Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

الثورة الجزائرية حطمت سبعة حكومات فرنسية

مكانة ثورة أول نوفمبرالعالمية  

      دروها  في تحرير الجزائر وإفريقيا

الثورة ا لجزائرية حطمت سبعة حكومات فرنسية

 

تقاس  الأحداث التاريخية  بمدى ماتحدثه  من تأثير في الأوضاع  الداخلية والعالمية.  وقد عرف   التاريخ الحديث والعاصر

 عدد من الثورات تعتبر عالمية لما لها من دور في تغيير  أوضاع البلدان  التي انطلقت منها، وفي أوضاع البلدان  الأخرى

خارج حدودها. ومن ضمن هذه الثورات: الثورة الأمريكية، والفرنسية، والروسية، والمصرية، وثورة أول نوفمبر   الجزائرية.   

الثورة الأمريكية لعام 1776  تكمن  أهميتها في كونها  استطاعت  أن تحرر الثلاث عشرة ولاية  على الشاطئ الأطلسي من الاستعمار  الإنجليزي و  تعلن  حقوق الإنسان. ولكنها   سرعان  ما انزلقت  عن خطها للتحول  الى الحرب  الأهلية بين ولايات الشمال  والجنوب  بسبب مشكلة العبيد الأفارقة والإسترقاق  التي مازال حتى اليوم يمثل وصمة عار في جبين المجتمع الأمريكي الذي يطبق السياسة العنصرية البغيضة ضد السود الأفارقة والهنود الحمر.   الثورة الأمريكية قهرت الإنسان  الأمريكي الأصيل،حيث تم ابادة اكثر من 100 مليون منهم ..    

   اما الثورة الفرنسية لعام 1789 عظيمة الأثر لكونها   حطمت  أعظم ملكية مستبدة جائرة  في أوروبا وأعادت للشعب الفرنسي كرامته وحريته بعد أن ألغت نظام  الإقطاع  وامتيازاته  التي كانت  تقسم الشعب الفرنسي الموحد إلى طبقات  اجتماعية لا أساس  لها إطلاقا في سن التشريع  والعدالة. وكان كابوسها  ثقيلا  على المجتمع الفرنسي لعدة قرون  خلت.  وقد استطاعت    هذه الثورة أن تقوض عروش أوروبا الأخرى،  وتبعث في شعوبها  روح الأمل في التحرر والإعتاق من رجس الإقطاع  وجبروته   بفضل المبادئ والمثل التي  جاءت  بها  التى نادت بتطبيقها. وكان لها  الفضل بعد ذلك  في اندلاع  الثورات  الدستورية التي حصلت بأوروبا  في النصف الأول من القرن  التاسع  عشر أدت  إلى سقوط الملكيات  المستبدة وقيام حكومات دستورية عادلة.

ولكن  الثورة الفرنسية رغم هذا كانت  ثورة حمراء سالت فيها أنهار   من الدماء وقطفت المقصلة رؤوس حوالي  خمسة عشر ألف شخص في ظرف  شهر ونصف معظمهم  من الأبرباء.  هذه الثورة سرعان ما تحولت  عن أهدافها التحريرية.   حيث أنساقت   وراء سياسة التوسع والاستعمار داخل أوروبا  وخارجها بزعامة نابليون بونابرت الذي غزا إيطاليا والنمسا، وألمانيا،  ومصر   في الشرق، وسوريا، وهدد الجزائر  بنفس الوضع  .

   الثورة الروسية لعام 1917 كانت رحمة وبركة على الشعب الروسي حررته من ظلم  وجبروت القياصرة المستبدين، وتحكم  الإقطاع الفلاحي،   ساعدت  الشعب الروسي على تحقيق معجزاته الكبرى في ميدان الاقتصاد  والتكنولوجيا مما  سمح له  أن يقتحم  الفضاء  الخارجي ويكتشف أسرار  الذرة. وهذا  النمو  والتطور  في الميدان الحضاري هو  الذي  ساعدها  على التأثير  في الأقطار المجاورة لها بشرق أوروبا،  وفي الصين بآسيا.

ولكن   الثورة الروسية لاتستطيع أن تبرئ  نفسها   من التحكم والسيطرة التي يفرضها  الشعب الروسي حاليا  على شعوب  غير روسية خاصة الشعوب الإسلامية في القوفاز  والتركستان  وكازخستان بآسيا  الوسطى.

