Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

المؤامرات الكبرى للمخابرات الفرنسية المغربية على الجزائر/ الوزير الأول السابق ريمون بارانذاك جند 2000 حركي مرت

من فصول "الحرب السرية" على الجزائر

عملية "رأس سيغلي"  بعد  31 سنة من حدوثها

المؤامرات الكبرى للمخابرات  الفرنسية المغربية على الجزائر

المخابرات المغربية تعاونت مع الفرنسي جاك سوستيل لقلب النظام عام1978

     الوزير الأول السابق ريمون بارانذاك جند 2000 حركي مرتزق  انطلاقا من المغرب

أغنية محمد عبد الوهاب "يابابور رابح على فين" كلمة سر الانقلاب

العميل يويو الدي هزم  سوستيل والحكومة الفرنسية

 

بينما كان الرئيس الراحل هواري بومدين يعاني سكرات الموت في غيبوبته الطويلة قبل  31  سنة. فاجآت التلفزة الجزائرية جمهورها مساء السبت ١٦ ديسمبر ١٩٧٨ بنبأ خطير  اختراق طائرة شحن عسكرية مغربية المجال الجوي الجزائري، وقيامها بإلقاء كميات من الأسلحة والذخيرة على مقربة من رأس سيغلي الواقع غرب مدينة بجاية بنحو ٦٠ كلم.

ترى من كان وراء هذه العملية الخطيرة التي عرضت أمن البلاد واستقرارها للخطر يبنما كانت تعيش محنة احتضار الرئيس هواري بومدين؟

المصدر /جريدة الشروق اليومي

محمد عباس

13/12 /2000الحلقة الاولى

اعادة النشر يوم 16 /08 /2009

 

الواجهة: "مجاهد مغامر" في قبضة عميل شاطر!

من خلال شهادات اثنين من الفاعلين الرئيسيين وهما "المجاهد المظلوم" محمد الصادق بن يحي و"العميل الشاطر" يحي بوعروج سيعرف القارئ الكريم أطوار هذه العملية وما كانت تبيت له أطراف استعمارية بقيادة جاك سوستيل بالتعاون مع مخابرات بلد شقيق ومجاور هو المغرب.

 

أولا المجاهد المظلوم

محمد الصادق بن يحي مجاهد من وادي الصومام، موتور بسابق علاقات السيئة مع قيادة المنطقة والولاية معا. وبسبب هذا العلاقة السيئة وصل قاب قوسين أو أدنى من الموت.

وبحكم هذه السوابق ، تطوع غداة الاستقلال بمساعدة قوات الحدود على دخول منطقة الصومام،ا لتي كانت تحت نفوذ قيادة الولاية الثالثة المساندة للحكومة المؤقتة.. ومكافأة له على هذا الدعم، عين رئيس دائرة الأصنام الشلف حاليا  ثم واليا على سطيف، بعد أن استتب الأمر للمكتب السياسي بقيادة الرئيس أحمد بن بلة.

لكن بعد خصومات متكررة مع ممثلي جبهة التحرير الوطني بمدينة عين الفوارة،  يدعى بن يحي إلى وزارة الداخلية التي مكث بها حتى سنة ١٩٧٠. تحمس بن يحي لحركة بومدين في ١٩ يونيو ١٩٦٥ في بداية الأمر، لكن حماسه سرعان ما فتر تاركا المجال واسعا للتذمر والتفكير في الاحتكام للسلاح

بوادر ذلك ظهرت منذ أواخر ١٩٦٦. ففي لقاء مع البشير بومعزة الوزير المستقيل، من حكومة بومدين الأولى، قال له بصريح العبارة: "بومدين جاء بالقوة ولا يمكن أن يذهب إلا بالقوة"  وطلب إليه السعي للحصول على بعض الأسلحة، لكن بومعزة أبى أن يجاريه في هذا المضمار الوعر.

 

وبعد سنة قابل بن يحي المرحوم بلقاسم كريم في باريس ثم بالجزائر، وكان كريم يبدو مشغولا بفكرة هامة : تكوين هيئة استشارية في شكل مجلس لقدماء المسؤولين يشارك في تسيير البلاد حسب الصلاحيات التي تحدد له، وكان لذلك يعتزم إعداد قائمة واقتراحها على بومدين. سأل بن يحي كريم بالمناسبة: وكيف يكون رفقك إذا ما رفض بومدين اقتراحك؟

فأجاب: سنرى ما يمكن أن نفعل لكن رأي بن يحي كان غير ذلك "ينبغي الاستعداد للرد على الرفض بحد السلاح!"

