Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

الجرائم المنسية في رواندا /تقارير تفضح تورط فرنسا والكنيسة الكاثوليكية في إبادة 800 ألف رواندي /فرنسا سلحت 50 ال

 

 

الجرائم المنسية في رواندا

تقارير تفضح تورط فرنسا والكنيسة الكاثوليكية في ابادة 800 الف رواندي

فرنسا سلحت 50 الف من الهوتوا لإبادة   عرق التوتسي

إرهاب الكنيسة الكاثوليكية في رواندا

كشف احد  تقارير الى أعدتها  الحكومة الرواندية عن تورط فرنسا في عمليات التطهير العرقي التي جرت في رواندا في العام 1994  التقرير ذكر   أسماء ثلاثة وثلاثين من الساسة والعسكريين الدين تورطوا في المجزرة   ،حيث اتهمت الوزيرة الرواندية  كيغالي    فرنسا بالدور الذي لعبته في هذه المذبحة، كما أشار   تقرير أعدته لجنة تقصي حقائق رواندية لرصد الدور الفرنسي في المذابح الهائلة التي ارتكبت ان  الدعم الفرنسي كان  ذو طبيعة سياسية، عسكرية ودبلوماسية.

يقول التقرير إن القوات الفرنسية تورطت بشكل مباشر في تصفية التوتسي وعناصر الهوتو التي يثبت أنها ساعدت في إخفاء التوتسي ،هده القوات حسب ذات التقرير ارتكبت حالات اغتصاب عديدة وسط الناجين من عناصر قبيلة التوتسي  ، التقرير الذي يحتوي على  500    صفحة، يكشف أن فرنسا كانت علي علم بالتخطيط للإبادة الجماعية, وشاركت في التخطيط لهده المذابح علاوة علي مشاركتها الفعلية في تنفيذ عمليات القتل  والتنكيل  التى وقغت حلال عام 1994 وخلفت  800 الف ضحية  غالبيتهم من اثنية التوتسي والعناصر المعتدلة من أثنية الهوتو.   

أيادي الحكومة الفرنسية ملطخة بالدماء الرواندية  هذا ما ورد في تقرير لجنة (موكيو) في إشارة إلي أن القوات الفرنسية قد قامت بتدريب وحدات خاصة لهذا الغرض قبل سنتين من المذابح البشعة ، هذه الوحدات الخاصة إضافة لجنود الحكومة الرواندية المتطرفة وقتها كانت هي رأس الرمح في تنفيذ المذابح الجماعية والفظائع التي صاحبتها ، الدور الفرنسي يذهب إلي ما هو ابعد من مجرد إعداد الترتيبات حسب التقرير الرواندي فالجنود الفرنسيين قاموا بتسهيل الإبادة التي جرت في جنوب غرب رواندا  

  التقرير كشف  أيضا أن القوات الفرنسية لم تحرك ساكنا لمواجهة نقاط التفتيش التي أقامتها قوات الهوتو"لقد طلبوا وبوضوح من أفراد نقاط التفتيش هذه مواصلة الإشراف عليها وقتل عناصر التوتسي التي تحاول الهروب عبرها"  

رئيس الوزراء السابق ادوارد بالادور، وزير الخارجية السابق آلان جوبيه والرئيس الفرنسي السابق فرنسوا ميتيران والذي توفي في العام 1996 ضمن الذين وردت أسماؤهم في القائمة التي تحوي 13 من الساسة الفرنسيين الذين   تورطوا في المذابح ،دومينيك دو فيليبان الذي كان وقتها الساعد الأيمن لجوبيه ثم صار لاحقا رئيسا للوزراء، ورد اسمه أيضا ضمن الأسماء التي تحويها القائمة إضافة لعشرين عسكريا  ..

