Overblog Suivre ce blog
Administration Créer mon blog

كتاب جواسيس في مهام سرية /اغتيال المناضل موريس أودان

 

اغتيال المناضل موريس أودان

من طرف المخابرات الفرنسية

أثناء الحرب التحريرية الجزائرية

كثيرة الجرائم المقترفة في حق الوطنيين، و دعاة الحرية المساواة و العدل، قليل منها أظهرته وسائل الإعلام، و الآخر أخفاه الصمت الذي يراد فرضه على "البلاد العميقة".                          و كفاح الجزائر المجاهدة يتواصل، شارك أبناء الوطن، و أيضا الأجانب المحبين للحرية و العدالة. و من هؤلاء نتذكر  المناضل و المتعاطف مع الثورة الجزائرية موريس أودان الاسم الذي أطلق على إحدى الساحات الرئيسية وسط عاصمة الجزائر ، و أمام المقر الرئيسي للخطوط الجوية الجزائرية، و كذلك الفندق الشهير "آليتي" سابقا.

 

لقد كان موريس أودان أستاذا معيدا في مادة الرياضيات في كلية العلوم بجامعة الجزائر، و سنه لا يتعدى 25عاما، ففي يوم 11 جوان سنة 1958 تمكنت مصالح الأمن العسكري الفرنسي رفقة جماعة "بيجار" من المظليين من إيقاف موريس أودان، و نقل إلى المقر السري للمخابرات (من يستطيع الفرار من زنازن المخابرات، حيث لا يدري التاريخ، و لا الزمن، و لا الممرات، و قد أدخل معصوب العينين) و منذ إيقافه لم يظهر لحد اليوم، بل لم يعثر حتى على جثته. و كان من شاهده في المعتقل عقب حصة التعذيب، الكاتب الفرنسي هنري علاق (HENRI ALLERG)   مؤلف الكتاب الشهير "المسألة و القنبلة حول التعذيب".

 

و قد استنكر الحزب الشيوعي الفرنسي آنذاك اختفاء موريس أودان، حيث أوصت الحكومة الفرنسية الحاكم العام للجزائر، بتأسيس لجنة لتقصي الحقائق و الرد على الذين اتهموا المخابرات الفرنسية.

و بعد سنة أي في شهر ماي سنة  1958 نشر الكاتب الفرنسي "بيار ناكي فيدال" كتاب أصدرته دار النشر (MINUIT)، تحت عنوان "قضية أودان" أبرز فيه أطروحة، فحواها أن العملية ما هي سوى لعبة كوميدية ركبها المضليون، رجع الدور الرئيسي فيها لضابط في الفرقة. أما الشاب موريس أودان بالنسبة للكاتب كان قد توفي تحت التعذيب، و بما أنه كان فرنسيا، كان ضروريا على المخابرات إخفاء وفاته، و التحقيق القضائي الذي شرع فيه في الجزائر تم بفرنسا. و استمر حتى سنة 1962، دون نتيجة تذكر.

 

هذا الكتاب الذي صدر في سنة 1958 أعيد طبعه لدى نفس الدار سنة 1959 بإضافات و تنقيحات، حيث توصل المؤلف بعد مشقة دامت سنين طوال إلى الحصول على ملفات لمختلف التحقيقات القضائية حول قضية أودان منذ بدايتها، و لكن تحصل أيضا على وثائق و أرشيفات كثيرة احتفظت بها وزارة العدل، تخص هذه القضية.

 

و الأهم أن هذه الوثائق سمحت لأول مرة في تاريخ القضية منذ بدايتها، و ذلك قبل نفاذ المهلة القانونية وهي 50 سنة، وتؤكد له كيف أن السلطة القضائية الفرنسية، رغم ثبوت الأطروحة التي دافع عنها سنة 1958، و كذلك قاضي التحقيق لدى الوزارة، مرورا بوكلاء النيابة، فعلوا ما بوسعهم لتفادي الاضطرار إلى إصدار محاكمة في حق الجناة.

 

 أما وثائق المخابرات، فهي تؤكد في سرية تامة عن قتل موريس أودان من طرف ضابط في الجيش الفرنسي برتبة ملازم، و قد قتله خنقا يوم 21 جوان زوالا. و هذا الضابط لا زال حيا بفرنسا، و قد أحيل في سنة 1981 على التقاعد كعقيد في الجيش بدرجة قائد "الفيالق الشرفية" و لم يحاكم أبدا عن جريمته.

 

و تتساءل أرملة موريس أودان، و أبناؤه الثلاثة "أين هي الجثة ؟".. لكن الواقع هو أن المتعاطفين الفرنسيين مع الثورة الجزائرية كانوا يختطفون، و يغتالون بطريقة سرية من طرف أعوان المخابرات.

 

إن قضية موريس أودان و غيره تصطدم مع مواقف السلطات الفرنسية من حيثيات التحقيق، فمن تأجيل إلى عفو أو إلى تبرئة، آخرها كانت في عهد حكومة بيار موروا، لا يمكن الإقرار إلا بتواطؤ هذه السلطات مع مرتكبي أو مدبري الجريمة.

و الأخطر من كل هذا، كان ضباط التعذيب يقضون أيامهم السعيدة بعيدا عن كل متابعة، و قد كتب صحفي فرنسي من يومية "لاكروا" في الموضوع قائلا : "إن قضية موريس أودان تبقى قضية ضحية من دون جسد على غرار لا مبالاتنا لحرب الجزائر.. "

 

و قد أدان الصحفي صفة الأجهزة القضائية و السياسية الفرنسية و حساباتها الدنيئة، و لا يستثنى تقاعس الرأي العام فيما أسماه "تحالفا من أجل إخفاء الحقيقة"، و تعرج  عن قضايا التقتيل، و التعذيب التي مارسها النظام الفرنسي قبل سنة 1962 في الجزائر، في حق الوطنيين و المتعاطفين الأجانب مع قضيتهم الوطنية الشرعية.

 

على الرأس و العين .. موريس أودان خلدت الجزائر المستقلة ذكراه، و طبعت اسمه على ساحة من أكبر ساحات العاصمة، مثلما فعلت تخليدا لأرواح ثوار العالم، مثل شي غيفارا، عبد الكريم الخطابي، فرانز فانون، باتريس لومومبا، و غيرهم.

 

Voir les commentaires

كتاب جواسيس في مهام سرية /أخطر جاسوس فرنسي خلال الثورة التحريرية

 

أخطر جاسوس فرنسي خلال الثورة التحريرية

 

جورج واتين المدعو عند الفرنسيين الذئب « LE LOUP » و الملقب عند الجزائريين "الجن الأحمر" كان هذا إبان الثورة التحريرية.

لجورج واتين ماض ملطخ بالدماء، و يعتبر أخطر و أكبر مجرم مدني خلال الاحتلال الفرنسي للجزائر.

ولد جورج و ترعرع بضواحي خميس مليانة، حيث درس و نال شهادة مهندس زراعي و أتقن الحديث باللغة العربية العامية. فهو ابن كولون .. و كان حارسا لمرمى فريق كرة القدم لمدينة خميس مليانة.

إنه مجرم .. مجرم مدني .. و مجرم حرب نظرا لتعامله مع مصالح المخابرات الفرنسية في الجزائر خلال الفترة الممتدة من 1954 إلى 1960، قبل أن يلتحق بالمنظمة الإرهابية السرية- OAS –  و انتمائه للجنرالات الانقلابيين : صالان- جوهود- زالار

 

ففي هذا السياق، سكان مناطق سهل الشلف يتذكرون ذلك المجاهد الذي اتصل بأمر من جبهة التحرير بجورج واتين لتسليمه وصل الاشتراك بقيمة 2 مليون سنتيم، بعد موافقته و طلبه، لكن الحقيقة كانت غير ذلك فبمجرد وصول المجاهد إلى مزرعة واتين حتى قام هذا الأخير رفقة شقيقه باغتيال المجاهد و التمثيل بجثته، حيث أثبت السفاح جورج واتين الوصل بمسمار كبير على عظم جبهة المجاهد الشهيد، ثم نقله على متن سيارته "جيب" إلى الساحة الرئيسية للمدينة و عرضها أمام أنظار الجميع.

 

و تفيد وثائق المخابرات الفرنسية أن جورج واتين كان قد التحق بمصالح المخابرات (الأمن العسكري) بتاريخ أول نوفمبر 1954. و قد تعرض لعملية اعتقال في سنة 1962، من طرف الشرطة الفرنسية، حيث مكث بالسجن 6 أشهر دون أن يحاكم.

و تضيف المعلومات أن جورج واتين قد حكم عليه بالإعدام مرتين بفرنسا لمحاولة تنفيذ اغتيال ضد الجنرال ديغول في سنة 1962، المحاولة الأولى نفذت بمدينة "بوتي كلامار"، و الثانية وقعت بالمدرسة العسكرية، و حكم عليه بالإعدام في الجزائر ثماني مرات على إثر جرائمه ضمن المنظمة السرية الإرهابية –OAS-  

 

كما كان جورج واتين المتسبب الرئيسي في مذبحة البريد المركزي بالعاصمة عندما دفع السكان الفرنسيين في مظاهرة، تصدى لها الجيش الفرنسي بالنار.

ثم فر واتين إلى فرنسا، حيث قام بزرع 85 عبوة ناسفة (بلاستيك) في باريس، استهدفت مناصري الجزائر جزائرية و اليساريين.

و بعد استرجاع  استقلال الوطن فر جورج واتين هاربا من عقاب الثورة الجزائرية إلى سويسرا، و مكث طوعا منه بالسجن لمدة 24 شهرا، ثم التحق بالباراغواي في نهاية سنة 1965.

 

و عندما فاز الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا متيران بالرئاسيات سنة 1980، عاد السفاح جورج واتين إلى فرنسا حرا طليقا. مدركا أن فرانسوا متيران كان مثله عدوه لدودا للثورة الجزائرية، خاصة عندما صرح في قسنطينة بصفته وزيرا للداخلية قائلا : "نهاية الفلاقة وشيكة.. يجب دوسهم" لكن واتين لم يستطع الاستقرار، فعاد ثانية إلى الباراغواي.

 

يناهز سن هذا السفاح حاليا 76 سنة و هو يعيش بمدينة- أسنصيون- بالباراغواي، و يعتبر بشهادة الملفات السرية للمخابرات الفرنسية أكبر و أخطر مجرم مدني خلال حرب الجزائر.

لقد ارتكب هذا السفاح عدة جرائم في حق الشعب الجزائري  وكان يملك أراضي شاسعة و عددا من السيارات و الجرارات، و رغم ذلك، لم يدفع ثمن جرائمه مثله مثل السفاح بيجار ،حيت لا زال حنين الجزائر الفرنسية يراوده.

 

 

 

 

 

Voir les commentaires

كتاب جواسيس في مهام سرية /عملية العصفور الازرق

 

عملية "العصفور الأزرق" أول مواجهة بين المخابرات

 الجزائرية و الفرنسية أثناء الحرب التحريرية الجزائرية

 

 

لقد قررت المخابرات الفرنسية تشكيل جيش عميل من الجزائريين لمحاربة جيش التحرير الوطني، فكانت المحاولة هي تجنيد عملاء جزائريين من سكان منطقة القبائل لصد المجاهدين حيث تم إسناد المهمة إلى عناصر المنطقة العسكرية العاشرة للجيش الفرنسي بالتعاون مع بعض الأفراد العاملين في جهاز المخابرات الفرنسية و في مقدمتهم المدعو "الطاهر حشيش" عنصر ذكي صديق حميم لقائد جهاز مراقبة التراب الفرنسي بباريس DST.

 

التحق الطاهر حشيش بمدينة عزازقة حيث قصد مطعم أحد أصدقاؤه المدعو زايديد الذي كان مناضلا و مسؤولا في صفوف الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية، و نظرا لظروفه الاجتماعية و الخاصة كان قد ابتعد عن الحركة الوطنية من غير ما ينفصل عنها تماما، و لعل ابتعاده هذا عن النضال و منذ عام 1950هو الذي جلب إليه انتباه الطاهر حشيش الذي قرر زيارته في مطعمه.

 

التقى الرجلان و جرى الحديث بينهما حول أحداث الثورة المسلحة و المجاهدين و تواجد كريم بلقاسم و ما يشكله المجاهدون من قوة ضاربة في المنطقة، و قد تواصل الحديث من غير ما يكتشف زايديد نوايا الطاهر حشيش. إلى أن وصف هذا الأخير ما يقوم به جيش التحرير بالقتلة للأطفال و بالمجرمين في حق النساء. تبين لزايديد موقف صديقه الحميم من الثورة فلم يشأ أن يخالفه في موقفه و آرائه، بل أيده و أكد له ما أنعت به المجاهدين و أضاف له أوصاف ما يعانيه الشعب منهم، فوثق حشيش بصاحبه و باح له بما عزم على الإقدام عليه.

 

لم يبد زايديد أية معارضة و لم تظهر عليه علامات القلق و الخوف بل أبدى ما يشجع صديقه بعدما اهتدى في قرارة نفسه إلى ما قد يفيد به الثورة و يكفي أن يلعب فيها الدور الأساسي تعويضا لما فاته من نضال.

عرض عليه حشيش أن يقوما بعمل ما، خدمة لفرنسا حتى تكرمهما بما يليق بعملهما.. لم يعلق زايديد على عرض صديقه و إنما استفسره عن نوع العمل و أسلوبه، و قد اندهش زايديد لما رد عليه صديقه بقوله : "أن نقاوم الفلاقة بالأسلوب الاستخباري الذي يطوق شملهم و أن يتم ذلك بالدخول في وسطهم و اختراق صفوفهم".

أظهر زايديد حيرته وعلى أنها حيرة المستصغر قبوله بالعرض حتى و إن كان ما يريده من صديقه غير واضح و غير مفهوم، و عقد الاثنان اتفاق لقاء ثاني بينهما.

لقد سبق و ذكرنا بأن زايديد كان مناضلا في صفوف الحركة من أجل انتصار الحريات و الديمقراطية، و ترقى في إطارها إلى مستوى المسؤولية، وهذا ما يؤكد ما كان عليه من روح وطنية عالية، إلا إن ظروف الحياة و ما حدث في صفوف الحركة فيما بعد جعله يبقى حياديا مهتما بشؤون عائلته، و مع اندلاع الثورة عاد إلى نشاطه الوطني مكن جديد و انبعثت فيه روح الوطنية، فاتصل برجالات الثورة و على رأسهم كريم بلقاسم.

 

فلم يترك زايديد الوقت يضيع منه، فما أن افترق بصديقه حشيش حتى اتصل بكريم بلقاسم و استعرض عليه تفاصيل قصة لقاءه مح حشيش و ما ينوي هذا الأخير القيام به ضد الثورة و ضد المجاهدين.

لم يندهش كريم بلقاسم و لم يعقب في بداية الأمر، بل فكر طويلا، ثم قال لزايديد ما عزم عليه و رتب له.

و طلب منه أن يبقى على اتصال دائم مع حشيش و أن يظهر له المودة و الإخلاص و أن يحثه على أن يحقق ما يريده، و قبل أن يودع كريم بلقاسم زايديد قدمه إلى المدعو محمد بازوران قائد ناحية عزازقة، ثم ودعهما في الأخير على أمل اللقاء.

 

التقى زايديد بحشيش الذي كان عائدا من العاصمة يحمل معه إلى زايديد خبر حصوله على أسلحة و ذخيرة و مال، و يبقى الحصول على العناصر من مهمة زايديد الذي أكد لصديقه أنه في صدد البحث عنهم و قادر على استمالتهم و تجنيدهم، لكن يجهل عدد العناصر المطلوبة، إلا أن حشيش رد عليه بأنه بحاجة إلى العشرات و المهم في الأمر أن لا يلفتوا الانتباه إليهم و يلتزمون بأشغالهم العادية نهارا، أما المهمة المطلوبة منهم فيتم تنفيذها ليلا فقط و عليهم بالإخلاص لفرنسا.

 

تواصلت اللقاءات بين زايديد و حشيش من أجل التحضير و الإعداد، و في نفس الوقت كانت تجري لقاءات بين زايديد و كريم بلقاسم الذي أشعر العقيد محمدي سعيد بما نوى القيام به لاستغلال مخطط العميل حشيش عن طريق زايديد، لكن العقيد محمدي سعيد لم يبد ارتياحه لهذه العملية لما تشكله من خطورة على حياة المناضل زايديد و باقي الوطنيين من أبناء المنطقة الذين تم الاتصال بهم للتجنيد كعملاء تحت قيادة حشيش و ضمن جهاز مخابراتي ليس من السهل الإفلات منه، كما أن تجربة العقيد محمدي سعيد مع "الجستابو" الألماني تركه يفكر طويلا، لكن إصرار كريم بلقاسم على تنفيذ خطته أصبح في نفسه عزيمة و إرادة، لأنه كان يعلم أن الوطني زايديد يمتاز بذكائه الحاد و شدة رزانته و هدوءه و هو الذي سيقود "فيلق العملاء" و ريثما يقوم حشيش بتسليحهم.

 

سارعت مخابرات الثورة، بالتحضيرات و الاستعدادات اللازمة و كذلك أهمية الاعتناء بهذا الملف السري، تم كل شيء دون أن يعلم ذكاء عناصر الأجهزة الفرنسية، رغم أنها كانت الناشطة بدون منافس في الساحة الجزائرية.

و هكذا سقط جهاز المخابرات الفرنسية في الفخ بسقوط " عصفوره الأزرق" بناه له وطني قروي بسيط اسمه زايديد دون سابق إنذار إلى جهاز المخابرات لجزائر الثورة، و هي العملية التي أطلق عليها و على منفذها قوة كا. FORCE K نسبة للحرف الأول من كلمة القبائل جند فيها زايديد رجالا من خيرة المناضلين الوطنيين الذين كانوا يشكلون جهاز اتصال، و الذي تحول فيما بعد إلى ما يسمى بجهاز الثورة للمخابرات.

 

و تلك العملية كانت الأولى من نوعها التي نجح فيها هذا الجهاز، مما رفعه إلى مستوى أجهزة الاستخبارات العالمية ليتطور مع مرور السنين و قد روى لنا المرحوم قاصدي مرباح كيف كان جهاز المخابرات مسيطرا على الأوضاع داخل الوطن و داخل فرنسا

 

لقد شارك في اختيار و تجنيد الرجال القائـد كريم بلقاسم، حتى يضمن التفوق و النجاح على جهاز المكتب الثاني، حيث تمكن زايديد أن يوهم حشيش العميل إلى أن وفر له المال و السلاح بمختلف أنواعه. و تم تسليح في الدفعة الأولى ثلاثين رجلا، و حصول على مبلغ من المال، و الذي وزع على المجندين.

