Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

من وراء فضائح ويكيليكس /تسريب معلومات من عمل الأجهزة الاستخبارية الأمريكية

 

 

 

من  وراء ( فضائح ) ويكيليكس ؟ 

 

تسريب معلومات من عمل الأجهزة الاستخبارية الأمريكية

 

شبكة المنصور   صلاح المختار

 

إذا المـَــرء أفشـَى سِـرَّهُ بلســــَــانـه ولامَ عليــــهِ غــَـــيْـرَهُ فهُـوَ أحمَـقُ

 

إذا ضَـاقَ صَدْرُ المَرْءِ عَنْ سِرِّ نفسِهِ فصَدْرُ الذي يَسْتودِعُ السِّــرَّ أضْيـَقُ

 

شعر الامام الشافعي

 

حينما بدأت شبكة ويكيليكس بنشر وثائق رسمية تكشف جرائم وتجاوزات الاحتلال الامريكي في العراق وافغانستان كتب كثيرون متسائلين عمن يقف وراء هذا النشر ، وهل هو تسريب متعمد من قبل اجهزة امريكية ؟ ام انه اختراق للمراكز التي توجد فيها الوثائق تلك ؟ واليوم نجد ان من الضروري تسليط الاضواء على هذه المسألة بعد نشر ويكيليكس حزمة جديدة من الوثائق التي تخص العراق ودور حكومة المالكي في تأجيج الفتن الطائفية وارتباط ايران بتلك الخطة .

 

وقبل كل شيء لابد من لفت نظر القارئ الكريم الى حقائق ربما يجهلها كثيرون حول طبيعة المجتمع الامريكي ، خصوصا عمل اجهزته المخابراتية ، فامريكا دولة مؤسسات راسخة وجاء رسوخها تعبيرا عن حداثة دولة قامت بصورة استثنائية وعلى ركامات ملايين الجثث للسكان الاصليين ، فهي بالاصل دولة اجتثاث شعب كامل واحلال مستوطنين غرباء محله ، لذلك فان هاجس المستوطنين الاول هو تثبيت وجودهم ومنع اي تهديد له مهما كان مصدره وباي طريقة تضمن ذلك بما فيها خرق القوانين والانظمة . ولكن هذا الخرق لا يقوم به فرد عادي بل اجهزة تخطط بصورة سرية جدا لدرجة ان كبار رجال الدولة ، بما في ذلك الرئيس ، قد لا يعلمون بتفاصيل تلك الخطط واعلام الجهات المعنية ( الرئاسة ولجان الكونغرس المتخصصة ….الخ ) بالخطوط العامة لها وترك التنفيذ وطريقته وتفاصيله للاجهزة ذاتها .

 

وتولت اجهزة المخابرات ذاتها هذه المهمة ، بحكم كونها جهاز مهني معد ومؤهل لاعمال خطيرة وسرية ، وحينما نقول اجهزة مخابرات امريكية فلانها ليست جهازا واحدا بل عدة اجهزة كانت مستقلة عن بعضها حتى هجمات 11 سبتمبر – ايلول عام 2001 وكان كل جهاز يعمل دون معرفة الجهاز الاخر بما ينفذ من خطط حتى لو كانت هناك فكرة عامة عن اختصاصه وحدود مسئوليته ، ولذلك فان عنصر التأمر موجود داخل هذه الاجهزة وفيما بينها من اجل تحقيق اهداف خاصة تخدم جهازا معينا ، او تنفذ خطة لجهة امريكية قوية لديها تصور مختلف حول كيفية حل الازمات او مواجهتها او كيفية تحقيق اهداف مهمة ، خصوصا حينما تجد امريكا نفسها في ازمة من النوع الذي يوصف فيها بانه ( مميت) عندها تكلف احد الاجهزة بوضع خطة للخروج من تلك الازمة بطريقة لا تكشف عن الكثير من الاسرار ، وفي هذه الحالة فان من يعرف هو الشخص المسئول او الجهة التي لها خطة مختلفة وتريد امرارها وتجنب العوائق او منع بروزها . ولذلك تميزت فترة ما بعد 11 سبتمبر بانشاء وزارة الامن القومي والتي منحت صلاحية التنسيق بين الاجهزة الامنية الامريكية لتحقيق اهداف كبرى دون حصول تناقض او تسابق قد يلحق ضررا بالمصالح الاستعمارية الامريكية .