مثل هذه التصريحات المتكررة والاتصالات المشبوهة التي كان بن يحي يجريها بالخارج مع أوساط المعارضة- وفي مقدمتهم حسين آيت أحمد - كان من الطبيعي أن تثير الشبهات حوله واهتمام رجال الأمن به.. وبدأت مشاكله الحقيقية، بعد حركة العقيد الطاهر الربيري (ديسمبر ١٩٦٧) التي تعاطف معها من بعيد بحكم رابطة الجهاد..

وقد بلغ المرحوم أحمد مدغري وزير الداخلية يومئذ، أن بن يحي يبحث عن أسلحة للقيام بثورة على النظام فأخذ يتجنبه، بعد أن كان من المقربين إليه. وبلغ سوء ظن الوزير به، أن اشتبه في مشاركته في عملية الرائد عمار ملاح التي استهدفت حياة الرئيس بومدين في أواخر أبريل ١٩٦٨. ومنذ ذلك الحين بقي على الهامش إلى غاية ١٩٧٠.

في هذه السنة تحصل بن يحي  على قرض بمبلغ ٥٠٠ ألف فرنك فرنسي، ويبنما كان يفكر في توظيفه بالاشتراك مع مجاهدين آخرين، وقع ضحية عملية احتيال موصوفة، قامت بها عصابة قوية تمارس نفوذها من داخل الجهاز الإداري والمالي للدولة.

هذه العملية دخلت إلى العدالة باسم "قضية كوفاميتاكس" لتبقى هناك إلى الأبد" لأن الملف اختفى بكل بساطة

قابل بن يحي ذات يوم دفاعا عن حقه وحق شركائه مسؤولا كبيرا في رئاسة الجمهورية فتلقى منه الإجابة التالية: "ياإخواني نحن في غابة بأتم معنى الكلمة! الحق والمنطق معكم، لكن من المنطق ما يحير العقل  فالشخصية التي تتظلمون منها قوية جدا في هذه الآونة، ولا يمكن أن تسموها بسوء

هذا الحيف الذي لحق به وشركائه، جعله يتجه أكثر فأكثر إلى معارضة النظام القائم بحد السلاح. وفي سنة ١٩٧٢ التقى بعلي محساس الوزير السابق - بفرنسا دائما - وطلب إليه ما سبق أن طلب من بومعزة - سنة ١٩٦٦ لكن بدون جدوى أيضا في نفس السنة  شرع في تطبيق الثورة الزراعية التي كانت مثار خلاف صامت بين بومدين وأحمد قايد "مسؤول الحزب منذ أواخر ١٩٦٧.

وما لبث هذا الخلاف أن انتهى إلى الطلاق بين الرجلين وخروج قايد من الجزائر سنة ١٩٧٤.

ثانيا

العميل.. الشاطر

كانت لهذا الخلاف انعكاسات مؤسفة على زوجة قايد التي أخرجت من دارها، كما حدث لنساء معارضين آخرين قبلها.. وكانت هذه الحادثة فرصة مواتية لظهور العميل يحي بوعروج، وتقرب إلى "المجاهد المظلوم" الناقم إلى حد البحث عن سلاح لتصفية حساباته مع النظام القائم

استغل هذا العميل - المدعو "رشيد يويو" - علاقة نسب تربطه بأحد أقارب بن يحي، ليتصل به في مكتب أعماله بالعاصمة، ولم ينس بالمناسبة أن يشكو للكاتبة ما لحق بزوجته قايد من حيف، زاعما أنه على قرابة بها.

وبعد أيام أعاد الكرة متطوعا هذه المرة بنقل تحيات قايد الذي لقيه بباريس وأعرب له عن رغبته في مقابلة بن يحي. وتم اللقاء فعلا بمبادرة من  العميل يويو

ويقول بن يحي في هذا السياق: "أن قايد كان يبدي ثقة شبه عمياء في صهره البعيد  الأمر الذي جعلني أثق فيه وأقدمه بناء على طلبه لكل من محساس والزبيري . كان قايد يحاول يومئذ تأسيس جبهة معارضة مع هاتين الشخصيتين، بمشاركة الحاج اسماعيل الوزير السابق في عهد الرئيس بن بلة، وقد ساهم بن يحي في تجسيد المحاولة وتم إنشاء تنظيم موحد فعلا، لكن الأجل لم يمهل قايد فباغته في بداية المشوار.