 

دخلت "قوة كا " في تنفيذ العمليات العسكرية ليلا، و هي عمليات كان كريم بلقاسم يعدها و يحضرها بنفسه حتى يسيطر على الوضع، حيث كانت الاشتباكات تجري بطرق وهمية يعود بعدها المجندون إلى حياتهم العادية. و حتى الخسائر المادية و البشرية التي كان يتم الإعلان عنها. في الواقع كانت في صفوف الخونة و الحركة و العملاء الذين كانت قيادة الثورة تأتي بهم من مناطق أخرى، ليعدموا في ساحة المعركة حتى يتأكد لفرنسا وفاء المجندين " العملاء" و زاد " حماس" المخابرات الفرنسية فزادت في التجنيد و التسليح، و ما زال زايديد هو قائدهم، و صاحب القرار في الاختيار، حتى وصل عدد المجندين في "قوة كا" إلى 1500 رجل، و هو ما دفع كريم بلقاسم أن يعين المدعو محمد مخلوف من آيت وانيش مساعدا لزايديد الذي أصبح يتمتع بثقة الفرنسيين و صاحبه حشيش.

 

و لما تولى محمد مخلوف هذا المنصب أصبح التمويل بالأسلحة و الذخيرة، مباشرة من طرف أحد الضباط من جهاز الاستخبارات على مستوى المنطقة العسكرية بتيزي وزو، و كان هذا الضابط هو الذي ينقلها إلى قرية آيت وانيش ليستلمها منه محمد مخلوف في سرية تامة.

و ذات يوم وصلت تعليمات إلى زايديد تحثه عل جمع كل المعلومات عن صديقه حشيش، و كل ما يمكن معرفته عن شخص بلونيس  فأخبره بأنه عميل خطير يعمل مع ضابط المخابرات الموجودة بمدينة "غتراليس".

 

في الوقت الذي كان حشيش يخطط إلى بلوغ ما كان يطمح الوصول إلى تحقيقه، تمت الإجراءات لانعقاد مؤتمر الصومام، فأمر كريم بلقاسم بسحب المجاهدين من عملية العصفور الأزرق و تحويلها إلى قوة جهاد ظاهرة تتكلف بحماية المنطقة و الدفاع عنها في حالة شن أي هجوم فرنسي على المنطقة، و صادف هدا القرار لجوء الجنرال الفرنسي "أوكي" إلى التفكير جيدا في "قوة كا" مباشرة بعد تعيينه لتسيير هذه القوة فبدأ يراوده الشك. إلا أن "جاك سوستال" عارض هذا التعيين، و عين بدله النقيب "هنتيك"- الذي أول خطوة قام بها تمثلت في فتح تحقيق لمعرفة كل فرد من أفراد قوة كا-

 

طالب النقيب "هنتيك" تدعيمه بعناصر فرنسية من الفيلق الخاص للمظليين، و المعروف باسم " الصدمة 11" (11e CHOC)  حيث لبى طلبه الكولونيل ديكروس- و مده بثلاثين عسكريا، من بينهم سبعة عشر مظليا، و اثني عشر ضابط صف من ذوي الكفاءة العسكرية عالية، تحت قيادة الملازم - داكسل- ثم قدم "جون سرفيي" في مهمة سرية، لأنه يحسن التحدث بالعربية و القبائلية و الشاوية، و يعرف حسن المعرفة منطقة القبائل الكبرى و الصغرى. و أكد للنقيب بأن رجال "قوة كا" ليسوا كلهم من القبائل و لا ينتمون لناحية تيزي وزو و عزازقة. و بذلك تأكدت شكوك "هنتيك" و لكن ! !

 

سارع أسد الجبال كريم بلقاسم بإعطاء أوامر عاجلة لأفراد" قوة كا" للاتحاق بصفوف جيش التحرير الوطني، و بالتالي وضع حدا للمهمة و الانسحاب من غابة "تمغوت" جنوب بورفيدون- في حين التقى زايديد بصديقه الطاهر حشيش لإخباره بما حصل متجاهلا أمامه بانتماء بعض من عناصر "قوة كا" إلى المخابرات الجزائرية.

 

 و بعد فترة ظهر حشيش بوحشية يريد الانتقام لفشله من صديقه زايديد. لكن هذا الأخير كان أسرع منه فأخرج مسدسه 9 مم وصوبه في صدر حشيش حيث أطلق ثلاث عيارات سقط على إثرها حشيش ميتا من أجل فرنسا.

في نفس الوقت أعلنت القوات الفرنسية حالة طوارئ من منطقة القبائل، بعدما أصيبت مخابراتها بالجنون و انقلب كل شيء في باريس، فأمرت قيادة المخابرات الفرنسية و كذلك "جاك سوستال" بإبادة كل المجندين في "قوة كا" الشيء الذي حول المنطقة إلى جحيم من النار و الدمار.

و من جانب الطرف الجزائري فقد أعلن كريم بلقاسم عن التحاق 600 عنصرا من" قوة كا " بصفوف جيش التحرير. بينما العناصر الأخرى، منها من تسللت داخل المدن، و منها من دخلت في اشتباكات مع المظليين الفرنسيين.

 

لم يتناول الإعلام الفرنسي هذه الواقعة المتمثلة في انهزام مخابراتها، إلا بعد مرور عشرة أشهر، و لم يكن وقع الفضيحة على المخابرات الفرنسية فحسب، و إنما على فرنسا بقوتها العسكرية و الصناعية، و ما يليها من علم وثقافة.. و تلك هذه قصة العصفور الأزرق الذي تربى في عش فرنسا ثم طار ليرفرف و يحط في قمم جبال الجزائر الشامخة و ذلك هو الانتصار الذي حققه جهاز المخابرات الجزائرية و هو في عز تأسيسه.. لازال في مهده و تغلب على أقوى جهاز في أوروبا. و لأن الانتصار لا يعود في أصله إلى قوة عسكرية، و إنما يعود أصلا إلى الإيمان بقضية مالما كانت قضية إيمان الجزائريين هي تحرير الجزائر من بطش الاستعمار. وليس لدينا ما نقوله أكتر من قولنا انه كان استعمارا خبيثا و خبيثا جدا.

Voir les commentaires

كتاب جواسيس في مهام سرية/ القضية التي عصفت

 

القضية التي عصفت

 بوزير المخابرات

 

تحول موضوع استقالة (الوزير شتافن هاجس) وزير المخابرات الألمانية المسؤول المباشر عن تنسيق أجهزة المخابرات الألمانية الثلاثة : الداخلية و الخارجية و العسكرية بعد انفجار فضيحة شحن الأسلحة الألمانية الشرقية إلى إسرائيل عن طريق التعاون بين جهاز المخابرات الألمانية (ب.ف.د.) و جهاز الموساد إلى سؤال كبير يدور حول السبب في انطلاق الفضائح السياسية و الشخصية و تراكم الأخطاء في مركز صنع القرار السياسي و مقر الحكم في دولة متقدمة تقف في قمة العالم كألمانيا التي يزداد وزنها السياسي و الاقتصادي و الإستراتيجي و التقني في أوروبا و العالم، و بعد أن حققت وحدتها السياسية التي كانت اقرب إلى السراب.

 

و الواقع أن وزير المخابرات شتافن هاجس لم ينزلق و يسقط عن مقعده بسبب اكتشاف موضوع تزويد إسرائيل بالأسلحة بل أن هذه الفضيحة كانت النقطة الأخيرة التي فاض بها كأس دار المستشارية الألمانية في (بون) و قد تأكد للجميع بعد اكتشاف شحنة من الدبابات السوفياتية الحديثة من طراز (72 T) الذي يضاهي أحدث الدبابات الحديثة في العالم و عدد من صواريخ جو-جو التي تستخدمها طائرات الميغ 29 التي تعتبر هي الأخرى أحدث الطائرات المقاتلة و القاذفة لدى الاتحاد السوفياتي، و أن هذه الشحنة المموهة على شكل جرارات زراعية و معدة للشحن على سفينة (بالماخ 2) الإسرائيلية إلى فلسطين المحتلة كانت الخامسة عشرة من نوعها و جرت في إطار التعاون العسكري و الأمني القائم بين ألمانيا و إسرائيل منذ سنوات طويلة و لعل الخطأ الوحيد الذي ارتكبه الوزير السيئ الحظ و المسؤول عن تنسيق أنشطة المخابرات الألمانية و تعاونها مع الأجهزة الصديقة، هو أنه ترك موضوع التعاون الأمني و العسكري الألماني الإسرائيلي في يد بعض المسؤولين في جهاز المخابرات الألمانية الخارجية في ميونيخ و عدد من ضباط قيادة القوات المسلحة في وزارة الدفاع الألمانية في بون الدين تابعوا تنفيذ اتفاقيات التعاون الأمني و العسكري مع إسرائيل و لكن يبدو أنهم تطرفوا في هذا الموضوع و بالغوا في تفسير هذا التعاون الخطير عندما فتحوا خلال الشهور القليلة الماضية أبواب ترسانة الأسلحة السوفياتية المتطورة الموجودة في ألمانيا الشرقية من دبابات و طائرات و صواريخ و تجهيزات تقنية و معدات عسكرية لإسرائيل كي تأخذ منها ما تشاء و تستولي على أكبر كمية منها تاركة الفضلات لعدد قليل من دول العالم الأخرى و منها بعض الدول العربية التي كانت تشعر بسعادة غامرة لأنها حصلت على بعض سيارات النقل و زوارق حراسة السواحل و قطع الخردة بينما كانت الطائرات الألمانية بل و الإسرائيلية تنقل بحرية كاملة معدات النقل و الدمار إلى إسرائيل.

 

لقد فتحت استقالة رئيس المخابرات الألماني (شتافن هاجس) ملفا قديما و أثارت ذكريات مريرة حول الأعمال التي تجري في مقر الحكم في (بون) خلال سنوات طويلة و الفوضى و الإهمال و اللامبالاة التي تعالج بها القضايا السياسية و الأمنية و الدولية في دار المستشارية التي ظلت دوما و خلال ما يزيد من أربعين عاما هدفا مكشوفا لعملاء ألمانيا الشرقية الذين وجدوا في هذه الدار المحاطة بالأسلاك الشائكة و الأبواب الآلية المكهربة و الحرس المدججين بالسلاح مكانا مريحا و هدفا سهلا يسربون إليه جواسيسهم و عملاءهم في إطار من العمليات الإستراتيجية الطويلة الأمد التي وصلت إلى قمتها عندما استطاعت أجهزة مخابرات برلين الشرقية تسريب واحد من أبرز عملائها المعروف (غيلوم) إلى مركز قيادة الحزب الديموقراطي الاشتراكي و مقر الحكم في دار المستشارية الألمانية في (بون) و اصبح سكرتيرا شخصيا و المستشار الألماني الأسبق (فيلي براندت) الذي اضطر إلى الاستقالة بعد انفجار فضيحة (غيلوم) في منتصف السبعينات.

 

و ترى الأوساط السياسية في بون أن المستشار الألماني (كول) قد ضحى بوزيره (شتافن هاجس) لانقاد نفسه من المشاكل الصعبة المحيطة به و استبدال وجوه سياسية قديمة بوجوه جديدة و كان وزير الدفاع الألماني جيرهارد شتولتبزج متورطا في قضية الأسلحة المشحونة  إلى إسرائيل بعد أن تركزت عليه حملة شديدة من النقد من قبل المعارضة الديمقراطية الاشتراكية و لجنة التحقيق البرلمانية التي شكلت لهذا الغرض و تضم عددا من نواب حزب المستشار (كول) الديموقراطي المسيحي.

 

و قد تعالت أصوات داخل الحكومة البرلمانية و في الأوساط السياسية و الإعلامية و الحزبية مطالبة هلموت كول المستشار الألماني سابقا بضرورة التحرك لاعادة ترتيب (البيت الألماني) من الداخل بعد أن اشتغل فترة طويلة بترتيب البيت الأوروبي و إقامة الجسور التي تربط (بون) بمعظم عواصم العالم و خاصة موسكو و باريس.

 

 

Voir les commentaires

كتاب جواسيس في مهام سرية /الجاسوس الإسرائيلي/صالح مختاري

الجاسوس الإسرائيلي

لوتس الذي خدع أجهزة

 الآمن المصرية

 

 

 

 

لقد جاء في أحد كتب مشاهير العلماء اليهود و هو "شارلز بورتيوس شتاينميتس" في بدايات هذا القرن قوله "سوف يشهد المستقبل طائفة من الأمم الصغيرة و المستقلة تكون المعرفة خط الدفاع الأول فيها" و قد صدقت نبوءة هذا اليهودي الألماني الذي برع في الهندسة الكهربائية حيث لخص بدقة مدهشة الوضع الذي وجدت فيه إسرائيل نفسها منذ أيامها الأولى.

 

لقد أخذت على عاتقها منذ البداية الأولى مهمة المعرفة الشاملة و الدقيقة لنشاطات أعداءها، و أعطت بذلك أهمية لا تقل عن الأهمية التي أولتها للمدافع و الطائرات و المراكب البحرية المقاتلة السريعة و لا غرو في هذا، فإسرائيل التي غرست قصرا في فلسطين محاطة بأمم معادية لها تملك من الوسائل و الإمكانيات البشرية و الطبيعية ما لا يمكن مقارنتها مع إمكاناتها فعدد سكان هذه الدول يساوي عشرين ضعف سكان إسرائيل و مساحتها تساوي خمسين مرة ضعف مساحة إسرائيل و هذه الدول هي ( مصر- سوريا- العراق- لبنان- الأردن). و أمام هذا التفوق العددي في القوى و الرقعة الجغرافية فإن مؤسسي دولة إسرائيل تنبئوا منذ الوهلة الأولى بحجم المخاطر التي سوف تعترض طريقهم، و قد كان الحل بالإضافة إلى محاولة تحقيق مبدأ (التفوق النوعي) يتمثل في إنشاء جهاز استخبارات يكون من اكتر أجهزة العالم فاعلية و تأثيرا و قد كان "دافيد بن غوريون " الرجل الأول الذي كان وراء تأسيس و تطوير هذا الجهاز الإسرائيلي.

 

إن الاستخبارات الإسرائيلية المتمثلة في الموساد عرفت انتصارات و انكسارات، خلال فترة حياتها التي تعتبر قصيرة إذا ما قورنت بالاستخبارات العالمية المشهورة. و يعتمد الموساد في تجنيد أعضائه على الأشخاص الذين يتحلون بروح وطنية عالية لأن غاية الموساد الوحيدة، هي توفير الحماية و الحفاظ على استمرار دولة "إسرائيل" و مهمة الموساد هو زرع عملائها في البلدان التي تشكل خطرا على كيان إسرائيل.

 

و تعتبر سوريا و مصر بعد منظمة التحرير الفلسطينية من الدول الأشد عداء لإسرائيل خاصة في بداية إنشاء الدولة الإسرائيلية و يأتي هذا بحكم الحدود الجغرافية التي تربط إسرائيل بالدولتين العربيتين المذكورتين، ناهيك عن الإمكانات العسكرية التي تتمتع بها كل من مصر و سوريا و عليه فإن إسرائيل تحرص كل الحرص على زرع احسن عملائها في هذين البلدين إن الجاسوس "لفغانغ لوتس" من هو لوتس هذا يا ترى ؟ إنه يهودي من مواليد 1921ببلدة "مانهايم" بألمانيا من أب ألماني و أم يهودية كانا يعملان كممثلين في المسرح، لقد تلقى لوتس تربية ألمانية في منشئ الأم ومع أن أمه كانت يهودية لكنها كانت غير متحمسة للسياسة اليهودية، الأمر الذي جعل والديه يتغاضيان عن ختانه. و ما أن بلغ لوتس العاشرة من العمر حتى انفصل والداه عن بعضهما و وقع الطلاق بينهما و في الثانية عشر من عمره  رحل  لوتس مع أمه إلى فلسطين على إثر هجرة اليهود من ألمانيا نتيجة الاضطهاد الذي لاقوه من طرف النازية الألمانية في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية. تلقى لوتس تعليمه في فلسطين بالقرب من تل أبيب، و قد أصبح بعد حين من الوقت خبيرا في ترويض الخيول و ركوبها.بعدها التحق بجيش "الهاغاناه" السري الذي أقامه المستوطنون اليهود في فلسطين و هو الجيش الذي انظم فيما بعد إلى الجيش النظامي الإسرائيلي. كانت وظيفة لوتس في جيش الهاغاناه" هو القيام بدوريات الاستطلاع  و الحراسة على ظهر حصانه بالقرب من المدرسة التي تعلم بها.

 

و من صفات هذا الجاسوس أن مظهره يوحي أنه أكبر من سنه، الشيء الذي سمح له أن يزيف أوراقه بكل سهولة. عند بداية الحرب العالمية الثانية انخرط في الجيش الإنجليزي، و كان يتقن اللغة العربية و العبرية و الألمانية  و الإنجليزية، و هو ما جعل منه رجلا ذا شأن سيما في استجواب الأسرى الألمان. قضى لوتس فترة الحرب العالمية الثانية كلها في مصر، و رقي إلى رتبة رقيب (كوارتر ماستر سارخبت) و لما وضعت الحرب أوزارها عاد لوتس إلى فلسطين و زاول في بادئ الأمر عملا إداريا في مصفاة الزيوت بحيفا إلا أنه لم يتأقلم مع هذا العمل الروتيني و هو الذي دأب على العمل الديناميكي المثير لذا فإنه سرعان ما اشتغل في تهريب الأسلحة إلى جيش "الهاغاناه" و ظل كذلك إلى أن كان الإعلان عن قيام دولة إسرائيل عام 1948.

 

و قد شارك لوتس في أهم معاركها و بعد نهاية الحرب بقي في الجيش و أصبح آمرا للواء المشاة في حملة السويس برتبة ماجور. و بعد مدة قصيرة اتصل به رجال الموساد فعرضوا عليه الانضواء تحت رايتهم.

