Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب اسرار الصـراع العربـي الإسرائيلـي/العرب في الفكر الصهيوني الإسرائيلي /بصمات الفكر النازي

 

كتاب اسرار الصـراع العربـي الإسرائيلـي

العرب في الفكر الصهيوني الإسرائيلي

بصمات الفكر النازي

  مؤلف والصحفي المحقق صالح مختاري

ديسمبر 2002

 

العرب في الفكر الصهيوني الإسرائيلي

 

وصف بنجامين دزرائيلي (1804 - 1881) العرب بأنهم "يهود على ظهور الخيل" وقد اراد بهذه الصورة تميزه عن "أبناء عمهم" الذين لا يختلفون عنهم في أي شيئ أساسي اخر. كان ذلك في الأربعينات من القرن الماضي، في رواية (تانكريد) .

ينبغي أن لا نتوقع صورة طريفة وساذجة على هذا النحو في الكتابات الصهيونية التي تلت مؤلفات دزرائيلي خلال النصف الثاني من القرن 19، وازدهرت في القرن 20 حتى بلغت من التنظيم والمرجعية ما يمكن ان ندعوه "الفكر الصهيوني" لقد كانت صهيونية دزائيلي مرحلة عابرة من حياته. ولعل هذا ما يفسر كون العرب في مجمل ما كتب بشرا ايجابيين جديرين بالتعاطف والاعجاب. بل انه في رواية "كوننغزبي"، التي سبقت رواية (تانكريد) بعامين، يمنحهم المرتبة الثانية في المنظومة العرقية القوقازية، التي يتصدرها اليهود بالطبع.

والحقيقة أن سمعة العرب راحت تسوء في الكتابات اللاحقة، وصورتهم تتشوه، حتى وصل الأمر بهم أن صار المدافع منهم عن حقه في وطنه يدعى ارهابيا. وكلنا يعلم ما لهذه الصفة – الارهابي – من اقترانات بشعة ومروعة في الضمير الانساني المعاصر.

ثمة موقف حسن واحد، غير مقصود، في الفكر الصهيوني ازاء هذه المسالة هو انه حتى في عام 1948 لم يكن الفلسطنيون يميزون كافلسطنيين، وإنما كعرب.

ولعل هناك لم يجد غرابة في هذه الظاهرة الفكرية السياسية لكن الحقيقة أن السكان الأصليين لفلسطين كانوا يسمون عربا، سواء في المؤلفات ذات الطابع النظري الصرف، او في اليوميات الاستطانية، أو الروايات او المراسلات الدبلوماسية.

وربما كان السبب الجوهري لهذه الظاهرة، ليس موضوعية الفكر الصهيوني او حسن نواياه، وإنما كون العرب في ذلك الزمان كتلة بشرية واحدة، تتوزع عبر تقسيمات ادارية، وليس عبر تقسيمات سياسية اقليمية يشكل كل منها دولة، كما هو الأمر الأن.

عندما نتتبع الفلسطيني في الفكر الصهيوني فقد نجده متلفي عنه بعباءة القومية العربية، وليس فقط بالاسم الذي أطلقه الرمان على بلاده. وفي كلتا الحالتين لا يبدوا أن للفلسطيني حظا موفورا من االانسانية او الحضارة أو امكانية التقدم بين المنزلة الرفيعة التي أحله فيها ادزرائيلي ودمه المهدور في صبرا وشاتيلا رحلة فكرية تدرجة هبوطا عبر مراحل هامة قبل أن تصل إلى هذا الحضيض من تبرير القتل الجماعي.

في بداية لم يخطر احد من المهندسين القومية اليبهودية الاوائل المفكرين بالعرب أن تصور ادزرائيلي قد سقط ليحل محله فراغ تام من ذه االناحية وإن لدينا من الجانب الصهيوني تفسيرا لهذا الفراغ فكتاب اسرائيل السياسيون الحاليون يجمعون اجماعا مثيرا للاستغراب على أن خلو بواكير الفكر الصهيوني من ايما تصور للعرب. يعود إلى ان "أنبياء" الصهيونية تصوروا فلسطين أرضا بلا شعب. ويمكن أن نتذكر بهذا الصدد مقولة اسرائيل زانغاويل الشهيرة : "أرض بلا شعب لشعب بلا ارض". حتى الذين ليسوا عربا – ولا صهيونيين بالطبع – سيتعذر عليهم القبول بفكرة الفراغ هذه.

والحقيقة كما نراها هي أن الثرات الاستعماري الأوروبي قد أوجد القاعدة الفكرية لهذا التصور، إذ استباح الأوطان دون ان يقيم لسكانها وزنا أخلاقيا أو انسانيا أو حتى عضويا، ولان الصهيونية أخر وليد استعماري للحركة القومية في أروبا، فقد ورثت هذه الاستباحة ذون ان ترى فيها غضاضة أخلاقية أو انسانية. الشعوب لم تكن هامة لأنها لم تكن عقبة وحتى عندما كانت عقبة، فعلى نحو مضحك في ظآلته وبدائيته.

كان نشر الحضارة هو الرسالة التي صاغ مضامينها الفكر الأوروبي ليبرر الحركة الاستعمارية، وقد تضمنت خلع حق أخلاقي على اصحابها، وخلع الحق الطبيعي للأصحاب الأرض المغزوة، وهذا هو بالضبط ما عناه هرتزل عندما كتب في يومياته أن الصهيونية ستنشر الحضارة في ذلك الجزء البربري من آسيا.

عندما أدرك المفكرون الصهيونيون أنهم لا يمكن أن يتجاهلوا العرب الفلسطنين إلى الأبد لجأوا إلى صورة/مقولة جديدة. صار العرب الآن بدوا رحيلا.

وفي سنة 1891، كتب أحادها عام (أحد العوام، اسم تنكري لواحد من رواد الفكر الصهيوني في روسيا) هذه العبارات الصاعقة : "العرب رجال صحراء همج، أناس جهلة لا يرون ولا يفهمون ما يجري حولهم.. وفي وقت ما، عندما يكون شعبنا قد نما إلى حد أنهم سيبدأون بدفع السكان الأصليين جانبا، فسوف لن ينزاح هؤلاء بسهولة".

فمع كل خطوة للاستعمار الصهيوني في فلسطين، كانت صورة الفلسطيني تزداد وضوحا عبر حقيقة وجوده العضوي، ومع كل خطوة كان الفكر الصهيوني مدعوا لان يعيد صياغة هذه الصورة على النحو الذي يبرر المشروع الصهيوني أخلاقيا وتاريخيا وحضاريا. وهكذا فمع بدايات الاستطان الصهيوني في ثمانينات القرن الماضي، تحول الفلسطيني من بدوي مترحل إلى فلاح.

إن العنجهية الاستعمارية كانت راسخة في نفوس المستعمرين الصهاينة باعتبارها ثرات وافق كل تحرك بشري اروبي خارج اوروبا مبدئيا، كان الصهيوني يجد نفسه بالبداهة في موقع أخلاقي وحضاري أعلا بما لا يقاص من عربي فلسطيني. وفي العديد من الأدبيات تلك الفترة – بل وحتى ثلاثينات القرن الحالي – نجد ان الفلاح الفلسطيني اقرب إلى المتسول منه إلى أي شيئ أخر. لقد كان مستوطنوا مستعمرة ريشون لوزيون يجدون متعة خاصة في تعاطي النرجيلة بينها يقوم الفلاحون العرب المملقون على خدمتهم وهنا نلتقي مرة أخرة بالهدف الايديولوجي المستر وراء صورة المتسول هذه: التخلف والانحطاط، وبالتالي عدم الجدارة في ملكية الارض.