 

هذه واحدة من اهم سمات الدولة في امريكا ومميزات عمل اجهزتها الاستخبارية . وثمة تكتيك امريكي – غربي معتمد مخابراتيا وهو تعمد تسريب معلومات الى صحفي بارز ولديه عدد كبير من القراء او لبرنامج يشاهده الملايين من اجل نشر المعلومة وتسليط الاضواء عليها ، ولدينا أمثلة عديدة توضح ذلك :

 

   عندما وصلت امريكا في فيتنام الى طريق مسدود يمنع تسجيل نصر على ثوار فيتنام تقرر تنفيذ خطة للقيام بانسحاب يبدو كانه نتاج نزعة سلام لدى رئيس غير الذي اشعل الحرب ، لتجنب المزيد من الكوارث التي تعرضت لها امريكا ماليا وبشريا دون ان تبدو وكأنها هزمت ، فسربت معلومات الى صحفي مشهور حول الكبوات المخفية لامريكا في فيتنام وخسائرها وغير ذلك ، فاثيرت ضجة ركزت انتباه الامريكيين عامة حول حرب فيتنام وصارت موضوعا داخليا امريكيا ، وتلك هي بداية نهاية اي حرب تشنها امريكا على غيرها ، وبالفعل ادى نشر معلومات عن الحرب الى تحقيق الانسحاب من فيتنام في اطار ادعاء السعي للسلام !

 

  كما ان ازاحة الرئيس ريتشارد نيكسون في ( فضيحة ووترجيت ) كانت عملا مخابراتيا داخليا اوقع الرئيس في فخ مميت ، هو الكذب الذي اجبره على الاستقالة ، من اجل تغيير السياسة الخارجية التي كان يتبعها ، وهناك شكوك قوية بان محيط نيكسون هو الذي ورطه في الكذب ثم دفع الى الكشف عن الكذب .

 

  فضيحة ( ايرانجيت ) فقد قررت امريكا دعم ايران عسكريا ومخابراتيا ضد العراق اثناء الحرب بينهما ، لكنها لم تستطع فعل ذلك مباشرة لانها كانت في حالة ( عداء ) رسمي مع ايران التي احتجزت الدبلوماسيين الامريكيين فكلفت الكولونيل اوليفر نورث بترتيب عملية تزويد ايران بسلاح امريكي وغير امريكي من عدة مصادر منها الكيان الصهيوني وهذا ما تم فعلا وعرف بتلك التسمية .

 

  وهناك ( فضيحة مونيكا ) لوينسكي التي ورط بها الرئيس بيل كلنتون لاجل الامساك به من ذيله وهو ما تم فعلا .

 

  واخيرا وليس اخرا لدينا ما يطبخ الان ليصبح الفضيحة الاخطر والاكبر في التاريخ الامريكي وربما العالمي وهي فضيحة 11 سبتمبر – ايلول حيث تتزايد المؤشرات والادلة على انها من فعل جهاز مخابرات امريكي وبالتعاون مع الموساد الاسرائيلي .

 

في كل هذه الحالات قامت الاجهزة الامريكية بتسريب معلومات عنها ادت الى كشفها وصارت فضائح تحقيقا لاهداف مختلفة وبنفس الوقت لم تقدم غالبا ردودا حول الأسئلة التي تثير الشكوك حول دور المخابرات في ترتيب او نصب الفخاخ من اغتيال جون كنيدي الى 11 سبتمبر .

 

اذن عملية تسريب معلومات جزء اساسي من عمل الاجهزة الاستخبارية الامريكية ، وليس عملا فرديا او تسلل ( هاكر ) الى كومبيوترات المخابرات او وزراة الحرب ، فتلك تغطية ساذجة وتفسير مضلل ، فنحن في حالة ويكيليكس بازاء عملية ضخمة جدا ومخطط لها بدقة وحسابات مدروسة بتأن ، وتميزت بالظواهر التالية :

 

  تم تسريب نصف مليون وثيقة رسمية حول العراق فقط في العملية الاخيرة وهي تقع ما بين الخطيرة وغير الخطيرة وتكشف عن اعمال امريكية وغير امريكية ( تتناقض ) مع ما يسمى ( قيم الغرب ) وضوابطه الرسمية ! وتهدد بحرق مسئولين وجهات عسكرية ومدنية . وهذا العدد الضخم يرجح ان من قام بالتسريب مرتاح ومطمئن وغير خائف ولا مستعجل ، ولو حصل هذا الامر في دولة جزيرة واق واق المتخلفة جدا لامر ملكها المبجل باجراء تحقيق فوري وشامل لمعرفة من كشف ( مؤخرته ) ووزع صورا عنها بينما كان في الحمام يدندن باغنية عاطفية .