و قد وقع الاختيار على لوتس لأنه يتميز بصفات جد إيجابية في حقل الاستخبارات منها إتقانه لعدة لغات و شجاعته و حبه للمجازفة و طبيعته المنبسطة و المتفتحة، كما أنه يتمتع على قدرة في التمثيل و تحويل الحقيقة إلى باطل، و هذا ليس صعبا على ابن كانت أمه تشتغل ممثلة في المسرح، كما أن صفاته الجسمية كانت تدل على أنه من العرق الجرماني، حيث أنه أزرق العينين و أشقر الشعر، و حين عرض عليه الانضمام إلى الموساد كان عمره 35 سنة و لم يكن يرغب في مواصلة العمل في الجيش لأن تدريب العسكريين عمل ممل بالنسبة إليه، و عليه فضل الانضمام إلى رجال الموساد و تقبل المهنة الجديدة مسرورا، و لما دخل لوتس حياة الجوسسة و بدأ في العمل الجاد و التدريب الشاق لعدة أشهر إلى أن تمكن من إتقان مختلف جوانب الجوسسة، و قد درس التاريخ، خاصة تاريخ مصر لأنه مهيئا للعمل فيها. و في سنة 1957 صدر القرار بإرساله إلى مصر في مهمة جمع المعلومات الخاصة بالأسلحة التي تمتلكها مصر و التي تأتيها من الاتحاد السوفييتي  سابقا، و الخاصة أيضا بالخبراء و المهندسين الألمان المتخصصين في مجال الطيران الذين وصلوا إلى مصر بدعوة من حكومة جمال عبد الناصر. و قد وجد الموساد في لوتس الرجل الأنسب للقيام بهذه المهمة باعتبار أن ما يتمتع به من مزايا و من صفات مكتسبة تتيح له فرص كسب أبناء بلده الألمان في مصر. و قبل أن يرسل بلوتس إلى مصر عمد الموساد بكل ما أوتي من وسائل إلى تمويه شخصية لوتس الحقيقية و قد اتفق رجالاته على أن يحتفظ الجاسوس باسمه الحقيقي، لكنه ألماني ولد في ألمانيا و بقي فيها، بل أنه كان في جيش "المارشال رومل" في إفريقيا حين بدأت الاستعدادات للحرب. بعد الحرب ذهب لوتس إلى أستراليا و بقي فيها أحد عشر عاما و هو يربي الخيول، بعدها عاد إلى بلده ألمانيا، و منها سافر إلى مصر، أما عمله في مصر فهو تربية الخيول بالطبع و هكذا كان لتعلم لوتس تربية الخيول في شبابه فضلا لم يتوقعه أحد.

 

إن أول خطوة قام بها لوتس قبل أن يبدأ العمل في مصر أنه سافر إلى ألمانيا، و هذا سنة 1959، و أقام في برلين، و تظاهر أمام السلطات الألمانية أنه سئم العيش في إسرائيل و أنه تواق للعودة إلى بلده الأصلي و مسقط رأسه، و لقي كل المساعدة من أجل الحصول على الأوراق الثبوتية اللازمة و انتقل بعد حين من برلين إلى ميونيخ. و بعد أن قضى سنة كاملة في ألمانيا رأى لوتس و رؤساءه في الموساد أن وقت سفره إلى مصر قد حان فاتجه رأسا إلى مصر في جانفي 1961 . الخطوة الثانية التي سعى إليها لوتس في مصر هو الوصول إلى أندية السباق و تربية الخيول، و من حسن حظه أن أول الأندية التي ذهب إليها كان نادي الفرسان الراقي بالجزيرة، الذي يعتبره ضباط الجيش المصري من أحسن أندية الخيول. و أول تعارف له هناك كان مع رئيس الشرطة المصرية "يوسف علي غراب" و قدم لوتس نفسه على أنه مربي الخيول و سرعان ما تصادق الرجلان. و لم تمض أيام فقط حتى ذاع صيت لوتس بين أندية الخيول و الرياضات المختلفة و في أوساط الأثرياء الهاوين لمختلف الرياضات، و بدأت الدعوات تتهاطل على عليه لحضور الحفلات و مآدب العشاء، وكان لوتس يرد على مضيفيه بدعوات مماثلة يحسن فيها ضيافتهم و يغدق عليهم الهدايا و يبالغ في إكرامهم، و هو في ذلك ينوي التعرف على الشخصيات الحكومية و على الضباط و الضباط السامين في الجيش و يترقب درجة رتبهم و ألقابهم العسكرية بكل حذر و استطاع بمساعدة صديقه غراب أن يشتري عددا من الخيول و أن يضعها في نادي الفرسان. بعد قضاء 6 اشهر عاد لوتس إلى ألمانيا ليقدم تقاريره إلى رؤساءه هناك. و ارتاح رؤساءه أيما ارتياح للنتائج التي أحرزها لوتس و اعتبر بعد ذلك عين تل أبيب في مصر. و بعد أيام فقط قفل لوتس راجعا إلى مصر، و كان قد تسلح بمبالغ مالية كبيرة و بجهاز إرسال لاسلكي. و استطاع لوتس أن يهرب هذا الجهاز في كعب حذاء لركوب الخيل اشتراه من ألمانيا. و أثناء تواجد لوتس بألمانيا التقى بفتاة شقراء فاتنة تدعى " ألترود مارتانويمان" و هي لاجئة من ألمانيا الشرقية، تقيم في أمريكا، و كانت آنذاك تقوم بزيارة لأهلها في ألمانيا، و سرعان ما وقع الاثنان في قصة حب انتهت بعد أسابيع قليلة بالزواج. و كانت هذه الحادثة مجهولة لدى رؤسائه في الموساد، و لكن لوتس أخبرهم بأنه متزوج و قد قرر أن لا يعود إلى مصر دون زوجته، و هذا أمر يقلق الموساد لأن مهمة لوتس في مصر تحتاج إلى أن يكون وحده، وزوجته تعرقله و تكون خطرا على اكتشاف حقيقته. لكن الموساد لم يجد بديلا للوتس الذي أقنع رؤساءه بأنه سيؤدي مهمته على أحسن وجه و لن تكون زوجته سببا معرقلا له. و وعد رجال الموساد بأن يفيدهم اكثر في المستقبل بتقاريره المحكمة و المفصلة عن الأوضاع السياسية و العسكرية في مصر و عاد لوتس إلى مصر في عام 1961 على متن السفينة الإيطالية "اوسونيا" و هي السفينة نفسها التي سافر عليها الجاسوس اليهودي "إيلي كوهين" من إيطاليا إلى بيروت بعد سبعة أشهر فقط. و عند وصول لوتس إلى ميناء الإسكندرية وجد في استقباله رئيس الشرطة المصرية " غراب" بسيارته ليقله إلى القاهرة حيث أقيم حفل مفرط السخاء لتكريمه. كان لوتس يتقاضى مرتبا شهريا قيمته 850 دولار، لكن نفقاته لم تكن محدودة فهو السائح الثري الذي يملك موارد مالية كبيرة. و قام لوتس باستئجار شقة واسعة ( 16، شارع إسماعيل محمد حي الزمالك المترف) و كانت الشقة على مقربة من نادي الفرسان كما قام باستئجار إسطبلا بالقرب من الأهرام لخيله و مباني لمدرسته .

 

و فور وصول لوتس إلى مصر رتب أموره كما ينبغي و استعد لوصول زوجته إلى القاهرة كان فرح زملاءه هناك يفوق سعادته بزوجته، إذ أقاموا له حفلا رائعا بمناسبة زواجه. و أصبح لوتس و زوجته يقضيان النهار في ركوب الخيول، أما الليل يقضيانه في السهرات و الحفلات، و ازدادت معارف لوتس و توسعت أكثر، و أصبح يعرف من العسكريين و السياسيين أعدادا كبيرة نذكر منهم على سبيل المثال العميد فؤاد عثمان و العقيد محسن سيد و كلاهما عضوان نشطان في الجيش المصري، فؤاد عثمان يشغل منصب رئيس أحد المصانع الحربية و محسن سيد رئيسا بقواعد الصواريخ، و هما المؤسستان اللتان بعمل لوتس جاهدا من أجل الحصول على معلومات دقيقة عنهما و ازداد اهتمام لوتس بالعميد فؤاد عثمان و بحسين الشافعي نائب رئيس الوزراء. و أحد مستشاري الرئيس جمال عبد الناصر، اللذان أصبحا يترددان على مآدب الغذاء و العشاء التي يقيمها لوتس خصيصا لهما، على الأمر الذي سمح له بالاطلاع على القرارات الخطيرة التي ستتخذها الدولة قبل أن يعرف موظفو الحكومة الرسميون شيئا فيها و لم يكتف لوتس بمصاحبة رجال الدولة المصرية فحسب بل كانت له معارف وطيدة بالخبراء و المهندسين الألمان المقيمين بالقاهرة. و قد حذر العميد عثمان فؤاد، لوتس من أحد الألمان العاملين في إحدى الشركات الصناعية و قال له أن أمره مشكوك فيه فهو يعمل هنا بصفته رجل صناعة لكننا مقتنعون بأنه جاسوس يعمل لحكومة بون، و نحن نتيح له التصرف بحرية، لآن الرئيس عبد الناصر يرغب في قيام علاقات طيبة مع الألمان، واعتذر فؤاد عثمان في النهاية إلى لوتس و قال له "لا تؤاخذني في هذا القول، أنت رجل بسيط لا دراية لك بعمل الجاسوسية القذر، و لكنني أحببت أن أنبهك إلى ما يدور حولك" و تقدم لوتس بالشكر الجزيل لفؤاد عثمان على النصيحة و وعده أن يأخذ حذره منه و أن يتجنبه بقدر الإمكان.

 

و هكذا كانت حياة لوتس تمضي بين تربية الخيول و إقامة الصداقات و الحفلات، و كان شديد الحرص على تقديم المعلومات اللازمة لرؤسائه بتل أبيب في الأوقات المحددة بالليل و قد كان اختيار هذا الوقت هو نقطة الضعف في أعمال لوتس إذ أن المكان الذي كان يبث منه رسائله إلى تل أبيب مليء بالسفارات الأجنبية، و بطبيعة الحال توجد لدى هذه السفارات أجهزة اتصالات لاسلكية مختلفة كانت تمارس في العادة بثها الهاتفي في أوقات النهار الأمر الذي لفت انتباه أجهزة الترصد اللاسلكي لدى المصريين للمكالمات غير المفهومة و التي تبث ليلا باستمرار و قد شددت أجهزة الترصد المصرية على هذا الجهاز الغريب و بدأت تحصره تدريجيا حتى أمكن تحديده في الشقة التي يسكنها لوتس. و وضع بعد ذلك لوتس تحت المراقبة السرية لعدة أيام، و بعد أن اقتنع رجال الاستخبارات المصرية بأن لوتس يملك أجهزة إرسال لاسلكية، اقتحمت منزله و هو داخلها و فوجئ لوتس و اضطرب لكنه حاول المراوغة و أنكر أنه يعلم بأي إرسال. و أمام الحجج الدامغة اعترف بوجود الجهاز، و دلهم على مكان وجوده  و عثر بعد ذلك على متفجرات  و على فيلم للصور المصغرة (ميكروفيلم) كما عثر على أوراق نقدية تصل قيمتها إلى 75 ألف دولار.

 

و أثناء الاستجواب تمسك لوتس بمقتضيات السيناريو الذي وضعه رؤساءه في الموساد فهو ألماني تلقى تعليمه في ألمانيا و أثناء الحرب العالمية الثانية التحق بالجيش و عمل في الجيش الألماني بإفريقيا، و هناك تعلم ركوب الخيل و ترويضها و بعد نهاية الحرب سافر إلى أستراليا حيث قضى الأحد عشر عاما فيها ثم عاد إلى ألمانيا أستاذا في تربية الخيول، و هناك عمل بإحدى أندية ركوب الخيول في برلين، و بعد قضاء عدة أشهر عرض عليه عرض مغري من طرف إحدى أعضاء النادي الأقرباء إن كان راغبا في إنشاء مؤسسة خاصة لتربية الخيول العربية الأصيلة،  وكان هذا هو الحلم الذي راوده منذ الأيام التي قضاها في إفريقيا. و قد وافق لوتس على ذلك العرض بكل سرور. و اختير له المكان الذي يقيم فيه مؤسسته على أن يكون مصر. و كانت كل النفقات و الأموال اللازمة قد تحملها هذا الشخص الثري الذي يدعى "إلياس غوردون" و قال : " لم أكن أعلم أني كنت مدفوع إلى المصيدة".

" بعد أن أقمت في مصر و أسست ناديا لركوب الخيل و تربيتها كشف لي عن حقيقته و تبين لي بعد ذلك أنه عميل لليهود في أوربا و يود أن أكون عميلا لليهود في مصر، و أنقل المعلومات إلى إسرائيل مقابل حصولي على مزرعة خاصة لتربية الخيول.. و وافقت على ذلك، أنا رجل ضعيف و أخاف من اليهود لأنهم قوم لا يرحمون من لا يمتثل لأوامرهم"

 

هكذا مثل لوتس لمستجوبيه على أنه جندي ألماني بسيط، و الغريب أنه استطاع أن يقنعهم، و ربما يعود السبب في ذلك أن سياسة جمال عبد الناصر كانت تحابي الألمان في هذه الأثناء كانت الصحف العربية في حالة استنفار تتكلم حول الجاسوس اليهودي "إيلي كوهين" الذي اكتشف أمره بعد أن استطاع أن يرتقي إلى أعلى الرتب في الجيش السوري و كاد أن يعين وزيرا للدفاع في سوريا. و لما كانت العلاقات المصرية السورية في تلك المرحلة تمر بحياة من التوتر نتيجة انفصال سوريا عن مصر سنة 1961، عمد المصريون إلى التكتم حتى تبقى سوريا و كأنها  المتورطة الوحيدة في الفضائح من هذا النوع. و في الاستجواب ألح المستجوبون على إجراء اختبار للتحقق من صحة أقوال و تصريحات المتهم، بإجراء فحص طبي عما إذا كان مختونا أم لا، و بعد الفحص تبين أنه غير مختون و هذا ما لم يدع أي مجال للشك في هوية و جنسية المتهم الذي يكون قد شكر والديه على ذلك الجميل الذي نجاه من حبل المشنقة. لقد ارتاح المستجوبون و تأكدوا من صدق كلام لوتس و قبل المحاكمة، وافق لوتس على توجيه حديث عبر التلفزيون إلى رفقاءه الألمان. و كانت زوجته تجلس بجواره و قد قال : "عملت في شبكة الجاسوسية الإسرائيلية في مصر منذ عام 1961، و قد أرسلت إلى الإسرائيليين معلومات تفصيلية عن الصواريخ السوفييتية في قواعدها بمنطقة قناة السويس، و قمت بمهمات تجسسية أخرى ..إنني نادم على ما فعلت، و لم أتحقق إلا الآن من نتيجة الأضرار التي اقترفتها، و قد عاملني المصريون معاملة إنسانية حسنة في السجن، و إذا أراد الإسرائيليون أن يبعثوا الجواسيس إلى مصر ليرسلوهم من بني قومهم في المستقبل، و لا يجندوا الألمان الشرفاء للقيام بالمهام الدنيئة، و أنا أنصح الألمان جميعا أن يعدلوا عن التفكير و العمل في مثل هذه المهنة الخسيسة"

 

و كان المصريون مرتاحين جدا للطريقة التي تكلم بها أسيرهم النادم كما أن رجال الموساد استقبلوا حديث لوتس المتلفز بنفس الارتياح و الابتهاج الذي حل بالمصريين، لقد برهن لوتس للموساد أن المصريين لا زالوا مقتنعين بصحة أقواله و أن حقيقته لا زالت في طي الكتمان. و جاء يوم المحاكمة في جويلية 1965، و كان في الدفاع محامي و مراقب من ألمانيا لحضور الحكم، و قد واصل لوتس روايته و دوره التمثيلي على أحسن وجه. و قد قال بخصوص زوجته : " لقد التقيت بها مصادفة في القطار و كانت تعلم أنني أبث الرسائل من الجهاز اللاسلكي الذي كان في غرفة النوم، قد كانت تشاهدني و أنا أقوم بذلك لكنها كانت تعتقد أني كنت أفعل ذلك لمصلحة الناتو (الحلف الأطلسي).

 

أما زوجته فقالت : " لقد صعقت لمعرفة حقيقة ما كان يقوم به زوجي من نشاطات و لكن  واجبي يقضي بأن أقف معه في أوقات المحن و الشدائد، و مهما يكن الأمر غريبا في نظركم، إنني أحب زوجي الآن أكثر من أي وقت مضى إن مصيره بين أيديكم و أنا التمس منكم ألا تقسوا عليه كثيرا". و انتهت المحكمة إلى القول أن لوتس جاسوس لكنه ألماني و ليس يهوديا. و تابعت عين تل أبيب في القاهرة جلسة المحاكمة لحظة بلحظة و كلمة بكلمة، كما تابع المصريون وقائع الدفاع و الاتهام و الاعتراف بكل كلمة. و انتهى الجميع إلى الاقتناع بما مثله لوتس و كانت الاستخبارات الإسرائيلية تظن أنها الوحيدة التي تعرف حقيقة عميلها لوتس. و جاءت اللحظة التي فصلت في الموضوع و كشفت حقيقة هذا الجاسوس، إنها لحظة وصول رسالة من ألمانيا، بعث بها محامي من ميونيخ اسمه "ألفرد زايدل " و كان هذا المحامي يمثل بعض عائلات ضحايا الرسائل الملغومة و قد أعلم هذا المحامي المتعطش للانتقام بالنيابة عن موكليه، أعلم في رسالته المحكمة المصرية أن لوتس مواطن إسرائيلي في واقع الأمر و ليس ألمانيا و ذكر المحامي السنة التي هاجر فيها لوتس إلى إسرائيل، و أشار إلى أن أمه يهودية. كما أنه كشف حقيقته و ذكر أنه عمل في الجيش الإسرائيلي بصفة ضابط، و أن الموساد هو الذي أرسله إلى ألمانيا ثم من هناك إلى مصر.

و لما سمع  لوتس هذا الكلام خانته شجاعته لحظة، ثم جمع قواه و قال : "هذا افتراء علي، يريدون به إعدامي شنقا..

و أقسم لوتس في الجلسة الختامية المغلقة، أنه صادق فيما يقول و أنه ذهب إلى إسرائيل ذات مرة، بقي هناك ستة أيام بعد أن ألح عليه رؤساءه في أوربا للاجتماع مع الاستخبارات الإسرائيلية. و أن الكلمة الصحيحة الوحيدة التي وردت في الرسائل هي اسم المدينة التي ولدت فيها إنها بلدة "مانهايم".

و في 21 أوت 1965 أصدرت محكمة القاهرة أحكامها على لوتس و زوجته، حكم على لوتس بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة و بغرامة مالية قدرها 3253950 من الجنيهات المصرية كما حكم على زوجته بالسجن لمدة ثلاث سنوات و بغرامة مالية قدرها ألف جنيه مصري. أما العميد غراب فقد جرد من رتبته و أدخل السجن.