ثمة صورة اخرى للفلاح الفلسطيني: العطالة. وكان أول من افتتح هذا الخط الطويل من الناعوت ملاحيم أوسيشكين، أحد رواد الفكر الصهيوني عندما وصف العرب بانهم "كم مهمل". لكن جوزف باراتز يعطينا تفاصيل هامة في هذا المضمار ففي كتابه (قرية جانب الأردن)، الذي يصف انشاء أول كيبوتز صهيوني على أسس شيوعية، يصف الفلاحين العرب الذين جاءوا يتفرجون بسكون تام على المعجزة الحضارية التي يقيمها اليهود وفيما تجفف المستنقعات وتخصب الصحاري على أيدي باراتز ورفاقه، يظل الفلحون الفلسطينيون يتفرجون، وتظل أرضهم إما مستنقعية أو رملية جرداء.

إن الحركة الوحيدة التي تبدر من هؤلاء الفلاحين هي تسللهم على غفلة لسرقة شيئ من المحصول الوفير أو الثمار النضيرة التي أنتجها الصهيونيون كان باراتز ورفاقه يغضون النظر عن السرقة، مذركين بانسانية عالية الوضع الاقتصادي السيئ لهؤلاء الفلاحين.

غير أن هؤلاء الفلاحين، المثيرين للشفقة والازدراء والترفع، هم انفسهم الذين نهضوا عام 1936 في طول فلسطين وعرضها، وظلوا حتى اواسط 1938 يتصدون إلى انقطاع للاستعمارين الانجليزي والصهيوني .

كان فيلسوف هذه الفترة هو أ.د. غوردون، وتصف المصادر الصهيونية هذا الكيبوتزي بأنه انساني مسالم وحالم عنيذ وكان مع اليزير شوخات قد صاغ للمستعمري الصهيونيين ما يمكن تسميته بدين العمل.

فقد اراد لهم ان يكتسبوا حقهم الاخلاقي في فلسطين عبر تحويلها إلى جنة أرضية والمعادلة هنا واضحة: فلسطين العرب شيئان لا ثالث لهم، مستنقعات وصحاري وبالتالي لا حق لهم في ارض هدروها أما فلسطين الصهيونيين فهي بساتين وحقول، وغلال وثيرة وسواعد تعمل منذ الفجر إننا نجد هنا مباينة حاسمة بين الفلاح الفلسطيني المتخلف، اللص، المنحط، القدر، المتعطل، والفلاح الصهيوني المتوحد بالأرض المكتسب هويته  من عمله عليها.

الفكر الصهيوني

يرى بوروخوف، نبي الفكر الاشتراكي القومي الصهيوني، انه من المستحيل قطعا أن تظهر بين العرب حركة قومية خاصة بهم. ولم يكن ليدخل في باب المنطق أنهم سيعترضون على استعمار اليهود لفلسطين. فلانهم "يفتقرون إلى شخصية حضارية واقتصادية خاصة بهم" لا يمكن ان يكونوا أمة ولانهم ليسوا أمة، لن يكونوا مؤهلين للقيام بمعارضة منظمة فعالة ازاء نفود خارجي أما بالنسبة للمستقبل فلبد وأنهم سيندمجون في اليهود ويصيرون جزء منهم بعد أن تمسهم المنافع السحرية للاشتراكية الصهيونية.

وفي عام 1921 أنذر جورج لانداور المؤتمر الصهيوني الثاني عشر بان هؤلاء البرابرة العرب سيشنون حربا لا محالة ضد ضد الصهيونيين، ونصح بالتهيؤ لذلك. وكان رد فلاديمير جابوتنسكي العنيف والمعبر بيانا عن تصور أقصى اليمين الفاشي الصهيوني لعرب فلسطين كبشر. قال جابوتنسكي (وهو استاذ مناحيم بيغن وقائد المليشيات الارهابية الصهيونية) متساءلا عما إذا كان احد قد التمس الأدن من السكان الأصليين أثناء استعمار أمريكا واستراليا.

قد لا يمكن أن نشابه بدقة بين موقف جابوتنسكي – ومن بعده بيغن – وبين موقف بن غوريون. بصورة عامة يصر الكتاب الصهيونيون والاسرائليون بشكل خاص، على أن حزب العمل الصهيوني الذي صنع اسرائيل استيطانا وجيشا، يختلف كثيرا في تصوره للعربي عموما والفلسطيني خاصة عن ما يسمى باليمين الصهيوني: جابوتنسكي ثم بيغن. فمن مذكرات بن غريون وموشي دايان، ومن المقالة التي كتبها اسحاق رابين لمجلة الازمنة الحديثة، عدد جوان 1967، ومن منشورات كثيرة أخرى – نعرف أن موقف هؤلاء من الفلسطيني والعربي لم يختلف اساسا عن الموقف الاستعماري التقليدي: العنجهية، والاستعلاء، الاحتقار بتحديد أكثر، فإن العربي لا يستطيع أن يكون أكثر من يد عاملة إنه لا يقرأ ولا يتعلم ولا يحارب ولا يفكر ولا يحلم ولا يتخيل. حسبه أن يمتلك بعض المال يصرفه على رغباته الخسيسة.

هذه التصورات ومزيد منها تظمنتها رسالة كتبها تيودور هرتزل عام 1899 وبعث بها إلى يوسف الخالدي محافظ القدس وعضوا البرلمان العثماني. وكان الخاليدي قد طلب إلى حاخام باريس أن يوعز لهرتزل بصرف النظر عن فلسطين كوطن قومي صهيوني، بسبب تعرب البلاد نهائيا، واستحالة تهويدها. كتب هردزل:

ما الذي يرغب في ازاحتهم (العرب) من هناك ؟ أن أحوالهم وثروتهم الخاصة ستتضاعف بفعل مجيئنا. اتعتقد أن عربيا يمتلك ارضا في فلسطين؟ أو منزلا ثمنه 03 او 04 آلاف فرنك، سيكون آسفا إذ يرى قيمته تزداد 05 او 10 أضعاف ؟ لكن هذا سيحدث حتما مع مجيئ اليهود وان يفحص الانسان الأمر من هذه الوجه، وهي الوجهة الصحيحة، فلا مناص من أن يصير صديقا للصهيونية.

واضح من نبرة الرسالة أنها تتضمن قدرا كبيرا من "الضحك على اللحى". وهو الموقف الذي تبناه بن غريون فيما بعد من القادة المحليين امثال يوسف الخالدي واضح ايضا الترغيب بالمال والمنافع الجمة التي سيجلبها الاستيطان الصهيوني وواضح  كذلك ان هردزل يرفض الاقرار بفكرة الخالدي عن عروبة فلسطين وقومية شعبها فالوجهة الصحيحة للنظر في الأمر هي الفوائد الاقتصادية وهي أقصى ما يفكر فيه العربي كما يرى هردزل.

مع بداية العقد الثالث لهذا القرن وقد دخل وعد بلفور مجال التنفيد بدخول الانجليز فلسطين بدأت صورة الفلسطيني تكتسب ابعادا جديدة في الفكر الصهيوني، أطلقتها المواجهة الساخنة بين العرب من جانب والانجليز والمستوطينين الصهاينة من جانب أخر.

وبطبيعة الحال، فقد برز في هذه الآونة – من 1920 إلى 1948 – الفلسطيني المقاتل، الذي خلده الشاعر ابراهيم طوقان فس شعره.

تحول الفلسطيني المقاتل في الفكر الصهيوني إلى "ارهابي جبان". إنه يهاجم في الليل عندما يكون الرجال نياما. أما في النهار فيتلبس المسكنة والضعة. لقد قامت عشرات المستوطينات في طول البلاد وعرضها أمام سمعه وبصره، فلم يجرؤوا على أن يحرك ساكنا إلى تحت جناح الضباب. وفي الليل كان يقوموا هجومه كاي بدائي تتحكم به غريزته، لا عقله ولا علمه. لذلك كان سهلا دائما على نفر قليل من المقاتلين اليهود الأشداء أن يردوا "زوبعة" عربية على أعقابها، بفضل برودة عقلهم وحرارة قلبهم واثفانهم للقتال واستعمال السلاح

عموما العربي محتقر ومزدري بحيث لا يمكن لأحد أن ياخذه مأخذ الجد إن لديه ثرات عريقا من شهادة الزور وثرات اعرق من القتل والاجرام صار طبيعة ثانية فيه واسلوبا شيطانيا في التملق والغذر، وتخلف مشوشا قانعا. إن الذكور العرب هم بلا استثناء عاجزون جنسيا أو متليون، والنساء العربيات يشترين كالبضاعة.