 

  والاهم والاخطر ان التسريب لم يحدث مرة واحداة وينتهي بزمن قصير بل انه امتد لعدة شهور وهي فترة كافية لكشف من يسرب الوثائق لان تلك الوثائق موجودة في ارشيف او مركز محمي وعليه مسؤول او اكثر وتفرض عليه ضوابط امنية مشددة لمنع التسرب او التسريب ، ومع ذلك تسربت ، وتكرر التسريب واستمر لعدة شهور ، فهل يمكن ذلك ولدى الاجهزة الامريكية افضل وسائل الرصد والتتبع الالكتروني والتي تكتشف اثارا على القمر والمريخ ، وتراقب ملك القمر وتسجل صوره وهو يداعب عشيقته السرية ؟

 

  ولو افترضنا ان من نجح في التسريب مختص وذكي الا تكفي الشهور التي مضت منذ اول تسريب لتغيير نظام الحماية لمنع المزيد من التسريب اذا كان التسريب مضر فعلا بامن الدولة ويهدد حياة الامريكيين كما قالت هيلاري كلنتون ؟

 

  ولو افترضنا مرة اخرى ان التسريب حصل رغم انف المخابرات الا يجب في هذه الحالة التحقيق مع من لديه تلك الوثائق لمعرفة كيفية تسربها ؟ يقينا ان الوثائق ليست معروضة في ( سوق مريدي ) – وهو سوق في بغداد اشتهر بتزوير كل شيء وبيع كل شيء علنا – بل هي تقع في اطار ما يسمى ب سري جدا    

 ، وفي ملفات الامن القومي الامريكي . فهل استقال كل افراد الاف بي اي – مكتب التحقيقات الفدرالية وهو مسئول عن الامن الداخلي – الذين نراهم في المسلسلات يزرعون انفسهم في الصغيرة والكبيرة ؟

 

  ولو افترضنا مرة اخرى وجود ثغرة اليس منطقيا تشكيل لجنة تحقيق فورا لمعرفة مصدر التسريب لمنعه وكيفية حدوثه ومن المسئول عنه ؟

 

  ان الوثائق تهدد ارواح الامريكيين كما قالت كلنتون ، وهي تعرض امن امريكا للخطر وتسيء لسمعة مخابراتها ، الا يفرض ذلك تطبيق اجراءات الامن القومي المعروفة في هذه الحالة ومنها اتخاذ كافة الاجراءات لجلب من قام بالنشر ل( العدالة الامريكية ) ؟ ولم سمح لمن ينشر بمواصلة النشر مع انه يهدد الامن القومي وترك طليقا مع ان بالامكان تصفيته كما صفت الاجهزة نفسها الرئيس جون كندي وغيره ؟ ان من يقول ان النشر يتم في بلد يسمح بذلك اما ساذج او يتساذج لان امريكا تستطيع بامكاناتها الاستخبارية اختطافه واعادته لامريكا للتحقيق معه لو كان ثمة تهديد حقيقي للامن القومي الامريكي . ان من يختطف رؤوساء دول من دولهم – وهي المخابرات الامريكية – يستطيع اختطاف من يهدد الامن القومي من بلد ليبرالي بسهولة اكبر .

 

ما الفكرة الاساسية التي تفرض نفسها بعد كل تلك الملاحظات ؟ ان النتيجة الاكثر قبولا هي ان ثمة قصدية في التسريب وهو ليس عملا تخريبيا ولا خطئا في حفظ المعلومات ، فكل المؤشرات تؤكد ذلك وتدعمه . وهذه النتيجة تفرض طرح سؤال ضروري : لم عمدت الاجهزة الامريكية الى تسريب تلك المعلومات الضخمة ؟ فيما يلي بعض الافكار التي امل ان تساعد على فهم هذه المسألة :

 

