني أن المخابرات العراقية تسيير على الوضع و تراقب عن قرب تحركات المشبوهين الذين  إضطروا البقاء في "الشلل" En Veilleuse .

أما بعض الهيئات الدبلوماسية فقد أشارت إلى أن الولايات المتحدة لا تريد اسقاط صدام حسين من أجل ارضاء الناخب الأمريكي فقط و لكن أيضا حماية لإسرائيل و خاصة انتقاما لهزائمها بعد أن  وصلت إلى الادارة الأمريكية تقرير من سفاراتها في دول الخليج يؤكد أن المواطنين يشعرون بالابتزاز الأمريكي لهم، و بدأوا يفهمون الموقف بوضح و هو أن صدام حسين تحول إلى الدجاجة التي تبيض الذهب الخليجي للأمريكان الذين يريدون استمرار الوضع الحالي،  للحصول على الأموال و تحقيق مكاسب سياسية و اقتصادية و عسكرية لهم، و هذا ما يعني بأن حتى و أن العراق يعيش تحت الخطر لا زال يسبب خسائر فادحة في خزينة أمراء الخليج. و قد علم أن الولايات المتحدة تدرك بأن إزاحة صدام حسين من الخارج ستثير الدول العربية و شعوبها ضدها عها على اعتبار أن الشعوب وحدها  هي التي تغير أنظمتها بمحض إرادتها، لذلك حاولت المخابرات الأمريكية إحداث انقسام بين رجال صدام و "حاشيته" تمهد لصراع سلطة داخل العراق، ثم أن الولايات المتحدة الأمريكية تتجنب أي تأثير للشعوب المغاربية خاصة بالجزائر و المغرب، حيث تحاول حاليا "الاستحواد" على أعلى نسبة من الاستثمار و الشراكة في حقول النفط الجزائرية و مخابراتها منهمكة في مهمة معرفة مدى تنامي الاستثمار الفرنسي بالجزائر حتى لا يخلو لها الجو و السقوط.

لكن استراتيجية المخابرات العراقية أفشلت كل المحاولات الأمريكية حيث استطاع صدام حسين إجتياز هذه المرحلة و الأزمة بمهارة فائقة و بدون خسائر بل بانتصار ظاهر حيث تمكن من جلب الأمين العام للأمم المتحدة إلى بغداد و التفاوض معه، و كانت هذه بمثابة صفعة للولايات المتحدة.

ثم تفاجأت المخابرات المريكية التي كانت تظن بأن ايران سوف ينتقم من العراق، حيث كانت تحرر تقاريرها على هذا النحو، إلا أن الواقع  شيئ آخر، أظهر أن ايران أدرك من جهته لعبة الولايات المتحدة التي تتمثل في إزاحة ثلاث دول من ميزان القوة في المنطقة و هي إيران، العراق و سوريا. و اما هذه الكتلة المحتملةـ ابرمت "اسرائيل" بتوجيه من الولايات المتحدة إتفاقات الدفاع المشترك مع تركيا التي كانت دوما عدوة العرب.

إن الولايات النتحدة و شهادة تقارير مخابراتها، لم تستعمل قضية غزو الكويت محبة في الكويتيين و إنما دفاعا على "اسرائيل" و على مصالحها في المنطقة، و لو لا  الكيان الصهيوني لما تدخلت أمريكا و بريطانيا و فرنسا و غيرهم ضد العراق.

و قد سبق للمخابرات الفرنسية تزويد "اسرائيل" بمعلومات ثمينة ساعدتها إلى حد بعيد لتدمير المفاعل النووي العراقي، و كانت أيضا المخابرات البريطانية قد ساهمت بتجنيد عدد من أعوانها كانوا يعملون في العراق، و كذلك المراسل الصحفي لمجلة "الأويسرفر" البريطانية الايراني الأصل.

 

 

 

التخطيط الأمريكي ضد صدام بدأ في عام 1985

 

التخطيط الأمريكي أو المؤامرة الأمريكانية البريطانية ضد العراق بدأت في سنة 1985، مباشرة بعد الزيارة المفاجئة التي قام  بها الرئيس العراقي صدام حسين إلى موسكو، و التي قبلت توقعات و خلقت متغيرات آنداك.

خلافا لكل توقعات المراقبين الدبلوماسيين، و مختلف وسائل الاعلام العالمية، كانت الزيارة المفاجئة التي قام بها الرئيس صدام حسين إلى موسكو بمثابة الحدث المتميز و المفجع للولايات المتحدة، و بخلاف جميع التوقعات لدى المخابرات الأمريكية و الغربية بصفة عامة فإن تلك الزيارة اكتست أهميتها من خلال مجموعة كبيرة من المتغيرات الاقليمية و العربية التي تهمك بغداد و موسكو في آن واحد، و ظهرت العراق كقوة لا يستهان بها في الوطن العربي بصفة عامة، و بذلك أصبحت خطرا على بني صهيون.

و الكل يتذكر أن ردة فعل العراق حيال قصف مقر منظمة التحرير الفلسطينية في تونس تعدت خاصة حيال الموقف الامريكي و ردود الفعل الأخرى ، و تحرك العراق بشكل منظم لبلورة موقف عربي فاعل و ضاغط تجاه واشنطن بعد التأييد الوقح الذي أبدته لجريمة "اسرائيل" المذكورة.

و من تلك الحقبة ظهرت متغيرات جديدة على  كل تلك الأصعدة ، سرعان ما توضحت نتائجها، حيث تمكن العراق و لأول مرة بعد انتصار صلاح الدين الأيوبي من اطلاق صواريخ من ضواحي البصرة و بغداد لتسقط على رؤوس بني صهيون في تل أبيب و هذا ما هيج الأمريكان و بريطانيا و عميلاتهما اسرائيل و جندت الأمم المتحدة التي تصون مصالح الغرب و كثر أعضاء مجلس الأمن من اصدار القرارات التعسفية ضد بلد عربي و ضد شعب عربي، عرف كيف يعامل  بني صهيون؟

 

 

Voir les commentaires

كتاب جواسيس في مهام سرية /حادثة إسقاط

 

حادثة إسقاط

الطائرة الأمريكية

التجسسية (يو-2)

 

 

في مطلع عام 1956 شاهد مواطنو عدة دول أوروبية غربية و شرقية طائرة غربية تحلق في الأجواء، و أصبح هذا الحادث حديث المواطنين في هذه الدول، و لقد بذل الأمريكيون جهودا كبيرة لإخفاء تلك الطائرة عن الأنظار، إلا أن كثيرا من الفضوليين استطاعوا رؤية هذه الطائرة.

 

أما في الاتحاد السوفياتي فقد شاهد العديد من الطيارين هذه الطائرة و هي تحلق على ارتفاعات شاهقة لم يستطيعوا الوصول إليها، و نظرا لأن هذه الطائرة كانت مطلاة باللون الأسود، فقد أطلق عليها السوفيات لقب (الجاسوسة السوداء) و في الحقيقة فإن هذه الطائرة كانت مجهزة للقيام برحلات تجسس تقوم خلالها بجمع الصور و المعلومات الإلكترونية فيما وراء الستار الحديدي، و قد وضع تصميم هذه الطائرة في عام 1950لكي تظل الولايات المتحدة و دول الغرب على علم تام بمنظومات الصواريخ السوفياتية و الخصائص الفنية للمحطات الرادارية حتى يسهل السيطرة عليها بوسائل الحرب الإلكترونية المناسبة، كانت القوات الجوية الأمريكية قد فقدت عشرة طائرات استطلاع من بين خمسة عشر حادثا لطائراتها، لذا فإنها قد اعترضت على استخدام طائرات الاستطلاع التقليدية لتصوير أراضي الاتحاد السوفياتي و جمع المعلومات عن منظوماتها الدفاعية.