 

ثالثا السياسي.. العجوز

في تلك الأثناء ظهر عنصر جديد من العناصر - الداخلية - الهامة التي نسجت خيوط "قضية رأس سيغلي" الرقيقة، فقد أصدرت أربع شخصيات سياسية من بينها فرحات عباس بيانا فيه مارس ١٩٧٦، نددوا فيه بالاختيارات الاشتراكية التي كان بومدين يعتزم تكرسيها في مشروع الميثاق الوطني، طاعنين في موقف النظام آنذاك من قضية الصحراء الغربية، وكان رد فعل النظام على هذا البيان فوريا، إذ سلط على موقعيه الأربعة عقوبة الإقامة الجبرية.

. عملية "رأس سيغلي" قبل 22 سنة

 

 

     الوزير الأول السابق ريمون بارانذاك جند 2000 حركي مرتزق  انطلاقا من المغرب

 أغنية محمد عبد الوهاب "يابابور رابح على فين" كلمة سر الانقلاب

العميل يويو الدي هزم  سوستيل والحكومة الفرنسية 

 

الحلقة الثانية 14 /12 /2000

 

أثناء فترة العقوبة - وقبلها- كان بن يحيى يتردد كثيرا على فرحات عباس رفقة أحد المقربين إليه المدعو (م . ح). وكان الحديث في هذه الزيارات المتكررة، يدور في معظم الأحيان حول "النظام الديكتاتوري" الذي يكن له المضيف حقدا دفينا.. وكان الضيف  يشاطر السياسي العجوز آراءه في الوضع القائم ووسائل التخلص منه، وفي كل مرة تقربنا من عباس يستفز بن يحيى بقوله، لو كنت في سنك ما ترددت لحظة واحدة في حمل السلاح "

ويجيب بن يحيى: نعم! ولكن أين السلاح؟"

إن إرادة العمل لا تعوزنا، لكن أين اسلاح؟"

وتطمينا للزائر يؤكد أول رئيس للحكومة المؤقتة أنه لن يتردد في الحديث علانية باسم أية حركة مسلحة تظهر على الساحة"

هناك إذان مشكل بحث عن سلاح مقاومة نظام الرئيس بومدين، في رحلة حاسمة من تطوره نحو الاشتراكية.

في هذا الوقت بالذات يظهر "رشيد يويو" من جديد، ليبين طريق الحل من طرف خفي  فقد طرق ذات يوم دون سابق إشعار مكتب بن يحيى الذي كان صحبة "م. ح" ليروي لهما مغامرته مع المغرب  لقد زار هذا البلد الشقيق - في ظل انقطاع العلاقات الدبلوماسية - فلقي حفاوة كبيرة لأنه قدم نفسه للجهات الرسمية باسم فرحات عباس

استغرب بن يحيى ورفيقه هذه الجرأة الونحة من "يونيو" وعذبا عليه فعلته. وقرر  زيارة الرئيس السابق في الحين لإخباره بما حدث وعرضا على الزائر اصطحابهما فلم يمانع

وفي منزل رئيس الحكومة المؤقتة بالقبة، انتسب  يويو"، فإذا والده من معارف عباس القدامى في مدية والعلمة (سطيف)، وبعد ذلك أخذ يروي ما حدث خلال زيارته للمغرب، حيث قدم نفسه كواحد من أتباعه فاستقبل استقبالا حسنا، نظرا لما يحظى به عباس من تقدير لدى السلطات المغربية التي ترغب في رسالة منه، تثبت أن "يويو" مبعوث من قبله فعلا

استحسن السياسي العجوز الأمر بدل أن يستنكره، وسارع بكتابة الرسالة الموجهة إلى السلطات المغربية كما التمس منه ذلك وفورا سافر "يويو" لتلبيغ الرسالة وعاد بعد أيام في غاية الارتياح: لقد انطلى الأمر على السلطات المغربية التي أرادت اختبار مدى صدق الرجل فطلبت إليه رسالة ثانية من عباس يضكنها علامة معينة تثبت لها أنه فعلا موفد من طرفه.