وواضح هنا ان الكثير مما كان ينعث به اليهود اروبا قد صار الان اوصافا للعرب. لقد خلع الفكر الصهيوني أرضيته الأوروبية القاذرة والبسها بالعرب.


بصمات الفكر النازي

هذه الصورة الفكرية السياسية تطورت بعد خلق الكيان الصهيوني في اتجاهين تعميقي ونقيضي. نلمسهما الآن في الأدب والفكر الاسرائليين. الاتجاه التعميقي هو اتجاه التقليدي الذي رايناه حتى الأن وقد ازداد تطرفا ووحشيتا وحنكو ومرجعية وكان أبرز تعبير عنه مجمل المقالات التي كتبها مفكرون الصهنيون في عدد (الازمنة الحديثة) المشار إليها انفا.

والحقيقة أن الاستهانة بالعرب على هذا النحو تحقيره والصخرية منه، تفسر إلى حد كبيرا السهولة المذهلة التي تم بها دبحه وحرقه واعدامه بالرصاص والقنابل.

لقد كان ذلك سهلا بالنسبة لهتر لانه كان يرى اليهود حفالة الكائنات. فالعقل الصهيوني قد تقمص الفكر النازي واستخدم أدواته العقلية والنظرية، ثم احل العرب محل اليهود في كل مانسب من هؤلاء من نقائص وعيوب وانحطاط وقزمية انسانية ليس فقط ليؤكد حقا مزعوما في فلسطين وإنما ليؤكد أن ثمة من هم أكثر انحطاط منه بكثير.

ظهرت ذواكره منذ حرب 1948 واستمرت حتى الأن في الفكر و الأدب الاسرائليين. إن المتتبع للكتابات الاسرائلية لا يمكن ان يتجاهل أو ينسى (أيام زيكلاغ) بقلم سين. يزهار (حوالي 1950) او (في مواجهة الغبات) لافرهان يهوشوا (1963) أو (ميشال الذي لي) لاموس أوز (1968) إذا كان الاتجاه الفكري الرسمي الصهيوني يرى في الفلسطيني الدبيحة الضرورية لكي يرضى اله البراكين عن شعبه اليهودي، فالاتجاه النقيضي يرى الفلسطيني ضحية منتقمة، لا تموت، لا تنسى ولا تريح قاتلها. إن الجثتت العربية الملطخة بدمائها في 1948 تفهم زيكلاغ بانه صار هيتلر صغيرا. وإن العرب الذين فقدوا ماواهم لان يهودا، بطل (خربة عيسى)، وجماعته قد حلوا فيه، صاروا الأن اسرى من قبل الصهيونية، واسرين أخلاقيين لها. والحقيقة أن فكرة العربي الأسير الأسر موضوع شائعة في الكتابات الاسرائلية. كذلك فإن الشاب الاسرائيلي، بطل (في مواجهة الغابات) يجد متعة مازوشية اصة في مشاهدة غابة اسرائلية تحترق حتى تندثر، لتظهر من تحت رمادها أنقاد البيوت العربية لقرية دمرها الاسرائليون بسكانها، اما حنه غونيم، بطل (ميشال الذي لي) فلا تستطيع ان تخرج بالحقيقة او أن أي شيئ حولها حقيقي إلى عندما تحلم في يقضتها بان صديقي طفولتها، التوؤمين خليل وعزيز، جاءا بقنابيلهما ليدمر المنشآت الاسرائلية ومن تم ليغتصباها.

هذا التيارالنقيضي قد لا يجد كثيرا من العرب الميالين لتصديقهوالاسباب كثيرة وليس هنا مجال بحثها لكن الشيئ المؤكد أن هذا التيار حقيقة قائمة وإذا كان هناك ما يؤسف له في هذا المضمار، فهو خلو المكتبة العربية من ترجمات له مشفوعة بدراسات فكرية رصينة، عدو يستهدف تدميرنا ونحن إلى حد بعيد ما زلنا نجهل هذا العدو.


أسرار هزائم العرب مع إسرائيل

في عام 1948 وبعد أيام من اغتصاب فلسطين رسمياً، كان الزعيم الصهيوني ديفيد بن غوريون، الذي اشتهر بكاريزمية مميزة وبقدرة لا ريب فيها على الفهم الدقيق لموازين القوى، يجهد لمنع الصهاينة من الاغراق بالثقة المطلقة بالنفس وبمشاعر العظمة.

كان لا ينفك يقول لهم: "اختلفوا بالنصر، ولكن اتذكروا أننا انتصرنا لأن اعداءنا لم يعرفوا كيف ينتصرون علينا. أن نصر يعود في جزء كبير منه إلى ضعف ارادة الأعداء وعجزهم عن الانتظام والتنظيم العلميين".

ومنذ كارثة 1948 إلى هزيمة 1967، أي طول 19 سنة كاملة، استمرت احتفالات الصهاينة بالانتصارات للأسباب ذاتها التي التقطتها ديفيد بن غورين: نقص الادارة والتنظيم العربيين.

ما يحل الآن بالأمة العربية من كوارث وبلايا تنتشر كالفطر من اقاصي جبال أطلس في المغرب العربي إلى سواحل الخليج العربي وبحر العرب، ومن رام الله ونابلس وحيفا وبيروت وصيدا وصولا إلى القاهرة والخرطوم تنبثق وتتأكد "القاعدة البنغوريونية" كغمامة سوداء راكنة تظلل كل ز وايا ومطارح وأزقة الوطن العربي.

إن البروفسور الأمريكي هرير دكميجان حاول، في كتاب حديث له عنوانه "الاسلام في الثورة" ان يحلل اسباب هذه الكوارث والبلايا، "فاكتشف" سلسلة متصلة من العوامل بالغة الخطورة يمكن تخليصها كالآتي:

  • أزمة هوية على المستويين الفردي والجماعي.
  • أزمة شرعية لدى الأنظمة العربية بسبب الفشل الذي سجلته على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية.
  • وبسبب انطلاقهم من القاعدة شرعية ضعيفة، يفتقدون غالبا إلى "رأسمال سياسي" يبمكنهم من اقامة نظام مستقر، ولذلك يلجأون إلى اجراءات قمعية تطال كل مناحي حياة الشعب.
  • صراعات اجتماعية ناجمة عن الفجوة المتسعة باستمرار بين الأغنياء والفقراء العرب.
  • العجز العسكري: باستثناء الجزائر، لم تحقق أي دولة عربية استقلالها بوسائل عسكرية كما أن مسلسل الهزائم العسكرية.

والسياسة التي مني بها العرب على يد اسرائيل، افرزت نشبت بسبب عجز النخب العربية عن دمج مسألة الحداثة بمسألة الاستقلال والتحرر الوطني.

 

أنها أزمة الإدارة والتنظيم التي التقطها فينا الأعداء قبل أن نمسك نحن بناحيتها بعمق وأحكام.

الكتابان أحدهما مصري والآخر إسرائيلي، يلقيان أضواء ساطعة للغاية على الحقيقة بأنه حين يقرر العرب، حين يمتلك العرب لادارة والتنظيم تنهار الأزمات التي اشار اليها دكميجان الواحدة تلو الأخرى ... وتتحقق مخاوف بن غوريون.

الكتاب الأول للفريق أول محمد فوزي، وزير الحربية المصري الأسبق، عن حرب الاستنزاف الناصرية (1967 - 1970) التي شكلت علمياً التحضير الحقيقي لحرب تحرير سيناء.