 

و إزاء هذا فقد كلفت الحكومة الأمريكية وكالة المخابرات المركزية بتولي عمليات التجسس فوق الأراضي السوفياتية، و كان هذا أول إجراء لهذه الوكالة هو تكليف شركة (لوكهيد) بتصميم و تصنيع طائرة تصلح لتنفيذ هذه المهام، و خرجت الطائرة (يو-2) إلى حيز الوجود و كانت بالفعل مثالا للتقدم التكنولوجي الرائع، بحيث استطاعت أن تحلق على ارتفاعات مليون قدم و قد يصل مدى عملها إلى 4500 ميل و سرعتها 500 ميل في الساعة، أي أنه كان بإمكان هذه الطائرة الطيران لمدة حوالي عشر ساعات متواصلة، و قد صممت هذه الطائرة بحيث يمكنها الهبوط بواسطة مجموعة عجلاتها أو الانزلاق على المدارج و الأراضي الصالحة للهبوط بواسطة زحافات مثبتة في أسفل الطائرة، و رغم أنه كان لدى الولايات المتحدة الأمريكية و الاتحاد السوفياتي و بريطانيا و ربما بعض الدول الأوروبية الأخرى نماذج من الطائرات تستطيع التحليق على مثل هذا الارتفاع إلا أن هذه النماذج لم يكن بمقدورها التحليق على مثل هذه الارتفاعات العالية إلا لفترات قصيرة جدا، كما كانت قدرتها على المناورة محدودة للغاية بسبب الظروف الجوية في طبقات الجو العليا، و كانت وكالة المخابرات المركزية تدرك أنه لم يكن هناك في وسع الصواريخ السوفياتية (جو-جو) و (أرض-جو) و المقاتلات السوفياتية هي الأخرى بلوغ مثل هذه الارتفاعات التي تحلق عليها الطائرة (يو-2) و هكذا كان بإمكان الطائرة الأمريكية (يو-2) أن تعمل فوق التراب السوفياتي دون خوف من مهاجمتها أو التعرض لها و قد حاول الاتحاد السوفياتي بالفعل إسقاط هذه الطائرات مرات عديدة بواسطة الصواريخ (أرض-جو) و (جو-جو) إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل، و لما كانت معظم أجزاء هذه الطائرة قد صنعت من خشب الابلكاش و الألياف الزجاجية، فإن المحرك وحده هو الذي كان يعكس الإشعاع الكهرومغناطيسي الذي تتعرض له الطائرة، لذا فإنه كان يصعب على المحطات الرادارية اكتشاف الطائرة (يو-2) على شاشات راداراتهم، و على هذا فإن رادارات الدفاع الجوي السوفياتية لم تستطع اكتشاف سوى عدد قليل جدا من طلعات هذه الطائرة.

 

و لم تكتف الطائرة (يو-2) بهذه الخصائص الفنية فقط، بل كانت مجهزة أيضا بثماني كاميرات أوتوماتيكية تستطيع تصوير أي شيء فوق سطح الأرض أو البحار أو المحيطات ليلا و نهارا تحت مختلف الظروف الجوية، و قد كانت هذه الصور غاية في الوضوح حتى من ارتفاع 80 ألف قدم إلى درجة أنه كان يمكن التمييز بين فرد يسير على قدميه و آخر يركب دراجته، و بين فرد يرتدي الزي العسكري و آخر يرتدي الزي المدني، و كان يمكن لطائرة واحدة من هذا الطراز أن تقوم بتصوير شريط من الأرض طوله 4300 كلم و عرضه 700 كلم خلال أربع ساعات من الطيران.

 

و هكذا يمكن تصوير دولة في مثل مساحة الاتحاد السوفياتي خلال أسابيع قليلة فقط، كما جهزت الطائرة (يو-2) في وقت لاحق بمعدات غاية في تعقيد أغراض التجسس و تتكون هذه المعدات من أجهزة استقبال للإشعاع الكهرومغناطيسي الصادر من المحطات الرادارية السوفياتية المختلفة و أجهزة أخرى لاستقبال الاتصالات اللاسلكية المتبادلة بين وحدات الدفاع الجوي السوفياتية و جهاز لتحديد الاتجاه يمكن بواسطته تحديد مواقع المحطات اللاسلكية و الرادارية. و كذلك شريط ممغنط لتسجيل جميع أنواع الإرسال الكهرومغناطيسي، هذا بالإضافة إلى بوصة لاسلكية و جهاز للقيادة الآلية و آخر للاتصالات اللاسلكية، و إمعانا في التمويه فقد كانت جميع الوثائق و الإعلام الغربي تشير بأن هذه الطائرة تستخدم أساسا لاكتشاف طبقات الجو العليا و الأرصاد الجوية.

 

و قد أعلن بالفعل عام 1957أن هذه الطائرة قد اكتشفت إعصارا فوق بحر الكاراييبي و رغم جميع الإجراءات السرية التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية حول هذه الطائرة بدأت تكتشف بعض الحوادث التي تعرضت لها، مثل التي حدثت فوق الأراضي اليابانية عندما تحطمت إحدى هذه النماذج و هي تقوم بمهام تجسسية و قد لاحظ أحد الصحافيين اليابانيين و الذي كان ضابطا متقاعدا و هو يتفقد الطائرة المحطمة في إحدى الحقول اليابانية أنها مجهزة بمعدات إلكترونية تستعمل لأعمال تجسسية كما لاحظ أن الطيار كان معه مسدسا، مما جعله يتأكد أنه طيار عسكري.

إن حادث الطائرة (يو-2) بدأت عندما تقرر أن يقوم الطيار الأمريكي باروز بطل هذا الحادث بأعمال تجسسية فوق الأراضي السوفياتية، و تبدأ رحلته التي سطرتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية من قاعدة "أطنة" في تركيا باتجاه "بيشاور" في الباكستان حيث يواصل رحلته محلقا فوق "كابول" في أفغانستان ثم "سفردلفوسك" في الاتحاد السوفياتي و منها إلى "بوندو" في النرويج.

 

كان باروز يحمل مسدسا من عيار 22 مم و حقنة دقيقة، تحتوي على جرعة مميتة مخبأة داخل قطعة فضية من فئة الدولار يمكن استخدامها إذا ما اضطر للهبوط في أرض معادية غير أن الإقدام على هذا الإجراء كان أمرا اختباريا طبقا لتعليمات وكالة المخابرات المركزية. و كان خط السير الأول من تركيا إلى بيشاور هو بمثابة قاعدة للانطلاق فوق الأراضي السوفياتية إذ كان عليه أن يقضي أربع أيام في بيشاور للراحة و التزويد بالوقود اللازم استعدادا للرحلة الطويلة، و في فاتح ماي صعد "باروز" إلى كابينة القيادة في طائرته من طراز (يو-2) ليستأنف و ليقطع مسافة 3525 ميلا محلقا على ارتفاع ألف قدم فوق جبال الأورال ثم المدن السوفياتية التالية (ستالينغراد، ارلسك، كيروف، اركانجل، مورمانسك) ثم فوق قواعد الصواريخ الهامة التي كانت أجهزة التجسس الأمريكية قد اكتشفتها في (تيورتام) و (كابيستين)، و الجدير بالذكر أن الطلعات التي قام بها باروز لا تتم إلا بأمر من الرئـيس الأمريكي ايزنهاور شخصيا.

 

لقد كان باروز في أتم الاستعداد للقيام بالمهمة، كما كانت جميع الاختبارات على الطائرات توحي بسلامة أجهزتها و في جهاز التفجير الذاتي الذي يستخدم لتفجير جميع هذه الأجهزة في حالة اضطرار الطائرة للهبوط ضمانا لعدم وقوعها في أيدي السوفيات، و هكذا بدأت الطائرة في الارتفاع إلى أعلى بسرعة رهيبة و عندما حلقت فوق (كابول) كانت قد وصلت إلى ارتفاع 65 ألف قدم و هنا شرع "باروز" في تشغيل الأجهزة الإلكترونية للالتقاط أي إرسال كهرومغناطيسي في طبقات الجو بما في ذلك البرقيات العسكرية المتبادلة على مختلف الترددات. و قد كان بإمكان هذه الأجهزة معرفة و تسجيل الخصائص الفنية الأساسية للمحطات الرادارية (التردد، أمد النبضة، معدل تكرار النبضات، سرعة دوران الهوائي..) و التي تعتبر بمثابة بصمة يجب معرفتها لابتكار أجهزة الإعاقة الرادارية و اللاسلكية المناسبة لتنفيذ إجراءات الحرب الإلكترونية، حيث تتولى هذه الأجهزة إنذار الطيار الذي يحاول اختراق أجواء الدولة المعادية بمصدر التهديد الذي قد يكون محطة رادارية  أرضية أو محمولة جوا تستخدم في إدارة نيران المدفعية المضادة أو الصواريخ، فيقوم بمناورات حادة لتجنب هذه الأسلحة أو اتخاذ الإجراءات الإلكترونية المضادة.