 

قضى لوتس عامين في سجن "ليمان طره" و كانت زوجته في سجن آخر، و لما نشبت حرب الأيام الستة 1967. أدخلت تغييرات على حياة لوتس، و كذلك الجواسيس السجناء الآخرين. حيث نقلوا إلى زنزانات سرية للغاية، ثم أعيدوا إلى أماكنهم فور انتهاء الحرب. و رغم كل التقلبات و الأحداث بقي لوتس يتمتع بمعنويات متماسكة لأنه كان متيقنا أن من مبادئ الموساد الأساسية، محاولة إطلاق سراح الأسرى من عملاءه بل استعادة أجساد من يموتون من الجواسيس. لكن قدرة الموساد تبقى مع ذلك محدودة لقد عجزت مثلا عن تخليص إيلي كوهين الذي أعدم في سوريا و كذلك جواسيس آخرين كانوا في السجن معه لقوا حتفهم بحبال المشنقة و لم يستطع الموساد أن يفعل أي شيء.

بيد أنه في المفاوضات حول تبادل الأسرى بين الحكومتين المصرية و الإسرائيلية بواسطة السكرتير العام للأمم المتحدة و هو "أوثانت" و ممثله في الشرق الأوسط "غورنار يارنغ" تحقق أمل لوتس حيث انتهى الطرفان على الاتفاق التالي : إطلاق سراح 5000 جندي مصري مقابل جماعة من رجال الضفادع و الطيارين الإسرائيليين. إطلاق عشرة من العمداء المصريين و عدد آخر من الضباط السامين، مقابل الإفراج عن الجواسيس العشرة الموجودين في سجون مصر.

 

و كان اسم لوتس يتصدر قائمة الجواسيس المطالب بالإفراج عنهم. و هكذا و لأول مرة كشفت إسرائيل النقاب عن حقيقة لوتس، و اتضح أنه إسرائيلي، و ليس ألمانيا و استمرت المفاوضات ثمانية أشهر كاملة. وافق جمال عبد الناصر على طلب إسرائيل شريطة أن تتم العملية بكل سرية. و أطلقت إسرائيل سراح عدد من العمداء المصريين قيل أن يطلق سراح جاسوس واحد. لكن في النهاية وفى عبد الناصر بوعده و أطلق سراح الجواسيس الإسرائيليين الذين كانوا يعانون من أمراض مستعصية الشفاء، كالسرطان و القلب و وصل الجواسيس إلى تل أبيب في سرية تامة دون إعلان عنهم.

و قد وصل لوتس و زوجته تل أبيب فعاشا في منزل متواضع بضواحي المدينة، و بعد سنوات قليلة توفيت زوجة لوتس و بقي لوحده و لا زال حيا يرزق، و قد جرب حظه لأن يكون أحد أصحاب رؤوس الأموال الكبار في الولايات المتحدة الأمريكية إلا أنه فشل، كما أراد أن يعود إلى ممارسة نشاطه المفضل في تربية و ترويض الخيول بإسرائيل، إلا انه فشل أيضا. و عندما زار السادات القدس و أبرمت معاهدة الصلح بين مصر و إسرائيل قال لوتس"لعلهم يسمحون لي بالعودة إلى مصر فبودي أن أقيم مدرسة لركوب الخيل على ضفة النيل لكنه تدارك فظاعة فعلته أيام زمان حين قال : "إنهم لا يسمحون لي بذلك، قد استغفلتهم كثيرا، و لا أظنهم يغفرون لي ذلك أبدا

Voir les commentaires

كتاب جواسيس في مهام سرية / الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين الذي/صالح مختاري

 

 

 

الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين الذي

 كاد أن يصبح وزير الدفاع

في سوريا

عندما نتصفح قائمة الجواسيس الذين سجلوا أسمائهم و عن جدارة في تاريخ عالم الجوسسة،  يقفز اسم ايلي كوهين إلى رأس القائمة و ذلك لما يتميز به عن غيره من الجواسيس من صفات طبيعية و مكتسبة مكنته أن يقدم لرؤسائه في تل أبيب معلومات خطيرة كانت إحدى العوامل الإيجابية في تفوق إسرائيل على القوات العربية خلال عشرية الستينات. فمن هو إيلي كوهين هذا يا ترى ؟ و كيف كانت مغامرته في عالم الجوسسة المحفوف بالمخاطر ؟

 

ولد إيلي كوهين في حي يهودي بالإسكندرية في 16ديسمبر 1924 من أبوين يهوديين كانا قد هاجرا من مدينة حلب السورية إلى مصر، ليستقرا هناك. كان أبوه (شاؤول) يشتغل في بيع ربطات العنق. و أمه (صوني كوهين) تساعده في صناعتها. كما كان لايلي سبعة أخوة. فمنهم من كان أكبر منه و منهم من كان أقل منه سنا.

 

نشأ إيلي نشأة الأسرة اليهودية. و كان إيلي أكثر اخوته حرصا على تلك المعتقدات و تطبيقا لها. كما كان متفوقا عن زملائه في الدراسة و ذلك بما يملكه من استعداد للتحصيل، الأمر الذي سمح له أن يتعلم عدة لغات في وقت وجيز كاللغة الفرنسية و العبرية و العربية. و نظرا لطابع شخصيته الجاد، فلم يكن يميل إلى اللهو و عبث الشباب و إنما هوايته المفضلة كانت التصوير، حتى أنه اصبح يعرف عن فن التصوير و التحميض ما لم يعرفه المتخصصون أنفسهم. و كان أيضا ولوعا بدراسة العلوم الدقيقة، كالفيزياء و الرياضيات، دون أن ينسى التلمود على أشهر علمائه .

كان إيلي يعتبر نفسه مصريا، و يتعاطف مع القضية الوطنية المعادية للإنجليز و لتكريس هذا الإحساس، عمل منذ شبابه في جماعة "هاشيروت" التي تضم نفرا من اليهود المصريين الذين تتمثل مهمتهم في تهريب المهاجرين اليهود من مراقبة السلطة البريطانية. و لما كانت القاهرة هي العاصمة العربية التي يوجد بها المقر العام للإنجليز في الشرق الأوسط و أيضا العاصمة العربية التي يجتمع بها في الغالب زعماء العرب من أجل تحري مواقفهم و التباحث في مسائل مصيرية تخص بلدانهم، اعتبرت بالتالي مصر من طرف الإسرائيليين البلد الوحيد الذي يستطيعون أن يستشفوا منه نوايا الإنجليز و العرب على السواء بخصوص قضية إقامة دولة يهودية في فلسطين و ما ينبغي عمله في هذا المجال.

 

في عام 1950 و كان في عمر دولة إسرائيل زهاء العامين هاجرت أسرة إيلي كوهين إلى فلسطين، بعد أن رتب لها خطة السفر غير انه رفض أن يصاحبها و وعد أسرته بالالتحاق بها عما قريب و قد تفرغ لنشاطه السري و لم ينس مزاولة دراسته، بل دخل إلى جامعة الملك فاروق و لكنه لم يكمل دراسته، حيث اقتضى نشاطه أن يكون ضمن بعثة لمصالح الاستخبارات إلى فلسطين لتلقي أعمال الاستخبارات و فنون التخريب و لمدة ثلاثة أشهر أعيد بعدها إلى مصر.

 

و نظرا لإتقان إيلي لمهنته في بث الرسائل السرية و المعلومات، أعجب به رؤسائه في تل أبيب، و كثيرا ما بعثوا له تهانيهم و تشجيعاتهم.

 

بعد عام 1950 وقعت تغييرات جذرية في السياسة المصرية حيث أطيح بالملكية و قام الحكم الجمهوري و في شتاء 1954 جاء جمال عبد الناصر للحكم، و كانت السياسة الجديدة معادية لإسرائيل أكثر من السابق، ثم أن بريطانيا سحبت قواتها العسكرية من منطقة قناة السويس. و كان وزير خارجية أمريكا "دالاس" يحث الرئيس ايزنهاور على تبني سياسة مناصرة للعرب.

 

و من هذا المنطلق بات لزاما على إسرائيل أن تعمل كل ما في وسعها لتعكير هذا الانفراج بين العرب و بريطانيا و أمريكا. و أنيطت هذه المهمة لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي الموساد- الذي لم يتردد في بدء تطبيق خطته إذ قام رجاله بنسف المنشآت البريطانية و الأمريكية المتواجدة بالقاهرة و الإسكندرية. كما عمدوا إلى فكرة إرسال الطرود البريدية الملغمة لمواطنين إنجليز و أمريكان. و قد تصدت المخابرات المصرية المضادة لهذه الأعمال، و تمكنت من إلقاء القبض على عدد من اليهود الجواسيس و كان من بينهم إيلي كوهين الذي استطاع أن ينجو بفضل ذكاءه و حسن تمثيله، في حين لم يكن عند بعض زملاءه الحظ، إذ أعدم البعض منهم و سجن البعض الآخر. و  كانت هذه فضيحة كبيرة بالنسبة لإسرائيل و على رأسها وزير الدفاع "بنحاس لافون" حتى أن هذه الفضيحة سميت باسمه "فضيحة لافون".

 

في 20 ديسمبر 1956 طرد إيلي كوهين من مصر و سافر رفقة عدد من المهاجرين إلى نابولي بإيطاليا ليتجه بعد ذلك إلى إسرائيل. و فور نزوله بمدينة حيفا، تسلم وثائق تثبت بأنه مواطن إسرائيلي، و بمساعدة بعض اليهود المصريين عثر على أسرته، التي كانت تقطن بحي يقطنه يهود مصر و المغرب. لم يكن يرغب إيلي في مصارحة أسرته بالمهنة التي يقوم بها. لقد أصبح في الثانية و الثلاثين من العمر، و لم يستفد بعد في مهنته و لم يحقق أي شيء من أحلامه، و قد انتابه نوع من الإحباط الذي بلغ درجة اليأس و القنوط حين قوبل طلبه لوظيفة في وزارة الدفاع الإسرائيلية بالرفض، و قد خاب ظنه في هذه الحكومة التي تتخذ قرارا مثل هذا مع أحد أبنائه الذين برهنوا على حسن طينتهم، و قدموا الكثير لبلدهم دون أي مقابل.

 

في أوائل عام 1959 تعرف إيلي كوهين على امرأة تدعى نادية، في جنوب تل أبيب، تعمل في أحد المستشفيات هناك كممرضة، و بعد مرور عدة أشهر من التعارف قررا الزواج. و بدأت حياة إيلي تأخذ طابع الاستقرار الذي لم يعرفه طوال أكثر من أربعين سنة فاشتغل بالتجارة و قرر ألا يهتم إلا بزوجته و أسرته و بشؤون تجارته . غير أن ذلك تغير يوم أن التقى و تجاذب أطراف الحديث مع رجل يعمل بوزارة الدفاع الإسرائيلية حيث عبر له عن خيبته لرفض الوزارة طلبه، ولم يكن إيلي يعرف عن هذا الرجل أي شيء سوى أنه موظف بوزارة الدفاع الإسرائيلية. افترق الرجلان دون أن يتفقا على لقاء آخر. بعد مرور عدة أيام عاد الرجل نفسه إلى إيلي، ليكشف له هذه المرة عن حقيقته و ليفهمه بأنه رجل كبير في الموساد. و أنه كان يراقبه منذ عودته من مصر، و أن الوزارة لم ترفض طلبه إلا من اجل متابعة كل خطواته في إسرائيل لتتيقن من سيرته الحقيقية " إنها إجراءات تتخذ مع كل من أراد العمل بالوزارة. و الآن و قد اقتنعت بجدارتك فلا مانع من انضمامك إلينا، إن شئت طبعا "

لم يتمالك إيلي نفسه أمام هذا الخبر الذي دغدغ آماله فأبدى على الفور استعداده للعمل، كان هذا في عام 1960. و لم تكن زوجته نادية تعرف عن عمله الجديد أي شيء، فقط أخبرها بأنه سيغادر البلاد لبعض الوقت. و الحقيقة أنه لم يغادر إسرائيل و إنما كان بأحد المراكز السرية للتدريب دون أن يسمح له بالخروج طوال ست أشهر كاملة، و خلال هذه الفترة تلقن إيلي فنون التخريب و أسرار مهنة التجسس و قد أحرز على نتائج طيبة، و اعتبر من طرف مدربيه عميلا من الطراز الأول و كانت ملاحظاتهم التي تضمنها سجله بالمركز بالنحو التالي :

 

" لديه، و على نحو وفير، كل ميزة ينبغي توافرها في عميل من عملاء الميدان" و هكذا اجتاز إيلي امتحاناته بكل نجاح، تاركا انطباعا حسنا لدى رؤسائه في الموساد الأمر الذي دفعهم إلى مواصلة تكوينه و تهيئته للمهمة التي سيقوم بها.

 

لم يكن إيلي يتوقع و لا حتى يراوده الشك في أنه سيضطلع يوما بمهمة لها شأن، و كل ما في الأمر أن تعليمات قيادته اثر انتهاء مدة التربص، تدعوه إلى تعلم الدين الإسلامي، و كان إيلي رجلا متدينا يعرف الكثير عن الأديان المختلفة و منها الدين الإسلامي الذي حفظ منه العديد من النصوص القرآنية، بشروحها و له من المعارف الإسلامية ما فيه الكفاية و كل ما عمد إليه في هذا الشأن هو أنه أضحى يصلي بجانب المسلمين في المساجد بإسرائيل و أبدى اهتمامه بدراسة تاريخ سوريا و تطورها الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي، و حدودها الجغرافية و طبوغرافيتها.

 

و قد سمحت له الأشرطة و الأفلام التي شاهدها بالوقوف على قدر كبير من تشكيلات الجيش السوري و مراكزه المنتشرة ..

 

عندما استكمل إيلي دراسة كل ما يتعلق بسوريا، شرع في دراسة أخرى مماثلة و لكنها تخص هذه المرة ما يتعلق ببلاد الأرجنتين و كان كل هذا مسطرا من طرف رجال الموساد، الذين أعدوا خطة محكمة و مدروسة لعميلهم إيلي ذو المؤهلات العالية. و بعد مدة وجيزة فقط أصبح يتكلم اللغة الأرجنتينية بطلاقة وأضحى أمام رجال الموساد واجب إرسال عميلهم إلى الأرجنتين، و من هناك إلى سوريا بعد أن رتبوا له كل الأوراق الخاصة بشخصيته المنتحلة الجديدة.

في مستهل شهر مارس من عام 1961 نزل إيلي كوهين في مطار"ازيزة " في بيونس ايرس. كان هذه المرة أنيق المظهر، و اتجه إلى فندق في وسط المدينة، حيث احتجز شقة باسمه المستعار و مهنته الجديدة. اسمه الجديد "كامل أمين ثابت"، تاجر تصدير، سوري الجنسية. و بعد أيام فقط استأجر شقة جديدة بالقرب من الفندق. و شرع في مباشرة أعماله التجارية. كما بدأ في التعرف على أبناء بلده (سوريا) و كل العرب هنا و عرفه كل من التقى به أنه عربي من والدين سوريين انتقل إلى لبنان ثم إلى مصر هناك ترعرع كامل أمين مع أخته الوحيدة و بدأت معارف كامل أمين تتسع أكثر فأكثر لتشمل أرباب المعامل و رجال الأعمال و بعض رجال السياسة العرب و منهم العميد امين حافظ الملحق العسكري بالسفارة السورية الذي أصبح صديقه الحميم و دعاه للعودة بمساعدته و كان جواب  (كامل أمين) يعبر عن دهائه و عبقريته حيث قال له : "سيدي الجنرال لو كنت في مكانك لفعلت ذلك، و من يدري ؟ فلعلي أجد في نفسي الشجاعة، و أحتذي حذوك.." في أوت من عام 1961قرر كامل أمين العودة إلى سوريا، و شجعه كل من تعرف إليهم في الأرجنتين بالعودة و أقام له زملائه حفل وداع. و اتجه من الأرجنتين إلى زوريخ، حيث التقى بأحد رجال المخابرات الإسرائيلية الذي سلمه وثائقه الأصلية. و قدم كامل أمين وثائقه المزيفة مع تقرير كامل عن مهمته في الأرجنتين. و قبل أن يذهب إلى سوريا فضل زيارة أسرته في إسرائيل، و هذا ما حدث، إذ اقتنى من سويسرا بعض الهدايا لزوجته و طفليه و التحق مباشرة بالطائرة المتجهة إلى تل أبيب، و بعد أن قضى هناك إجازة قصيرة عاد إلى عمله. فزود هذه المرة ببعض الأجهزة الخاصة بالتصوير و الإرسال اللاسلكي اليابانية الصنع و الصغيرة الحجم و بعض المواد الكيماوية لصناعة المتفجرات و صناعة مواد سامة لاستعمالها عند الضرورة. وضعت هذه السلع في أنابيب معجون الأسنان، و علب صابون الحلاقة و بهذه التجهيزات انطلق إيلي في رحلته المنفردة و اتجه على متن باخرة إلى بيروت، و كان الحظ إلى جانب كامل أمين حيث لم يتعرض للتفتيش من قبل رحال الجمارك في الحدود السورية اللبنانية و هذا لكونه كان برفقة شخصية سورية بارزة تعرف عليها في الباخرة تدعى "مجدي الشيخ"، عندما وصل كامل أمين إلى سوريا استأجر عمارة بمواجهة مقر قيادة الأركان السورية المتواجدة في حي يزخر بالسفارات الأجنبية، و اختار كامل أمين هذا المكان بالذات لأنه يساعده على بث رسائله دون أن يتفطن رجال الاستخبارات السورية لذلك، فالكل يملك وسائل الإرسال اللاسلكي، و كل السفارات تبث رسائلها. بدأ كامل أمين بمزاولة تجارته في الاستيراد و التصدير.

 

و قد نجح في تجارته كما نجح في مهمته الرئيسية و هي التجسس لصالح تل أبيب. كان يصدر طاولات لألعاب النرد و الأثاث القديم إلى تل أبيب عن طريق سويسرا. حيث كان أحد العملاء يتلقى السلع و يحولها من هناك إلى تل أبيب. كان كامل أمين يرسل داخل تلك الطاولات و الأثاث صورا و أفلاما مصغرة و أوراقا سرية إلى جانب التقارير التي يحررها، فهو يقوم بالنهار بتصوير كل شيء يمكن أن يفيد المخابرات الإسرائيلية، و بالليل يرتب كل شيء في البضائع التي ترسل إلى إسرائيل. هذا بالنسبة لتجارته و تقاريره. أما بالنسبة لمعارفه فقد اتسعت شيئا فشيئا حتى توصل لمعرفة ابن أخ رئيس الأركان السوري عبد الكريم زهر الدين و جورج سيف المسؤول عن الإذاعة في وزارة الإعلام و العقيد سليم حاطوم قائد لواء المظلات الممتاز المعروف بمعاداته للصهيونية.