   اما الثورة المصرية عام 1952 لاينكر فضلها في تغيير أوضاع  مصر الداخلية حيث حررت الشعب المصري  من الملكية الفاسدة، والأقلية الإقطاعية المتجبرة التي كانت  تتعاون   مع الاستعمار الإنجليزي،   وكان من أبرز   مكاسبها   استعادة قناة السويس   وطرد الإستعماري  الإنجليزي، وتحرير الشعب من الإذلال  الذي كان يعيش فيه منذ قرون  وقرون، وتمكنه من إدارة دفة البلاد بنفسه فأصبح  يشعر لأول مرج بنعمة الحرية والاستقلال  .

    الثورة المصرية كانت السبب  في كل الانتفاضات  التي حصلت   بالشرق العربي خاصة بالعراق واليمن،  وإمارات الخليج، وسوريا ولبنان وغيرها.

 دور ثورة نوفمبر في تحرير الجزائر وإفريقيا

 

    ثورة أول نوفمبر 1954 الجزائرية زيادة  عن كونها   عالمية  فهي أعظم  تأثيرا، وأبلغ أهمية، سواء في الميدان  الداخلي  أو الخارجي، وذلك لكونها كانت ثورة ضد سلطة استعمارية شرسة حكمت البلاد بصورة مباشرة طوال قرن وربع  القرن،  وضد روح التشكيك التي زرعتها هذه السلطة الإستعمارية خلال هذه الفترة،   والتى جعلت  الشعب الجزائري  يرى تاريخه  الطويل الزاخر  بالأمجاد  والبطولات، شبحا  وخيالاً  أو بمثابة سراب، ولكي نبعد عن الخيال والأساطير، لابد من إيراد الدلائل والبراهين  المادية من واقع البلاد وتاريخ الشعب. ولنبدأ بالميدان الداخلي.  

لقد خضعت الجزائر ثورة ضد    الإحتلال  الفرنسي طوال قرن وربع قرن، وقد عمل    الجيش  الفرنسي كل مايقدر عليه من أجل أن  ينسى الشعب الجزائري   أصله وتاريخه،  ويشطب بجرة قلم على أمجاد الحضارية التي تمتد إلى غابر  الأزمان. وقد عاني الشعب الجزائري   الكثير  من الظلم والجور والقسوة والحرمان. وكان أخطر   ما عاناه    حالة التشكيك في أصله، وتاريخه، وفي شخصيته  القومية لدرجة أن بعض الجزائريين  تجرأوا على القول بأن ليس هناك بلد أسمه الجزائر، ولا شعب  أسمه الشعب الجزائري العربي المسلم،  فدعوا الى دمج هذه البلاد وشعبها في المجتمع الفرنسي الأوروبي  المسيحي.

   ثورة  نوفمبر  هي التي أعادت  الثقة للمجتمع  الجزائري في نفسه،  وأكدت  له أصالته التاريخية التي تمتد إلى أعماق التاريخ القديم. وعودة الثقة هذه هي الدعامة الأساسية للكفاح البطولي الذي خاضه شعب الجزائري طوال سبع سنوات ونصف. وقد  تبدو  للبعض هذه   الثقة العائدة  بسيطة أو ساذجة، ولكن  أهميتها كانت جد بالغة  ، ولولاها  لما تحمل  الشعب الجزائري  تلك الأهوال التي تعجز الجبال عن تحملها،  وهنا  أمثلة حية اليوم لشعوب فقدت الثقة بنفسها ولم تستطيع أن  تفعل شيئا. ومن ضمنها شعب جنوب إفريقيا، والهنود الحمر بأمريكا، وسكان أستراليا الذين مسختهم مجتمعات  أوروبا الغازية المستعمرة،  وأذابتها   ولم تبق على البعض منها إلا من أجل الاستغلال   السياحي والدراسات  البشرية كما  يجري الحال في أستراليا  مثلا.