  ان غزو العراق تحول من غنيمة ستراتيجية اعظم الى كارثة ( وطنية ) * هي الاخطر في التاريخ الامريكي كله ، بفضل المقاومة العراقية المسلحة التي احدثت انقلابا في كل حسابات امريكا . ومن مظاهر الكارثة الامريكية ، والتي ترافقت مع كارثة حلت بالشعب العراقي ، خسارة امريكا لما يقارب ثلاثة تريليون دولار وهو اعلى رقم خسرته امريكا في حروبها الاستعمارية مع انها غزت العراق لنهبه والاستيلاء على نفطه الذي يعد الاكبر في احتياطيه وتحقيق ارباح خيالية ناهيك عن الثروات العراقية الاخرى . وبالاضافة لذلك فان امريكا خسرت امريكييين يقدر عددهم بين 40 و50 الف امريكي ماتوا في العراق طبقا للاحصاءات غير الحكومية ، واصابة اكثر من مليون امريكي خدموا في العراق باضرار نفسية عميقة عرف منها ان اكثر من 50 الف اصيبوا بعاهات نفسية وجسدية ، بالاضافة لخسارة امريكا لصورتها كسوبرمان قادر على غزو اي مكان في العالم . لقد انهارت امبراطورية نمر الورق في العراق ، ونكرر : بفضل شجاعة الشعب العراقي واستعداده للتضحية بلا حدود ممثلا بطليعته الباسلة المقاومة العراقية المسلحة .

 

فما المطلوب والانسحاب مفروض بالقوة ؟ قبل الانسحاب لابد من زيادة الشرخ الطائفي الذي خلقه الاحتلال الامريكي- الايراني بتأكيد حقيقة معروفة وهي ان المالكي وغيره استهدف السنة عمدا وقتل منهم مئات الالاف وعرض الالاف منهم لتعذيب بشع لم يسبق له مثيل وهو ما ترك اثرا نفسيا عميقا لديهم ونما نزعة الثأر ، وذلك شرط من شروط تحويل هزيمة امريكا الى انتصار يعود لتفاقم الصراعات العراقية – العراقية . باثارة فتنة طائفية جديدة تريد امريكا العودة بها من الشباك بعد طردها من الباب .

 

  ان الانسحاب بدون تحقيق نصر اعلنه بوش مرارا يشكل ليس هزيمة لقوات الامريكية بل هزيمة للمشروع الامبراطوري الامريكي العالمي وانحدار سريع ومميت للدور الامريكي في العالم . لقد قوضت المقاومة العراقة هيبة امريكا وقوتها الردعية والاعتبارية واثبتت للعالم بان الجندي الامريكي عبارة عن نمر من ورق ، وانه بقدر ما هو عنيف ومستعد لارتكاب ابشع انواع الجرائم فهو جبان وينهار بسرعة تحت تأثير الرصاص والمتفجرات . وهذه النتائج اذا لم تغلف بغطاء مضلل سوف تشجع دولا كثيرة على تحدي امريكا والتجاوز عليها ، لذلك كان ضروريا ايجاد غطاء يخفي الهزيمة المرة لامريكا عسكريا وحضاريا ، فكيف يتم ذلك ؟

 

  قام مشروع تأسيس امة في امريكا على نزعة المغامرة ، ولولا المغامرة لما نشأت امريكا ، وفي اطار نزعة المغامرة هناك عامل معروف وهو الفشل ، وبما المشروع الامريكي لا يتحمل الفشل فان هناك دائما كبش فداء معد سلفا ليتحمل نتائج الفشل ويبرء المشروع منه لكي يستمر ويتواصل تاركا خلفه جثث اكباش الفداء . بل ان كل شركة او مشروع عادي يعد سلفا كبش فداء معلوم وكل عامل في شركة يعرف انه ربما يكون كبش الفداء في يوم ما .

 

والطريقة التقليدية لابعاد فكرة الفشل عن اي مشروع هي القول ان السبب في الفشل هو المدير الفلاني او الشخص الفلاني وليس المشروع ، وبما ان المشروع الامريكي في العراق قد فشل فان المطلوب هو ايجاد كبش فداء وتحميله مسئولية كارثة هزيمة امريكا في العراق ، واول الخطوات في هذا الاتجاه هي خلق راي عام امريكي مع الانسحاب الفوري ليبدو الامر وكأنه قرار امريكي اختياري وليس نتاج الهزيمة امام المقاومة العراقية . والخطوة التي سبقت ذلك هي تعمد تحويل ازمة غزو العراق الى ازمة امريكية داخلية تتمثل في وجود عدد من القتلى وذوي العاهات ينتشر في في كل حي ومدينة ويستغل ذلك لزرع فكرة ان غزو العراق صار ازمة امريكية داخلية تستنزف الفرد والمجتمع في امريكا ، وهكذا تصبح عملية الانسحاب مطلبا امريكيا داخليا وليس نتاجا مباشرا للهزيمة امام المقاومة العراقية .