تحمس عباس وكتب الرسالة الثانية، وكانت الإمارة تدخله ذات مرة لدى صاحب الجلالة الحسن الثاني لفائدة مواطن جزائري حجزت أملاكه بالمغرب وهكذا اكتسب "يويو"- مبدئيا - ثقة السلطات  المغربية.

 

رابعا

 العميل يويو الدي هزم  سوستيل والحكومة الفرنسية 

 

لم تكن "عملية رأس سيغلي" جزائرية مغاربية فقط بل كانت فرنسية بصفة أساسية، حسب شهادة العميل "يويو" الذي اتخذ من مدينة "ليون" منطلقا لنشاطه، تحت غطاء العمل بوكالة الخطوط الجوية الجزائرية بالمدينة .

بهذه المدينة الهامة التي كان من نوابها بالمجلس الوطني الفرنسي جاك سوستيل - الوالي العام على الجزائر في بداية ثورة التحرير.

كان "يويو" وبن يحيى على صلة بالمخابرات الفرنسية التي تعمل تحت الإشراف المباشر للوزير الأول (ريمون بارانذاك)، كما كان على صلة بسوستيل بواسطة رئيس ديوان، بالحركة أيضا بواسطة رئيس جمعيتهم خياري والنائب "الحركي" الآن جبور.

وكانت العملية مبنية على استعمال 2000 "حركي"، تم اختيارهم فعلا بمساعدة المخابرات الفرنسية وكل من خياري وجبور، على أن يستكملوا تدريبهم بالمغرب قبل التسلل من هناك إلى التراب الجزائري.

ويؤكد "بويو" في هذا الصدى، أن الرباط لم تمض في هذه المغامرة حتى تلقت الإشارة الخضراء من باريس

في نوفمبر 1978 نزل بن يحيى بمدينة "ليون" لأغراض خاصة فقابل "يويو" كالعادة، ومن هناك هتف إلى الحاج إسماعيل بباريس فطلب إليه الالتحاق به فورا، وضرب له موعدا بأحد مقاهي  القصر الملكي

وصل بن يحيى المكان المذكور في الموعد، فوجد الحاج اسماعيل بانتظاره، وكان مصحوبا برجل أمن مغربي يدعى مصطفى، وبعد التحية تناول هذا الأخير الكلمة مخاطبا بن يحيى، بأنه تلقي رسالتي رئيس الحكومة المؤقتة، وأن "يويو" قدمه إلى السلطات المغربية بصفة "المسؤول العسكري" للعملية وعلى هذا الأساس أخذ "سي مصطفى" يدرس مع محدثة خطة انزال الأسلحة وكيفية انجازها، تاركا له مهمة تحديد المكان الزمان في وقت لاحق.

بعد هذا اللقاء الهام عاد "المسؤول العسكري" إلى الجزائر ليخبر الرئيس عباس بآخر المستجدات.

وذات صباح طرق "يويو" مكتب بن يحي ومعه خريطة سياحية مفصلة، بهدف تحديد المكان المناسب لإنزال الأسلحة، وتم فعلا في هذا اللقاء الثنائي الاتفاق على المكان ، فكان "رأس سيغلي" غرب مدينة بجاية، وعلى الزمان فكان الأحد 10 ديسمبر ليلا.

هذه الجلسة التمهيدية استكملها "المسؤول العسكري" بالمغرب، حيث أجرى الأعداد الدقيقة للعملية باستعمال خرائط عسكرية، وتم الإتفاق أيضا على كلمة السر للاتصال ببن يحيى ورجاله في الجزائر وهي أغنية محمد عبد الوهاب "يابابور رابح على فين"، يبثها عمي صالح (3) على أمواج الإذاعة 24 ساعة قبل تنفيذ العملية.