 

بعد مرور شهرين لاحظ كامل أمين أن الأنوار في مقر قيادة الأركان أصبحت لا تنطفئ طوال الليل، الأمر الذي دفعه لإبلاغ رؤسائه في تل أبيب بأن هناك شيئا ما يدور في القيادة السورية.و عرف بعد ذلك أن الجيوش السورية المتواجدة بالقرب من العاصمة دمشق تتحرك باتجاه الحدود السورية. وعلى إثر ذلك قام الطيران الإسرائيلي في أقل من 24 ساعة فقط من وصول الخبر بقصف قاعدة النقب السورية و هكذا فهم السوريون أن إسرائيل في حالة تأهب و استعداد لأية مواجهة محتملة مع القوات العربية. و على إثر ذلك عادت القوات السورية إلى مواقعها الأولية و بالتالي تأكد صدق المقولة القائلة " عمل جيد يعادل فرقة من الرجال" و هذا ما حدث بالضبط إذ كان كامل أمين في مواجهة طوابير من السلاح المدرع السوري و استطاع أن يفوت عليهم الفرصة و أن يدحضهم في بداية طريقهم إلى الحدود، و هكذا كان كامل أمين يزود القيادة في تل أبيب بكل كبيرة و صغيرة في دمشق سواء على الصعيد العسكري أو السياسي، كانت تلك المعلومات في تلك الفترة المتميزة بالذات لا تقدر بثمن، كان كامل أمين يستبق الأحداث و ذلك بفضل تحليله للأحداث الفعلية و تقديمها في الوقت المناسب لرؤسائه في الموساد، و كان وفق ذلك رئيس الوزارة في إسرائيل يعرف كل الأخبار التي تدور في دمشق خلال ساعات فقط من إصدارها مهما كانت سريتها. و بمرور الوقت أصبح كامل أمين صديقا حميما لشخصيات عسكرية و مدنية سورية مشهورة نذكر منها :

 

سامي الجندي وزير الإعلام السوري الذي اصطحبه مرة و قدمه إلى رئيس الجمهورية "أمين الحافظ" و أخذ  صورا تذكارية معه و أثنى عليه الرئيس لأنه مواطن يحب الخير لبلده بدلا من الحياة المريحة في الأرجنتين، عسى أن يقدم خدمة لشعبه و أمته، و هكذا لم تمر على  كامل أمين في سوريا إلا 18 شهرا فقط حتى ذاع صيته في الأوساط السياسية و أصبح من الشخصيات البارزة في سوريا، كما أصبح يحظى باحترام الجميع و بالثقة و الصداقة لدى الشخصيات اللامعة في الدوائر العسكريــــة و السياسية و رجال الأعمال، و بدا مرشحا طبيعيا لتقلد أحد المناصب الحكومية و قد خير بين وزير الإعلام و نائب وزير الدفاع و هذا باقتراح الرئيس الحافظ نفسه و تظاهر كامل أمين بعدم أهليته لمثل هذه المناصب و هو غير قادر على إدارة مثل هذه الأعمال المهمة. و الحقيقة أن كامل أمين كان يتماطل في الموافقة. و اقترح أن يكون داعية في الأرجنتين من أجل جمع التبرعات لحزب البعث الذي ينتمي إليه الرئيس الحافظ من أغنياء العرب المتواجدين بالأرجنتين، و كان جواب الحافظ بالإيجاب و بدون تحفظ.

 

و منذ هذه اللحظة لم تعد أمام كامل أمين أية مشكلة في معرفة أسرار البلاد إذ أصبح يدخل إلى أي مكتب أو منزل لشخصية كانت و الإطلاع على الوثائق السرية، بل أكثر من هذا حضر الكثير من الاجتماعات الخاصة ببعض المواضيع الخطيرة و استطاع مثلا أن يطلع على مخططات مشروع تحصينات دفاعية بالقرب من القنيطرة، و يتضمن هذا المشروع تحويل المياه من نهر الأردن الذي كانت إسرائيل تقوم بتحويله إلى النقب. و تمكن من تصوير جميع المخططات و إرسالها لرؤسائه في تل أبيب.

 

و بعد هذا الجهد الذي قدمه كامل أمين شعر رؤساؤه أنه في حاجة إلى بعض الراحة، و على إثر ذلك استدعي لقضاء إجازة رفقة زوجته و أطفاله و تقبل كامل أمين ذلك بكل سرور، و غادر دمشق في اتجاه سويسرا و من هناك إلى تل أبيب. كانت زوجته و أهله على علم بأنه يعمل لصالح الموساد و كانوا يكنون له التقدير و الاحترام على وطنيته و إخلاصه لبني قومه، و لما كان إيلي كوهين لا يحب مصارحة أهله فضلوا هم كذلك أن لا يفاتحوه في طبيعة عمله. لكن قبل عودته إلى سوريا صارحته زوجته بأنها على علم بما يقوم به في دمشق، و لم يخفي عليها بدوره أي شيء بل صارحها و وعدها أنه سيعود إلى سوريا لآخر مرة ليستقر بعدها نهائيا في إسرائيل.

 

انقضت إجازة "إيلي" و ودع زوجته نادية على أمل العودة في اقرب وقت للاستمتاع معها بباقي أيامه التي لم يكن يدري أنها تنتهي قبل انتهاء مهمته.

 

وعاد  كامل أمين إلى سوريا، ليجد أن الأوضاع تغيرت و يلقى رؤساء المخابرات السورية قد اتخذوا قرارا جديدا يقضي بتطوير خطة لتدريب المستوطنين الفلسطينيين  و بعض المواطنين السوريين معا، لتشكيل قوة موحدة خاصة، يتم تدريبها سرا في قواعد الجيش السوري و ستكون مهمة هذه القوة الخاصة القيام بشن حرب العصابات ضد إسرائيل. لقد وصلت هذه الأخبار إلى كامل أمين عن طريق زميله سليم حاطوم، و لما استفسر كامل أمين عن صاحب هذه الفكرة قال حاطوم بأنه الرئيس الحافظ هو نفسه الذي اتخذ هذا القرار المستوحى، من الخطة التي قام بها المجاهدون الجزائريون ضد الاستعمار الفرنسي أثناء الثورة التحريرية إذ بفضل هذه الخطة استطاع المجاهدون إجلاء القوات الفرنسية و تلقى كامل أمين الخبر و على جناح السرعة حوله إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه.

و بينما كان كامل أمين في منزله يجمع أجهزته التي استعملها في بث رسالته الأخيرة. فإذا به يسمع طرقا قويا في الباب و لم يكن أمامه الوقت الكافي لإخفاء جهاز الإرسال عندما اقتحم الغرفة ثمانية من الرجال المسلحين بمسدسات، يرتدون لباسا مدنيا، صاحوا جميعا لا تتحرك، و تقدم منه أحدهم، و تعرف عليه كامل أمين أنه العقيد أحمد سويداني رئيس شعبة المخابرات المضادة، لقد حدث هذا بعد مرور ثلاث سنوات على وجوده بسوريا.

 و خلال هذه المدة لم توجه أية شبهة و لا أدنى شك بل كان رجال المخابرات يراقبون كل إنسان يدخل التراب السوري، و لا يطمئنون له إلا بعد اقتناعهم به و ربما كان كامل أمين الوحيد الذي شذ عن هذه القاعدة، و ذلك بما اكتسبه من معارف كبيرة أوصلته إلى الرئيس نفسه. و لم تتفطن المخابرات السورية المضادة إلا بعد الشكاوي المتكررة من طرف سفارة الهند، إذ أبلغ رجال دبلوماسيتها أن هناك أجهزة لاسلكية في مكان ما تشوش على مراسلاتهم مع نيودلهي. و حاول رجال المخابرات السورية اكتشاف السر، إلا أن محاولاتهم في كل مرة كانت تبوء بالفشل.

تكررت المحاولات مع تكرار الشكاوي و أول ما توصل إليه رجال المخابرات السورية هو اقتناعهم  بأن هناك رجل ما يقوم ببث رسائل مجهولة و بطريقة سرية. و مكانه ليس ببعيد عن السفارة الهندية. لهذا بدأ التحري و التفتيش بالعمارات المجاورة لبناية سفارة الهند. و على الرغم من أن كامل أمين كان يعرف كل خبر فور حدوثه إلا أنه لم يتفطن هذه المرة للبحث و التفتيش الذي كان رجال مخابرات سورية يقومون به على مقروبة من بنايته و يمكن اعتبار هذا أول خطأ يقع فيه كامل أمين حيث لم يتفطن من قطاع التيار الكهربائي في هذه المرة بالذات على الرغم من اضطراره لاستعمال بطاريته لبث رسائله أكثر من مرة و كان سوء التقدير هذا الناتج عن الإفراط في الثقة بالنفس في مجتمع فتح له أبوابه و قلبه، هو الذي قضى عليه.

 

بدأ التفتيش و الفحص من خارج العمارات المجاورة و فوق السطوح و أخيرا تم العثور على هوائي متصل بشقة كامل أمين و نقل على الفور محمد سويداني الخبر إلى الرئيس الحافظ الذي فوجئ بالنبأ.أيعقل أن يكون كامل أمين خائنا لوطنه و أمر الرئيس باعتقاله دون الإعلان عنه و لو لمدة قصيرة لأن الرئيس الحافظ كان يخاف من أن الحادثة تسبب له مشاكل قد تعصف به و بحكومته.

 و كانت أولى الأسئلة التي طرحت على كامل أمين من طرف محمد سويداني بعدما قبض عليه في شقته : من أنت ؟ ما اسمك الحقيقي ؟ لصالح من تتجسس ؟ و أجاب المعتقل بهدوء : " أنا كامل أمين، عربي من الأرجنتين" و في هده الأثناء كان رجال المخابرات قد وضعوا أيديهم على كل الأجهزة اللاسلكية و آلات التصوير و مخبر التحميض و المواد الكيماوية و المتفجرات و أصابع الديناميت.... و سعى رجال المخابرات السورية إلى البحث عن أعوان هذه الشبكة لكنهم لم يعثروا على أحد.

 

و في صباح 24ديسمبر من عام 1965 أمر كامل أمين من طرف رجال المخابرات السورية المضادة ببث الرسالة التالية : » إلى رئيس وزراء إسرائيل و رئيس جهاز الاستخبارات في تل أبيب، كامل أمين و رفقاؤه ضيوفنا في دمشق، و سنخبركم عن مصيرهم قريبا التوقيع الاستخبارات السورية المضادة« ثم نقل الجاسوس إثر ذلك إلى مقر القيادة العسكرية للواء السبعين المدرع خارج دمشق. و لما دخل عليه نظر الرجلان، أحدهما إلى الآخر، في صمت، و شعر الرئيس ببرودة تنتابه لما تذكر أنه كان ينوي تنصيبه وزيرا للدفاع، بل و ربما كان يأمل أن يكون خليفته في إدارة شؤون الأمة.

أما الجاسوس فبادر بالكلام قائلا: أنا إيلي كوهين، من تل أبيب، جندي في الجيش الإسرائيلي..  و استطرد ليقص الحكاية من أولها حتى يوم اعتقاله. كانت حادثة هذا الجاسوس أسطورة حقا. لقد أحدثث ضجة كبرى في الأوساط الإعلامية و السياسية و العسكرية. و قد علقت عليها جريدة الحياة البيروتية بقولها » لقد كانت دمشق تتخذ القرارات في اجتماع مجلس الوزراء في الصباح، و إيلي كوهين ينقلها إلى تل أبيب في المساء « 

 

كان إيلي كوهين شخصية نادرة في الإخلاص و التضحية من أجل بلده إلى آخر لحظة في حياته، إذ عندما سئل عن سبب عمله الدنيء هذا رد قائلا »:  أتيت إلى سوريا من أجل مستقبل شعبي و زوجتي وأبنائي، و يهمني أن يعرف الناس أنني لم أخن إسرائيل قط« .

 

لم يهدأ بال رجال الموساد منذ تلقيهم نبأ اعتقاله، و حاولوا لكل ما لديهم من قوة، و حنكة سياسية من أجل تخليصه، لكن دون جدوى، و توسطت أطراف سياسية من بلدان مختلفة، لكن دون جدوى، كما حضر الحكم محاميان فرنسيان معروفان بدفاعهما عن المعتقلين الجزائريين أثناء الثورة التحريرية. و مثل أمام المحكمة العسكرية السورية، و كان الرئيس الحافظ الذي حضر المحاكمة يدعوا إلى إصدار أقصى حكم ضده لأن العكس سيعصف بالرئيس، و بكل المقربين منه، و نقلت بعض اللقطات من المحاكمة على شاشة التلفزيون السوري، حتى يتسنى لجميع السوريين و الإسرائيليين طبعا مشاهدة وقائع المحاكمة. و تنكر (إيلي) أمام المحكمة أن كان يعرف العقيدين (ظلي و حاطوم) اللذان كانا أعضاء في هيئة المحكمة. و فهم رجال الموساد أن هناك صفقة بين جاسوسهم و العقيدين. لهذا أبعد عنهما الشبهة ليكون الحكم أخف عليه.

 

و في 08 ماي من سنة 1966 أعلن عن صدور حكم الإعدام شنقا في حق إيلي كوهين كما صدر الحكم بسجن مجموعة من السوريين لمدة خمس سنوات. و رغم الجهود التي تضاعفت من أجل تخفيف الحكم عليه. إلا أن المحكمة السورية أصرت على شنقه. لقد هرعت زوجته نادية إلى سفير سوريا بباريس تتوسل إليه، لكنه رفض مقابلتها و لما حان وقت تنفيذ الإعدام، كان الجيش السوري في حالة طوارئ و قد جيء بالجاسوس، ملفوفا بكيس أبيض خشن. و عند اقترابه من باب المشنقة انفتح الباب، و بذلك ذهب إيلي كوهين دون عودة، و كان ذلك في حدود الساعة  الثالثة و الدقيقة 55 صباحا من شهر ماي 1966 و قد أعاد تلفزيون دمشق مرات عديدة فيلما يمثل إعدام إيلي كوهين تصاحبه موسيقى عسكرية.و نقلت جثته إلى مقبرة اليهود بدمشق.

 

أما في تل أبيب فقد تليت صلوات الحداد في كل كنائس إسرائيل على روح إيلي كوهين، و أعيد تسمية الكثير من المستوطنات الإسرائيلية باسمه، و ذلك إجلالا للأعمال التي قدمها لبلده. أما زوجته نادية التي تابعت شريط إعدامه، فحاولت الانتحار لكنها أسعفت في الوقت المناسب. و بعد شفائها فتحت الرسالة التي وصلتها من زوجها و التي كتبها قبل إعدامه بساعات فقط. و طلب منها أمورا كثيرة منها عدم زواجها من بعده. و كانت نادية وفية له إلا في طلبه هذا إذ تزوجت من بعده و لكنها بقيت تحتفظ برسالته.

 

Voir les commentaires

كتاب جواسيس في مهام سرية /صالح مختاري

رأفت الهجان جاسوس مزدوج

حقيقة أم مغالطة ؟

 

 

 

في كتابه "حرب إلى الأبد " يروي مشويه دايان أنه إثر لقاء عقده بالمغرب في 18 سبتمبر 1977 مع حسن التهامي الذي كان نائبا للرئيس المصري، قال له هذا الأخير أنه في حرب الأيام الستة كان لشبكة المخابرات المصرية عميل على مستوى إستراتيجي عمل في إسرائيل طيلة سنوات و كان يمدهم بتقارير تفيد بأن إسرائيل تنوي الهجوم على الجيش المصري بين الثالث و السادس جوان 1967.

 

و في اللقاء نفسه سأل التهامي ديان قائلا :"قل لي بصراحة، هل كان ناصر شريككم في تلك المؤامرة ؟ و إلا كيف أمكن لهزيمة كتلك أن تقع؟ و أضاف موشيه أن التهامي أكمل قوله  هو يرتجف غضبا و احتقارا" لقد دفع هذا الرجل المجنون مصر إلى حافة الهزيمة ؟

 

و لم يرد التهامي على أقوال دايان لأنه كان يعلم أن الهزيمة التي ألحقت بالجيش المصري عام 1967 قد تحققت فيما تحققت بفضل عملية معقدة خاصة استخدم فيها عميل مزدوج ضد المخابرات المصرية. و قد بدأت العملية قبل عشر سنوات من حرب الأيام الستة و استمرت سنوات طويلة، و في أعقاب حرب الأيام الستة وجدت وثائق مختلفة في مكاتب الاستخبارات العسكرية المصرية تثبت بأن العملية هي إحدى العمليات الكبيرة و الناجحة التي شهدها عالم التجسس حيث أعلنت مصر بعد سنوات من نهاية تلك الحرب عن بطل قومي جديد، عميل مصري، يدعى رفعت كان يعمل في إسرائيل طيلة عشرين سنة و تغلغل في قمة السلطة الإسرائيلية، و من خلال تصادقه مع كبار الضباط في الجيش الإسرائيلي تحصل على معلومات بالغة الأهمية عمل على نقلها إلى المخابرات المصرية.

 

و لم تتردد الصحافة المصرية في التوسع بوصف قصة و بطولة ذلك الجاسوس، كما صدر كتاب يحمل عنوان " كنت جاسوسا مصريا " و أخرج المسلسل التلفزيوني " رأفت الهجان " وقد قلبت وسائل الإعلام الإسرائيلي الموازين ووصفت البطل المصري بالجاسوس المزدوج الذي استغلته إسرائيل لخدمتها على مدى السنين إذ كان يمدها بمعلومات مهمة عن بلاده بعدما انكشف أمره لديها و نشرت صحيفة "معارف الإسرائيلية" مقالا مطولا ما ملخصه أن الجاسوس انهار بسرعة وروى قصة حياته التي بدأت في شهر ماي 1955، لما وصل يهودي يدعى جاك بيتون(رأفت الهجان) كمهاجر جديد من مصر إلى تل أبيب فحاول اثر قيامه هناك، وبعد مدة سنة، القيام بعدة مشاريع اقتصادية جلبت له الأموال فأخذ يسافر بين الوقت و الآخر إلى روما يجمع ما يريد إلى تل أبيب و هو في الوقت نفسه أو في الحقيقة يلاقي مسؤوليه المصريين حتى نخبرهم عن كل كبيرة و صغيرة، و في ليلة ماطرة، في شمال تل أبيب اقتحم مسكن بيتون و الساعة لم تشر بعد إلى منتصف الليل و بعدما أبلغ أنه معتقل اقتيد إلى لقاء مع محققيه الذين أكدوا أن التحقيق معه تم بسرعة أكبر مما كانوا يتوقعون إذ انهار جاك و روى لهم تفاصيل قصة حياته و خطة تسلسله إلى إسرائيل كعميل للاستخبارات المصرية.