 

و لم يكن "باروز" خبيرا في الحرب الإلكترونية، إلى أنه قد درب بواسطة المخابرات المركزية على استخدام تلك الأجهزة المعقدة التي كانت تحملها الطائرة الأمريكية طراز (يو-2) و التي قامت بتصنيعها ثلاث شركات أمريكية و احتفظت بها في غاية في السرية.

 

و كان باروز يعلم أن السوفيات يشعرون بخيبة أمل شديد لعدم استطاعتهم القيام بأي إجراء من شأنه إيقاف طلعات التجسس هذه فوق أراضيهم، كما كان يعلم أن الرادارات السوفياتية قد تتمكن من اكتشافه و تحديد موقعه بمجرد دخوله المجال الجوي السوفياتي، و لكنه لم يكن قلقا لأنه كان يعلم أنه ليس لديهم مقاتلات أو صواريخ يمكنها الوصول إلى تلك الارتفاعات الشاهقة التي تحلق عليها طائرته، و تابعت محطات الرادار الأمريكية في باكستان و أفغانستان طائرة باروز حتى عبورها الأجواء السوفياتية و اختفائها من شاشات الرادار، و حينئذ التزم بصمت اللاسلكي إلا أنه ظل على الاستماع لمحطات المخابرات المركزية لتلقي المعلومات و أي تعليمات لهذه الوكالة، و مع توغل الطائرة إلى قلب الاتحاد السوفياتي أخذت محطات الرادار السوفياتية المتتابعة تذيع اكتشافها لطائرة مجهولة، و فجأة سمع عمال اللاسلكي في وكالة المخابرات المركزية إذاعة المحطات السوفياتية تعلن عن إصابة الهدف. و كان باروز قد شعر بهزة عنيفة داخل كابينة القيادة ثم صوت انفجار شديد يأتي من خلف الطائرة ففقد السيطرة عليها و أخذت تهبط في دورات  بطيء ففتح كابينة القيادة و قفز بمظلته التي فتحت على ارتفاع 30ألف قدم و بدأ يهبط في هدوء إلى أراضي الاتحاد السوفياتي حيث تم أسره، و عند استجوابه ذكر أنه يعمل طيار تجارب لشركة "لوكهيد" و أنه كان يقوم باختبار طائرة صممت خصيصا للقيام بمهام تجسس فوق أراضي الاتحاد السوفياتي.

 

كان هذا الحدث قد وقع قبل الموعد المحدد للقاء الرئيس ايزنهاور بالرئيس السوفياتي خروتشوف في سويسرا لبحث استقرار السلام بين الشرق و الغرب و انتهز خروتشوف هذه الفرصة لإحراج الولايات المتحدة الأمريكية أمام العالم اجمع. و حوكم باروز أمام محكمة عسكرية في موسكو حيث اتهم بأنه قد ارتكب عملا أحمق كان يؤدي إلى إشعال حرب نووية في سبيل جمع المال، و قد عرض المدعي العام الشريط الممغنط الذي سجلت عليه المعلومات عن محطات الرادار السوفياتية وصور الطائرة (يو-2) كدليل على الاتهام، و حكم على "باروز" بالسجن لمدة عشر سنوات ثم أفرج عنه بعد مضي سبعة عشر شهرا في تبادل للإفراج عن الجواسيس حيث أفرج عن الجاسوس السوفياتي الشهير العقيد "رودلف ايل" الذي كان قبض عليه و حكم عليه بالسجن هو الآخر في الولايات المتحدة، وما أن وطأت أقدام "باروز" الولايات المتحدة حتى بدأ التحقيق معه بواسطة وكالة المخابرات المركزية لمدة عشرين يوما فقد كان هناك نقاط يودون استيضاحها لمعرفة سبب فشل رحلة "باروز" و هل كان هذا يرجع إلى امتلاك الاتحاد السوفياتي لصاروخ أرض/جو بعيد المدى أم أن ذلك كان يرجع إلى خطأ باروز نفسه، و هل يعني ذلك أنه لم يعد في إمكان القاذفات الأمريكية المجهزة بوسائل الحرب الإلكترونية اختراق الأجواء السوفياتية في حالة الحرب. و ذكر باروز أثناء محاكمته بالاتحاد السوفياتي أنه كان يحلق على ارتفاع يتراوح بين 45ألف و 732 ألف قدم و أنه لم يكن يحلق على ارتفاع 100 ألف قدم كما هو مخطط لمثل هذه الطلعات بسبب انسداد ماسورة تغذية المحرك بالوقود مما أدى إلى توقف المحرك النفاث و فقد جانبا كبيرا من ارتفاعه و هو يحاول إعادة تشغيله. و كانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في حيرة، كيف تمكنت أجهزة الرادار السوفياتية من رصد الطائرة (يو-2) بهذه السرعة و كيف لم ينجح باروز في اكتشاف هذه الصواريخ و إعاقتها، و كان خروتشوف قد ذكر أن الطائرة قد أسقطت بصاروخ واحد و هي تحلق على ارتفاع 65ألف قدم. و قد علم من مصادر سرية داخل الاتحاد السوفياتي أنهم قد أرسلوا مقاتلتين من طراز ميغ لاعتراض الطائرة (يو-2) و في نفس الوقت أطلقوا ثلاثة صواريخ أرض/جو أصاب اثنان منهما الطائرة الميغ نتيجة لتدخل أجهزة الإعاقة بالطائرة (يو-2) أما الصاروخ الثالث فقد انفجر قرب مؤخرة الطائرة (يو-2) و لم تنجح أجهزة الإعاقة في التعامل معه نتيجة لتشبعها بالإرسال المنبعث من الصاروخين الآخرين.

 

و لما كانت الطائرة لم تتلق إصابة مباشرة فقد كان هناك تساؤل لماذا لم يقم باروز بتشغيل أجهزة التدمير الذاتي لتدمير الأجهزة الإلكترونية قبل أن يقفز بمظلته حتى لا تقع  في أيدي السوفيات ؟ و بعد انتهاء استجواب باروز بواسطة وكالة المخابرات المركزية قامت أيضا لجان حكومية متعددة باستجوابه كما تحدث أمام الكونغرس إلا أن جميع هذه اللجان لم تتوصل إلى إجابات شافية لهذه التساؤلات و حاولت وكالة المخابرات المركزية استدراج باروز فكلفت إحدى عميلاتها الحسان باستدراج باروز لانتزاع الاعترافات الحقيقية منه لتقديمه لمحكمة خاصة إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل و انتهت بطلاق باروز من زوجته و زواجه من العميلة التي دست عليه.

 

و بعد هذا الحادث بسنوات قليلة اتضح للمخابرات المركزية الأمريكية أنه كانت هناك علاقة بين تسرب المعلومات عن عمليات التجسس الجوي فوق أراضي الاتحاد السوفياتي و الصين وبين "لي هارفي اوزوالد" المتهم بقتل الرئيس الأمريكيأاأاأأأاأأ      أاااأأأأأ كنيدي، حيث اتضح "اوزوالد" الذي كان يعمل موجها جويا أثناء خدمته في مشاة الأسطول في قاعدة "اتسوجي" بتركيا كان بحكم عمله يعلم الكثير عن هذه العمليات حينما كان يتبادل الرسائل بين الطيارين و بين محطته و أنه قد سافر إلى الاتحاد السوفياتي حيث نقل إليهم أسرار هذه الطلعات ثم عاد ثانية إلى الولايات المتحدة بعد أن أمد السوفييت بالمعلومات التي تضع إجابة للتساؤلات السابقة و كيف تمكن السوفيات من اكتشاف و تتبع طائرة صنعت من مادة مقاومة للكشف الراداري، و كيف تمكنوا من إسقاط طائرة من طراز (يو-2) بصاروخ يقل مداه عن الارتفاع الذي تحلق عنه هذه الطائرة.