والثاني للصحافيين الإسرائيليين زائيف شيف وأهود يعازي، عن غزو لبنان، 1982، وما تضمنه هذا الغزو (من وجهة نظر صهونية طبعاً) من تجارب وصراعات وتحالفات.

أهمية هذين الكتابين، برغم تنافرهما بالطبع وتناقض توجهاتها في كل موقع ومجال، انهما يلتقيان عند النقطة التي اشرنا اليها أعلاه: أن اسرائيل أعجز عن أن تحقق أي انتصار حين تمتشق الأمة العربية لاح القرار والتنظيم وكذلك الأمر بالنسبة لباقي اعداء الأمة بكل صنوفهم ومشاربهم.

ان مؤلَّف الفريق اول فوزي "حرب الثلاث سنوات" الذي دخل خلال ثلاثة اعوام طبعته الرابعة، ليس بحثا في الاستراتيجيا العسكرية، بل هو ببساطة عرض واقعي للظروف التي ادت إلى نكسة 1967 على مستوى الداخلي المصري، اساسا وللجهود المذهلة التي بذلت منذ الايام الأولى لهذه النكسة لنقل مصر (ومعها كل الأمة طبعاً) من مستوى ردات الفعل إلى الفعل ومن مستوى التعبئة الاعلامية البحتة ضد العدو إلى التعبئة الحقيقية والشاملة.

انه بهذا المعنى شهادة ورسالة، شهادة رجل عاش التفاصيل عن كثب، ورسالة من عسكري عربي، ربما تكون الاولى من نوعها، عن الامكانيات الضخمة التي تستطيع الأمة حشدها في اللحظة التي تتخذ فيها قراراً حاسماً.

في السطور المكبرة من الكتاب يسارع الفريق فوزي إلى تحديد رؤية للاسباب التي أدت إلى نكسة 1967، فيراها في العوامل الأتية:

  • التاثيرات السلبية لتركيز جهود القوات المسلحة المصرية على عملية الوحدة مع سوريا، ثم حرب اليمن، من حيث عدم الاهتمام بالتدريب واعداد القوات المسلحة وتجهيز مسرح العمليات الرئيسي للمعركة المقبلة مع اسرائيل.
  • العجز عن تحقيق الحد الادنى من التضامن العربي الكفيل بمساعدة دول المواجهة في وضع توقيت مناسب للمعركة مع اسرائيل.
  • عداء الولايات المتحدة والدول الغربية السافر لنا، والأثر المهم لهذا العداء في عدم العدو الاسرائيلي.
  • الصراع الخفي بين الرئيس جمال عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر، منذ 1962(أي بعد فشل الوحدة)، وانفراد المشير بالسلطة الفعلية في القوات المسلحة، تسبب في عدم وجود راي جماعي وأثر بالتالي على صنع القرار الاستراتيجي العسكري للدولة.
  • أن دعوى الأمن، أي أمن القائد والقوات المسلحة إلى الطريق أبعد ما يكون عن الالتزام الأصلي استعداد للمعركة ثم ان القوة واستغلال النفوذ والخلط بين السلطات والتمادي في الاستهتار وعدم الانضباط والتعالي والمخادعة لاعلامية عزل القوات المسلحة عن الشعب.
  • واخيراً القناعة بأن خطوة اغلاق خليج العقبة تمت باصرار من المشير عامر.
  • أن الأدبيات العربية تمتلئ باطنان من التحليلات ووجهات النظر حول الأسباب التي ادت إلى سلوك طريق الهزيمة العسكرية في عام 1967 منها ما يتركز على العوامل الخارجية ومنها ما ينطلق من المعطيات الاقتصادية – الطبقة، ومنها أخيرا ما يرى في عوامل الاديولوجية أو "الاديولوجيا المهزومة" الجوهر الحقيقي للازمة.

بيد أن البساطة والوضوح اللذين يسوق بهما الفريق فوزي آراء يعيدان الاعتبار لسبب كاد أن ينسى في غمرة التحليلات التي كانت في حقيقتها سجالات لتيارات سياسية متضاربة الأهداف والنوايا: الدور الحاسم للعامل الذاتي.

وعلى أي حال يبرز الفريق فوزي هذا العامل في كل تضاعيف وثنايا مذكرات، لا لتبرئة التجربة الناصرية من شوائبها بل لمجرد الاشارة إلى الامكانيات الهائلة التي كانت تمتلكها هذه التجربة حين قررت الاستجابة للتحدي الاسرائيلي.

منذ اللحظة الأولى التي يحدد فيها فوزي الأسباب العامة للنكسة، يبادر إلى تخصيص صفحات واسعة عن تجربة القوات المسلحة تحت قيادة المشير عامر ومساعده شمس بدران "الذي تمكن من السيطرة على قطاعات عدة من الدولة، بالاضافة إلى سيطرته على القوات المسلحة" وهو هنا يقرر امرا خطيراً حين يقول "أن تصرفات المشير ادت إلى وضع القوات المسلحة خارج الاطار الطبيعي لأجهزة الدولة المركزية، وهي تؤكد أنه سعى إلى أبعاد الرئيس جمال عبد الناصر عن القوات المسلحة برغم سلطاته الدستورية والشرعية عليها".

إن تجربة المشير عامر لم تستوف بعد حقها الكامل من الدراسة والتنقيح، وكذلك الأمر ايضا بالنسبة للعلاقة اللخاصة بين ناصر والمشير وهي العلاقة التي يعترف فوزي بانه "لم يستطيع أن يجد لها تفسيرا حتى الآن"، الأمر الذي قد يضع بعض الضوابط في تحميل كل مسؤولية النكسة للمشير.

لكن وفي ما يتعلق بجاهزية القوات المسلحة على الأقل، قبل حرب 1967 وخلالها، فإن الوقائع تفرض التحديد الدقيق للمسؤوليات.

فالفريق فوزي يشير إلى عوامل كارثية عدة خلال هذه الفترة العصبية منها خلو القوات المسلحة من خريجي الجامعات "لأسباب أمينة" والنقص الفادح في التدريب والاعداد والتنظيم اضافة لاسباب أهم أخرى هي "عدم وضوح الرؤيا والهدف وعدم وجود عقيدة القتال ووحدة القيادة وبعد القوات المسلحة عن الهدف السياسي واخفاء المعلومات والحقائق عن افراد وحدات القوات المسلحة مع وجود الفكر القائد المسيطر المتمثل في فرد وحد (المشير عامر) دون مجالس متخصصة تتحمل مسؤولية القرار الجماعي، كل ذلك اثر على معنويات الضباط والجنود واثر على انضباطهم العسكري، مما جعل من اي تفكير منطقي، يستنتج شكل المعركة المقبلة ونتيجتها بسهولة قبل اطلاق آية طلقة".

وكان 5 جوان هو الحصيلة لهذا التفكير المنطقي "وكان قرار المشير عبد الحكيم عامر بانسحاب القوات المصرية كلها من سيناء في خلال ليلة واحدة إلى غرب قناة السويس، وهو السبب الحقيقي في اندحار القوات المسلحة المصرية وهي القوات التي لم تعط فرصة لقتال العدو".

في مواجهة هذا التخطيط في الأول صباح 6 جوان لكنه حاول "تغييره" في مساء اليوم نفسه، لجملة أسباب، لكن الكارثة كانت قد حلت.

في موجهة هذا التخطيط في اهداف والاساليب وازدواجية السلطة ومساوء البيروقطية العسكرية وأجهزة المخابرات، نجد صفحة مشرقة من البناء والوضوح ترتسم بعد عودة عبد الناصر عن قرارة بالاستقالة وتسلمه مباشرة الاشراف على السياسات والتوجيهات العامة للقوات المسلحة.

في تلك الفترة، تبلور أول قرار مصري حقيقي بالاستعاد للحرب مع اسرائيل على كل الصعد.