لقد كافح  شعب الجزائري،  قبل ثورة 1954،  سبعين عاما بالسلاح،  ونصف قرن  بالسياسة، فلم يحصل على طائل، وكنا  نسمع دائما بأن  الجزائر  قلب ميت وطائر مكسر الجناحين معاق عن الحركة والسير، سمعنا هذا من بعض  الاخوان   التونسيين والمغاربة  في مطلع  الخمسينات عندما بدأوا  يحاولون الانتفاضة. وهم محقون في هذا ظاهريا لكونهم لم يكونوا يعلمون بواطن الأمور  كما  يدرك اهل البيت  ،  كما لم يكونوا يحسون بثقل الكابوس الذي  كان الجزائريين يعشونه  .

    ثورة نوفمبر هي التي  دفعت هذه الشبهة،  ونزعت هذا التشكيك، وأثبتت  أن الجزائر لم تكن قلبا ميتا ولا طائرا مكسر  الجناحين، بل هي قلب شاب ينبض بالحياة والحيوية والنشاط،  وصقر لاتناله السهام والنبال،  ولاتفلت   منه فريسته مهما كانت طاغية أو شرسة  .

   فثورة نوفمبر  من هذه الناحية هي  البعث الجديد  للجزائر  الجديدة والحديثة بكل أبعادها  ومفاهيمها، إنها وعت كل الدروس التي مضت واستخلصت العبر  من إخفاق كل الثورات السابقة   من عبد القادر، وأحمد باي، وبومعزة،  وبوزيان،  وبوبغلة، وبوحمارة، والحاج عمر،  وبوخنتاش، وسي الصادق وفاطمة  نسومر  أولاد سيدي الشيخ، والمقراني، والحداد ، والعمرى، والأوراس، وبوعمامة وغيرهم  الذين لم يكونوا  يخططون لعملهم ولا يعتمدون على القاعدة الشعبية كجبهة، وإنما كانوا زعماء جهويين لثورات إقليمية متباعدة الزمن،  معزولة عن الإمكانيات  التي توصلها الى أهدافها النبيلة.

وقد فهمت ثورة نوفمبر جيدا أن ما أخذ بالقوة لايسترد إلا بها، وأن الحرية تؤذ وتنتزع، ولاتهدى ولا تعطي أبدا، كما أنها درست التجارب الماضية لها وهي حصيلة  سبعين  عاماً  من الكفاح  المسلح، و خمسين  عامًا  من الكفاح السياسي، وأصرت  على أن لا تدخل المعركة إلا بجبهة قوية تمثل كل فئات وطوائف الشعب، تحميها من الإخفاق والمهالك،  وبقيادة جماعية مخططة تجنبها المزالق الشخصية التي وقع فيها أجدادنا في القرن  الماضي  وتضمن لها النصر  والنجاح.

وليس من السهل توحيد الشعب في جبهة واحدة في بلد عشش فيه الإستعمار،  وكبش بأنيابه ومخالفه  عليه وعلى مقدراته طيلة قرن وربع القرن. وأصبح الكثير من زعمائه  السياسيين  يدّعون  النبوة والرسالة، وتباينت آراؤهم  حول المطالب الوطنية الواضحة للشعب الجزائري تباينا خطيرا وعميقا. فالبعض يدعون الى التجنيس  والفرنسة والذوبان في المجتمع  الفرنسي الأوروبي المسيحي. والبعض يدعون إلى تحقيق إصلاحات اجتماعية بسيطة لاتتعدى  الشؤون الدينية والإقتصاد. والبعض رضوا،  بنتيجة للتطور التاريخي، ببروز شخصية جزائرية ولكن في إطار  الكيان  الفرنسي وتحت علمه. ولم  يكن هناك إلا تيار  واحد استقلالي برز مع ظهور  هيئة  نجم شمال إفريقيا ، في بداية العشرينات  ،  وتدرج في إطار  حزب الشعب الجزائري  قبل الحرب العالمية الثانية، و بعدها حزب  حركة الانتصار  للحريات  الديمقراطية. ولكن هذا التيار  كان محاربًا   من الجميع الاستعمار الفرنسي،  وأذنابه من الجزائريين.

وقد وصلت الخصومة بين هذه التيارات السياسية الى درجة العفونة خاصة  بعد الحرب العالمية الثانية وفي مطلع الخمسينات بصورة أخص. وتسربت هذه العفونة حتى إلى داخل التيار الاستقلالي نفسه  حزب حركة الانتصار  للحريات  الديمقراطية الذي إنشق على  نفسه ودخل في دوامة من الصراع  والسباب  بين زعيمه  الهرم، والأكثرية من شبابه   المناضلين. جعلت الإستعمار يطمئن  لوضع، ويتفرج من بعيد على ساحة المعركة.