 

هذا و قد ترددت شائعات من داخل الاتحاد السوفييتي بان الطائرة (يو-2) و إنما تعرضت لعمليات تخريب من جانب عملاء المخابرات السوفياتية بينما هي في "بيشاور" بباكستان حيث تم تلويث الوقود الذي زودت به  مما أدى إلى انسداد ماسورة تغذية المحرك النفاث و تعطله ففقدت الطائرة ارتفاعها في مرمى صواريخ الدفاع الجوي السوفياتي حيث تم إسقاطها. أما الشائعة الثانية فهي أن نفس العملاء قد قاموا بتثبيت عبوة ناسفة موقوتة في ذيل الطائرة و قد أدى انفجارها إلى فقدان الطائرة لاتزانها فأخذت في الهبوط إلى الارتفاع الذي تمكنت عنده وسائل الدفاع الجوي السوفياتي من إسقاطها. و الشائعة الأولى هي التي تتفق مع أقوال باروز أمام لجان التحقيق المختلفة و التي ظل متمسكا بها حتى وفاته في حادث سقوط طائـرة هيليكوبتر في أول أوت سنة 1977عن عمر يناهز الثامنة و الأربعين.

 

Voir les commentaires

كتاب جواسيس في مهام سرية /الجاسوس المرتزق الذي شارك

 

الجاسوس المرتزق الذي شارك

في مجازر بالجزائر سنة 1994

 

كشف وزير الاعلام اليوغسلافي "غودات مانبش" يوم 25-11-1999 أن السلطات الأمنية التبعة لبلاده قد ألقت القبض على خمسة عناصر كانوا يشكلون فرقة العنكبوت الدموية كلهم من جنسية صربية تولى تنظيمها رجال الاستخبارات الفرنسية DGSE أوكلت لهم مهمة اغتيال الرئيس الصربي "ميلوزوفتش".

 

فزعيم هذه المهمة يدعى "يوغسلاف بيتروزبتش" صربي حائز على الجنسيتين اليوغسلافية و الفرنسية إذ كان عضوا سابقا في مصالح الاستخبارات الفرنسية DGSE تحت اسم "بالادان"  و قد شارك في مذبحة سيبرنتشا و مجزرة بالجزائر سنة 1994 و ربما مجازر أخرى إلى جانب تصفية 50 فغردا في عمليات مختلفة . و أثناء حملة الناطو على يوغسلافيا أوكلت لمجموعة العنكبوت الدموية مهمة تصفية الرائد "ريمي" أحد قادة جيش التحرير كوسوفو غير أن المهمة لم تنجح. فمجموعة العنكبوت أنشئت بغرض القيام باعمال إرهابية  و تصفية شخصيات حيث تتلقى التعليمات من مسؤولين سامين في جهاز المخابرات الفرنسية DGSE  و على رأسهم "باتريك فور".

 

فالكشف عن مجموعة العنكبوت تزامن مع تصريح المرتزق الفرنسي "بوب دينار" بانه لم يكن طيلة حياته حافلة بالاغتيالات و الأعمال الارهابية التي قام بها في افريقيا و آسيا و جزر القمر، فهذه الأعمال لم تكن من أجل الحصول على مقابل مادي بل أنه كان رجل السياسة يعرف تماما المصالح الاستراتيجية لبلاده فرنسا فكان ينسق مع ساساتها و رجال مخابراتها في جميع عملياته فهذا الأمر لم يعد فضيحة في السياسة الخارجية الفرنسية التي تتحمل مسؤولية كبيرة في حروب إفريقيا المعاصرة، و للعلم أن السلطات الفرنسية ظلت تتعامل بأسلوب مريب مع الأزمة  الجزائرية من خلال تغذيتها لأطروحة "من يقتل من؟" بل أنها ذهبت إلى أبعد من ذلك و هو بثها في القناة التلفزيونية الرسمية تحقيقا يتهم الجيش الجزائري بالضروع في مجزرة "بن طلحة" و قد ألحت على حيازتها على صور الأقمار الصناعية تدعم ادعاءاتها و في زمن غير بعيد أدعت مصالحها المخابراتية على وجود مجموعة ارهابية قرب الحدود الجزائرية النيجيرية و اعتمادا على صور للأقمار الصناعية حسب ادعاءات هذه المصالح و قد تزامن تسرب هذه المعلومات مع اجراء سباق مع رالي باريس دكار الذي يمر عبر الأراضي النيجيرية و تبين بعدها ان المجموعة الارهابية ما هي إلا قافلة تابعة للأمير الكويتي كان يصطاد بالقرب من الحدود النيجيرية و فوق الأراضي الجزائرية فأين هي مصداقية هذه المصالح و أقمارها الصناعية.

 

Voir les commentaires

كتاب جواسيس في مهام سرية /المخابرات الفرنسية و رعايتها

 

 المخابرات الفرنسية و رعايتها

 للقضية البربرية

 

ما لا يعرفه المواطن الجزائري هو كيف كرست المخابرات الفرنسية جهدها في محاولات زرع الجهوية و التفرقة بين الجزائريين و ذلك باستغلال كل منفذ أو فرصة، سواء قبل الاستقلال أو بعده.

فقد شن الجيش الفرنسي حربا ضروسا على الشعب الجزائري لإفشال ثورة التحرير، و قد كانت حربا معلنة بكل أساليبها. و حربا أخرى خفية لا تزال مستعرة، بحيث جندت فرنسا مخابراتها  في هذه الحرب الخفية ضد وحدة الجزائر، فوضعت خططا عديدة لبلوغ هذا الهدف، منها: 

قضية بلكبير بالمغرب

لقد خطط المستعمر لتكوين جيش جهوي من عناصر تنتمي إلى منطقة الصحراء الجزائرية، و يستمد هذا الجيش نشاطه من تعليمات الحكومة الفرنسية سواء على أن يستغل إعلاميا بأنه هو جيش التحرير الذي يحارب بحق من أجل انفصال منطقة الصحراء عن الشمال.

و لتجسيد هذا الهدف اتصلت المخابرات الفرنسية بأحد أعوانها المسمى بلكبير لتنصيبه كزعيم لهذا الجيش و إن يصبح هو المؤهل للتفاوض مع السلطة الفرنسية. و ما أن أبلغ المناضل بودة عبد الرحمان - ما زال على قيد الحياة- بهذه الخطة و ت"أكد من صحتها حتى وضع خطة انتحارية تم القضاء بها على بلكبير الذي كان يقيم بالمغرب. و قد اقتنع السيد ابن طوبال بشرعية العملية الانتحارية بعد التحقيق الذي أجراه مع المناضل عبد الرحمان.

 

قضية الفرنسي جون سارفيي

إذا كان المواطن الجزائري مطلعا على عملية تشكيل "قوة قبائلية" من طرف المخابرات الفرنسية ما بين 1955 و 1956 لمحاربة جيش التحرير الوطني، بحيث تكونت عناصر هذا الجيش العميل من مناطق عزازقة - عين الحمام - بلدية معاتقة تيقيزرت البحرية، و كانت تعمل تحت اشراف المدعو الطاهر حشيش (مثل هذه العملية طبقها المستعمر الفرنسي في الهند الصينية، إلا أن عملية "العصفور الأزرق"   استغلت لفائدة جيش التحرير أيما استغلا، بفضل الخطة التي وضعها كريم بلقاسم و العقيد محمدي السعيد. تتمثل المهمة في استلام الأسلحة و الدخيرة من ادارة الوالي العام سوستال (صاحب المؤامرة) و اعدام الخونة و تقديمهم على أنهم مجاهدين و كادت أن تنكشف الخطة عندما قدمت جثة أحد الخونة على أنه مجاهد بعد أن ألبس  لباسا عسكريا.

لكن ما علاقة اسم "جون  سارفيي" بعملية "العصفور الأزرق"؟ إنها علاقة لا تقل خطورة عن اكتشاف المؤامرة في حد ذاتها ، حيث "جون سارفيي" هو الذي أكد بأن العناصر المنجدة في العملية لا ينتمون للمنطقة المحددة لكون "جون سارفيي" يحسن التحدث بالعربية و القبائلية و الشاوية و إذا انتهت عملية   "العصفور الأزرق" سنة 1956 بمنطقة القبائل فإن اسم جون سارفيي" لم ينته بل نجده في السبعينيات و الثمانبنيات - قبل تقاعده - قد بنى عشا آخرا بجامعة مونبيليي بحيث استغل منصبه كرئيس قسم العلوم الاجتماعية في الجامعة ، فوضع تسهيلات سخية تتمثل في الاقامة و المنحة و التأطير لكل طالب يتعلق بحثه بالقضية لبربرية. و بالمقابل، يقوم بتعطيل أي بحث متعلق بارتباط الجزائر بالمقومات العربية و الاسلامية حتى يضطر الطالب المعني إلى تغيير الاختصاص أو تغيير موضوع البحث ( بعد أن يكتشف بنفسه سبب العرقلة و التماطل في قبول الأساتدة الاشراف على تأطيره).