 يقول الفريق فوزي: "نصت خطة اعادة تنظيم وبناء القوات المسلحة على ضرورة اعداد الدولة والشعب ومسرح العمليات للحرب، فالمعركة لا تقتصر على القوات المسلحة وحدها بل تشمل تلقائيا الشعب بمقوماته ومصالحه ومعنوياته والدولة ومرافقها ومؤسساتها.وعادة ما تمتد المعركة زمانا ومكانا وتتسع لتصبح حربا شاملة بين دولتين ويكون مسرح عملياتها هو اراضي وشعب الدولتين المتصارعاتان".

والوصف الدقيق الذي يقدمه الفريق فوزي عن اعادة بناء الجيش والدولة، مؤتر للغاية. فقد خاض افراد القوة المسلحة المصرية معركة قاصية عن جبهتان معا هما جبهة الاعداد والتدريب في ظل ظروف صعبة و جبهة المعركة المباشرة مع العدو الذي كان يحوز حتى ذلك الحين على تفويق شامل في موازين القوى وفي المعنويات ايضا.

وبهذا المعنى، كانت حرب الاستنزاف التي دامت نحوى ثلاثة سنوات مطهرا لم يسبق له مثيل ولم يكن له أن يصمد بأي حال لولا وجود قرار حاسم برفض الاستسلام.

ان الجيوش المهزومة تحتاج عادة إلى 10 سنوات على الأقل للخروج من الصدمة واعادة البناء، بيدي ان الحركة الناصرية نجحت بالفعل في تحقيق المعجزة وباتت بعد ثلاثة سنوات من التدريب والقتال المباشر، مستعدت لمواصلة القتال بدعم صوفياتي وعربي.

وهنا يلقي الفريق فوزي أضواء كاشفة على حقيقة باتت أكثر من معروفة، وهي ان الجيش الذي أعده عبد الناصر خلال ثلاث سنوات كان متئهبا في أواخر العام 1970 بعبور القناة وتتحرير سيناء وفق الخطة "غرانيت" و الخطة "200" بعد أن قام بتدريب عملي أخير في مناطق مصرية شبيهة بالقناة وصحراء سيناء.

و يكشف فوزي سرا خطيرا حين يقول ان القضية المصرية خلال تنفيذ التدريب العملي الاخير، للحظة وجود ثغرة الدفرسوار (التي تسلل منها شارون فيما بعد) ووضعت كل الخطط الضرورية لسحق القوات المتسللة.

ما ذا كان يمكن ان يحدث في المنطقة لو أن القدر مكن عبد الناصر من شن معركة العبور في العام 1971 على أبعد تقرير ؟.

إن هذا ليس ميتافيزيقيا أو نكوصيا: فالنظام الاقليمي العربي الناصري تماسك في كل المنطقة برغم هزيمة 1967 وإنهار في عهد نور السدات برغم نصر حرب تشرين.

وهذا النظام كان سيفرض نفسه على العالمي لو قدر للحركة الناصرية الاستمرار. هدف كتاب زائيف شيف وأهود يعاري "حرب الظلال" موجود في أخره: سلوك وزير الدفاع الاسرائيلي ارييل شارون في تخطيط وتفيذ عام 1982.

فالمؤلفان يشيران في ثنايا الكتاب أو في خاتمته إلى أن أهداف شارون الفعلية كانت تشمل اقامت نظام لبناني جديد موال لاسرائيل وضرب الفلسطنين في لبنان وتطويعهم في الضفة الغربية وغزّة واحداث تغيرات ديموغرافية في الاردن وشل سوريا.

ولتحقيق هذا الهدف "كان شارون مستعدا" لاجراء تغيير جذري في مفهوم الدفاعي الأمني الاسرائيلي. وحسب هذا المفهوم كان ثمة اجماع "قومي" وموافقة عمة منذ قيام الدولة الصهيونية يبقى بموجبها جيشنا جيش دفاع لكل غرض. باستطاعت جيش الدفاع عن الدولة ولكن التدخل في شؤون الدول الأخرى يتطلب جيشا أخر. وفي أول مرة في تاريخ اسرائيل يتم استعداد قد يخرج شعب اسرائيل لمغادرة حرب أهدافها تشد شدودا صارخا عن متطلبات الدولة الدفاعية".

نحن إذن وجهة نظر اسرائيلية بعملية عسكرية اسرائيلية ضخمة، تخترة وفشلة في تحقيق أهدافها.

ومن المثير أن نقرأ خلاصات هذين الكاتبين الصهيونيين عن حصيلة هذه العملية، لأن ذلك يساعد على تبديد الكثير من الأساطير التي حيكة وتحاك ليس حول اسرائيل فحسب بل ايضا المقدرة العربية على مجابهاتها.

يقول شيف ويعاري: "الحرب في لبنان ولدة على مقاس رجل رجل واحد هائج، مصر على رايه وبدون فرامل، قام بجر الأمة كاملة إلى ملاحقة شيئ لا امل فيه وراء أهداف قسم منها خيالي. إن حرب وقعت كما وقعت كنتيجة مباشرة للتغيير الحاد في نظام هيئة حكم في البلاد، وكشفت هذه الحرب ظاهرة ناذرة جدا جمع بها رجل وحيد هو شارون صلاحيات قصوة".

 


مشاركة الجزائر في حرب جوان 1967

 

بدأت الجزائر قبل أيام من بدء المعارك وبالتحديد خلال الأسبوع الأخير من شهر مايو 1967 بتعبئة الشعب والقوات المسلحة لكي يكون الجميع على أهبة الاستعداد إذا ما اندلعت الحرب. فقد جرى إلغاء الأذونات في صفوف الجيش الشعبي الوطني ودعي الجميع إلى الالتحاق بوحداتهم. كما تم توجيه نداء إلى كافة المجاهدين الذين خاضوا حرب الاستقلال لكي يكونوا في طليعة المقاتلين.

على الصعيد العسكري، استعرض هواري بومدين بعد ظهر يوم الاثنين الخامس من حزيران، وحدة، وحدة مؤلفة من 2500 رجل مع معداتهم وأسلحتهم في معسكر "زرالدة" على بعد حوالي 30 كيلومتر من العاصمة، قبل أن تتجه هذه الوحدة إلى الجبهة المصرية عبر تونس وليبيا. كما أن المصادر المصرية أشارت في ذلك الحين إلى أن 48 طائرة ميغ جزائرية في طريقها هي الأخرى إلى مصر. ورصدت الحكومة ميزانية حرب لمواجهة التطورات.

على الصعيد السياسي فرضت الحكومة رقابتها على كافة الشركات الأمريكية والانكليزية العاملة في البلاد غداة القتال. وقام الرئيس بومدين يوم الاثنين 12 حزيران-يونيو برحلته الشهيرة إلى الاتحاد السوفياتي لكي يستوضح الموقف السوفياتي إزاء ما آلت إليه الأحداث. واعتبرت  المصادر الجزائرية قطع العلاقات الديبلوماسية بين موسكو وتل أبيب أضعف الإيمان. وألقى بومدين يوم السبت 10 حزيران – يونيو خطابا تاريخيا دعا فيه الامة العربية إلى خوض حرب طويلة الأمد من أجل الدفاع عن شرفها وكرامتها، واعتبر أن خسارة معركة لا تعني خسارة الحرب  وأكد الرئيس الجزائري أن الامة تعيش لحظات حاسمة في تاريخها. والجو العام في الجزائر قابل قرار وقف إطلاق النار بامتعاض شديد، وكان لسان حال الرأي العام يقول "من المؤسف أن لا تكون لإسرائيل حدود مشتركة مع الجزائر"  (لوموند 13/06/67).

على الصعيد الشعبي عمت المظاهرات العاصمة الجزائرية احتجاجا على وقف إطلاق النار وتنديدا بالدعم الامريكي – البريطاني لإسرائيل، خاصة وان القوات الجزائرية التي اتجهت إلى الجبهة لم تتح لها الفرصة للوصول إلى أرض المعركة، واضطرت لكي تعود أدراجها من تونس. وتجمع كافة المصادر التي تابعت أحداث تلك الأيام العصيبة أن الجزائر ألقت بثقلها كاملا وعلى وجه السرعة تضامنا مع أقطار المشرق العربي التي تعرضت للضربة الإسرائيلية.