  ومن اجل خلط الأوراق قامت فرنسا بغرض ابعاد الشيهاتى من حولها باتهام الرئيس الرواندي بول كاقامي باغتيال الرئيس السابق جوفينال هابياريمانا، الرئيس الرواندي بول كيغامي رد من جهته بان هناك أدلة قويه تفضح العلاقة بين فرنسا والحكومة المتطرفة لنظام الهوتو وقت حدوث الاباده الجماعية  

الخلفية التاريخية للمأساة

حكمت رواندا منذ القرن السادس عشر من قبل مملكة الموامي ويمكن القول بالمعنى الإثنوغرافي المعاصر أن هذا البلد مكون من إثنية متجانسة إلى حد كبير تدعى بانيارواندا و تتكلم لغة واحدة هي الكينيارواندية. وقد نشأت منذ القدم تمايزات تعتمد الفعالية الاجتماعية أعطت بشكل أساسي المجموعتين الأهم في البلاد، أي الهوتو (ومعظمهم من المزارعين) والتوتسي (معظمهم يربي الحيوانات). والمجموعة الأخيرة هي التي تمثلت بشكل واضح بالنظام الملكي القديم الذي تعامل معه المستعمر الألماني في 1897  ثم البلجيكي  في 1916، وكذلك كان حال الآباء البيض المبشرين بالكاثوليكية منذ أول بعثة لهم عام 1900.  ومنذ 1930، فرض المستعمر البلجيكي بطاقة الهوية الشخصية على سكان رواندا مع الإشارة الإجبارية لما سماه الأصل الإثني: هوتو، توتسي أو توا. الأمر الذي سيكون له نتائج كارثية في الصراع بين المكونات السكانية تجلت بشكلها الدرامي في 1994.  

ترافقت سنوات التحرر الوطني في إفريقيا بولادة  نخبة رواندية جديدة  في صفوف الهوتو تطالب بإنهاء سلطة الأقلية التوتسي على البلاد وإعلان الجمهورية  وقد كان "حزب حركة انعتاق الهوتو الذي تأسس في 1959 شكلها المنظم الأقوى.  وقام هذا الحزب بعدة مجازر بحق التوتسي أثناء ما سمي  "الثورة الاجتماعية الزراعية"  الأمر الذي نجم عنه  عزل الملك في 1961 وإبعاده عن البلاد وإعلان استقلال شكلي وقيام الجمهورية الأولى للهوتو في البلاد  في عام 1962 ."   

خلال العقد الأول للجمهورية، ارتكبت مجازر عديدة وهجرة كبيرة متتابعة للتوتسي (الذين تحولوا إلى كبش فداء في كل أزمة سياسية أو اقتصادية في البلاد) إلى بلدان الجوار. اعتقالات ومجازر 1973 ستتوج بانقلاب عسكري يقوم به وزير الدفاع جوفينال هابياريمانا  (من الهوتو) من أجل "اعادة الاستقرار". البلاد تدخل منظومة الحزب الواحد (الحركة الثورية القومية للتنمية) مدعومة من الجيش والأمن مع استفتاء  نمط 99% واتفاق للمساعدة العسكرية مع فرنسا منذ 1975. في أكتوبر 1982 الرئيس الرواندي يبعد 80 ألف رواندي-لاجئ من التوتسي طردهم نظام نيلتون أوبته في أوغندا، في هذا الشهر أيضا، الرئيس الفرنسي الاشتراكي فرانسوا ميتيران يحط سريعا في كيغالي لطمأنة الرئيس الرواندي باستمرار دعم فرنسا.. بعدها بعام استقبال حافل لابنه جان كريستوف ميتيران، في فترة تعج بها تقارير منظمات حقوق الإنسان بالانتهاكات الجسيمة التي يرتكبها نظام هابياريمانا.

قمع المعارضة الداخلية مستمر، وعدد من اللاجئين والكوادر المتعلمة في الخارج من التوتسي يشكلون في 1988 الجبهة الوطنية الرواندية. في 8/1/1990 مئة ألف رواندي يتظاهرون في العاصمة كيغالي ضد الحكومة يتبع ذلك عدة مظاهرات احتجاج في العاصمة وعدة مدن، حملة اعتقالات واسعة في البلاد. إثر الإعلان عن ولادة جناح عسكري للجبهة الوطنية الرواندية وتحركها شمالي البلاد، القوات الرئاسية بمساعدة قوات المظليين الفرنسية (ضمن عملية نوروا المناط بها رسميا إجلاء الرعايا الفرنسيين من المنطقة في حال الخطر ؟) تضرب هذا التحرك. اعتقال أكثر عشرة آلاف توتسي ومعارض في العاصمة في 6 أكتوبر 1990.