وكان  فضل ثورة نوفمبر 1954  في توحيد هذا الشتات  يعد مكسبا  وطنيا هائلا، وفي منتهى القداسة، بحيث أذابت  الجميع في  جبهة التحرير الوطني الأغلبية عن إيمان واقتناع، و الأقلية  بالموس  والخنجر، والشاقور، وكان هذا إنجازا  عظيما لثورة نوفمبر 1954  .

 

الصعاب  الداخلية التي واجهتها الثورة

 

لقد كانت الجزائر في نظر التشريعات الفرنسية قطعة من التراب الفرنسي رغم وجود تسعمائة كيلومترا من مياه البحر المتوسط فاصلا  بينهما،  ورغم الاختلاف والتباين   في التاريخ  والعادات والجنس واللغة والعقيدة، بل وحتى في الجغرافية والمناخ،  وتمشيا مع هذه  النظرة الخاطئة استماتت   فرنسا  في مقاومة الثورة الجزائرية واستعملت  كل الوسائل التي فاقت إمكانياتها وطاقاتها المادية والبشرية، فجندت مايزيد عن  مليون ونصف من جنودها، وسلحت  قرابة المليون معمر أوروبي القاطنين  بالجزائر، وإستعانت بخبرة الحلف الأطلسي وإمكانياته العسكرية والنفسية، وجندت  طابورا من  الحركة و القومية الجزائريين  الذين باعوا  ذممهم ووطنيتهم وضمائرهم، وأقامت معسكرات  الإحتشاد  والتجمع التي ساقت إليها مئات الآلاف  من أفراد الشعب كمحاولة منها  لفصل الثورة عن الشعب. وأقامت  مناطق محرمة في شرق البلاد وغربها. عززتها بخطوط الأسلاك الشائكة المكهربة والطرق الملغمة، والمراكز العسكرية. وذلك من أجل  عزل الجزائر   عن العالم الخارجي ومنع وصول المؤن والنجد ة الى الثورة  والمجاهدين. وقد جهزت من طائرات الاستكشاف والقنبلة لمراكز الثوار  التي زاد معدل قذفها الشهري عن عشرة آلاف عملية. وعززت ذلك بفرق من الجيش الفرنسي الخفيفة  للتنقل بسرعة وراء الثوار. وشنت عمليات  عسكرية ضخمة ودورية اكتسحت الجزائر شبرا  بشبر.  وشعبة بشعبة،  من أجل إفناء كل أثر لجنود جيش التحرير الوطني وكان من أبرز هذه العلميات، عمليات: المجهر، شال، وماراثو، والضباب وغيرها  من جبال تلمسان، والونشريس،  الى جرجرة، وحوضى الصومام، والبيان،  وبو طالب والأوراس، والشمال القسنطيني.  ومن سمات  هذه العمليات: الضخامة  في العدة والعدد، والدوام في المدة طويلا ثلاثة أشهر وزيادة، بل إن عملية المجهر في القبائل الصغرى دامت أكثر من خمسة أشهر، أنتشر فيها جنود الجيش الفرنسي في كل كدية وشعبة  حيث إستعملت قوات الاستعمار الفرنسي   أدوات المجهر لاكتشاف  الجنود الى جانب أجهزة الإرسال  والاتصال  والقذف  فكانوا يقنبلون حتى الدجاج إذا رأواه في مكان  ما.  وتم إنجاز معظم هذه العلميات في عهد  دوغول. ولشدة هولها وقساوستها فإنه حتى الأحمرة عندما تسمع  أزيز الطائرات تسعى للاختفاء  والاحتماء  بالأشجار  كما  أكد ذلك أكثر من مجاهد.