 

الاختبار العسير

وفي تلك الأثناء، اكتشفت المخابرات الفرنسية أن "رشيد يويو" معارض مزيف وأنه في حقيقته من رجال الأمن العسكري الجزايري

ويعتقد "يويو" أن الحاج إسماعيل هو السبب في ذلك، فقد سبق أن رآه عندما كان وزيرا  للبريد  في عهد بن بلة، بمصالح الشفرة العاملة مباشرة مع العقيد هواري بومدين وزير الدفاع. لذا لم يكن يرتاح له وكان يشيع باستمرار أنه من المخابرات الجزائرية

وسط هذا الجو من التحفظ والريبة، قامت المخابرات الفرنسية في "ليون" بوقفه واستنطاقه. وقد عصرته عصر  ولولا شفاعة بن يحيى له، لأمسى منذ ذلك الحين في خبر كان

هذه الشفاعة - وما سبقها من امتحان - جعلت المخابرات الفرنسية تجدد ثقتها في "يويو" وتفتح له قبلها من جديد، بل تفتح له طريق الرباط كذلك بإعطاء العقيد الدليمي ومصالحه الإشارة الخضراء.

وكانت هذه المصالح بدورها متخوفة من "يويو"، حتى أن بعض مسؤوليها صارحوه ذات مرة بأنهم لا يرغبون في رؤيته ثانية  لذا بدا لها هي الأخرى أن تضعه في المحك إبعادا للشبهات  وقبل 36 ساعة من موعد انطلاق العملية، تلقى وهو في ليون مكالمة هاتفية من المخابرات المغربية تستقدمه على جناح السرعة، لأخذ الأموال التي ستوزع على الـ 2000 "حركي" الذين يتحفزون لدخول الجزائر عبر حدودها الغربية - بعد أن أدنت ساعة تصفية حساب بعض الأوساط بفرنسا والمغرب من نظام الرئيس بومدين وهو على فراش الموت

وفي مطار الدار البيضاء، فوجئ الزائر بسوء معاملة الشرطة له، ولما حاول الاستفسار كان الرد الفوري: "أنت موقوف

نقل "يويو" إلى أحد قصور المخابرات الفخمة، وهناك تعرض إلى امتحان عسير آخر، بحضور مسؤولين كبار في الأمن المغربي و"مستشاريهم" من ضباط الأمن الفرنسي. وقد أحضر هؤلاء معهم وثائق صحيحة تثبت عضوية يحيى بوعروج في الأمن العسكري وقالوا له: "كفى تلاعبا  فقد كشفنا أمرك  وما عليك إلا الاعتراف إن كنت تريد النجاة بنفسك وجسمك من عذاب أليم .

كان المطلوب أن يقر لهم بأنه أخبر مسو وليه بالجزائر عن تفاصيل العملية، وأنهم على أتم الاستعداد "لاستقبال" الطائرة المغربية بحولتها وطاقمها .وللحصول على هذا الاعتراف، تعرض "يويو" طوال  ليلة  الأحد 10 ديسمبر 1978 إلى عملية ترهيب وتعرغيب قاسية، كانت تجري على فترات متقطعة، حتى يتمكن من التقاط أنفاسه والاستفادة من مهلة التفكير. وفي إحدى فترات "الاستراحة" ، خطر له أن يقترح عليهم - تبديدا لشكوكهم فيه- مرافقة طاقم الطائرة المكلف بنقل الأسلحة وإنزالها  برأس سيغلي !

وفعلا انطلت عليهم الحيلة هذه المرة. إذ انتهوا إلى الموافقة على هذا الاقتراح، بعد دراسة متأنية فيه  وهكذا تركوا الرجل وشأنه ليقضي ما بقي من ليلة طويلة كانت بمثابة كابوس رهيب.

 

 

تفاصيل حبك القضية في المغرب حسب رواية الضابط رشيد يويو

السبت 18 /12 /2000

وفي نهار الأحد، تم بحضور بوعروج وضع اللمسات الأخيرة في العملية بقاعدة القنيطرة الجوية، حيث استعرض المشرفون مع المكلفين بتنفيذ العملية مختلف الاحتمالات وكيفية مواجهتها. وفي الأجل المحدد، أقلعت طائرة الشحن هرقل س ١٣٠: باتجاه الجزائر و"رأس سيغلي" تحديدا.. ولما اقتربت من المكان لاحظت الإشارات الضوئية التي أشعلها رجال بن يحيى، فحلقت فوقها على ارتفاع منخفض، لتلقي بحمولتها من الأسلحة هناك وتعود إلى قاعدتها سالمة

استقبل العائدون استقبال الأبطال بقاعدة القنيطرة، وحمل "رشيد يويو" على الأكتاف تقديرا لشجاعته وإكبارا لخيانته