في 3 فبراير 1992 تولى قائد القوات الفرنسية شوليه وظيفتي مستشار رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة ومستشار قائد أركان الجيش الرواندي. في نفس العام، الحزب الحاكم يشكل ميليشيات أنتيراهامو من الشبيبة الهوتو التي ارتكبت عدة مجازر بحق التوتسي في منطقة غيزني  .

  منظمة حقوقية ومدنية رواندية طالبت المنظمات الدولية لحقوق الإنسان بالقدوم إلى رواندا لرصد الانتهاكات الجسيمة وتدهور الأوضاع ، عدة بعثات دولية دقت ناقوس الخطر، في 16 جانفي  1993، وبتكليف من هيومان رايتس وتش والفدرالية الدولية لحقوق الإنسان والاتحاد الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب والمركز الدولي لحقوق الأشخاص وتنمية الديمقراطية. وصلت بعثة دولية التى أصدرت تقريرا  أرسلت منه  نسخة للرئيس الفرنسي ولعقيلته  دانييل ميتيران ، يتحدث عن وقوع مجازر بحق التوتسي تكذب السلطات وقوعها.  بعدها وصلت  بعثة التحقيق التى استنتجت ان المجازر التي وقعت بين 1990 و 1993 ليست ابنة الصدفة أو التلقائية، من الإذاعة والمناشير إلى فرق الموت. وتتطرق الاستنتاج  إلى وثيقة عسكرية تثبت تشكيل لجنة من عشر ضباط مهمتهم الرد على السؤال: "ما العمل من أجل هزيمة العدو على الأصعدة العسكرية والإعلامية والسياسية"    ديسمبر 1991 ).  يخلص التقرير إلى القول " (فيما يتعلق بالدولة الرواندية، توصلت البعثة الدولية إلى الاستنتاج بأن انتهاكات حقوق الإنسان جسيمة ومنهجية وهي تستهدف بشكل متعمد إثنية محددة إضافة إلى المعارضة السياسية بشكل عام"(ص 95). ويطرح التقرير عينه السؤال حول الإبادة الجماعية قبل أكثر من عام على المأساة الرواندية (ص 49). لمواجهة هذه التطورات الخطيرة التي بدأت تأخذ أبعادا إفريقية ودولية، تم توقيع اتفاقيات أروشا في  4 اوت 1993 بين الحكومة والجبهة الوطنية الرواندية والتي تنص على إدماج قوات الجبهة في الجيش وإعطاء مناصب وزارية للمعارضة، مجموعة الرئيس الرواندي ترفض الاتفاقية ،الاستمرار بالتسليح والتدريب من قبل الحكومة الفرنسية في بلد ينذر الوضع فيه بالإبادة الجماعية    

 باتريك دو سانت اكزيبيري يذكر في كتابه "ما لا يُصرح به" شحنات السلاح الفرنسية المقدمة للجيش الرواندي في 1991، 1992، 1993،  تم إيصال ستة شحنات أسلحة بقيمة 5454395 دولار  ؟؟  وفق عدة مصادر موثوقة للفقيد جان بول غوتو، مؤلف كتاب "الليلة الرواندية"، سمحت المساعدات الفرنسية بتحويل القوات المسلحة الرواندية (الإثنية التشكيل) من 5300 عنصر إلى قرابة خمسين ألف عنصر تكفلت فرنسا بتسليحهم وتدريبهم وتمويل احتياجاتهم. حسب أندريه ميشيل أوسونغو مؤلف "عدالة في أروشا"، وقد  صرفت الحكومة الرواندية لشراء السلاح بين أكتوبر 1990 وأبريل 1994 قرابة 100 مليون دولار، لتحتل المرتبة الثالثة في أفريقيا وقتئذ لشراء السلاح بعد نيجيريا وأنغولا .  

بعد انسحاب القوات الفرنسية في نهاية 1993 من رواندا، وصلت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة رواندا. هذا البلد، الذي يصبح في يناير 1994 عضوا غير دائم في مجلس الأمن، يعاني من وصول اتفاقيات أروشا لطريق مسدود بسبب المتشددين الهوتو.