وزيادة  على هذه العلميات  العسكرية الضخمة، مارست القوات الفرنسية عمليات تعذيب جهنمية بمختلف الأساليب والأشكال،  كقلع الأظافر   بالكلاليب،   وتسليط  الكهرباء على أجزاء الجسم الحساسة،  مثل الذكر، والفرج، والنهود، وبقر بطون الحوامل، وتعليق الأشخاص  بصورة مقلوبة، وغطس الرؤوس  في أحواض المياه الحارة أو الباردة، ووضع حنفيات المياه في أفواه الأشخاص وفتحها حتى تمتلئ البطون تم ترفس الأرجل لتخرج المياه على الدبر. وإكراه الناس على شرب مياه الصابون، وترك آخرين للعطش مع وجود المياه بقربهم، وتسليط الكلاب عليهم لتنهشهم، وسحب  البعض أحياء بالخيول والحيوانات،  وجرح الجسم بأمواس الحلاقة وإيداع البعض في بيوت مظلمة أياما وأسابيع  على الإسمنت  البارد وإرغام  البعض على المشي على المسامير، وما إلى ذلك من فنون التعذيب الجهنمية، كل ذلك من أجل الحصول على معلومات عن الثورة وجنودها، وإرغام الناس على التنكر لرجال الجيش والجبهة وتواصلت  هذه العمليات  طوال سنوات الثورة، ولكن الثورة لم تفشل،  والشعب لم يتردد في تدعيمها وإمدادها بكل ما تحتاج اليه من مؤن ودخائر وعون.

 

منجزات الثورة داخليا

الثورة ا لجزائرية حطمت  سبعة حكومات فرنسية

   ادا كانت الوسائل التي استعملتها فرنسا ضد الثورة لم تفدها، بل إن الكثير منها عاد وبالا  عليها  فان  الثورة  قد  واصلت  مسيرتها بتدرج وتطور منطقي. فبعد انطلاقتها الأولى في نوفمبر  1954  لم تمضي عشرة شهور عليها حتى انطلقت انطلاقتها  الثانية في أحداث  عشرين أوت 1955 والتي عمت كل الشمال القسنطيني. لتنسف أحلام وأكاذيب  الدعاية الفرنسية التي  كانت تدعى أن متزعمي  الحوادث  فلاقة وقطاع طرق، مدفوعون  من الخارج، وليسوا ثوار ذوي أهداف وطنية.   ليتم  إكتمال شمل الثورة في أكتوبر  من العام نفسه عندما فتحت جبهة وهران الغربية  وفي مؤتمر  الصومام  المنعقد في 20 أوت 1956 حققت الثورة شخصيتها  السياسية والعسكرية. فوضع إطار  لجيش التحرير  الوطني مكنه من

 أن يصبح جيشا نظاميا في مستوى جيش العدو، بل وأقوى منه في الأساليب،   حيث برزت  شخصية جبهة التحرير الوطني بأهدافها  الواضحة  ومطالبها العادلة التي إعترف  بشرعيتها  كل العالم المتحرر وأصبحت   لجنة التنسيق والتنفيذ،  والمجلس الوطني للثورة الجزائرية، يلعبان   دورا بارزا في مقاومة أساليب  جيش الاحتلال في الداخل، وألاعيب الدبلوماسية الفرنسية في الخارج،  وكان ميلاد الحكومة المؤقتة للجمهورية لجزائرية في 19 سبتمبر 1958  خطوة هامة لكسب الاعتراف الدولي بالدولة الجزائرية الجديدة، وإرغام دوغول على  الاعتراف بحق تقرير  مصير الجزائر في نوفمبر 1959.  ثم جاءت  مظاهرات ديسمبر 1960 لتفضح كل أكاذيب  وإدعاءات الضباط الفرنسيين بأن   الثورة الجزائرية قد ماتت وانتهت، وأن الشعب الجزائري  ضد الجبهة ومع فرنسا. وكانت   صيحة المتظاهرين بشعارات  تحيا الجزائر وجبهة التحرير   و وتسقط فرنسا والاستعمار  في عين تميونشت،  والجزائر  العاصمة،  ووهران  والبليدة وعنابة، أخطر إنذار واجهه دوغول وجعله يقطع رحلته ويعود إلى فرنسا  بسرعة ليكتشف التقارير المزورة التي كان يوجهها إليه  ضباط الشؤون النفسية والسيكولوجية بالجزائر، فشرع   مرغما في مخاطبة الجبهة كممثل  وحيد للشعب الجزائري ، والتفاوض   معها من أجل الاستقلال  .  .