 

ولد جاك بيتون عام 1927 في عائلة مسلمة مؤمنة في القاهرة و ما أن أتم دراسته الثانوية حتى قبل في كلية الضباط في الشرطة، لكنه ترك بعد عدة أشهر و أخذ يعمل في أعمال مختلفة، و كان رفعت، و هو اسمه المسلم، يعمل بين الآونة والأخرى في مقهى والده، حيث تصادق مع شخص من المباحث المصرية الذي كلفه مع الوقت بإبلاغه عن اليهود المشبهين بالصهيونية فتمكن بيتون من توسيع معارفه بين الطائفة اليهودية و مع استمرار العلاقة بينه و بين رجل المباحث المصرية كشف له هذا الأخير عن نيته و أخبره أنه اختير للعمل بشخصية أخرى كيهودي و أنه أعد له جواز سفر مصري باسم جاك بيتون.

 

 و سافر بيتون إلى إيطاليا بجواز سفره ذلك مع تأشيرة دخول إلى روما حيث أعدت له هناك سلسلة من اللقاءات مع المسؤول المصري، و حسب التعليمات التي تلقاها في روما توجه إلى القنصلية الإسرائيلية و طلب تأشيرة إسرائيلية لقاء تأشيرته المصرية و منذ تلك اللحظة حصل بيتون على مكانه كمهاجر جديد.. و أثناء فترة بقائه القصيرة في إيطاليا و كذا أثناء رحلته في الباخرة تمكن من مصادقة عدد من اليهود و إثر وصوله إلى تل أبيب استأجر شقة و شرع في أداء مهمته التجسسية إلى أن اعتقل فحول من جاسوس مصري إلى عميل مزدوج. و تضيف نفس الصحيفة أن جاك بيتون تعاون مع محققيه الإسرائيليين و ظهر في التحقيق كرجل حكيم سريع البديهية و ذو قدرة على عقد علاقات شخصية سريعة و ودية فكانت هذه فرصة ذهبية لتنظيم عمل درسه الخصم المصري خاصة و أنه يحظي بالثقة الكاملة من هؤلاء إلا أن مشاكل عديدة برزت فور تنظيمه نبعت أساسا من حقيقة وجود أقرباء له في مصر من شأنهم أن يكونوا رهائن في أيدي الاستخبارات المصرية إذا ما انكشفت حقيقته و كيفية الرقابة على اتصالاته مع المصريين إثر الذهاب للقاء مسؤوليه في أوروبا أو في مصر، بالإضافة إلى مشاكل شخصية، مالية و اجتماعية سببها طابعه المتقلب أو المشاكل النفسية التي نشأت عقب تنظيمه إلا أنه تمكن من أدواره و صمد أمام كل الضغوط فحظي في ختام اللقاءات و الاستجوابات بوسام و بحوافز مالية ضخمة من مسؤولية المصريين و عند عودته إلى إسرائيل اضطر إلى الدخول في دائرة ثانية من الاستجوابات المضنية فاجتاز المهمة بنجاح و تلقى حوافز ضخمة من الجانب الإسرائيلي أيضا.

 

و بعدما صالت به جريدة معاريف و جالت حيث نشرت أن "جاك بيتون" أو "رأفت الهجان" كان عميلا مزدوجا يعمل لحساب المخابرات الإسرائيلية مخادعا بذلك وطنه و أنه أفاد المخابرات الإسرائيلية بمعلومات ذات قيمة في حرب الأيام الستة.

 

 لقد كان لا بد على مصر أن ترد على الجريدة الإسرائيلية و تبطل مزاعمها و تكذب ادعاءاتها فجاءت التساؤلات التالية كيف تمكن من مد إسرائيل بمعلومات عن مصر و هو لا يعيش فيها ؟ و إذا كان حقيقة عميلا مزدوجا فلماذا يخبر مسئوليه المصريين بموعد 5 جوان 1967 و يمدهم بخرائط خط بارليف؟ و إثر تحقيق صحفي أجرته الصحيفة الإسرائيلية سماداربيري  عن رأفت الهجان في جريدة "يديعوت احرنوت" مع رجل مخابرات إسرائيل سألته عن صحة قصة رأفت الهجان، أنكر الرجل بشدة و قال :" أن كاتب القصة يقول أن رأفت الهجان عاش في إسرائيل عشرين عاما و هو شيء مستحيل لأن أي عميل لجهاز ما لا يستطيع الاستمرار في دولة معادية لأكثر من خمس سنوات فقط، يسقط بعدها تحت ضغط التوتر و القلق و الخوف معا.

 

و لم يذكر أن رأفت الهجان كان عميلا مزدوجا كذلك فجرت القصة نفسها مئات الأسئلة في إسرائيل و انتهى الأمر بطرح السؤال على أشهر من أدار الموساد، إبان عقد الستينات، و مواجهة " أيسر هارئيل" الذي قال : " نعم، كان موجودا هذا الجاسوس، و لقد نشطت إسرائيل، و وضعنا الإسرائيليين المنتمين إلى بلاد عربية، تحت رقابة صارمة، لكننا لم نستطع الكشف عنه !

 

نقطة ثانية لصالح مصر فإذا كان المسؤول عن الموساد في تلك الآونة لم يستطع الكشف عن الجاسوس فكيف يزعمون أنهم استخدموه لصالحهم. إذا كان الهجان قد كان لبعض الوقت مع  المخابرات المصرية كما قالت معاريف، فلا بد أن يكون هذا الوقت خلال حرب السويس عام 1956 عندما أرسل الهجان إلى مصر تقارير وافية عن العدوان الثلاثي و إذا كان قد أفاد إسرائيل في حرب الأيام الستة فالأمر غريب لو كان قد فعل ذلك ليتم ذلك على طريقتين هما : أولا : أنه كان يمد إسرائيل بمعلومات عن مصر و عن جيش مصر، و هذا في حد ذاته مستحيل، لأنه كان يعيش في تلك السنوات في إسرائيل فكيف يمدهم بمعلومات عن دولة و هو يعيش في دولة أخرى.

 

و ثانيا : إذا كان يرسل للمصريين معلومات خاطئة عن نوايا إسرائيل ؟ فما القول إذن عن التقرير الذي أرسله، قبل تلك الحرب، و الذي حدد فيه موعد الضربة الجوية في يوم الاثنين 5 جوان 1967.

و قبل نفس الحرب كان هناك سجل من المعلومات التي أمد بها الهجان وطنه، معلومات أفادت مصر و ثبت أنها جميعا صحيحة لا زيف فيها.

 

فما كان الهدف إسرائيل إذن في وصف الهجان بمثل تلك الصفة، هل كان حقا نفي البطولة عن الرجل؟ من المؤكد أن الهدف هو شيء آخر لأن الرجل أتم مهمته و انتهت حياته، فلم يستحملوا الصدمة التي كانت شديدة عليهم فحاولوا و عزموا تحطيم صورته في أذهان الأجيال القادمة حتى يثأروا ثأرتهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Voir les commentaires

كتاب جواسيس في مهام سرية مؤامرات اغتالات ودسائس/الموساد وراء التدمير المفاعل النووي/صالح مختاري

الموساد وراء التدمير المفاعل النووي

العراقي تموز عام 1981

 

 

بعد أزمة البترول عام 1973، و الصراع الذي قام بين المصدرين و المستهلكين حدث بين فرنسا و العراق تقارب في الآراء أسفر عن إبرام عدة عقود و معاهدات بين البلدين أبرزها اتفاق تعهدت فيه فرنسا بمساعدة العراق في تطوير بحوثه النووية و إمداده بالتكنولوجيا اللازمة فقط للأغراض السلمية. و من هنا شرعت الحكومة العراقية في إنشاء مركز للبحوث النووية. و بمجرد وصول هذا الخبر إلى القيادة الإسرائيلية هرعت وسائـلها الإعلامية إلى تضخيم الخبر و ترويجه بطريقة مخيفة معتبرة هذا المشروع خطرا على أمنها بالدرجة الأولى،لأنه يهدف لصناعة القنبلة النووية، واتهمت فرنسا بأنها زودت العراق بـ 67 كلغ من اليورانيوم المخصب و هي الكمية التي تمكن العراق من صناعة أربع قنابل نووية، و هكذا نشطت مصالح المخابرات العسكرية على الخصوص للحصول على معلومات دقيقة تخص هذا المشروع الذي سيعطي ثماره في نهاية السبعينات. أما العراق فقد أصر على مواصلة المشروع السلمي بهذا المفاعل النووي لاستغلاله في توليد الطاقة الكهربائية للعاصمة بغداد.

 

و هكذا أعطيت الأوامر من قبل مصالح التجنيد في الموساد لإيجاد شخصية عراقية بمركز البحوث "بصاكلي" و هي بلدة تقع جنوب غرب العاصمة الفرنسية بغرض تجنيده لصالح المخابرات الإسرائيلية و تكثفت نشاطات رجال الموساد و اضطر القائد " بيران " و هو رئيس مصالح التجنيد المعروف بـ TSOMET  إلى الاتصال برئيس الفرقة العاملة بباريس " دفيد اربيل " الضابط في جهاز الموساد الذي أخبره بكل تفاصيل المهمة الجديدة، و هذه الفرقة توجد تحت الطابق الأرضي للسفارة الإسرائيلية بباريس كباقي الفرق التابعة للموساد بالخارج. و رجال الموساد لهم من الصلاحيات ما يجعلهم يراقبون حتى الحقيبة الديبلوماسية للسفير و جميع المراسلات التي ترد أو تبعث من السفارة، و يتبع رجال المخابرات الإسرائيلية في الخارج العديد من اليهود المتطوعين و الذين يعملون بجميع المصالح و المؤسسات في فرنسا.

 

و لما كان الأمر يتعلق بإيجاد عامل عراقي بمركز البحوث النووية "بصاكلي" اتصل رجال لفرقة التجنيدية للموساد برجل يهودي اسمه الاصطلاحي "جاك مارسيل" الذي يعمل بمصلحة الأفراد في ذلك المركز من أجل إعطائهم المعلومات عن العمال هناك خاصة منهم العراقيين.

 

و هكذا حمل مارسيل قائمة بأسماء العمال العراقيين بالمركز و مر بها إلى رجال المخابرات الإسرائيلية بباريس، أين تم تصوير تلك القائمة بواسطة جهاز التصوير المصغر الذي يحتوي الفيلم الواحد منه على أكثر من 500 صورة. و أرسلت القائمة بعد ذلك إلى المكتب المكلف بتل أبيب بطريقة رمزية و من الأمثلة على ذلك أنه إذ كان الاسم المرسل هو عادل فإنه يصبح (عا) و (دل) المقطع الأول يأخذ رقم 7 و المقطع الثاني يأخذ رقم 21 و لتعقيد الاسم أكثر يأخذ كل رقم حرفا معينا مثل (ك) و(ن) و تغير هذه الرموز كل أسبوع، و قد أرسلت القائمة على مرحلتين، في المرحلة الأولى أرسلت المقاطع الأولى للأسماء و في المرحلة اللاحقة أرسلت المقاطع الثانية من الأسماء، و ذلك تحسبا لأي طارئ قد يكتشف حقيقة الرسالة الأولي فلا يجد معنى للمقاطع حتى و إن تمكن من فكها.

 

بعد أن وصلت الأسماء إلى تل أبيب، بدأ النظر فيها من قبل دائرة البحوث للموساد، لكن المعلومات لم تكن وافية عن هؤلاء العمال العلميين غير الخطرين و عليه أعطبت الأوامر من قبل مصالح التجنيد للموساد للفرقة الباريسية للعثور على فريسة في أسرع وقت، و من هنا بدأت حكاية رجال المخابرات الإسرائيلية مع المواطن العراقي السيد " مشهد حليم" المتزوج بالسيدة سميرة و المقيمة معه  بضواحي  باريس. و قد وقع اختياره على أساس أنه الوحيد الذي أعطى عنوان سكنه الخاص. و مما زاد من تشجيع رجال المخابرات على الاهتمام به ، كونه متزوج بدون أولاد و عمره تجاوز الأربعين، و هذا يطرح احتمال السعادة في حياته الزوجية غير موجود. المشكل الآن هو كيف يتم تجنيده، علما أن الموساد يعرف جيدا إيمان و إخلاص المواطن العربي تجاه بلده و أمته. و نظرا لأهمية القضية فقد تكلف فريقان بتنفيذها، و هي تجنيده لصالح المخابرات الإسرائيلية ومن ثمة إمدادها بالمعلومات اللازمة عن المفاعل النووي العراقي الذي شرعت بغداد في إنشائه. بدأ العمل و انطلق رجال المخابرات الإسرائيلية كل في تخصصه، منهم من كلف بضبط مواقيت خروج حليم و زوجته ووقت عودتهما طول الأسبوع ، و منهم من كلف بوضع وسائل التصنت و التسجيل في الشقة التي يقطنها حليم. لأنهم يحملون مفاتيح خاصة تمكنهم من فتح أية شقة حتى و لو كانت تفتح بواسطة القصاصات المغناطيسية أو بالرمز و لذلك تفتح الغرف حاليا في بعض الفنادق بأوروبا و أمريكا. بواسطة بصمات صاحبها نفسه و هذا لتأمين الزبون. و حتى هذه المرحلة لم تكن لدى المخابرات الإسرائيلية صورة حليم و لم يكونوا متيقنين من فائدته بعد، و بدأت مراقبة حليم و     زوجته، و كانت أول مقابلة مع الزوجة بعد يومين فقط من إعطاء الأوامر، حيث دقت بنت في مقتبل العمر باب شقة حليم في الوقت الذي كان هذا الأخير في العمل. كان اسم البنت الحقيقي " دينة " تعمل لصالح المخابرات الإسرائيلية. دقت الباب على أساس أنها تعرض سلعتها و هي مجموعة من العطور و الروائح ذات الأسعار المغرية و القابلة للتقسيط و هكذا فتحت سميرة للآنسة " دينة " قلبها و أدخلتها عندها لترى ما بجعبتها من بضاعة لا سيما و أنها ستسافر إلى بغداد لحضور العملية الجراحية التي ستجريها والدتها، و امتد النقاش بين الزوجة و البائعة بشكل غير عادي حيث سمعت البائعة في اللقاء الأول ما لم تكن تنتظره، و بعد لقاء ثان قرر رجال المخابرات الإسرائيلية المشرفون على العملية أن يضعوا نهاية لهذه العلاقة لأنها غير مجدية بعد أن تبين بأن زوجة حليم غير هامة في المعادلة و عليه بدأ رجل ثاني في توطيد العلاقة بينه و بين حليم مباشرة، هذا الرجل يأخذ نفس المحور و هو ذاهب إلى العمل بسيارته الخاصة، مما جعله يمر على حليم كل صباح و في المساء بعد نهاية العمل. اسم هذا الرجل " دونوفان". و في غياب زوجته سميرة أصبح حليم يسير وفق برنامج جديد، حيث دخل "دونوفان" في حياة حليم و أصبحت العلاقة بينهما تتوطد و تتحسن أكثر فأكثر، حتى أصبح يتردد على منزل حليم في غياب زوجته ليتجاذب أطراف الحديث في مواضع عامة، لقد كان " دونوفان"  يرسل بتقاريره إلى رؤسائه في الموساد عن طريق رجلين يعملان لصالح المخابرات الإسرائيلية بحيث أن التقارير التي يحملانها في شكل رموز تكون متكاملة فلا يفهم تقرير إلا بفك رموز التقرير الثاني علما أن الرجلين يلتقيان و لا يعرف الواحد منهما إن كان الثاني يحمل تقريرا من "دونوقان" و هذا تحسبا لوقوع أي تقرير في يد جهات أخرى.

 

لقد كانت التقارير تجيب في كل مرة عن الأسئلة الخمسة الهامة و هي : من ؟ ماذا ؟ أين ؟ متى ؟ لماذا ؟ فضلا عن المحادثات التي كانت تدور داخل منزل حليم و هم يتصنتون عليها. " دونوفان " قدم نفسه إلى حليم على أساس أنه بائع للحاويات و مصدرها للدول الإفريقية في صناديق حديدية كبيرة حيث تستعمل للسكن هناك، و حتى يتيقن حليم من مهمة زميله استدعاه لمرافقته إلى جنوب فرنسا لعقد صفقة من الحاويات. أثناء العودة سلم "دونوفان" ألف دولار لحليم مكافأة للملاحظات التي قدمها لدونوفان و التي خصت بعض السلبيات في السلعة، و اتضح لدى حليم بعد هذا التصرف أن صديقه "دونوفان" ليس صديقا من أجل وقت الفراغ إنما يمكن أن يكسبه أموالا طائلة تساعده على تجسين مستواه المعيشي.

 

و جاءت لحظة العمل الجاد و الدخول في صميم الموضوع، بعد يومين من اختفاء "دونوفان" بدعوى أنه مشغول. التقى مع حليم و عليه ملامح القلق، سأله حليم عن السبب أجاب : لقد جاءت صفقة العمر في ألمانيا، إنها أنابيب مطاطية تستعمل لنقل المواد ذات النشاط الإشعاعي المخصص للبحوث الطبية. لكن المشكل أني لست متخصصا في هذا الميدان و أخاف أن أعتمد على خبير قد لا ينصحني، رد حليم على الفور أستطيع مساعدتك. أشكرك لكن القضية تحتاج إلى خبير متضلع في الميدان، أجاب حليم إنه ميدان تخصصي. تظاهر "دونوفان" بالدهشة معلقا، كنت أظن أنك طالب ؟ نعم هذا ما قلته لك لكن في الحقيقة أنا في مهمة خاصة بفرنسا. اندهش "دونوفان" ثانية للسهولة التي اعتمدها حليم في إفشاء مثل هذه المعلومات و دون أن يلفت انتباه حليم استطرد : إذن سنلتقي في "أمستردام" هذا الأسبوع، و إنني مضطر أن أذهب يومين قبل الموعد، أما أنت سوف تلحق بي رفقة أحد رجالاتي إلى مكان الموعد.