 مقدمة الأحداث بدأت في 6  أبريل 1994 بعد قصف الطائرة التي كانت تقل الرئيس الرواندي ونظيره البوروندي   التى كان يقودها ثلاثة ملاحين فرنسيين   فقتل كل من على متنها، في أقل من 24 ساعة بدء عمليات قتل واسعة للتوتسي في العاصمة كيغالي واغتيال رئيس الوزراء إغاث ويلينغيامانا وعشرة من القبعات الزرق البلجيكيين المكلفين بحمايته، السفارة الفرنسية في رواندا تدمّر كل الوثائق والأرشيف، وصول زوجة الرئيس الراحل وعائلتها لباريس، مجازر في أبرشيات وأديرة زازا (بين 10 و12 ابريل) وكانزينز (11 أبريل) وكاباروندو (13 أبريل) ونياروبو (14 أبريل) وكيبونغو (15 أبريل.)...

بعد إسبوع من المجازر  بدأت  عملية(آماريليس)  لإخلاء 1238 من الرعايا الغربيين منهم 454 من الفرنسيين   كما سحبت الحكومة البلجيكية قواتها من بعثة مساعدة الأمم المتحدة ، أما مجلس الأمن فخفض من جهته عدد القوات الأممية من 2500 إلى 270 رغم كل نداءات قائدها روميو دالير لتعزيزها    .

أكثر من 800  ألف ضحية قضت في قرابة مائة يوم، أي بمعدل خمسة قتلى كل دقيقة، آخر إبادة جماعية في القرن العشرين حملت صورا فظيعة للموت والحقد والقتل من السلاح الأبيض إلى الأسلحة الحديثة الفتاكة.. شارك في المأساة أكثر من ربع مليون شخص، بأدوار مختلفة من القتل بالبسطار دون تمييز في العمر أو الجنس إلى الاغتصاب والنهب والسرقة وقطع الأعضاء.. ليس ثمة كروموزوم يسمى الرغبة في القتل عند أي شعب أو مجموعة من البشر، فالذين ارتكبوا جرائم حرب من حركة الأوستاشي الكروات أثناء الحرب العالمية الثانية يتقمص دورهم متطرفون صرب أثناء حروب تفكك يوغسلافيا.. هناك إيديولوجيات تعبوية تصنع الموت وتجعل من صناعته إستراتيجية للسلطة والهيمنة، ويمكن لهكذا إيديولوجيات أن تجتاح الكنيسة كما تتغلغل في أكثر النخب علمانية. وهي بالتأكيد تحتاج لكلمات مثل الاشتراكية والديمقراطية لتغطي نظرتها التمييزية للآخر. فالديمقراطية العددية  تغطي كل الفوارق السياسية والثقافية والطبقية في المجموعة الإثنية الواحدة لتعطي النحن كجماعة منسجمة تحمل الأفكار الجمهورية والديمقراطية والطيبة الشعبية والظلم التاريخي في وجه العقلية الجماعية الملكية والإقطاعية ذات الأصول الغريبة والنخبوية والتي تحمل الشر للبلاد. الدعاية التحقيرية للآخر بدأت تأخذ مكانها في الإعلام والتنظيمات التابعة للحزب الحاكم وميليشياته، الفرنسيون لم يجدوا غضاضة في التعايش مع هذا الخطاب الذي يهاجم النخب المعارضة (التوتسية) التي تأثرت بالأنجلوساكسونية وابتعدت عن فكرة التعاون والنفوذ الفرنسي.. "الوصايا العشر للهوتو" التي انتشرت كنار الهشيم في 1990 تظهر مدى تطرف الخطاب واستئصاليته لفكرة التعاون أو التعايش مع الآخر، حيث تعتبر الوصية الأولى أي هوتو يتزوج أو يصاحب أو يوظف أو يحاط بإمرأة توتسية، خائنا لأنها تعمل لمصلحة قومها.  هذا الخطاب الحزبي يدخل الجيش الإثني الطابع حين يتوجه قائد القوات المسلحة نسابيمانا في 1992 لعناصره جهرا بالقول: "العدو الرئيسي هو التوتسي في الداخل والخارج، كائن متطرف يشده الحنين للسلطة، وهو لم يعترف يوما بوقائع الثورة الاجتماعية في 1959ويريد استعادة السلطة بكل الوسائل بما فيها السلاح". يتحدث قائد الأركان هنا عن قرابة 15% من السكان وضع على بطاقة هويتهم الشخصية كلمة (توتسي).  بتعبير آخر، أصبحت زراعة الأرضية المؤهبة لاستئصال الآخر سياسة دولة. مبدأ المشاركة الجماعية في قتل العدو دون توزيع السلاح كان وراء الفكرة الجهنمية لشراء 500 ألف ساطور (دفع ثمنها 725669 دولار من المساعدات الخارجية لرواندا) في أقل من عامين وتوزيعها على الفلاحين الهوتو قبيل الإبادة الجماعية، الهوتو باور  والميليشيا وعدد من رجال الدين وأكثر من فرع للمؤسسة الخيرية الفاتيكانية كاريتاس ساهموا في هذه العملية التي حولّت رمز الفلاحة والعمل إلى أداة للقتل.  