وفي أجواء تلك الفرحة الغامرة، اختلى ذلك الضابط الذي اصطحب "يويو" من قصر المخابرات - حيث قضى ليلته المضطربة - إلى قاعدة القنيطرة ثم في الطائرة نفسها، اختلى به ليقول له: أرأيت هذا المسدس ذا الثماني طلقات؟! لقد أمرت بإفراغه فيك لو تم رصد الطائرة وإنزالها بالقوة

وفي ذات الليلة أصر العقيد الدليمي قائد المخابرات المغربية لى الاتصال "بيويو" وتهنئته، وضرب له موعدا على الساعة الواحدة من زوال يوم الإثنين، لكن "يويو" كان في تلك اللحظات الحرجة يحمل هما كبيرا: هم تبليغ مسئوليه في الأمن العسكري بتطورات قضية ظل يطالعها ويتوغل في خباياها طيلة ثلاث سنوات. لذا افتعل حركة مسرحية في آخر الصبيحة، تمكن بمقتضاها من إقناع "مضيفيه" الكرام بضرورة وجوده بالجزائر للإشراف بعين المكان على عملية توزيع الأسلحة.

وفعلا سافر في نفس اليوم إلى "ليون" ومنها إلى الجزائر، حيث اتصل بمسئوليه ليلا، وأبلغهم بما حدث واتفق معهم على التريث في كشف العملية، لأن لها امتدادات وما تزال تخفي أكثر مما ظهر منها

جاء الإعلان عن العملية كما سبقت الإشارة، مساء ١٦ ديسمبر في بيان لمجلس الثورة والحكومة بثته التلفزة المحلية. وقد تضمن البيان معلومات إضافية بكميات الأسلحة والذخيرة والمتفجرات المحجوزة. وبقول البيان: "أن هذه العملية، تشكل انتهاكا خطيرا للأمن الوطني.. فإذا كان الأمر يتعلق بعملية استفزازية فإن الشعب الجزائري على أتم الاستعداد لرفع التحدي. أما إذا كان الأمر يتعلق بعملية اختيارية، فإن إخفاقها قد أبرز يقظة الشعب عبر كامل التراب الوطني .

وفي صبيحة ٢٠ ديسمبر تم الإعلان عن اعتقال بن يحيى وشركائه "وهم في حالة تلبس". ويضيف بلاغ مصالح الأمن استنادا إلى اعترافات  المتورطين (١)، "إن العملية من تدبير مصالح الإدارة العامة للدراسات والوثائق التي يشرف عليها العقيد أحمد حرشي بمساعدة المقدم مصطفى حسني والنقيب حسن وكلهم من الجهاز المذكور... أما قائد الطائرة فهو الرائد لمزوري".

عرضت "قضية رأس سيغلي" في البداية على محكمة قسنطينة العسكرية.. ويقول المتهم الرئيسي في هذا الصدد، أن مصالح الأمن استنطقته أثناء التحقيق عن  كل صغيرة وكبيرة ماعدا علاقاته بفرحات عباس (٢)! وكأنها بذلك كانت تريد تجريد العملية من طابعها السياسي الذي تؤكده مشاركة رئيس الحكومة المؤقتة فيها!

لكن بعد أكثر من سنة أعلنت هذه المحكمة عدم الإختصاص، فأحيلت القضية على محكمة أمن الدولة بالمدية التي فضلت بدورها إحالتها  على المحكمة العسكري بالبليدة التي نظرت فيها بتاريخ ١٥ يونيو ١٩٨٢. وأمام هذه المحكمة ظهر "يويو" لأول مرة، ليصرح بكل بساطة، "أنه من الأمن العسكري وبهذه الصفة كلف بمراقبة المدعو بن يحيى".

وكان الحكم النهائي قاسيا على هذا الأخير: ١٢ سنة سجنا. ومن التهم التي وجهت إليه المساس بسلطة الدولة.

غير أن مثل هذه التهم الثقيلة، لم تمنع العدالة العسكرية من تخفيض عقوبته بمناسبة الذكرى العشرين للاستقلال، قبل الاستفادة من العفو التام بمناسبة الذكرى الثلاثين للثورة التحريرية

 

هوامش.

    المعنى هو المرحوم سليمان هوفمان والي العاصمة يومئذ فضلا عن كونه شخصية أمنية سامية.

  الشخصيات الثلاث الأخرى هم: حسين لحول، محمد خير الدين، بن يوسف بن خدة.