   حيث  حطمت  الثورة ا لجزائرية سبعة حكومات فرنسية هي: حكومة مانديس فرانس،  وفي موللى، وبورجيش مونوري، وادقار فور، وفيليكس قايار، وموللي الثانية، وفليملان.  وقوضت أركان الجمهورية الرابعة الفرنسية، وزرعت الفشل في الجيش الفرنسي وألحقت به هزائم تاريخية رغم الدعم الكبير الذي كان يتلقاه من الحلف الأطلسي. وجعلته  يعيش  في تمرد داخلي كما حصل في 13 ماي 1958، وأبريل  1960 وجانفي 1961، وإستطاعت الثورة أن تعزل فرنسا دوليا طوال سنوات الثورة السبع،  وأن تصيب الاقتصاد الفرنسي  بضربة قاضية ، وامتد التفسخ والانحلال   الى أوساط الشعب الفرنسي الذي أنقسم على نفسه   بين مؤيد للحرب  الاستعمارية التي تشنها بلاده ضد الشعب الجزائري،  ومعارض لها،     فرنسا  أورثتها  ثورة نوفمبر الجزائرية إفلاسا اقتصاديا، وعزلة  سياسية دولية، وتفسخا اجتماعيا، وهزائم عسكرية كبيرة. واضطرت في النهاية أن تعترف  بالواقع المر وتتأكد من أن مايجري في الجزائر ثورة وليس تمردا، ووراد هذه  الثورة قيادة كفء،  وتخطيط   محكم ، وأهدف وطنية سامية. وأكرهت  في النهاية أن تذهب الى طاولة المفاوضات في مولان،  وإيفيان،  ولوقران، لتجلس مع الذين كانت تزعم أنهم  فلاقة  ولصوص  مدفوعون من الخارج. وتعترف بهم كممثلين  وحيدين للشعب الجزائري.  وتتفاوض معهم على قاعدة  الاستقلال التام.

ولم تفلح فرنسا  في خلق التلاعبات  وإثارة العقبات  في طريق الإستقلال. ففشلت في خلق  القوى الثالثة  من  العملاء والخونة لتنافس  بهم جبهة التحرير الوطني رغم الرحلات  العديدة والطويلة التي كان يقوم بها لويس جوكس أو كينسجر  فرنسا  آنذاك وفشلت  في فصل الصحراء عن  أجزاء الوطن الأخرى، كما فشلت في إثارة الدول المجاورة  لها يما دعته قضية الحدود.  وكانت دبلوماسية جبهة التحرير أقوى وأبلغ  منها في الإقناع  والتوضيح حتى لدى من كانت  تظن أنهم سيكونون  سدا وجدارا  في وجه  الثورة الجزائرية مثل تونس والمغرب الأقصى  .

 

دور ثورة نوفمبر  في تحرير إفريقيا  

إن  دور ثورة نوفمبر الجزائرية في تحرير إفريقيا عظيم جدا. والتاريخ  هو الذي سينصفها   عندما يتقادم الزمن وتبعد الحوادث.   لأن ثورة نوفمبر  هي التي حطمت  حقيقة الإمبراطورية الفرنسية  ما وراء البحار، وكانت  آخر حلقة في سلسلة  الهزائم التي توالت على فرنسا طوال قرن ونصف قرن من الزمن.

فلقد فشل الأمبراطورنابليون  الأول في غزو روسيا عام 1812 وقد في مغامرته  الطائشة معظم قوات  التي كانت  تقدر بنصف مليون جندي ولم يعد إلا بحوالي مائة ألف رجل فقط.  حيث   تحاملت  ضده دول أوروبا  وأرغمته  على العيش منفيا في جزيرة سانت هيلانة إلى أن مات  لتحمل بعد ذلك  عظامه  الى متحف لي زانفاليه  بباريس.

   في عام 1870 هزم حفيده  الإمبراطور  نابليون الثالث أمام  قوات بروسيا الشابة التي  اعتقلته واعتقلت معه مائة ألف من جنوده بعد هزائم ميتزوسيدان،  وإحتل  الألمان باريس  وتوجوا إمبراطورهم غليوم على دولة ألمانيا الوحدة في  احدى قاعات قصر فيرساى  بضواحي باريس.  وكانت  نكبة  كبيرة ما تزال آثارها ماثلة في أذهان الفرنسيين حتى  اليوم.