الدعم العسكري-السياسي  الفرنسي 

 

"العدد الأكبر من القتلى مات بالساطور ولم يمت بالسلاح الفرنسي"، يقول ضابط سابق في كتاب خصصه لرفع المسئولية عن فرنسا فيما جرى في رواندا. مسئول خلية إفريقيا برونو ديلاي بعد 1992 يجيب صحيفة الفيغارو في 12/1/1998 حول  استقبال ورئيس الوزراء لوزير خارجية الحكومة التي قامت بالإبادة   بالاليزيه   جان بوسكو بارياغويزا

  "لقد استقبلت في مكتبي 400 مجرم و2000 تاجر مخدرات، لا يمكن إلا أن نوسخ أيدينا في العمل مع إفريقيا"  "في بلدان كهذه، إبادة جماعية ليست مسألة مهمة جدا" يقول الرئيس الفرنسي ميتيران لأحد مقربيه   

 لعلا  هذه الاستشهادات الثلاثة تلخص منهج التفكير الرسمي الفرنسي في كل ما يتعلق بالملف الإفريقي بشكل عام، والإبادة الجماعية في رواندا بشكل خاص. فكما لاحظنا في اللمحة التاريخية  ، السياسة المتبعة التي غطاها الدعم الفرنسي تقود إلى المجازر والدمار. وعندما وقعت الواقعة، تكفل جان برنار ميريميه رئيس البعثة الفرنسية في نيويورك بتحديد مدة اختصاص المحكمة الجنائية الخاصة برواندا بعد دقائق من إعلان قيامها: "تبدأ صلاحيات المحكمة في أول يناير 1994 وتنتهي في 31 ديسمبر من نفس العام". واشترطت فرنسا أن لا يكون القرار 978 لمجلس الأمن بتسليم المسئولين عن الإبادة الجماعية ملزما  وثمة تواطؤ فرنسي رسمي على قسم هام من الأرشيف المتعلق بآخر إبادة جماعية في القرن العشرين  

بعد اجتماع بين الرئيس شيراك ورئيس الوزراء جوسبان أعلنت الجمعية العامة الفرنسية في 3/3/1998 عن تشكيل "لجنة معلومات برلمانية" يرأسها الاشتراكي بول كيليس وزير الدفاع السابق من أجل "فهم ماحدث". المنظمات غير الحكومية تحتج على هذا الاختزال لقضية تورطت بها قمة السلطة السياسية في فرنسا، تلخص فرانسواز بوشيه سولنيه من "أطباء بلا حدود" الموقف بقولها: "في قضية بهذه الخطورة، إن لم تكن القواعد محددة منذ البدء، من الوهم أن نتصور أية فعالية لهذه اللجنة". السؤال الذي وجهه النائب الاشتراكي فرانسوا لامي لعالم الاجتماع الذي شهد المأساة أندريه غيشاوا  

 أثناء جلسات استماع اللجنة يبقى رغم كل التلفيقات حاضرا ناضرا: "هل تعتقد أن فرنسا، أو قسم من إدارتها اختار عن سابق إصرار وتصميم دعم طرف في الصراع؟"  (عن باتريك دو سانت اكزوبيري ص 200). ليس من الصعب على أي مختص في شؤون منطقة البحيرات أن يعطي ردا إيجابيا مدعما بالدلائل على هذا السؤال، لهذا، لم يكن لدينا أية أوهام منذ اليوم الأول لتشكيل اللجنة، ولم نستغرب أن يكون إعلان نتيجة التقرير "في الذكرى الخمسين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان"  (ديسمبر 1998) أن "فرنسا غير مورطة بأي شكل من الأشكال في المأساة الرواندية" ؟