فإذا فشل "جون سارفيي" العسكري لأنه وجد كريم بلقاسم و العقيد محمدي السعيد و أمثالهما له بالمرصاد فإن جون سارفيي المفكر غير ميدان و أسلوب المعركة ليواصل مهمته في تحقيق هدفه.

 و من المؤكد أن هذف "جون سارفيي" و أعهوانه ليس هو تطوير الثقافة الأمازيغية أو تقديم خدمة مجانية للحركة البربرية ، و إنما الهدف هو تحقيق السيادة للثقافة اللاتينية بأساليب فرانكوفولية التي خططت  لها الأمانة العامة للدفاع الوطني الفرنسي تحت اتشراف فرانسوا متيران بتاريخ 02/06/1986 في ملف سري تحت رقم 5021 (كشفت عن مضمونه مجلة الوحدة: 06/12/1990) و إلا ، فكيف نفسر نفي السلطات الفرنسية إلى بريطانيا سنة 1978 "يعود محند أعراب: الذي أسس الأكاديمية البربرية سنة 1966، مستعينا في ذلك بالمناضلين و الباحثين في مجال الأمازيغية .فمسعود محند أعراب كان مناضلا في حزب الشعب الجزائري ثم ضابطا في صفوف جيش التحرير الوطني ، و مهما كان موقفه من السلطة الجزائرية - إثر الاستقلال -  فلن يكون هدفه من القضية البربرية متماشيا مع هدف "جون سارفيي" و أمثاله الذين انهزموا على يد كريم بلقاسم و العقيد محمدي السعيد  و بقية الوطنيين المخلصين أمثال زيدات أحمد (أوزايد) و محمد أمزيان (أيعزوران) المكلفين بتنفيذ العملية لفائدة جيش التحرير.

 

Voir les commentaires

كتاب جواسيس في مهام سرية /اغتيال المناضل موريس أودان

 

اغتيال المناضل موريس أودان

من طرف المخابرات الفرنسية

أثناء الحرب التحريرية الجزائرية

كثيرة الجرائم المقترفة في حق الوطنيين، و دعاة الحرية المساواة و العدل، قليل منها أظهرته وسائل الإعلام، و الآخر أخفاه الصمت الذي يراد فرضه على "البلاد العميقة".                          و كفاح الجزائر المجاهدة يتواصل، شارك أبناء الوطن، و أيضا الأجانب المحبين للحرية و العدالة. و من هؤلاء نتذكر  المناضل و المتعاطف مع الثورة الجزائرية موريس أودان الاسم الذي أطلق على إحدى الساحات الرئيسية وسط عاصمة الجزائر ، و أمام المقر الرئيسي للخطوط الجوية الجزائرية، و كذلك الفندق الشهير "آليتي" سابقا.

 

لقد كان موريس أودان أستاذا معيدا في مادة الرياضيات في كلية العلوم بجامعة الجزائر، و سنه لا يتعدى 25عاما، ففي يوم 11 جوان سنة 1958 تمكنت مصالح الأمن العسكري الفرنسي رفقة جماعة "بيجار" من المظليين من إيقاف موريس أودان، و نقل إلى المقر السري للمخابرات (من يستطيع الفرار من زنازن المخابرات، حيث لا يدري التاريخ، و لا الزمن، و لا الممرات، و قد أدخل معصوب العينين) و منذ إيقافه لم يظهر لحد اليوم، بل لم يعثر حتى على جثته. و كان من شاهده في المعتقل عقب حصة التعذيب، الكاتب الفرنسي هنري علاق (HENRI ALLERG)   مؤلف الكتاب الشهير "المسألة و القنبلة حول التعذيب".

 

و قد استنكر الحزب الشيوعي الفرنسي آنذاك اختفاء موريس أودان، حيث أوصت الحكومة الفرنسية الحاكم العام للجزائر، بتأسيس لجنة لتقصي الحقائق و الرد على الذين اتهموا المخابرات الفرنسية.

و بعد سنة أي في شهر ماي سنة  1958 نشر الكاتب الفرنسي "بيار ناكي فيدال" كتاب أصدرته دار النشر (MINUIT)، تحت عنوان "قضية أودان" أبرز فيه أطروحة، فحواها أن العملية ما هي سوى لعبة كوميدية ركبها المضليون، رجع الدور الرئيسي فيها لضابط في الفرقة. أما الشاب موريس أودان بالنسبة للكاتب كان قد توفي تحت التعذيب، و بما أنه كان فرنسيا، كان ضروريا على المخابرات إخفاء وفاته، و التحقيق القضائي الذي شرع فيه في الجزائر تم بفرنسا. و استمر حتى سنة 1962، دون نتيجة تذكر.

 

هذا الكتاب الذي صدر في سنة 1958 أعيد طبعه لدى نفس الدار سنة 1959 بإضافات و تنقيحات، حيث توصل المؤلف بعد مشقة دامت سنين طوال إلى الحصول على ملفات لمختلف التحقيقات القضائية حول قضية أودان منذ بدايتها، و لكن تحصل أيضا على وثائق و أرشيفات كثيرة احتفظت بها وزارة العدل، تخص هذه القضية.

 

و الأهم أن هذه الوثائق سمحت لأول مرة في تاريخ القضية منذ بدايتها، و ذلك قبل نفاذ المهلة القانونية وهي 50 سنة، وتؤكد له كيف أن السلطة القضائية الفرنسية، رغم ثبوت الأطروحة التي دافع عنها سنة 1958، و كذلك قاضي التحقيق لدى الوزارة، مرورا بوكلاء النيابة، فعلوا ما بوسعهم لتفادي الاضطرار إلى إصدار محاكمة في حق الجناة.

 

 أما وثائق المخابرات، فهي تؤكد في سرية تامة عن قتل موريس أودان من طرف ضابط في الجيش الفرنسي برتبة ملازم، و قد قتله خنقا يوم 21 جوان زوالا. و هذا الضابط لا زال حيا بفرنسا، و قد أحيل في سنة 1981 على التقاعد كعقيد في الجيش بدرجة قائد "الفيالق الشرفية" و لم يحاكم أبدا عن جريمته.

 

و تتساءل أرملة موريس أودان، و أبناؤه الثلاثة "أين هي الجثة ؟".. لكن الواقع هو أن المتعاطفين الفرنسيين مع الثورة الجزائرية كانوا يختطفون، و يغتالون بطريقة سرية من طرف أعوان المخابرات.

 

إن قضية موريس أودان و غيره تصطدم مع مواقف السلطات الفرنسية من حيثيات التحقيق، فمن تأجيل إلى عفو أو إلى تبرئة، آخرها كانت في عهد حكومة بيار موروا، لا يمكن الإقرار إلا بتواطؤ هذه السلطات مع مرتكبي أو مدبري الجريمة.

و الأخطر من كل هذا، كان ضباط التعذيب يقضون أيامهم السعيدة بعيدا عن كل متابعة، و قد كتب صحفي فرنسي من يومية "لاكروا" في الموضوع قائلا : "إن قضية موريس أودان تبقى قضية ضحية من دون جسد على غرار لا مبالاتنا لحرب الجزائر.. "

 

و قد أدان الصحفي صفة الأجهزة القضائية و السياسية الفرنسية و حساباتها الدنيئة، و لا يستثنى تقاعس الرأي العام فيما أسماه "تحالفا من أجل إخفاء الحقيقة"، و تعرج  عن قضايا التقتيل، و التعذيب التي مارسها النظام الفرنسي قبل سنة 1962 في الجزائر، في حق الوطنيين و المتعاطفين الأجانب مع قضيتهم الوطنية الشرعية.

 

على الرأس و العين .. موريس أودان خلدت الجزائر المستقلة ذكراه، و طبعت اسمه على ساحة من أكبر ساحات العاصمة، مثلما فعلت تخليدا لأرواح ثوار العالم، مثل شي غيفارا، عبد الكريم الخطابي، فرانز فانون، باتريس لومومبا، و غيرهم.