 

لما وصل حليم إلى" أمستردام " وجد في انتظاره " دونوفان" و رجلين أحدهما يهودي فيزيائي يحمل جواز سفر ألماني و الثاني من نفس الجنسية بصفته ستر مالي. و بينما كان " دونوفان" مع الرجل الثاني منفردين، كان حليم و الفيزيائي يتناقشان حول الجانب العلمي و التقني للعتاد المراد بيعه و السؤال الذي كان الفيزيائي يبحث عن جواب له هو : من أين تحصل حليم على كل هذه المعلومات و المستوى العلمي العالي الذي يتميز به في ميدان الفيزياء النووية، و كان حليم كعادته سخيا في إعطاء جميع أسراره عن عمله في المصنع و خارجه. و خلص اليهودي الفيزيائي إلى إعرابه عن نيته في بيع مفاعلات نووية للدول النامية من أجل الأغراض السلمية. لكن المعضلة تتلخص في عدم امتلاكه لمخططات و نماذج كاملة لمفاعل نووي. و اغتنم الفرصة ليطلب من حليم إن كان بإمكانه إنجاز مثل هذا العمل مقابل أجر كبير تردد حليم للوهلة الأولى و علق خائفا : هذا أمر خطير ؟ طمأنه اليهودي الفيزيائي لا يوجد أي خطر عليك بتصوير المفاعل النووي العراقي و تقديمه لنا. و سوف تقبض مبلغا هاما، و تغلبت الأنانية و حب المال على حليم، و اقنع نفسه بأن الأمر لن يكلفه جهدا كبيرا، كل ما في الأمر أن يقوم بتصوير المخطط الأصلي. و هكذا انتهى دور " دونوفان" ليفسح المجال لزميليه الاثنين لمواصلة المهمة مع حليم. في اليوم الموالي من اللقاء أخبر " دونوفان" حليم بأنه سيسافر إلى لندن لمدة قد تطول بعض الوقت، و دون أن ينسى ترك له رقم الهاتف في لندن ربما يحتاجه حليم في أي لحظة. بعد ذلك تم لقاء ثاني بين حليم و الفيزيائي اليهودي رفقة زميله المحاسب، في هذا اللقاء اختيرت ثلاثة أسئلة ليجيب عنها حليم، الأسئلة كانت : أين يقع المفاعل النووي العراقي ؟ ماهي مراحل أشغال البرنامج الذي هو في طور الإنجاز ؟

 

أجاب حليم عن الأسئلة الثلاثة بدون تحفظ، ليشرع بعد ذلك في تدريبه على الرسائل المستعملة لدى المخابرات الإسرائيلية من أجل الحصول على المعلومات اللازمة التي ستكون إضافية للأسئلة المطروحة من قبل رجال الموساد. لقد عرف حليم بعض الفنيات في تصوير الملفات و المخططات، منها بعض من الورق الخاص، يوضع فوق الورقة الأصلية المراد تصويرها ثم يوضع ثقل لجسم ما فوقها، و بعد لحظات تؤخذ الورقة الخاصة لتعالج في المخبر، فتظهر صورة الوثيقة الأصلية، عند هذا الحد تفطن حليم لطبيعة المهمة الموكلة من طرف الرجلين الذين يجهل عنهما كل شيء و اعتبر ما طلبوه منه في النهاية عملا تجسسيا محضا، و اعترف لزميله "دونوفان" بعدما اتصل به هاتفيا أنه تورط مع الرجلين الألمانيين، و طلب منه أن يلتحق به و أن يمد له يد المساعدة.

 

لقد أدرك حليم لأول مرة خطورة المهمة و العواقب التي تنتظره و لاسيما أنه يعرف جيدا بأن المخابرات العراقية لن ترحمه إذا كشف أمره، و هو الاحتمال الوارد لأن هؤلاء يراقبون و بعيون لا تنام رجالاتهم بالخارج. وصل " دونوفان" إلى باريس لمؤازرة حليم بعد يومين فقط من المكالمة الهاتفية، التقى الصديقان و على وجه حليم الحيرة و القلق و الخوف، و ما أن جلسا حتى انفجر حليم : لقد انخدعت بالمبلغ الذي وعدوني به، و أنت الصديق الوحيد الذي يمكنه مساعدتي، أرجوك أن تدلني على طريق ينجيني من شرهما. تأسف " دونوفان" لما حدث لزميله، و تظاهر بانشغاله عليه، و حاول تهدئته طالبا مهلة للتفكير في الحل، ثم قال " دونوفان" : اهدأ و لا تخف إن مثل هذه الأحداث كثيرة، أجاب حليم بعصبية لقد قلت لهما كل ما أعرفه لكنهما يريدان المزيد، و أنا اعرف أكثر مما قلت، رد اليهودي " دونوفان" : إنك لست الأول المتورط في مثل هذه الأعمال و لست الأخير  و  لا أعتقد أن الأمر يصل إلى هذه الدرجة من الخطورة التي تتصورها، اتركني أفكر لعلني أجد حلا.

 

خمسة أشهر فقط من تعارفهما استطاع " دونوفان" أن يتحصل على معلومات جد هامة من حليم و لم يبق أمام " دونوفان" سوى إقناع حليم بأن رجال المخابرات الأمريكية (سي.أي.ا) هم الذين وراء هذه العملية، و أنهم يريدون منك إضافات جزئية فقط عن المفاعل النووي العراقي، و أعتقد أنهم يتركونك و شأنك بعد ذلك، إني أعرف أن الأمريكيين أرحم و أكثر إنسانية من الإسرائيليين و ما أن توقف " دونوفان" عن الكلام حتى بادره حليم : ماذا عساني أن أقوله لهم أكثر مما قلته ؟ و رد " دونوفان" : لست أدري، ربما أنت تعرف جيدا و أحسن مني ما يريدونه منك. مثلا ما هو موقف العراق من عملية استبدال مادة " الكارامال" مكان اليورانيوم المخصب ؟ أجاب حليم، أن العراقيين يريدون اليورانيوم المخصب، و هناك الأستاذ " يحي مشهد" الفيزيائي الكبير سيصل في الأيام القادمة إلى باريس لينظر في الأمر، و هو الذي سيقرر نتيجة المفاوضات و يسأل "دونوفان" هل بإمكانك مقابلته ؟ بكل تأكيد سيلتقي مع الرجال الذين يعملون من أجل المشروع هنا. إذن يمكنك معرفة جواب السؤال السابق و ربما الأخير من هذا الأستاذ.

 

بعد عودة زوجة حليم من العراق، و جدت زوجها إنسانا مختلفا عما تركته عليه، حيث تحسنت أحواله المالية، فأصبح يقتني من الأكل و الملبس ما شاء الله كما أنه استطاع أن يدعوها أكثر من مرة لأماكن الترفيه و التسلية الراقية و كان يدفع مقابل ذلك مبالغ كبيرة تساءلت زوجته هل هذه البحبحة ناتجة عن ارتفاع ماهيته ؟ وبأي منسبة ترتفع بهذا الشكل؟ بعد أيام فقط صارح زوجته الحائرة، و قال لها أنه تعرف على صديق اسمه "دونوفان" و هو رجل أعمال سلمه ما استطاع من المال نتيجة مساعدته في بعض صفقاته التجارية. كما أخبرها بأنه في مشاكل مع المخابرات الأمريكية.

حذرته زوجته من ذلك قائلة أن هؤلاء إسرائيليون و ليسوا أمريكيين، ما حاجة الأمريكان بهذه المعلومات ؟ و نصحته بالعودة فورا إلى بغداد.

 

بعد أيام فقط بدأ شحن المفاعل النووي باتجاه العراق و كانت المرحلة الأولى هي نقل هذه التكنولوجيا على متن ثلاث شاحنات إلى ضواحي طولون (TOULON) ، لينقل بعد ذلك عبر البحر باتجاه العراق، في تلك الأثناء و اعتمادا على المعلومات التي تلقاها رجال الموساد من حليم استطاعوا أن يخبئوا ثلاث رجال داخل إحدى الحاويات الكبيرة المعدنية التي كانت تحمل عتادا مكملا للمفاعل النووي، و كان ضمن الرجال المندسين أستاذ متخصص في العلوم النووية حيث قام الرجال بعد أن دخلت الشاحنة إلى الحظيرة المسقفة بوضع متفجرات موقوتة يتم التحكم فيها عن بعد، ثم لاذوا بالفرار في اللحظة التي هرع الحراس إلى الحادث الذي وقع خارج الحظيرة في الشارع المقابل، أين اصطدمت سيارة بامرأة كانت تتأهب لقطع الطريق. و الحقيقة أن الحادث دبر هو الآخر من طرف رجال الموساد لتحويل انتباه الحراس من الحظيرة إلى الخارج لأنه في تلك اللحظة بالذات غادر الرجال الثلاثة الحظيرة، و لم تمض إلا دقائق معدودة حتى سمع انفجار كبير داخل الحظيرة أتى على تدمير جزء كبير من عتاد المفاعل النووي. و هكذا تمت الخطوة الأولى من المخطط التخريبي لتأخير إنجاز المفاعل النووي العراقي لعدة سنوات أخرى.

 

لما سمع حليم الخبر أصابه الهلع و الخوف و تأكد أن المعلومات التي سربها للرجلين هي التي استعملها المخربون و أنه السبب المباشر في ذلك رغم أن الأوساط الإعلامية أرجعت العملية إلى اليساريين الفرنسيين، و أخرى إلى الفلسطينيين العملاء لليبيا و البعض الآخر للموساد لكن الناطق الرسمي باسم الحكومة الإسرائيلية كذب الاتهامات الموجهة لبلاده.

 

بعد الحادثة التقى حليم بـ " دونوفان" و أخبره بأنه عازم على العودة إلى العراق لأن الخطر أصبح يحدق به في كل لحظة سواء من طرف العراقيين أو من طرف العصابة التي تورط معها. و حاول " دونوفان" لآخر مرة إقناع حليم بالتعامل مع الإسرائيليين إذا أراد أن يحصل على أموال طائلة مقابل تزويدهم بمعلومات إضافية عن المفاعل النووي العراقي، لكن حليم رفض اقتراح زميله لأول مرة في آخر لقاء بينهما.

 

لم يعد حليم ينفع في شيء، و انتقل رجال المخابرات الإسرائيلية لأمر أهم و هو السيد "يحي مشهد" العالم المصري الجنسية المقرب لدى الشخصيات العسكرية و المدنية في الوطن العربي و الذي ذاع صيته في كل مكان، نظرا للمستوى العالي الذي يتميز به هذا الرجل. كما أن الصلاحيات التي أعطيت له من قبل السلطات العراقية جعلته لغز المعادلة الصعبة في المفاعل النووي العراقي، لأن كثيرا من الأسئلة لم يتوصل رجال الموساد لمعرفة الجواب لها. و لما كان العالم المصري يتنقل من حين لآخر بين المشرق العربي و باريس في مهمات سرية و عملية. فكر رجال المخابرات في تجنيده أو تصفيته نهائيا. خاصة و أنهم تيقنوا بأن نتيجة المفاوضات مع السلطات الفرنسية حول مشروع المفاعل النووي العراقي تتوقف على موقفه تجاه المشروع.

 

في زيارته الأخيرة إلى فرنسا و بالضبط إلى المركز النووي " بصاكلي" صرح للعلماء الفرنسيين قائلا : " إننا سوف نغير مجرى تاريخ العالم العربي" و هذا ما أقلق السلطات الإسرائيلية التي أيقنت بأن العراق على أبواب صنع القنبلة النووية، و هي مؤشر لبداية نهاية الكيان الصهيوني في المنطقة.

 

لقد علم رجال الموساد أن العالم المصري " يحي مشهد" سيحل بباريس في الوقت و المكان المحددين لزيارته. عن طريق التقاط التلكس الفرنسي الموجه لمصر. و لما كان التلكس يحدد أيضا فندق نزوله و الغرفة التي حجزت باسمه، تمكن رجال المخابرات من ترتيب الأمور، بوضع وسائل تصنت داخل الغرفة التي ينزل بها.

 

لم يكن أمام رجال الموساد تجاه العالم المصري سوى أحد الأمرين، إما أن يبوح بما يبحثون عنه، أو اغتياله مرة واحدة في حالة رفضه، في الأمسية التي وصل فيها " يحي" إلى الفندق اتصل به رجل و دون أن يفتح العالم الباب سأل من الطارق ؟ أجابه الرجل اليهودي باللغة العربية أنني رسول منظمة قوية تنتظر منك بعض المعلومات مقابل أجر كبير، رد الرجل المصري غاضبا : اذهب أيها الوقح و إلا ناديت الشرطة، لما سمع اليهودي الجواب هرول خارجا، عرف أن الرجل المصري ليس من النوع الذي يراوده الخوف و لا حب المال و لا حتى الحياة. و هكذا انسحب رجل المخابرات اليهودي ليعود مباشرة إلى إسرائيل حتى لا يشتبه في أمره. و في تلك الليلة دخل رجلان إلى غرفة الرجل المصري و هو نائم ضربوه بعصا حديدية على الرأس أرددوه قتيلا. و لم يتفطن له أحد إلا بعد مرور الساعات الأولى من طلوع النهار. و بهذه الكيفية تم تنفيذ العملية الثانية بكل نجاح.

 

لم يبق أمام رجال الموساد سوى العملية الثالثة و الأخيرة و الأصعب من سابقتيها، لكونها ستنفذ بكيفية جريئة و علنية على مرأى من العالم، إنها عملية تدمير المفاعل النووي العراقي ببغداد مستعملة في ذلك طائراتها المقنبلة اعتمادا على المعلومات التي قدمها حليم بالإضافة للمساعدة الأمريكية.

 

في السابع من شهر جوان 1981، و على الساعة الرابعة زوالا، أقلعت اثنتا عشر طائرة من نوع (أف-15) و نفس العدد من نوع (أف-16) من قاعدة " بير شيبة" القريبة من الحدود الإسرائيلية الأردنية. كانت الطائرات تحلق على ارتفاعات عالية و بسرعة خاطفة حتى لا تكشف من قبل الرادارات العراقية و وسائل الدفاع الجوي، و لما كان الارتفاع و السرعة يثقلان من احتمال إصابة الأهداف المراد تدميره، فقد تكلف أحد رجالاتهم الموجودين ببغداد بوضع إشارات مضيئة بالقرب من المفاعل النووي حتى يتمكن الطيارون من تحديد أهدافهم بكل دقة لتكون الرماية بعد ذلك ناجحة و فعلا لما اقتربت الطائرات من العاصمة بغداد في حدود الساعة السابعة مساء رأى طياروها أعمدة صغيرة منيرة في عدة أماكن بضواحي العاصمة، كان الطيارون يحملون معهم خرائط مفصلة للمنطقة و لكل واحد أهدافه التي يجب تدميرها. و قد استعملت الطائرات الإسرائيلية الأمريكية الصنع صواريخ من نوع "سايدوندار" و قنابل ذات قوة تدميرية عالية يتم التحكم فيها بواسطة الليزر، وقد تم إعادة تموين الطائرات المقنبلة بواسطة " بوينغ 707" التي حطت بقبرص بعد إتمام مهامها.

 

و في حدود الساعة السابعة مساء رمت الطائرات الإسرائيلية كل حمولتها فوق منطقة "توايطة" أين يوجد المفاعل النووي العراقي و دمر ما دمر من المفاعل النووي، و تلقى الإسرائيليون نبأ التدمير بكل فرح و سرور، بينما تلقى الشعب العراقي النبأ بكل تحسر و إصرار على مواصلة العمل و التحدي.

 

و كان للعراقيين ما نووا، و ما المفاجآت التي قدموها خلال حرب الخليج إلا دليلا على إرادتهم الصلبة و عزيمتهم الفولاذية. و أثبت العراقيون لإسرائيل (بما رجموها به من "عباس" و" حسين" أنها لا تستطيع الوقوف أمامه لولا تواطؤ الإمبريالية العالمية معها و ما يزال العراق الشقيق ينتصب شامخا رغم الحصار و المؤامرات.

 

و في الختام لابد من التذكير بأن هاته القصة التي عرضناها هي من نسيج خيال أحد رجالات المخابرات الإسرائيلية "قيكترر أوسترونسكي" و عليه فإننا مطالبون بأخذها بكل تحفظ و حيطة لاسيما و أن القصة "السيناريو" نشرت و لم تتعرض لأية مصادرة، و بالتالي فإن طرح أكثر من علامة استفهام شيء ضروري.

Voir les commentaires

إيدن ويت بهنيء بوكرزازة

 

إيدن ويت بهنيء بوكرزازة

م.ص

 بمناسبة   مصادقة  الحكومة  في مجلسها الأخير على قانون  الصحفي  واستعدادها لإصدار مرسوم  يقضي بحماية الصحفي من أي ضغوطات  أثناء أداء مهامه تلقى عبد الرشيد بوكرزازة وزير الاتصال برقية تهاني من لدن الأمين العام للفدرالية الدولية لصحفيين ثمن فيها الإجراء القاضي بتحديد علاقة العمل بين الصحفيين والناشرين وحسب ذات  البرقية فقد اكد السيد إيدن ويت بان القانون   هو  منعرج حاسم  بالنسبة للصحفيين في الجزائر واصفا إياها بالوثيقة النوعية  التى ستوضح  توعية العلاقة التي عانت منها الصحافة في الجزائر  من قبل

في دات السياق عبرت الفدرالية الدولية لصحفيين على لسان أمينها العام  عن امتنانها لدور الذي لعبته نقابة الصحافيين الجزائريين في تحقيق هدا المكسب الثمين  الذي  سيصدر بشأنه  مرسوم  تنفيذي  بمناسبة اليوم العالمي لصحافة   من شانه   تمكيين الصحفيين من الحصول  على المعلومة  و التامين الإجباري  حتى في حالة أداء هم لمهام خطيرة  التى تقرر تامين عليها هي كدالك  المرسوم تضمن كدالك  حماية الصحفيين من التهديد والترهييب مع اعداد بطاقة وطنية    خاصة بهم وقد عبر كمال عمارني الأمين العام لنقابة الصحافيين الجزائريين  هو كدالك عن سعادته بخصوص تبني الحكومة لقانون الصحفي الدي قال عنه "لقد عملت النقابة الكثير من اجل تحقيق هدا  المكسب الذي هو انتصار لكل الصحافيين وليس فقط لنقابة " نذير بن سبع رئيس مكتب الفدرالية الدولية لصحفيين بالجزائر كشف من جهته بانه لم يكن من السهل تحقيق هدا الانجاز  الدي ناضل من اجله الصحفيين الجزائريين الدين حسبه سيجدون في هدا القانون  آليات  تجعلهم في مناى عن أي ابتزاز اوتهديد قد يعكر صفوة مهنتهم....