لعل اللجان وبعثات التحقيق والأبحاث التي تلت ذلك، هي التي أعادت الموضوع إلى السطح في بداية القرن الحالي. وكان للذكرى العاشرة للمأساة الرواندية أن تعيد النقاش رغم صخب الأوضاع الدولية في ظل "الحرب على الإرهاب". لكن الخطاب الرسمي الفرنسي لم يتغير. وقد استعمل رئيس الوزراء دوفيلبان تعبير "إبادات" الشائع على لسان الرسميين الفرنسيين، الذين يعتبرون المجازر التي ارتكبتها الجبهة الوطنية الرواندية إبادة جماعية بحق الهوتو. ذلك لتبرير تعاون السلطات الفرنسية ودعمها للسلطة السياسية التي وضعت البنية التحتية لحدوث الإبادة الجماعية للتوتسي

لكن الخطاب الرسمي الفرنسي لم يتغير، وقد استعمل رئيس الوزراء دوفيلبان تعبير "إبادات" الشائع على لسان المتابعين الرسميين للملف الإفريقي في الخارجية والتعاون والدفاع، والذين يعتبرون المجازر التي ارتكبتها الجبهة الوطنية الرواندية (التوتسية المبادرة والتكوين) إبادة جماعية بحق الهوتو، لتبرير تعاون السلطات الفرنسية ودعمها للسلطة السياسية التي وضعت البنية التحتية لحدوث الإبادة الجماعية. ومجموعة الكتب والتقارير التي تؤكد التورط الفرنسي المتوفرة في المكتبة الفرنسية اليوم، ما زالت أقل من أن تمس مناعة "الملف الإفريقي في الإدارة الفرنسية"، مهما كان اللون السياسي لقاطن الإليزيه.

في 2005، أقام عدد من الناجين من الإبادة دعوى قضائية في باريس يتهمون فيها القوات الفرنسية فيما سمي عملية (توركواز) بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية. هذا الإجراء القضائي سمح بتحويل جزء من أرشيف الإليزيه للقضاء في صيف هذا العام، ولا شك بأن الحاجز الحديدي سيتزعزع يوما بعد يوم. صحيفة الموند، التي لعبت لوقت طويل دور المدافع عن الإطروحات الرسمية تنشر في مطلع  عام 2007 نص تلغرام مرسل في 19/1/1993 من سفير فرنسا في كيغالي يتحدث فيها عن احتمال صدور أمر من الرئيس الرواندي بالقيام بعملية إبادة منهجية، بعد ذلك بشهر المخابرات الفرنسية خارج الأراضي    

تتحدث عن برنامج ضخم للتطهير العرقي ضد التوتسي. بيير برانا ينوه إلى ضرورة عدم انتظار ما أصبح من البديهيات: "أنا اعتقد أن أي بلد يكبر عندما يعترف بارتكاب أخطاء: الولايات المتحدة فعلتها، الأمم المتحدة أيضا"، بلجيكا طلبت العفو من الشعب الرواندي، ما هو المعنى الحقيقي للصمت الفرنسي والفاتيكاني؟

   الكنيسة الكاثوليكية  توفر الغطاء الديني للمجازر  

حكمت محكمة جرائم الحرب التابعة للأمم المتحدة في مدينة أروشا في تنزانيا على رجل دين كاثوليكي اسمه الأب أتانازي سيرومبا بالسجن لمدة 15 عاما بسب ضلوعه في أعمال الابادة الجماعية في رواندا ويتهم رجل الدين باعطائه تعليمات بهدم كنيسته التي لجأ اليها 2000 من التوتسي، وأفادت التقارير ان جميع من كانوا في الكنيسة فقدوا حياتهم و بعد أن أمر بهدم الكنيسة أرسل رجال الميليشيا لقتل من بقي على قيد الحياة من اللاجئين.  