 

Voir les commentaires

كتاب جواسيس في مهام سرية /أخطر جاسوس فرنسي خلال الثورة التحريرية

 

أخطر جاسوس فرنسي خلال الثورة التحريرية

 

جورج واتين المدعو عند الفرنسيين الذئب « LE LOUP » و الملقب عند الجزائريين "الجن الأحمر" كان هذا إبان الثورة التحريرية.

لجورج واتين ماض ملطخ بالدماء، و يعتبر أخطر و أكبر مجرم مدني خلال الاحتلال الفرنسي للجزائر.

ولد جورج و ترعرع بضواحي خميس مليانة، حيث درس و نال شهادة مهندس زراعي و أتقن الحديث باللغة العربية العامية. فهو ابن كولون .. و كان حارسا لمرمى فريق كرة القدم لمدينة خميس مليانة.

إنه مجرم .. مجرم مدني .. و مجرم حرب نظرا لتعامله مع مصالح المخابرات الفرنسية في الجزائر خلال الفترة الممتدة من 1954 إلى 1960، قبل أن يلتحق بالمنظمة الإرهابية السرية- OAS –  و انتمائه للجنرالات الانقلابيين : صالان- جوهود- زالار

 

ففي هذا السياق، سكان مناطق سهل الشلف يتذكرون ذلك المجاهد الذي اتصل بأمر من جبهة التحرير بجورج واتين لتسليمه وصل الاشتراك بقيمة 2 مليون سنتيم، بعد موافقته و طلبه، لكن الحقيقة كانت غير ذلك فبمجرد وصول المجاهد إلى مزرعة واتين حتى قام هذا الأخير رفقة شقيقه باغتيال المجاهد و التمثيل بجثته، حيث أثبت السفاح جورج واتين الوصل بمسمار كبير على عظم جبهة المجاهد الشهيد، ثم نقله على متن سيارته "جيب" إلى الساحة الرئيسية للمدينة و عرضها أمام أنظار الجميع.

 

و تفيد وثائق المخابرات الفرنسية أن جورج واتين كان قد التحق بمصالح المخابرات (الأمن العسكري) بتاريخ أول نوفمبر 1954. و قد تعرض لعملية اعتقال في سنة 1962، من طرف الشرطة الفرنسية، حيث مكث بالسجن 6 أشهر دون أن يحاكم.

و تضيف المعلومات أن جورج واتين قد حكم عليه بالإعدام مرتين بفرنسا لمحاولة تنفيذ اغتيال ضد الجنرال ديغول في سنة 1962، المحاولة الأولى نفذت بمدينة "بوتي كلامار"، و الثانية وقعت بالمدرسة العسكرية، و حكم عليه بالإعدام في الجزائر ثماني مرات على إثر جرائمه ضمن المنظمة السرية الإرهابية –OAS-  

 

كما كان جورج واتين المتسبب الرئيسي في مذبحة البريد المركزي بالعاصمة عندما دفع السكان الفرنسيين في مظاهرة، تصدى لها الجيش الفرنسي بالنار.

ثم فر واتين إلى فرنسا، حيث قام بزرع 85 عبوة ناسفة (بلاستيك) في باريس، استهدفت مناصري الجزائر جزائرية و اليساريين.

و بعد استرجاع  استقلال الوطن فر جورج واتين هاربا من عقاب الثورة الجزائرية إلى سويسرا، و مكث طوعا منه بالسجن لمدة 24 شهرا، ثم التحق بالباراغواي في نهاية سنة 1965.

 

و عندما فاز الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا متيران بالرئاسيات سنة 1980، عاد السفاح جورج واتين إلى فرنسا حرا طليقا. مدركا أن فرانسوا متيران كان مثله عدوه لدودا للثورة الجزائرية، خاصة عندما صرح في قسنطينة بصفته وزيرا للداخلية قائلا : "نهاية الفلاقة وشيكة.. يجب دوسهم" لكن واتين لم يستطع الاستقرار، فعاد ثانية إلى الباراغواي.

 

يناهز سن هذا السفاح حاليا 76 سنة و هو يعيش بمدينة- أسنصيون- بالباراغواي، و يعتبر بشهادة الملفات السرية للمخابرات الفرنسية أكبر و أخطر مجرم مدني خلال حرب الجزائر.

لقد ارتكب هذا السفاح عدة جرائم في حق الشعب الجزائري  وكان يملك أراضي شاسعة و عددا من السيارات و الجرارات، و رغم ذلك، لم يدفع ثمن جرائمه مثله مثل السفاح بيجار ،حيت لا زال حنين الجزائر الفرنسية يراوده.

 

 

 

 

 

Voir les commentaires

كتاب جواسيس في مهام سرية /عملية العصفور الازرق

 

عملية "العصفور الأزرق" أول مواجهة بين المخابرات

 الجزائرية و الفرنسية أثناء الحرب التحريرية الجزائرية

 

 

لقد قررت المخابرات الفرنسية تشكيل جيش عميل من الجزائريين لمحاربة جيش التحرير الوطني، فكانت المحاولة هي تجنيد عملاء جزائريين من سكان منطقة القبائل لصد المجاهدين حيث تم إسناد المهمة إلى عناصر المنطقة العسكرية العاشرة للجيش الفرنسي بالتعاون مع بعض الأفراد العاملين في جهاز المخابرات الفرنسية و في مقدمتهم المدعو "الطاهر حشيش" عنصر ذكي صديق حميم لقائد جهاز مراقبة التراب الفرنسي بباريس DST.

 

التحق الطاهر حشيش بمدينة عزازقة حيث قصد مطعم أحد أصدقاؤه المدعو زايديد الذي كان مناضلا و مسؤولا في صفوف الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية، و نظرا لظروفه الاجتماعية و الخاصة كان قد ابتعد عن الحركة الوطنية من غير ما ينفصل عنها تماما، و لعل ابتعاده هذا عن النضال و منذ عام 1950هو الذي جلب إليه انتباه الطاهر حشيش الذي قرر زيارته في مطعمه.

 

التقى الرجلان و جرى الحديث بينهما حول أحداث الثورة المسلحة و المجاهدين و تواجد كريم بلقاسم و ما يشكله المجاهدون من قوة ضاربة في المنطقة، و قد تواصل الحديث من غير ما يكتشف زايديد نوايا الطاهر حشيش. إلى أن وصف هذا الأخير ما يقوم به جيش التحرير بالقتلة للأطفال و بالمجرمين في حق النساء. تبين لزايديد موقف صديقه الحميم من الثورة فلم يشأ أن يخالفه في موقفه و آرائه، بل أيده و أكد له ما أنعت به المجاهدين و أضاف له أوصاف ما يعانيه الشعب منهم، فوثق حشيش بصاحبه و باح له بما عزم على الإقدام عليه.

 

لم يبد زايديد أية معارضة و لم تظهر عليه علامات القلق و الخوف بل أبدى ما يشجع صديقه بعدما اهتدى في قرارة نفسه إلى ما قد يفيد به الثورة و يكفي أن يلعب فيها الدور الأساسي تعويضا لما فاته من نضال.

عرض عليه حشيش أن يقوما بعمل ما، خدمة لفرنسا حتى تكرمهما بما يليق بعملهما.. لم يعلق زايديد على عرض صديقه و إنما استفسره عن نوع العمل و أسلوبه، و قد اندهش زايديد لما رد عليه صديقه بقوله : "أن نقاوم الفلاقة بالأسلوب الاستخباري الذي يطوق شملهم و أن يتم ذلك بالدخول في وسطهم و اختراق صفوفهم".

أظهر زايديد حيرته وعلى أنها حيرة المستصغر قبوله بالعرض حتى و إن كان ما يريده من صديقه غير واضح و غير مفهوم، و عقد الاثنان اتفاق لقاء ثاني بينهما.

لقد سبق و ذكرنا بأن زايديد كان مناضلا في صفوف الحركة من أجل انتصار الحريات و الديمقراطية، و ترقى في إطارها إلى مستوى المسؤولية، وهذا ما يؤكد ما كان عليه من روح وطنية عالية، إلا إن ظروف الحياة و ما حدث في صفوف الحركة فيما بعد جعله يبقى حياديا مهتما بشؤون عائلته، و مع اندلاع الثورة عاد إلى نشاطه الوطني مكن جديد و انبعثت فيه روح الوطنية، فاتصل برجالات الثورة و على رأسهم كريم بلقاسم.