Voir les commentaires

سعاد·· أسماء·· ريان·· شهادات عن جحيم الاغتصاب والتحرش/80 ألف حالة اجهاض و 7000 مولود غير شرعي سنويا

سعاد·· أسماء·· ريان·· شهادات  عن جحيم الاغتصاب والتحرش

-- 80 ألف حالة اجهاض و 7000 مولود غير شرعي سنويا

-- التحرّش الجنسي بين العمل والشارع

-- 400 حالة تحرّش بالمرأة في العمل سنويا

تحتفل المرأة اليوم بعيدها السنوي، لكن في هذا الإحتفال الذي تكرّم فيه المرأة بالزهور الحمراء وقطع الشكولاطة، لا يمنع من إظهارما تتجرعه المرأة من تحرش، اعتداء واغتصاب طوال السنة·· هنا شهادات لجزائريات عرفن التحرش، الإغتصاب وثمرة الحب الموسمة بالسم وغيرها··· تابعوا···

 تحقيق: صالح مختاري

 الآنسة سعاد· ج: طالبة بأحد المعاهد الجامعية بالعاصمة، عمرها لايتجاوز 24 عاما، لم تكن تتوقع أن تكون حاملا في شهرها الرابع وهي على مقاعد الدراسة، سعاد تقول عن هذه المغامرة ''كانت لي علاقة مع الشاب المدعو نوار الذي يسكن معي بنفس الحي على أساس الزواج، أوّل لقاء معه كان في صيف ,''2005 مضيفة، أن لقاءاتها به استمرت إلى  غاية 29 نوفمبر ,2006 مدة تقول عنها المتحدثة بأنها كانت مليئة بالمغامرات الغرامية توّلدت عنها قصة حب رهيبة·

تقول سعاد ''كنا نلتقي بشكل مستمر في غابة رياض الفتح، وفي أحد الأيام شعرت بفقدان عذريتي وهو ما أكدّته لي طبيبة نساء  بعد الكشف، وقالت لي حينها بأني لم أفقد  العذرية كليا، وتشير الطالبة، أنها لم تحمل لحسن الحظ، بعدها تقول ''امتنعت عن ملاقاة صديقي خوفا من وقوع الكارثة، حينها كنت أفكر في إجباره على القيام بخطوة لخطبتي تصحيحا للخطأ''، فكرة المقاطعة لم تستمر طويلا أمام إلحاح العشيق للقاء سعاد التي ذكرت أنها استجابت لطلبات نوار خوفا من انتقام هذا الأخير، مؤكدة'' أنها كانت تستجيب لرغباته الجنسية، خوفا من تهربه من المسؤولية''، وعن ظروف الحمل تقول سعاد ''أنه في نهاية نوفمبر 2006 عرض عليها المدعو نوار الذهاب الى شاطئ العقيد عباس، أين أجّر غرفة بأحد الفنادق هناك،  حيث مكثنا بها من الساعة 10سا صباحا إلى غاية الواحدة زوالا''، وتضيف: ''طيلة هذه المدة، مارسنا الجنس وكأننا زوجين، لأنه كان قد قطع عهدا بالزواج مني مهما كانت الظروف، بعد شهر من ذلك وجدت نفسي حاملا بعد اجراء التحاليل''، سعاد التي تعيش حاليا مع أسرتها وهي حامل في الشهر الرابع، بقيت وحيدة، تصارع المجهول في غياب الزوج المفترض الذي اختفى منذ ديسمبر ,2006 والذي غادر العاصمة بإتجاه ولاية تبسة، الطالبة الحامل لم تجد غيرأمّها وخالتها لتخبرهما بالأمر،-على حد قولها-''ستكون الكارثة إذا لم يأت صاحبه''·

 حاولت اجراء عملية إجهاض للتخلّص من المولود ولكن إيجادها لمكان إجراء العملية حال دون ذلك، وفكرت في الهروب  معتقدة حسبها، أنه المخرج الوحيد من هذه المشكلة، هي اليوم بصدد رفع دعوى قضائية ضد  المدعو نوار، بغرض الاعتراف بخطئه والزواج منها·

الاغتصاب الذي حوّل أسماء إلى أم عازبة

سمعنا عن حالات حمل متعدّدة ، كان لمركز النساء في شدّة دورا في التكفّل بهن، انتقلنا إليه للوقوف على ظروف مجيء هؤلاء إلى هناك·

التقينا بالطالبة ''أسماء''، البالغة من العمر 25 سنة مازالت تدرس بالجامعة، وهي حامل في شهرها الثامن، كيف وصلت إلى هذه الحالة؟ ردّت أسماء ''حملت عن طريق الاغتصاب، من طرف شخص معروف بالحي الذي تتواجد به اقامة الطالبات، والذي تحرّش بي لأول مرّة في شهر جوان من عام ,''2006 تحرّش تقول عنه الضحية، ''بعد يوم من هذه الحادثة، تعرّضت لسرقة من طرف هذا الشخص عن طريق التهديد بالسلاح الأبيض، سرق كل مجوهراتي''، وتضيف، أن المعني ضرب لها موعدا بأحد الأحياء القريبة من الإقامة من أجل إعطائها حاجياتها المسروقة، وعند وصولها إلى مكان اللّقاء، تفاجأت بتهديدات المدعو فريد الذي كان يحمل سلاحا أبيضا، طالبا منها نزع ثيابها، فبكت تترجاه بالكف عن هذا الأمر، ولكن رغبات هذا الوحش، كانت أقوى من نداءات الإغاثة التي أطلقتها الضحية وهنا تقول ''نزعت ثيابي مكرهة خوفا من الموت ليقوم هذا الحيوان، بإغتصابي بطريقة وحشية، ليتركني في حالة يرثى لها''، وذكرت أنها عادت إلى مقر إقامتها، متأثرة بالحادث الذي بعد أيام أبلغت بشأنه والدها الذي رافقها بعد ذلك الى مركز الشرطة، بابن عكنون لإيداع شكوى ضد المغتصب، وبعد مرور ثمانية أشهر عن القضية، تقول أسماء، أن المجرم مازال لم يحاكم بعد، حيث صرّحت لنا، بأنها حاولت الإجهاض، إلا أنها لم تتمكن من ذلك، وبعد الولادة تنوي التخلي عن المولود لصالح عائلته، وعن سبب وجودها بالمركز، أفصحت المتحدثة بأنها، تسكن في قرية من وسط محافظ، ولامجال حسبها، لشرح ما يعنيه وجودها هنالك كونها حامل بدون زواج·

الطالبة ريان الموجودة هي الأخرى بنفس المركز، وضعت حملها منذ 24 / 02 / ,07 وعن ظروف هذا الحمل تقول: ''تعرفت على المدعو سفيان، عندما كنت أدرس بأحد معاهد بجاية، كنت حينها أقيم برفقة زميلاتي في الحي الجامعي، ونظرا لبعض المشاكل طلبت من صديقي ايجاد حل لي، فعرض عليّ الإقامة في مسكنه الخاص بحكم كونه من عائلة ثرية'' وتضيف :''أغرمنا ببعضنا ، فإتفقنا على الزواج وفي أحد اللّيالي تقرّب مني و في لحظة اندفاع وجدت نفسي فاقدة العذرية رغما عني، وفي سياق حديثها معنا، كشفت ريان أنها قامت بعدة محاولات لإجبار سفيان على تحقيق الحلم المتفق عليه، إلا أنه اختفى الى غاية اليوم، وكان -حسبها- قد منحها 10 ملايين سنتيم لأجل الاجهاض، إلا أنها لم تقم بذلك وعن مصير مولودها تشير المتحدثة  الى أنها لاتنوي التخلي عن إبنتها ''إيميليا''·

 7000 مولود غيرشرعي و 80 ألف حالة اجهاض سنويا

ظاهرة الأمهات العازبات، أصبحت تشكّل تهديدا حقيقيا لقيم المجتمع الجزائري، حيث سجلت تقارير أعدّتها عدة جهات عن وجود 7000 حالة ولادة غير شرعية كل سنة، بنسبة 52% من الأمهات العازبات لايتعدى سنهن 25 سنة، 40% منهن ليس لهن مستوى أو لهن مستوى ابتدائي·

 في ذات السياق، استنتج أن هذه الظاهرة ليست وليدة الصدفة بحكم وجود 3/1 منهن لهن أكثر من ولد بما قد تم تسجيل نسبة 26,26% ممن هن في حملهن الثاني، و 16.3 يبلغن من العمر بين 16 و 19 سنة، المعلومات المستقاة تؤكد أنه من ضمن 15 ألف أم عازبة، تم استقبالها عام ,2006 تم تسجيل 118 ولادة غير شرعية من ضمن 8866 على مستوى العاصمة، و 219 من ضمن 3299 بسكيكدة، و 322 من ضمن 3541 بمعسكر·

في أوّل تحقيق وطني أجراه مركز "CEMEAP" (المركز الوطني للدراسات والتحليل السكاني بخصوص اهمال الأفعال غير الشرعية والأمهات العازبات عام 2006 تشمل 14 ولاية، حيث أظهرت النتائج ارتفاع نسبة هذه الظاهرة من سنة إلى أخرى، احتلت ولاية سطيف المرتبة الأولى بـ 5,13%، تليها الجزائر بـ 11.9%، سعيدة 9.85%، بشار 9.04%، قسنطينة 8.13%، شلف، الأغواط بنسبة 7.33%،  فالمة بـ 4.58%، ثم وهران بـ 4.35%، من جهته، كشف التحقيق عن وجود 80 ألف حالة اجهاض تحدث سنويا يتراوح سعرها بين 50 إلى 90 ألف دج، في حين ذكر ذات المصدر بوجود 46 مليون حالة إجهاض في المستوى العالمي·

الآنسة نجمة سعيدة عضو مكتب بجمعية نساء في شدّة ومديرة مركز الاستماع القانوني والنسائي بباتنة، التقيناها بمركز SOS نساء في شدّة بالعاصمة، والتي كشفت، أنه منذ فتح مركز باتنة، تم تسجيل 25 حالة أم عازب، وأوضحت بأن على مستوى مصلحة ذات الولاية يتم التكفل بهذه الحالات في الحمل السادس، وفي سرية تامة حيث خصص لهذا جناحا خاصا تقمن به الى غاية الولادة، وعن دور المركز تقول الآنسة نجمة المستشارة القانونية'' تقوم بدور الوسيط بين عائلة الأم العازبة، وعائلة المعني بالحمل لإيجاد حلول لهذه المشكلة''، موضحة أنه تم بفضل المركز تسجيل 12 حالة زواج إلى غاية اليوم و 25 حالة لإرجاع البنت إلى أهلها والتي تشترط على حد قولها عدم قبول المولود·

مديرة جمعية SOS نساء في شدّة :''تقريبا منذ نشأة الجمعية في عام ,1997 تسجل نحو 150 حالة للأمهات العازبات في كل عام، وقد تم حل مشكلة 15 منهن''، فحسب المتحدثة أنه يتم استقبال الضحايا بعد الشهر السابع من الحمل تتلقين كل العناية من إقامة، أكل، ورعاية صحية ونفسية·

التحرّش الجنسي في كواليس العمل

حسب بعض الأخصائيين، فإن التحرّش الجنسي يدخل في خانة العنف، ضد المرأة سواء كان معنويا أو بسيكولوجيا· ثلاثة عينات كانت محل مساءلة من طرف ''الجزائر نيوز'' لمعرفة أسباب هذه الظاهرة داخل كواليس العمل··

الآنسة ''ش'': تقول بشأن ماتعرضت له من تحرش على يد مسؤولها المباشر في أحد المؤسسات العمومية، ''بعد حصولي على شهادة ليسانس من جامعة الجزائر، التحقت بمؤسسة عمومية لمباشرة عملي، وبعد أربعة أشهر تفاجأت بطلب مقابلة من طرف المدير في مكتبه، اعتقدت أن الأمر عادي، ولكن بعد مرور الأيام عرفت أن ذلك اللقاء ماكان إلا تمهيدا لطلبات خارجة عن إطار العمل'' وتواصل الحديث عن أطماع ذات المسؤول، مشيرة أنه عرض عليها تعويض أحد العاملات أثناء فترة وضع حملها لتمتد فترة عملها من الصباح إلى غاية منتصف الليل، وفي أحد الأيام طلب منها الحضور إلى مكتبه طيلة اليوم وفي حدود الساعة السادسة مساءً، طلبت منه الاستفسارعن محتوى هذا اللقاء وعن سبب التأخر في ملاقاتها ليرّد عليها :''لاتقلقي سأوصلكي بنفسي''، وهنا تقول ''فهمت اللّعبة لأقدم استقالتي في اليوم الموالي بعدما كنت قد تعرضت الى حملة تشويه من طرف نفس الشخص لحملي على الرضوخ الى رغباته، التي لبّتها بعض النسوة من قبلي سواء داخل العمل أو خارجه''·

الدكتورة هداني، تعمل في أحد القطاعات الصحية بالعاصمة، كشفت هي كذلك لـ''الجزائر نيوز''، أنها كانت عرضة لتحرّشات مباشرة من مدير القطاع الذي بعد تسلّمها لمهامها بأسبوع طلب منها الحضور إلى مكتبه، قائلا لها ''غير أنت ليما نطلقكش''، أعتقدت حسبها، أنه يمزح معها· ليعيد الكرّة من جديد، حيث قال لها:''أنت ماتفهميش روحك''، لتعلن له صراحة، أنها ليس من ذاك النوع الذي يركع لمثل هذه الإبتزازات، المتحدثة اكتشفت أن عشرات الأوانس والسيدات كن عرضة لتحرش هذا ''المعتوه'' في غياب أي رد يقي أمثالهن من  شرور مسؤول استغل حسبها منصبه للتعدي على شرف العاملات·

الآنسة فيروز: تقول في هذا الشأن ''تعرضت مرتين للتحرش، مرة من طرف أحد الأساتذة ومرة من طرف صاحب مؤسسة إعلامية، عندما أردت القيام بتربص''، وعن ماقام به هذا الأستاذ وضحّت الطالبة، أنه في نهاية السنة (2002)، لم تتمكن من الحصول على المعدل المطلوب لإجتياز السنة الثانية، حيث تعمّد هذا الأخير، عدم إعطائها العلامة المطلوبة، ليطلب منها المجيء إلى مكتبه، وعندما حضرت حاول مراودتها عدة مرات ولكنها هربت مسرعة وهي تبكي من جرّاء هذه الصدمة التي تقول عنها، '' إن الكثيرات أصبحن عرضة للإبتزاز من طرف أمثال هؤلاء، وقد اعترفت فيروز، بأنها أعادت السنة بسبب نقطة الأستاذ المعروف، لإدمانه التحرّش على الطالبات، كما أنها تعرضت لنفس التحرّش، عندما أرادت اجراء تربص في مؤسسة إعلامية·

خلال 2004 وإلى نهاية جانفي 2005 ،أحصت مصالح الدرك أكثر من 979 حالة للتحرّش الجنسي، في هذا الإطار، أكد تقرير منظمة أمنستي أنترناشيرونال، بأن المعرضات للتحرش هن النساء المطلقات، العازبات، ثم المتزوجات، التقرير يكشف عن وجود 15 ألف حالة من جانفي 2004 إلى غاية فيفري ,2006 وحسب احصائيات مركز CNFT (الخاص بالنساء العاملات التابع  (VGFA)· فإن أعمار الضحايا يتراوح بين 21 و 55 سنة وأن النساء المتزوجات هن الأكثر عرضة للتحرّش في المؤسسات العمومية من طرف مسؤوليهن المباشرين أرقام مصالح الأمن، كشفت هي كذلك عن وجود 176 حالة تحدث في 2005 و 63 حالة في السداسي الأول من عام .2006

السيدة صالحي مسؤولة CMFT أكدت لـ''الجزائر نيوز''، أن هدف المركز الذي أنشأ في عام ,2003 هو الدفاع على كرامة المرأة، معتبرة التحرّش الجنسي ضد المرأة في العمل  عنفا وليس له معنى آخر، وأوضحت بأنه تم الوقوف على مشاكل تعرّضت لها المرأة العاملة، نظرا لهشاشة العلاقة داخل المؤسسات التي تعمل بها·

لتكشف أن من أهم الأسباب التي حوّلت المرأة الى هدف هو بقاء التوظيف عن طريق التعاقد الذي أصبح أحد الوسائل لإجبارالمرأة على قبول طلبات المسؤولين الذين يقايضوهن بإعادة العقد، مقابل ''الإنبطاح'' الجنسي، وأشارت محدثتنا أنه عام ,2004 سجل المركز أكثر من 388 شهادة  لحالة تحرّش، 280 حالة في عام 2005 و 205 حالة في عام ,2006 فحسبها، أن هذه الأرقام هي بعيدة عن الواقع الحقيقي التي تعيشه المرأة العاملة·

تقارير المصالح الأمنية مجتمعة، تؤكد أكثر من 400 حالة سنويا، مركز CMFT على لسان رئيسته حوّل عدة قضايا الى العدالة وتم حل بعضها عن طريق التدّخل المباشر للإتحاد لدى المسؤولين، وفي نفس الاطار، أكدت أن وزارة الداخلية كانت قد أعلنت خلال السداسي الأول من عام 2006 عن وجود 167 شكوى بخصوص التحرّش الجنسي الذي طال المرأة على جميع المستويات سواء في العمل أو في الشارع·

استراتيجة الدولة في معالجة ظاهرة التحرّش الجنسي والأمهات العازبات، تبنّتها وزارتي الأسرة والتضامن، فالأولى أعدّت مخططا لمراجعة القوانين التي أصبحت لاتتماشى وخطورة الموقف، وحث السلطات على سن قوانين تقي المجتمع من هزّات أخلاقية لايحمد عقباها، ففي عام ,2004 صوّت البرلمان على مواد قانونية تتمثل في عقوبة الحبس من شهرين إلى عام وغرامة تتراوح بين 50 إلى 100 ألف دينار جزائري، الوزارتان قامتا بعدة خطوات وصفها المختصون، بأنها غير كافية حيث أصبحت تعقد لقاءات لتحسيس المجتمع بخطورة المشكلة، خصص خطان أخضران لذلك، الأول خاص بالأسرة يحمل رقم ,1526 والثاني خاص بالتضامن برقم ,1527 ليصبح التركيز على الإعلام، كأحد أهم وسائل التوعية في غياب تربية أخلاقية تقوم بتحصين الأجيال القادمة·

 

Voir les commentaires