في 23/8/2000، سجلت لجنة القضاء على التمييز العنصري التابعة للأمم المتحدة الملاحظة التالية على الكرسي الرسولي: "تحيط اللجنة علماً بالتوضيحات المشار إليها في الفقرة 106 من التقرير، المتعلقة بمشاركة رجال الكنيسة في الإبادة الجماعية في رواندا بما يتنافى وتعاليم الكنيسة الكاثوليكية. ويتعين على الدولة الطرف أن تتعاون بالكامل مع السلطات القضائية الوطنية والدولية في الملاحقات القضائية المتعلقة بالإبادة الجماعية في رواندا "

لم يكن للجنة حقوق الإنسان أن تصل إلى هكذا قناعة، لولا توفر أدلة عديدة وأكيدة، بتورط عدد كبير من الكنيسة الكاثوليكية، من رجال ونساء، في الإبادة الجماعية في رواندا في شهادتها أمام محكمة الجنايات في بروكسل، تقول السيدة اليسون ديفورج"قبل الإبادة الجماعية، دخلت المشكلات الإثنية الكنيسة الكاثوليكية، وكان الأوتو في الغالب في المواقع المراتبية العليا في حين العديد من التوتسي في المواقع الدنيا. وكان أسقف كيغالي مقربا من الرئيس وزوجته إلى درجة انتشرت فيها نكت وطرائف حول العلاقة بين الثلاثة. وقد كان الأسقف عضوا في اللجنة المركزية للحزب الحاكم إلى أن طلبت منه الكنيسة الاستقالة من الحزب". يسألها رئيس المحكمة على لسان محامي الدفاع، هل كان لتدخل الكنيسة الرواندية والفاتيكان قدرة على وقف الإبادة الجماعية، الجواب له عدة مستويات، تدخل البابا يوحنا بولس الثاني، تدخله مع قمة الكنيسة الرواندية وتدخلهما مع أطراف تمول وتساعد الحكومة الرواندية  المستويات الثلاثة لها تأثيرها والأخير بالتأكيد أكثرها تأثيرا.       

للأسف فقد تم تهميش الاتجاه الأكثر تسامحا والأقرب من قيم حقوق الإنسان والتعايش الإيجابي والمناوئ للعنف. هذا الاتجاه الذي بادر إلى لعب دور الوساطة بين الهوتو والتوتسي باعتبارهم جميعا كاثوليك وأبناء بلد واحد وأصول ثقافية واحدة، وتشكلت لجان مناهضة للعنف بمبادرة شخصيات كاريزمية مثل الأباتي سيبوما رئيس تحرير صحيفة كبيرة ومدافع عن حقوق الإنسان، إلا أن المراقبين الدوليين يجمعون على أن القول "بأن الكنيستين الكاثوليكية والبروتستنتية لم يلعبا الدور الأخلاقي المفترض بهما القيام به. ولا شك بأن هناك مسئولية جنائية مباشرة على عدد كبير من رجال الدين، بعضهم حوكم وبعضهم معتقل وبعضهم الآخر كان ضحية مباشرة لأعمال انتقامية عشية سقوط النظام السابق واستلام الجبهة الوطنية الرواندية (دفعت الكنيسة الكاثوليكية ثمنا غاليا لما حدث، حيث فقدت 163 رجل دين منهم ثلاثة أساقفة و103 رهبان، إضافة إلى 65 راهبة وعاملة في المؤسسات الكنسية. وبلغ عدد المعتقلين ما يعادل خمس المنتمين للجهاز الكنسي في 1994). ورغم هذا الثمن الباهظ، سواء كان ذلك بقرار سياسي في القمة أو بمبادرات ميدانية  من أهالي الضحايا، كتب قرابة ثلاثين رجل دين كاثوليكي من الهوتو في  1994 رسالة إلى البابا في الفاتيكان يقولون فيها: "إن المجازر التي ارتكبت في رواندا هي نتيجة التحريض والهرسلة التي مارستها الجبهة الوطنية الرواندية بحق الشعب الرواندي، بل نستطيع التأكيد أن عدد الضحايا المدنيين من الهوتو الذين قتلتهم الجبهة يتجاوز بكثير ضحايا المشاكل الإثنية من التوتسي". الفاتيكان كان يؤيد، بشكل مباشر أو غير مباشر، ما يصله من قمة المراتبية الكنسية الرواندية التي تشردت في المنافي بعد استلام الجبهة الوطنية الرواندية السلطة.   