 

فلم يترك زايديد الوقت يضيع منه، فما أن افترق بصديقه حشيش حتى اتصل بكريم بلقاسم و استعرض عليه تفاصيل قصة لقاءه مح حشيش و ما ينوي هذا الأخير القيام به ضد الثورة و ضد المجاهدين.

لم يندهش كريم بلقاسم و لم يعقب في بداية الأمر، بل فكر طويلا، ثم قال لزايديد ما عزم عليه و رتب له.

و طلب منه أن يبقى على اتصال دائم مع حشيش و أن يظهر له المودة و الإخلاص و أن يحثه على أن يحقق ما يريده، و قبل أن يودع كريم بلقاسم زايديد قدمه إلى المدعو محمد بازوران قائد ناحية عزازقة، ثم ودعهما في الأخير على أمل اللقاء.

 

التقى زايديد بحشيش الذي كان عائدا من العاصمة يحمل معه إلى زايديد خبر حصوله على أسلحة و ذخيرة و مال، و يبقى الحصول على العناصر من مهمة زايديد الذي أكد لصديقه أنه في صدد البحث عنهم و قادر على استمالتهم و تجنيدهم، لكن يجهل عدد العناصر المطلوبة، إلا أن حشيش رد عليه بأنه بحاجة إلى العشرات و المهم في الأمر أن لا يلفتوا الانتباه إليهم و يلتزمون بأشغالهم العادية نهارا، أما المهمة المطلوبة منهم فيتم تنفيذها ليلا فقط و عليهم بالإخلاص لفرنسا.

 

تواصلت اللقاءات بين زايديد و حشيش من أجل التحضير و الإعداد، و في نفس الوقت كانت تجري لقاءات بين زايديد و كريم بلقاسم الذي أشعر العقيد محمدي سعيد بما نوى القيام به لاستغلال مخطط العميل حشيش عن طريق زايديد، لكن العقيد محمدي سعيد لم يبد ارتياحه لهذه العملية لما تشكله من خطورة على حياة المناضل زايديد و باقي الوطنيين من أبناء المنطقة الذين تم الاتصال بهم للتجنيد كعملاء تحت قيادة حشيش و ضمن جهاز مخابراتي ليس من السهل الإفلات منه، كما أن تجربة العقيد محمدي سعيد مع "الجستابو" الألماني تركه يفكر طويلا، لكن إصرار كريم بلقاسم على تنفيذ خطته أصبح في نفسه عزيمة و إرادة، لأنه كان يعلم أن الوطني زايديد يمتاز بذكائه الحاد و شدة رزانته و هدوءه و هو الذي سيقود "فيلق العملاء" و ريثما يقوم حشيش بتسليحهم.

 

سارعت مخابرات الثورة، بالتحضيرات و الاستعدادات اللازمة و كذلك أهمية الاعتناء بهذا الملف السري، تم كل شيء دون أن يعلم ذكاء عناصر الأجهزة الفرنسية، رغم أنها كانت الناشطة بدون منافس في الساحة الجزائرية.

و هكذا سقط جهاز المخابرات الفرنسية في الفخ بسقوط " عصفوره الأزرق" بناه له وطني قروي بسيط اسمه زايديد دون سابق إنذار إلى جهاز المخابرات لجزائر الثورة، و هي العملية التي أطلق عليها و على منفذها قوة كا. FORCE K نسبة للحرف الأول من كلمة القبائل جند فيها زايديد رجالا من خيرة المناضلين الوطنيين الذين كانوا يشكلون جهاز اتصال، و الذي تحول فيما بعد إلى ما يسمى بجهاز الثورة للمخابرات.

 

و تلك العملية كانت الأولى من نوعها التي نجح فيها هذا الجهاز، مما رفعه إلى مستوى أجهزة الاستخبارات العالمية ليتطور مع مرور السنين و قد روى لنا المرحوم قاصدي مرباح كيف كان جهاز المخابرات مسيطرا على الأوضاع داخل الوطن و داخل فرنسا

 

لقد شارك في اختيار و تجنيد الرجال القائـد كريم بلقاسم، حتى يضمن التفوق و النجاح على جهاز المكتب الثاني، حيث تمكن زايديد أن يوهم حشيش العميل إلى أن وفر له المال و السلاح بمختلف أنواعه. و تم تسليح في الدفعة الأولى ثلاثين رجلا، و حصول على مبلغ من المال، و الذي وزع على المجندين.

 

دخلت "قوة كا " في تنفيذ العمليات العسكرية ليلا، و هي عمليات كان كريم بلقاسم يعدها و يحضرها بنفسه حتى يسيطر على الوضع، حيث كانت الاشتباكات تجري بطرق وهمية يعود بعدها المجندون إلى حياتهم العادية. و حتى الخسائر المادية و البشرية التي كان يتم الإعلان عنها. في الواقع كانت في صفوف الخونة و الحركة و العملاء الذين كانت قيادة الثورة تأتي بهم من مناطق أخرى، ليعدموا في ساحة المعركة حتى يتأكد لفرنسا وفاء المجندين " العملاء" و زاد " حماس" المخابرات الفرنسية فزادت في التجنيد و التسليح، و ما زال زايديد هو قائدهم، و صاحب القرار في الاختيار، حتى وصل عدد المجندين في "قوة كا" إلى 1500 رجل، و هو ما دفع كريم بلقاسم أن يعين المدعو محمد مخلوف من آيت وانيش مساعدا لزايديد الذي أصبح يتمتع بثقة الفرنسيين و صاحبه حشيش.

 

و لما تولى محمد مخلوف هذا المنصب أصبح التمويل بالأسلحة و الذخيرة، مباشرة من طرف أحد الضباط من جهاز الاستخبارات على مستوى المنطقة العسكرية بتيزي وزو، و كان هذا الضابط هو الذي ينقلها إلى قرية آيت وانيش ليستلمها منه محمد مخلوف في سرية تامة.

و ذات يوم وصلت تعليمات إلى زايديد تحثه عل جمع كل المعلومات عن صديقه حشيش، و كل ما يمكن معرفته عن شخص بلونيس  فأخبره بأنه عميل خطير يعمل مع ضابط المخابرات الموجودة بمدينة "غتراليس".

 

في الوقت الذي كان حشيش يخطط إلى بلوغ ما كان يطمح الوصول إلى تحقيقه، تمت الإجراءات لانعقاد مؤتمر الصومام، فأمر كريم بلقاسم بسحب المجاهدين من عملية العصفور الأزرق و تحويلها إلى قوة جهاد ظاهرة تتكلف بحماية المنطقة و الدفاع عنها في حالة شن أي هجوم فرنسي على المنطقة، و صادف هدا القرار لجوء الجنرال الفرنسي "أوكي" إلى التفكير جيدا في "قوة كا" مباشرة بعد تعيينه لتسيير هذه القوة فبدأ يراوده الشك. إلا أن "جاك سوستال" عارض هذا التعيين، و عين بدله النقيب "هنتيك"- الذي أول خطوة قام بها تمثلت في فتح تحقيق لمعرفة كل فرد من أفراد قوة كا-

 

طالب النقيب "هنتيك" تدعيمه بعناصر فرنسية من الفيلق الخاص للمظليين، و المعروف باسم " الصدمة 11" (11e CHOC)  حيث لبى طلبه الكولونيل ديكروس- و مده بثلاثين عسكريا، من بينهم سبعة عشر مظليا، و اثني عشر ضابط صف من ذوي الكفاءة العسكرية عالية، تحت قيادة الملازم - داكسل- ثم قدم "جون سرفيي" في مهمة سرية، لأنه يحسن التحدث بالعربية و القبائلية و الشاوية، و يعرف حسن المعرفة منطقة القبائل الكبرى و الصغرى. و أكد للنقيب بأن رجال "قوة كا" ليسوا كلهم من القبائل و لا ينتمون لناحية تيزي وزو و عزازقة. و بذلك تأكدت شكوك "هنتيك" و لكن ! !

 

سارع أسد الجبال كريم بلقاسم بإعطاء أوامر عاجلة لأفراد" قوة كا" للاتحاق بصفوف جيش التحرير الوطني، و بالتالي وضع حدا للمهمة و الانسحاب من غابة "تمغوت" جنوب بورفيدون- في حين التقى زايديد بصديقه الطاهر حشيش لإخباره بما حصل متجاهلا أمامه بانتماء بعض من عناصر "قوة كا" إلى المخابرات الجزائرية.