 

أبرز حكام العرب عام 1967

أثناء حرب حزيران 67 كان يحكم مصر جمال عبد الناصر، وسوريا نور الدين الأتاسي، والأردن الملك حسين، والعراق عبد الرحمن عارف، والسعودية الملك فيصل، ولبنان شارل حلو، والجزائر هواري بومدين، والمغرب الملك الحسن الثاني، وتونس الحبيب بورقيبة، وليبيا الملك إدريس السنوسي، وموريطانيا المختار ولد دادا، والكويت صباح السالم الصباح، واليمن عبد الله السلال، وكان أحمد الشقيري على رأس المنظمة التحريرية الفلسطينية.


حرب جوان 1967 : ديناميكية الهزيمة

 

يطلق القاموس السياسي العربي حرب جوان 1967 اسم حرب النكسة، وذلك لأن إسرائيل تمكنت من احتلال فلسطين، لكن منذ ذلك التاريخ والنكسة تتعدى رقعة الأرض الجديدة التي تم احتلالها، والمقدرة بـ 68,659 كلم2 ، وتمتد إلى الأحداث التي وقعت بعد الحرب والتي تثبت النكسة أو خففت منها وقد أطلقنا عليها عنوان "ديناميكية الهزيمة".

لقد شكل جوان 1967 منعطفا حاسما في تاريخ المنطقة العربية لا لكون يشهد على توسع استعماري إسرائيلي فحسب، بل لأن الرقعة التي تم التوسع فيها أصبحت محورا أساسيا في أزمة الشرق الأوسط وموضوعا لتجدد النزاع المسلح، ولمشاريع "السلام" المتلاحقة.

سنحاول في هذه الدراسة أن نقيم آثار هذا المنعطف على المستوى العربي والفلسطيني، والإسرائيلي.

الهزيمة على المستوى العربي ولدت انتكاسة 1967 نهوضا جماهيريا ردا على الهزيمة ودفاعا على ما انجزته حركة التحرير العربي وقد عكس نشاط المقاومة الفلسطينية والالتفاف الشعبي حولها أحد مظاهر هذا المد الجماهيري. وهذا ما وفر الأرضية التي ارتكزت عليها الانتفاضات والحركات الوطنية في عدة أقطار عربية (جنوب اليمن في مارس1968، ليبيا في سبتمبر 1969، والسودان ففي 1969).

        وقد قاد هذا النهوض العارم الأنظمة العربية إلى رفض مبدأ التفاوض مع إسرائيل وعد التفريط في الأراضي العربية المحتلة في شهرجوان 1967 في الخرطوم.

        ساهمت انتكاسات جوان في رفع وعي الأنظمة العربية بحجم انحياز الدول الأوروبية وأمريكا إلى جانب إسرائيل على العرب. فقامت بعدة إصلاحات اجتماعية لمصلحة هذه الدول العربية، ولعل أهمها هو تأميم البترول في كل من العراق وليبيا والجزائر في مطلع السبعينات.

        لكن الإصلاحات والنهوض الجماهيري اصطدم بمجموعة من العراقيل التي قللت من فعاليته ومردوده وهي:

        الحرب المدمرة التي عاشتها الثورة الفلسطينية في الأردن في سبتمبر 1970 التي رفعت شعار القضاء على "التجاوزات" الفلسطينية في الأردن لتسد في النهاية إحدى جبهات الكفاح المسلح الفلسطيني، وقد شكلت المقدمة الضرورية للإعلان عن "المملكة المتحدة"    التي تضم الضفة الغربية وقطاع غزة إلى المملكة الهاشمية، وأيضا للإعلان الملموس على حق تمثيل الشعب الفلسطيني.

        أدى قدوم السادات إلى السلطة في ماي 1971 إلى ظهور موجة من التشكيك والطعن في المكتسبات الاجتماعية في مصر وذلك لما رافق النظام المصري من تنازلات لإسرائيل.

        إن استقبال البرجوازية اللبنانية للفلسطينيين بعد انتكاسة 1967، وبعد أحداث الأردن الدامية سنة 1970، بإقامة مخيمات إضافية لهم في تل الزعتر وجسر الباشا ، تعكس رغبتها في الحصول على يد عاملة رخيصة تشغلها في القطاع الزراعي والصناعي. لكن الوجود الفلسطيني في لبنان قد أعطى للمقاومة الفلسطينية قاعدة شعبية لتعزيز كفاحها السياسي والعسكري ولتعزيز  خط القتال من الجبهة اللبنانية. وهذا في حد ذاته يعد خطرا على استمرار مصالح البرجوازية، مما جعلها أيضا تفتح غطاء "التجاوزات الفلسطينيين"  فوقعت الاشتباكات المسلحة بين الفلسطينيين والجيش اللبناني في سنة 1969 وذلك بهدف تجريد الفلسطينيين من السلاح، مما أدى إلى إبرام الاتفاق بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة اللبنانية في نفس السنة في القاهرة، قنن الوجود الفلسطيني فوق التراب اللبناني، لكن الاشتباكات المسلحة بين الطرفين تجددت وبشكل أعنف في سنة 1973 ساهمت في إضعاف المنظمة الفلسطينية في لبنان بعد أن هدر دمها في الأردن.

        ألزم قبول مصر بمبادرة وزير الخارجية الأمريكي روجرز التوقف عن إطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر فاستغلتها إسرائيل لبناء خط دفاعي على الضفة الشرقية للقناة وأطلق عليه خط برليف. ويعد حاجزا منيعا مكن إسريئيل من دفع قدراتها للاحتفاظ بالأرض المحتلة بعد جوان 1967. وأصبح مجرد اجتيازه يعد نصرا عسكريا كبيرا.

        عملت حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية التي امتد من منتصف سنة 1968 إلى نهاية 1971 على إرهاق كاهل إسرائيل فزادت نفقاتها المالية المخصصة للحرب وأدت إلى سقوط 3.239 قتيلا وإصابة 9.700 آخرين بجروح وعلى الرغم من عدم قدرتها على تجسيد الشعار الذي رفع في تلك المرحلة: "إزالة آثار العدوان فإنها حافظت على "حرارة الصراع وجددت التمسك باستعادة الأراضي المحتلة في سنة 1967، وخلقت منها مطلبا نضاليا وكفاحيا محركا للأنظمة العربية ومنشطا لمجلس دفاعها المشترك خاصة في السنتين اللتين سبقتا حرب أكتوبر 1973، كما عملت دولتا المواجهة (سوريا ومصر) على إعادة بناء قواتهما العسكرية، خاصة القوات الجوية التي دمرت في جوان 1967 تدميرا كامل (دمرت  إسرائيل حوالي 70% من الطائرات المصرية و 50% من القوات الجوية السورية وهي جاثمة على الأرض(3) وعمدت الدولتان أيضا إلى تنظيم خطة هجومية على الجبهتين.)" .

واقع الهزيمة على مستوى الفلسطيني

تلقى الشعب الفلسطيني الهزيمة بعد سنتين فقط من انطلاقه في الكفاح المسلح ولم تثنه عنه، بل ازداد رسوخا بعد أن تبناه المجلس الوطني في دورته المنعقدة ما بين 10-17 جويلية 1968 وتم تصعيده خلال سنتي 1970-71، خاصة في قطاع غزة.

لقد قامت المنظمة بعد النكسة مباشرة بتنظيم وتعبئة الفلسطينيين داخل الأراضي الفلسطينية التي احتلت في أكتوبر 1967، والنازحين عنها وقد ساعدها في ذلك ظهور التنظيمات السياسية المسلحة في الساحة الفلسطينية (الجبهة الشعبية...)  والتي شكلت رافدا جديدا للنضال ودافعا جديدا للاتفاق حول المنظمة التي أصبحت في نظر الفلسطينيين الأداة المسلحة والمؤهلة للاستمرار في الكفاح المسلح والقادرة على "أخذ الثأر" .