تميزت أحداث الإبادة الجماعية ليس فقط بتسليم أو إبعاد التوتسي الذين لجؤوا إلى الأديرة في خمس مناطق على الأقل من البلاد، بل بالمشاركة في القتل أو التسبب فيه. وإن كانت قائمة الهاربين والمحكومين ما زالت أقل من قائمة القتلى والمعتقلين، فإن التعامل مع هذا الملف ما زال تعاملا قائما على عصبية التضامن. ولا شك بأن هالة القداسة حول ما يتعلق بالكنيسة تحول دون سبر كل جوانب هذا الملف، خاصة وأن عدة أطراف إفريقية تعول على الكنيسة كعنصر مصالحة وطنية في ظروف انعدام الثقة التي تعيشها البلاد.

في نوفمبر 1993، بدأت الأمم المتحدة بنشر قوات لحفظ السلام تتألف من 2500 جندي ، وبعد بدء عمليات الإبادة الجماعية، قرر رئيس مجلس الأمن تخفيض عدد القوات المنتشرة إلى 270 جندياً. وبالإضافة إلى ذلك، أحجمت عدة دول عن استخدام مصطلح "الإبادة الجماعية، واستعمل مسئولون فرنسيون كذلك من الفاتيكان مصطلح "إبادات" ليضعوا في نفس السلة الخسائر البشرية التي وقعت في صفوف الهوتو مع ما نال التوتسي من إبادة جماعية.. وذلك على ما يبدو بسبب انعدام الإرادة في اتخاذ إجراءات لوقف عمليات القتل.    ، إن بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدات في رواندا لم تزوَّد بالأفراد وغيرهم من الموارد اللازمة لإنجاح مهمتها. الولايات المتحدة لم تكن قد تحررت من عصاب الانسحاب الكارثي في الصومال، بريطانيا بدت وكأن الأمر خارج جغرافية الكومنولث والاهتمام البريطاني، الصين وروسيا تصرفتا وكأنهما من كوكب الزهرة. يمكن القول أن الشعب الرواندي قد كان وحيدا في مأساته. من هنا أصبحت رواندا، المثل الذي يعطى لفشل الأمم المتحدة في التحرك العاجل في ظل المجازر الجماعية. ولا شك بأن هذا الاختبار قد عزز من قوة كل المطالبين باستبدال الآليات الأممية بحلف شمال الأطلسي أو تحالفات مؤقتة في الموضوع والمكان على طريقة الإدارة الأمريكية في ظل حكم بوش-شيني. وقد دفعت مأساة دارفور ثمن الفشل الأممي هذا حيث لم تكن الدول الإفريقية في معظمها، متحمسة لتدويل القضية.

في نهاية القرن، ثمة أكثر من 260 ألف امرأة لا تحمل صدمة الاعتداء الجنسي والاغتصاب وحسب، بل معظمهمن مصاب بالإيدز، حالات تشرد وغياب أفق حياة كريمة لأكثر من نصف مليون طفل، تيتم مبكر لكل أبناء المصابات بفيروس نقص المناعة الذاتية، عرج في الاقتصاد المحلي وقصور في التضامن الدولي، إضافة إلى130 ألف معتقل من أشخاص تواجدوا في الوقت الخطأ في المكان الخطأ إلى قتلة تميزوا بالوحشية والعدوانية. هذه هي المعاني المباشرة للتعبئة التمييزية والعدوانية في مجتمع، تتصور الجماعة الحاكمة فيه، أن إستئصال الآخر أفضل وسيلة للتكوين الذاتي للنحن.

في 1999، قال كوفي عنان، مسئول قوات حفظ السلام في رواندا سابقا وأمين عام الأمم المتحدة: "لا يستطيع أحد في مجلس الأمن أن يدعي بأنه لا يعرف ما كان يحصل في رواندا أثناء الإبادة الجماعية من أبريل إلى يوليو1994 "

 المصدر /موقع عيثم مانع

بتصرف