وفي الحرب العالمية الأولي 1914 ـ 1918 تعرضت   فرنسا لهزيمة ثالثة ولم ينقذها  من  تحت  أقدام  الألمان  سوي الإنجليز والأمريكان الذين تعرضت مصالحهم  للخطر  الا الألمان جددوا الكرة ضدها في الحرب العالمية  الثانية وهزموها  وإحتلوا  فرنسا كلها تقريبا، وأرغموا  الماريشال  بيتان  على العمالة لهم   ولم ينقذ فرنسا إلا  نجدة الأمريكان  والإنجليز مرة أخرى،  وتحالف روسيا  معهم،  وسواعد الأفارقة وإمكانياتهم  المادية.

ولم تنته مشاكل الحرب  العالمية الثانية   حتى دخلت فرنسا  في حرب استعمارية ضد  الشعب الفيتنامي بالهند  الصينية وكان نصيبها   الفشل والهزيمة النكراء خاصة في معركة (ديان  بيان فو)  عام 1954 التي إعتقال  فيها الفيتناموين  أكثر من عشرة آلاف  جندي وضابط فرنسي وأرغموا الحكومة الفرنسية على الذهاب    الى

   طاولة المفاوضات بجنيف في العام نفسه،    وأرغمت فرنسا على الانسحاب  مذلولة.

و عندما إنسحب من الهند لصينية كانت الثورة الجزائرية  على الأبواب  ولم يبقى سوى  بضعة أسابيع لتفجر  وتصبح أخطر  قضية تواجهها  فرنسا  في عقد الخمسينات. لقد كانت ثورة نوفمبر 1954 بالنسبة للجيش الفرنسي،  رهانا   لكسب الانتصار  ونزعه  مهما كان الثمن  حتى يعوض عن هزائمها السابقة  عبر قرن ونصف من الزمن  

فبعد إمضاء  إتفاقية جنيف حول الهند الصينية  عام 1954 طار رئيس الحكومة الفرنسية مانديس فرانس الى تونس بمعية المارشال الهرم  جوان ذى التجارب الفاشلة في المغرب الأقصى، وذلك ليمنح  تونس استقلال  ذاتيا داخليا  على أن  تبقى الشرطة والأمن الداخلي والشؤون  الخارجية  والدفاع في يد فرنسا  لمدة عشرين عاما.  ولكن الشعب  التونسي  لم يرض بذلك، وتدعم  كفاحه  بقيام الثورة في المغرب الأقصى والجزائر،  خاصة بعد أحداث 20 أوت 1955 في الشرق الجزائري  تضامنا  مع الشعب المغربي. واضطرت فرنسا أن تعترف بالاستقلال  التام للمغرب الأقصى، وعاد محمد الخامس من منفاه مرفوع الرأس في حين  أضطر القلاوي صنيعة الاستعمار أن يذهب راكعا الى فرنسا  لمقابلة محمد الخامس والاستغفار والاعتذار  له عما بدر منه من خيانة، كما أضطر الملك الصوري محمد بن عرفة  أن ينسحب الى طانجة  ثم إلى منفاه خارج المغرب  .

وكانت  أحداث  المغرب الأقصى   حافزا   لبورقيبة ليشد الرحال  الى باريس وينتزع من في موللي رئيس الحكومة الفرنسية الاستقلال  التام لبلاده    وه ماحققه بالفعل .  

وعندما  أنتصر  الاشتراكيون في إنتخابات  مطلع 1956، كان المراقبون  يظنون أن فرنسا  ستنصف ثورة الجزائر،   الا ان هدا الامر لم يحدث   لأن  الإشتراكية كانت  لقب زائف في فرنسا  .  والإشتراكيون هياكل بدون محتوى،   حيث  اقدم موللي الأمين  العام للحزب الإشتراكي الفرنسي ورئيس الحكومة الجديد  على التراجع  بسرعة  عن أفكاره بعد ضربة الطماطم  التي تلقاها من أوروبي  الجزائر غداة زيارته لها  يوم 06 فيفري  1956 ، فقبل استقالة الجنرال  كاترو الذي لم يلتحق بمنصبه أصلا،  وعوضه بالإشتراكي السفاح لأكوست  الذي طلع على العالم بخبر  ربع الساعة الأخير  الذي بقى من عمر الثورة الجزائرية لتموت وتندثر،  ولم يكن  يدرى أن ذلك  الربع هو  ربعه الأخير     ليسقط ويهوى،  ويتلوه إلى نفس المصير، الفيلسوف  العبقري   سوستيل  الذي هوى هو الآخر في أدغال ثورة الجزائر المظفرة   التى اسقطت    كل الحكومات  الفرنسية المتوالية وتطيح بالجمهورية الرابعة بأكملها.