        وإذا كانت التجربة الدامية التي مرت بها المقاومة في الأردن في سنة 1970 قد أنهكتها ماديا وعسكريا، فقد زادت في تماسكها وفي تمسك الشعب الفلسطيني والعربي بها، وكشفت للرأي العام العالمي الجانب المأساوي في قضية الشعب الفلسطيني.

المجال الدولي :  وهذا بالتصدي لكل الحلول التي تجاهلت الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية، لهذا نجدها تحدد لأول مرة أسس رفضها للقرار 242 الصادر عن هيئة الأمم المتحدة في نوفمبر 1967 واعتبرته ثمرة الهزيمة وذلك لكونه يطمس الحقوق الوطنية والقومية للشعب الفلسطيني، ويتعامل مع قضية كمشكلة لاجئين فقط

كما وقفت المنظمة بحزم ضد مشروع روجرز واعتبرته في مجلسها التاسع المنعقد ما بين 7-17 جويلية 1971، شكلا من أشكال تكريس الهزيمة.

على المستوى العربي: لقد زادت المنظمة  في لشق طريقها الاستقلالي وذلك لفرض القرار الفلسطيني المستقل. لذا عملت على تثبيت شرعية ووحدانية تمثيلها للشعب الفلسطيني وأكدت عليه بكل إلحاح في دورات مجلسها الوطني،خاصة في الدورة الثانية عر منعقدة في القاهرة في أفريل 1972، وقد حاربت بحزم أشكال الوصاية على الشعب الفلسطيني، ووقفت ضد الإعلان الذي رفعه الأردن في ماي 1972 والذي أطلق عليه مشروع "المملكة المتحدة" وقد توج كل هذا النضال بالاعتراف بوجدانية وشرعية المنظمة في تمثيل الشعب الفلسطيني في قمة الرباط سنة 1974.


نتائج انتصار إسرائيل

ولد الانتصار في حرب جوان 1976 الاطمئنان لدى الإسرائيليين وأعطاهم الثقة في قدراتهم القتالية، فأمنوا بأسطورة "الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر" وعملوا على خلق الفرصة الملائمة لتزايد عدد المهاجرين إلى إسرائيل بلغ عددهم في سنة 1970، 200.000 مهاجر بعد أن كان عددهم لا يزيد عن 4.300 في سنة 1967 .

ومن أجل توفير مناصب عمل لكل المهاجرين، كان على إسرائيل السعي لانتزاع الأراضي العربية المحتلة مؤخرا من يد مالكيها لا قامة المشاريع الزراعية  والصناعية عليها. فطبقت على أهلها قانون الغائب الصادر في 1950 والذي تم بموجبه استكمال تجريد الفلسطينيين من أراضيهم المحتلة، وينص هذا القانون على اعتبار كل مالك للأرض غائبا في القانون على اعتبار كل مالك للأرض غائبا في حالة وجوده في إحدى الدول المعادية لإسرائيل.

وعندما عجز هذا القانون على الاستيلاء على أغلب الأراضي لجأت إسرائيل إلى تطبيق قانون الطوارئ الصادر سنة  1945 والمورث على النتداب البريطاني، والذي ينص على اعتبار أي قطعة أرض جزء من "منطقة أمنية"  يتطلب إخلاؤها من السكان لأسباب أمنية ومن أجل السهر على تطبيق مثل هذه القوانين نصبت الإدارة العسكرية في هذه المناطق.

كما كان التوسع الإقليمي الإسرائيلي، وروح الانتصار وراء التطور الصناعي الذي عرفته إسرائيل، حيث نجد نموا ملفتا للنظر في مجال الصناعات الإلكترونية والعسكرية، وبدأ الحديث عن الصناعات العسكرية الإسرائيلية بتزايد المشاريع الصناعية. وهذا منطقي بعد دخول الرأسمال الإسرائيلي، بكل نشاط إلى القطاع الصناعي، حيث ساهم في نسبة 96% من الوحدات الصناعية التي ظهرت بعد أن كان مثل هذا النشاط يتوقف على رؤوس الأموال الأمريكية والأوروبية فقط.

إن النهضة الاقتصادية التي عرفتها إسرائيل كانت نتيجة لمجموع من المتطلبات الداخلية لرؤوس الأموال وتزايد المتطلبات الخارجية التي ساهمت حرب الاستنزاف في بعضها حيث زادت الاشتباكات المسلحة المحدودة على الجبهة المصرية، والنشاط الفدائي داخل إسرائيل من ميزانية التسلح. فبعد أن كان يأخذ نسبة 9,7% من الناتج القومي في سنة 1964، وصل إلى نسبة 20,3% سنة 1970 وقفز سنة 1974 إلى نسبة 46,3% .

بعد حرب أكتوبر 1967 تغيرت الكثير من معطيات  الصراع في الشرق الأوسط، وشكلت الأراضي المحتلة موضوعا جديدا للاستقطاب السياسي والالتفاف حول البرامج السياسية التي قدمتها الأحزاب الأساسية في إسرائيل تحت راية "لا عودة إلى حدود 4 جوان " . فحزب العمل الإسرائيلي على سبيل المثال لا يرى أي حل للمسألة الفلسطينية بدون إطار أردني  وهذا من خلال إلحاق المناطق المكتظة بالسكان العرب في الضفة الغربية بالأردن وإقامة دولة فدرالية يجري فيها توطين اللاجئين الفلسطينيين وإذابة الوجود الفلسطيني المستقل.

أما حكومة الليكود فإنها تقترح مشروع الحكم الذاتي" الذي يعني سيطرة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية وتخيير السكان بين الجنسية الأردنية والجنسية الإسرائيلية مع السماح لهم بإدارة شؤونهم اليومية بدون أدنى سلطة على الأراضي التي يقيمون عليها.

إن الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة لم تجر على الصعيد العسكري فقط، بل شملت الجانب الديبلوماسي الشيء الذي يقودنا إلى التساؤل بموضوعية عن قرار الهجوم يوم 6 أكتوبر 1973، فهل أن اندلاع الحرب بكل المخاطر والاحتمالات التي تنجر عنها تعد بكل بساطة ضربة عنيفة لإجبار تل أبيب على الجلوس على طاولة المفاوضات؟ بماذا نفسر وقف القتال بعد 17 يوما من القتال، وبعد أن تم توفير كل الشروط والإمكانيات البشرية والاقتصادية، ودرست بكل دقة قبل 6 أكتوبر.

لا زالت هذه الحرب بعد 14 سنة من اندلاعها تحتفظ بأسرارها وألغازها . يجب التأكيد في البداية على أن المدفعية العربية لو تشرع في إطلاق نارها يوم 6 أكتوبر إلا بعد أن حققت الديبلوماسية العربية نجاحات معتبرة على المستوى الدولي وقد ارتكزت في نشاطها على:

1-         عدم قبول احتفاظ المعتدي (إسرائيل) بالأراضي المحتلة وهذا مبدأ تقبله  الرأي العام الدولي، ودعمته قرارات مجلس الأمن.

2-          لا يوجد أي خطر يهدد وجود إسرائيل كما تدعي بل بالعكس هي التي تهد الدول العربية المجاورة وتهد الأمن الدولي نتيجة مطالعتها التوسعية وشراهتها العدوانية.

3-         رفض تل أبيب لكل مبادرات السلام مؤكدة تحديها للإرادة الدولية، وعدم اعترافها بكل القرارات التي تطالب بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، وهذا الرفض يؤثر على الاقتصاد الغربي الذي يزداد تأزما نتيجة لأزمة الطاقة.