 

وظيفة التسريب هي انه سيؤدي لاحقا على الارجح لتقديم اكباش الفداء للمحاكمات في امريكا وتبرئة امريكا وتنظيف حكومتها وجيشها من اثار الجرائم التي اتكبت في العراق بقرار امريكي من اعلى المستويات ، كما انه سيستغل لتحميل اشخاص واحزاب عراقية مسئولية الجرائم التي ارتكبت ضد الشعب العراقي ودولته الوطنية ، وتبرئة امريكا من ذلك مع انها وحتى طبقا للوثائق التي سربت توطأت مع المالكي وفرق الموت والتعذيب وغضت النظر عنها .

 

ان اتهام المالكي وايران في الوثائق المسربة ليس سوى مقدمة قانونية للتشكيك بمسئولية امريكا عن الجرائم التي ارتكبت في العراق وتحميلها لعراقيين ولايران فقط ، لان امريكا تعرف جيدا ان العراق ، بكافة اطرافه الوطنية ، مصمم على معاقبة من ارتكب جرائم ضد الشعب العراقي اثناء الغزو ومنها عقوبة التعويضات والتي ستكون ارقامها المالية غير مسبوقة في تاريخ التعويضات عن البشر والعمران .

 

  مما يساعد على ترويج فكرة ان امريكا لم تهزم في معركة فاصلة عسكريا حقيقة ان المقاومة العراقية لا تستطيع حسم الصراع بمعركة عسكرية ضخمة وكلاسيكية ، وذلك للتفوق الامريكي المطلق في الحرب النظامية مما يسمح لامريكا بالقول ان المقاومة لم تنجح في تحقيق نصر عسكري مباشر ولذلك لا ضرر من الانسحاب ، في بيئة انتشار هذه الفكرة ، بعد تحقيق الهدف الاساسي الحقيقي للحرب وهو اسقاط نظام الرئيس صدام حسين ، وهذه القصة بدأت تتبلور من خلال تسريب معلومات اخرى تؤكد بان الهدف الحقيقي من غزو العراق هو اسقاط نظام البعث والرئيس صدام حسين ، ونشر هذه المعلومة قبل بضعة اسابيع يؤكد انها قد توظف لخدمة الهدف المذكور .

 

  ان التسريب له هدف اخر وهو توسيع نطاق لعبة عض الاصابع بين امريكا وايران ، فالمعركة الخلبية هذه تتطلب استخدام كافة الاسلحة المخابراتية لتقليل قدرة الخصم على ممارسة ضغط ناجح ، وامريكا الان بصدد تقليم اظافر ايران وتقليص نفوذها في العراق ، وليس تحطيمه ، من اجل ان تحقق اهدافها هي . وهذه الحقيقة تفسر محاولة الوثائق المسربة عمدا تبرئة امريكا من الجرائم وتحميل ايران مسئوليتها .

 

  منذ الثمانينيات في عهد رونالد يجان ، تجري عملية تنفيذ منظم لستراتيجية اصبحت ملامحها واضحة وهي تحويل امريكا من دولة ليبرالية للفرد فيها حقوق دستورية قوية تمنحه حصانة ضد الاجراءات البوليسية القسرية ، الى دولة شبه بوليسية لها الحق في مضايقة الفرد وتقييد حرياته الخاصة ، وذلك لا يتم وفقا للتطور الطبيعي والعادي لتمسك الافراد بحقوقهم والتي عدت اهم اسباب التأمرك ، بل لابد من عمليات منظمة ومتتابعة هدفها تغيير بيئة امريكا النفسية والاقتصادية والامنية … الخ ، وجعلها بيئة يسودها الخوف والقلق من خطر خارجي هو وحده الذي يضمن توحد الامريكيين ودعم حكومتهم التي تحميهم من الخطر الخارجي .