وقد إمتد التعفن السياسي في فرنسا  إلى الجيش نفسه  الذي أصبح يشعر بالمرارة من  الهزائم  النكراء التي توالت عليه تباعًا    كتمرد الجزائر  غداة 13 ماي 1958 في هدا السياق جاء الجنرال دوغول  الى الحكم من قريته المعزولة بكولومبي، كمنقذ  لما دعاه  الجزائر الفرنسية  ولم يكن هذا الرجل أقل عنادا  من سابقيه  تجاه الجزائر،  ولكنه امتاز عنهم بنظرته   البعيدة لمصالح فرنسا الداخلية والدولية. فأكثر من التردد على الجزائر  ليطلع على الأمور عن كتب  ومن المواقع، في إطار رحلات  الموائد  العسكرية  التي كان  ينظمها له ضباط جيشه، ورغم أنه أكتشف خطورة الثورة وصعوبة أدغالها إلا أنه أصر هو الآخر على العناد  والتحدي   فأخذ  يدعم   جيشه بالعدة والعدد، ودعا الثوار  الجزائريين  الى الإستسلام  ورفع العلم الأبيض  فيما سمي  بسلم  الأبطال . وكمحاولة منه لتحدى الثورة الجزائرية والتفرغ  لمواجهتها التفت الى مشاكل المستعمرات  الفرنسي الأخرى في إفريقيا.  وكانت  شعوب هذه المستعمرات قبل ثورة نوفمبر  الجزائرية شبه نائمة تغط في سبت الغفلة والنسيان.  

   فكانت  صيحة  لا  التي أعلنها  شعب غينيا   بداية لمسيرة التحرر الافريقية ها   فاضطر دوغول الى الإعتراف بالواقع و منح  استقلال لشعب غينيا، ولكنه  حاول أن يقتله بقطع كل مساعدة له و كأن شريان الحياة  لاينبغ إلا من باريس. غير أن  الشعب الغيني واصل مسيرته  وبقى حيا  يرزق  .

وبعد تجربة غينيا  الناجحة أخذت  باقي الشعوب الإفريقية الأخرى تعلن صيحتها واضطرت فرنسا   أن تسلم باستقلالها،  حيث أمضي  رئيس وزرائ فرنسا ميشيل  دوبرى في يوم واحد من عام 1960  على إستقلال إثني  عشر بلدا إفريقيا بعد إستقلال  موريتانيا  في   العام  نفسه، ولم يكن هذا الإعتراف  سخاء وكرما  من فرنسا، وإنما بفضل ضغط الثورة الجزائرية  .

   حيث فكان   إنتصار   ثورة كانت فرنسا  تتصور. أن التخلص من مشاكل مستعمراتها  الأخرى  يتيح لها الفرصة والقوة لكي تطعن  ثورة الجزائر  وتقضى عليها وعلى خطرها. ولكن ثورة الجزائر  كانت   مسمار  في جسمها  الهرم الفرنسي ،  وجاءت  الفائدة  مز

دوجة فتحررت  إفريقيا  كلها من رجس  الإستعمار الفرنسي  والبريطاني، والبالجيكي، وتحررت  الجزائر  بعدها  وكانت خير  رائد لقافلة التحرر  الإفريقية.  نوفمبر  1954  ،   يعد مفخرة للعرب جميعا،  لأنها   رفعت رأسهم عاليا،  وأعطت  درسا لاينسى للبلدان الإستعمارية بأن العرب  قادرون  على تحقيق  انتصارات  خارقة في التاريخ، وفي الوقت  نفسه  فإن  هذه الثورة مفخرة لإفريقيا  أيضا لأنها  هي التي أعادت  اليها  الحياة والحيوية، وحفزتها  على   مسح غبار   الغفلة والتخلف، ودفعتها     العمل  من أجل التحرر  الوطني وطرد المستعمرين  الدخلاء  ..