 

 و بعد فترة ظهر حشيش بوحشية يريد الانتقام لفشله من صديقه زايديد. لكن هذا الأخير كان أسرع منه فأخرج مسدسه 9 مم وصوبه في صدر حشيش حيث أطلق ثلاث عيارات سقط على إثرها حشيش ميتا من أجل فرنسا.

في نفس الوقت أعلنت القوات الفرنسية حالة طوارئ من منطقة القبائل، بعدما أصيبت مخابراتها بالجنون و انقلب كل شيء في باريس، فأمرت قيادة المخابرات الفرنسية و كذلك "جاك سوستال" بإبادة كل المجندين في "قوة كا" الشيء الذي حول المنطقة إلى جحيم من النار و الدمار.

و من جانب الطرف الجزائري فقد أعلن كريم بلقاسم عن التحاق 600 عنصرا من" قوة كا " بصفوف جيش التحرير. بينما العناصر الأخرى، منها من تسللت داخل المدن، و منها من دخلت في اشتباكات مع المظليين الفرنسيين.

 

لم يتناول الإعلام الفرنسي هذه الواقعة المتمثلة في انهزام مخابراتها، إلا بعد مرور عشرة أشهر، و لم يكن وقع الفضيحة على المخابرات الفرنسية فحسب، و إنما على فرنسا بقوتها العسكرية و الصناعية، و ما يليها من علم وثقافة.. و تلك هذه قصة العصفور الأزرق الذي تربى في عش فرنسا ثم طار ليرفرف و يحط في قمم جبال الجزائر الشامخة و ذلك هو الانتصار الذي حققه جهاز المخابرات الجزائرية و هو في عز تأسيسه.. لازال في مهده و تغلب على أقوى جهاز في أوروبا. و لأن الانتصار لا يعود في أصله إلى قوة عسكرية، و إنما يعود أصلا إلى الإيمان بقضية مالما كانت قضية إيمان الجزائريين هي تحرير الجزائر من بطش الاستعمار. وليس لدينا ما نقوله أكتر من قولنا انه كان استعمارا خبيثا و خبيثا جدا.

Voir les commentaires

كتاب جواسيس في مهام سرية/ القضية التي عصفت

 

القضية التي عصفت

 بوزير المخابرات

 

تحول موضوع استقالة (الوزير شتافن هاجس) وزير المخابرات الألمانية المسؤول المباشر عن تنسيق أجهزة المخابرات الألمانية الثلاثة : الداخلية و الخارجية و العسكرية بعد انفجار فضيحة شحن الأسلحة الألمانية الشرقية إلى إسرائيل عن طريق التعاون بين جهاز المخابرات الألمانية (ب.ف.د.) و جهاز الموساد إلى سؤال كبير يدور حول السبب في انطلاق الفضائح السياسية و الشخصية و تراكم الأخطاء في مركز صنع القرار السياسي و مقر الحكم في دولة متقدمة تقف في قمة العالم كألمانيا التي يزداد وزنها السياسي و الاقتصادي و الإستراتيجي و التقني في أوروبا و العالم، و بعد أن حققت وحدتها السياسية التي كانت اقرب إلى السراب.

 

و الواقع أن وزير المخابرات شتافن هاجس لم ينزلق و يسقط عن مقعده بسبب اكتشاف موضوع تزويد إسرائيل بالأسلحة بل أن هذه الفضيحة كانت النقطة الأخيرة التي فاض بها كأس دار المستشارية الألمانية في (بون) و قد تأكد للجميع بعد اكتشاف شحنة من الدبابات السوفياتية الحديثة من طراز (72 T) الذي يضاهي أحدث الدبابات الحديثة في العالم و عدد من صواريخ جو-جو التي تستخدمها طائرات الميغ 29 التي تعتبر هي الأخرى أحدث الطائرات المقاتلة و القاذفة لدى الاتحاد السوفياتي، و أن هذه الشحنة المموهة على شكل جرارات زراعية و معدة للشحن على سفينة (بالماخ 2) الإسرائيلية إلى فلسطين المحتلة كانت الخامسة عشرة من نوعها و جرت في إطار التعاون العسكري و الأمني القائم بين ألمانيا و إسرائيل منذ سنوات طويلة و لعل الخطأ الوحيد الذي ارتكبه الوزير السيئ الحظ و المسؤول عن تنسيق أنشطة المخابرات الألمانية و تعاونها مع الأجهزة الصديقة، هو أنه ترك موضوع التعاون الأمني و العسكري الألماني الإسرائيلي في يد بعض المسؤولين في جهاز المخابرات الألمانية الخارجية في ميونيخ و عدد من ضباط قيادة القوات المسلحة في وزارة الدفاع الألمانية في بون الدين تابعوا تنفيذ اتفاقيات التعاون الأمني و العسكري مع إسرائيل و لكن يبدو أنهم تطرفوا في هذا الموضوع و بالغوا في تفسير هذا التعاون الخطير عندما فتحوا خلال الشهور القليلة الماضية أبواب ترسانة الأسلحة السوفياتية المتطورة الموجودة في ألمانيا الشرقية من دبابات و طائرات و صواريخ و تجهيزات تقنية و معدات عسكرية لإسرائيل كي تأخذ منها ما تشاء و تستولي على أكبر كمية منها تاركة الفضلات لعدد قليل من دول العالم الأخرى و منها بعض الدول العربية التي كانت تشعر بسعادة غامرة لأنها حصلت على بعض سيارات النقل و زوارق حراسة السواحل و قطع الخردة بينما كانت الطائرات الألمانية بل و الإسرائيلية تنقل بحرية كاملة معدات النقل و الدمار إلى إسرائيل.

 

لقد فتحت استقالة رئيس المخابرات الألماني (شتافن هاجس) ملفا قديما و أثارت ذكريات مريرة حول الأعمال التي تجري في مقر الحكم في (بون) خلال سنوات طويلة و الفوضى و الإهمال و اللامبالاة التي تعالج بها القضايا السياسية و الأمنية و الدولية في دار المستشارية التي ظلت دوما و خلال ما يزيد من أربعين عاما هدفا مكشوفا لعملاء ألمانيا الشرقية الذين وجدوا في هذه الدار المحاطة بالأسلاك الشائكة و الأبواب الآلية المكهربة و الحرس المدججين بالسلاح مكانا مريحا و هدفا سهلا يسربون إليه جواسيسهم و عملاءهم في إطار من العمليات الإستراتيجية الطويلة الأمد التي وصلت إلى قمتها عندما استطاعت أجهزة مخابرات برلين الشرقية تسريب واحد من أبرز عملائها المعروف (غيلوم) إلى مركز قيادة الحزب الديموقراطي الاشتراكي و مقر الحكم في دار المستشارية الألمانية في (بون) و اصبح سكرتيرا شخصيا و المستشار الألماني الأسبق (فيلي براندت) الذي اضطر إلى الاستقالة بعد انفجار فضيحة (غيلوم) في منتصف السبعينات.

 

و ترى الأوساط السياسية في بون أن المستشار الألماني (كول) قد ضحى بوزيره (شتافن هاجس) لانقاد نفسه من المشاكل الصعبة المحيطة به و استبدال وجوه سياسية قديمة بوجوه جديدة و كان وزير الدفاع الألماني جيرهارد شتولتبزج متورطا في قضية الأسلحة المشحونة  إلى إسرائيل بعد أن تركزت عليه حملة شديدة من النقد من قبل المعارضة الديمقراطية الاشتراكية و لجنة التحقيق البرلمانية التي شكلت لهذا الغرض و تضم عددا من نواب حزب المستشار (كول) الديموقراطي المسيحي.

 

و قد تعالت أصوات داخل الحكومة البرلمانية و في الأوساط السياسية و الإعلامية و الحزبية مطالبة هلموت كول المستشار الألماني سابقا بضرورة التحرك لاعادة ترتيب (البيت الألماني) من الداخل بعد أن اشتغل فترة طويلة بترتيب البيت الأوروبي و إقامة الجسور التي تربط (بون) بمعظم عواصم العالم و خاصة موسكو و باريس.

 

 

Voir les commentaires