 

وهذه الظاهرة الاصطناعية اشار اليها صموئيل هنتنغتون البروفسور الامريكي المعروف وصاحب نظرية ( صدام الحضارات ) في دراسة نشرت في عام 1998 تحت عنوان ( تأكل مفهوم المصلحة القومية ) ، الامريكية طبعا ، قال فيها ان امريكا امة لا تتوحد الا تحت ضغط التهديد الخارجي وعند زواله تتفكك وتنقسم وتعود كل جالية الى اصلها القومي والثقافي ، لذلك لاجل بقاء امريكا امة موحدة لابد من خلق عدو خارجي اذا لم يكن موجودا ، وبما ان الخطر الشيوعي قد زال فيجب خلق خطر جديد يمنع تفكك امريكا وتقسيمها ، وانسب ( خطر ) هو الخطر ( الاسلامي ) لان مبررات تضخيمه موجودة في وجود كره لامريكا بين المسلمين بسبب الصراع العربي – الصهيوني . بدأت حملة تغيير بنية المجتمع الامريكي بالتخويف مما سمي وقتها في زمن الرئيس ريجان ب ( الخطر الليبي ) ثم انتقل الى التركيز على ما سمي ب ( الخطر العراقي ) بعد الانتصار العراقي الساحق على ايران ، وتصاعد ما سمي ب ( الاصولية الاسلامية ) وتحولها من استهداف الاتحاد السوفيتي الى استهداف امريكا والغرب ( الصليبي ) ، ووقوع العدوان الثلاثيني على العراق في عام 1991 وفرض الحصار وصولا الى احداث 11 سبتمبر …الخ ، وفي كل هذه المراحل وغيرها كان الملاحظ ان هناك حملات اعلامية وعمليات ( ارهابية ) تستهدف الامريكيين داخل وخارج امريكا تؤدي نتيجتها الى تعزز حاجة المواطن للحماية من الاعتداءات الخارجية بتقوية الدولة والموافقة على التنازل عن بعض الحريات الفردية مقابل حمابة المواطن ، وكان خيار التوسع الخارجي والحروب هو المطلوب .

 

وما كشف عنه النقاب من قبل الرئيس الايطالي كوسيجا من ان هناك مخططات للمخابرات الامريكية والاوربية شارك هو شخصيا فيها لتفجير اماكن في اوربا من اجل ارهاب الناس ودفعهم للمطالبة باتخاذ اجراءات تساعد على تحويل اوربا وامريكا الى دول بوليسية هي احد اهم الحقائق التي قد تبدو غريبة لمن لا يعرف نمط التفكير الامريكي والاوربي .

 

ان تسريب المعلومات عبر ويكيليكس وغيرها احد اهم اهدافه هو تعزيز الخوف لدى المواطن الامريكي من الخطر الخارجي ، وهذا هو ما عبرت عنه هيلاري كلنتون بقولها ان التسريب يهدد حياة امريكيين ، بالاضافة الى ان التسريب يعزز روح العداء لامريكا في الخارج خصوصا في العراق نتيجة ما اسمته الوثائق ب ( اخطاء امريكا ) في العراق والتي ساعدت المالكي على ارتكاب جرائم ابادة ضد الشعب العراقي . ان ازدياد العداء لامريكا في العراق وغيره يخدم هدف زيادة الدعم الشعبي داخل امريكا لخيار شن حروب وعسكرة امريكا وتحويلها الى دولة بوليسية او شبه بوليسية .

 

ما قاله الامام الشافعي في ابيات شعره التي استخدمناها حكمة استخبارية بلورتها حياة رجل لم يكن سوى اماما ومفكرا ولم يكن ضابط مخابرات ابدا ، لكن الحياة معلم كبير لمن يفكر ويجرب ، وهي ابيات تفسر دوافع نشر الوثائق وهي انها عملية تسريب وليست عملية افشاء بالخطأ او بالتطوع من اجل الحقيقة . ان امريكا ليست غبية بل هي الاشد ذكاء حينما يتطلب الامر تحقيق مكاسب على حساب الغير ، وامريكا دولة مؤسسات واخطر واهم مؤسساتها التي تختص بتغيير امزجة واتجاهات الراي العام هي المخابرات . تفحصوا عين صاحب شبكة ويكيليكس ستجدون انها عين خلد نائم تلمع في ظلام دامس رغم انوار الاعلام البراقة التي تحيط به .