قبل انطلاق الحرب كانت تل أبيب تعاني من عزلة خانقة نتيجة فقدانها لمصداقية في العالم وهذا يعود إلى العوامل التالية:

1)     التنديد بها في ندوة عدم الانحياز المنعقدة في الجزائر (سبتمبر 1973).

2)     الضغط السعودي على الرئيس الأمريكي نيكسن ودفعه لتغيير سياسة بلاده في الشرق الأوسط قصد تجسيد القرار 242 وإخراج هذه المنطقة من حالة جمود التي آلت إليها ويكمن الضغط االسعودي في إمكانية رفض تلبية حاجة الولايات المتحدة من البترول.

3)     رفض المحكمة العليا في النرويج إطلاق سراح الإسرائيليين المتهمين باغتيال المناضل أحمد بوشيخي واقتناع وزير خارجية هذا البلد بتورط إدارة تل أبيب في هذا العمل الإرهابي.   

4-         قرار النمسا بالتوقف عن منح التسهيلات لتل أبيب في تهجيرها ليهود التحاد السوفياتي إلى إسرائيل.

كل هذه العوامل تبين الانتصارات التي حققتها الدبلوماسية العربية خلال شهر سبتمبر فأثناء  الحرب ونتيجة لانتصارات الجيوش العربية الأولى لم تشاهد إسرائيل نفس الدعم الهائل الذي لقيته في حرب 1967 لذا أرسلت رسائل إلى باريس ولندن تحتج فيها على حياد هذه الدول وقادت حملة صحفية ضدها.

        لم يلاحظ على المستوى العربي أي قرائن يتوقع منها قيام الحرب بل بالعكس كانت الوضعية متدهورة  والعلاقات بين بعض الدول العربية متوفرة.

1-                     العلاقات الليبية  المصرية، متوترة، والعلاقات المصرية السورية ليست أحسن من الأولى، ووصلت العلاقات بين سوريا والعراق إلى وضعها السيئ: وبالمقابل شهدت العلاقات السورية الأردنية والأردنية المصرية نوعا من التقارب بعد  سلسلة من الزيارات واللقاءات الثلاثية ولا يشير هذا التقارب إلى قرب موعد وقوع الحرب. وحتى عندما تحلل خطاب المسؤولين المصريين فإننا نستبعد الحرب.

2-                     على مستوى العلاقات الفلسطينية العربية، يمكن تسجيل تأزم العلاقات بين فتح وسوريا إلى حد كادت فيه أن تنفجر.

3-                     لم تشاهد العلاقات السوفياتية المصرية السورية أي تطور، ولم يلاحظ أي تنقل غير عادي للأسلحة.

4-                     لم يشاهد أي استدعاء للتجنيد العام في الدول العربية، حتى في سوريا ومصر وكل تحركات القوات المصرية السورية كانت تدل على تحضيرات عسكرية لمواجهة احتمال هجوم إسرائيل ولم تدل على هجوم عربي.

لقد سمحت الحرب بتوسع التضامن العربي بشكل مدهش وخلقت موجة من التضامن الدولي، وأدخلت معطيات جديدة على المستوى السياسي.

كانت المفاجأة كبيرة بالنسبة للشعوب العربية وعلى المستوى الدولي وعندما نذكر المفاجأة فإننا نقصد الجانب العسكري، وهو الجانب الساخن في القضية. "فالمفاجأة العسكرية"   قضت على المذاهب التي تبنتها الدول المتصارعة في المنطقة.

ومن الخطأ الاعتقاد بأن حرب 1973 هي امتداد لحرب الاستنزاف، ونتيجة لتفاقم الأوضاع، كما أنها ليست وليدة قرار غير محسوب على صعيد الإمكانيات والنتائج.

فالحرب لم تكن أبدا وليدة موقف ارتجالي خاصة إذا كانت في مستوى حرب أكتوبر 1973. اختارت الدول العربية منذ 1948، مذهبا عسكريا دفاعيا، فتمركز الجيوش العربية في خطوط وقف  إطلاق النار متخذة موقفا انتظاريا. وهذا قصد صد ضربات العدو الذي تبنى مذهبا هجوميا عدوانيا، وقد كان لهذين المذهبين تأثيرا واضحا على نفسيات الجنود، فإسرائيل جمعت رجالها في داخل الأراضي العربية المحتلة وزودتهم بكل الأسلحة وسائل النقل الضرورية، ودربتهم على العمليات الهجومية الخاطفة، فزرعت فيهم روح القيام بالهجوم الردعي المتواصل. أما الجيوش العربية فقد تمركزت في مواقع دفاعية على طول الحدود وراء تحصينات ثابتة مزودة بالأسلاك الشائكة وبحقول الألغام، لكنها مالكة لإمكانيات النقل والقتال القليلة الضرورية للعمليات الهجومية. وغرست في أذهانها الروح الدفاعية التي ترتبت عنها نتائج على المد الطويل وأبرزها هو نمط التفكير الانتظاري غير القادر على استيعاب استراتيجية الهجوم وهذا ما أثر بشكل واضح في مستوى تدريب القوات العسكرية العربية. لقد استمر الوضع على هذه الحالة إلى غاية 1967. ووجد المذهب العسكري الهجومي الإسرائيلي مرتكز في سياسة إسرائيل التوسعية الهادفة إلى سحق الدول العربية المحيطة بها، أما المذهب الدفاعي العربي فهو نابع من الاقتناع السياسي بالدعم الدولي الإسرائيلي وحمايتها من لدن أمريكا والدول الغربية عند الضرورة وعدم قدرة الأنظمة العربية على التصدي لكل التحالفات ولكل ترسانات الأسلحة، وهذا نوع القناعة الذي يشكل "الردع الذاتي" المانع للقيام بالهجوم على إسرائيل ، بل يجعل التفكير في هذا الهجوم نوعا من الجنون أو الانتحار وقد تعززت هذه القناعات بعد هزيمة 1967 بعد أن تعززت بـ "أسطورة تفوق الجندي الإسرائيلي" .

   بعد الهزيمة، دخلت عدة عناصر جديدة. فإسرائيل تبني لأول مرة استراتيجية دفاعية تستهدف حماية ما تحصلت عليه من أراضي جديدة بأقل قوة عسكرية ممكنة. وهذا ما يجبر العرب على التفكير جديا قبل استعمال القوة لاسترجاع أراضيهم فيقبلون بالأمر الواقع ويرضون بالشروط الإسرائيلية، وضمن هذه الاستراتيجية تم بناء خط برليف على طول قناة السويس وتم تشييد الحوافير في الجولان. علما لأن إسرائيل لم "يهدأ بالها"، إلا بعد التوقف عن حرب الاستنزاف بمجرد القبول بمشروع روجرز، وبعد أن تلقت المنظمة الفلسطينية الضربة العنيفة في سبتمبر 1970.

لقد تم التحضير للحرب في سوريا ومصر في الخفاء فكانت المفاجأة الحقيقية التي لم تدركها المخابرات الأمريكية والإسرائيلية التي لاحظت حشود القوات في الجبهتين المصرية والسورية، لكنها ظنت أنها شكلا من الرد على المناورات الإسرائيلية على الحدود السورية. ففي عصر الأقمار الاصطناعية يكاد يكون من المستحيل تمويه حركات جيوش كبرى بعتادها وعرباتها.

وقد اعترف هنري كيسنجر يوم 14 أكتوبر بأن "البيت الأبيض الأمريكي في سوريا ومصر لكن المخابرات الإسرائيلية والأمريكية ظنت بأنها بعض المناورات المألوفة في الخريف".

ويمكن الإشارة في هذا الإطار إلى أن هذه المصالح المخابراتية قد أرسلت ثلاثة تقارير خلال الأسبوع الذي سبق اندلاع الحرب، وفي هذه الحرب تم القيام بما يلي:

1-         مواصلة بناء خطوط الدفاع على الجبهة وفي الأعماق للإظهار بأن المجهود الأساسي للجيش المصري هو الدفاع.

2-         توزيع القوات على عدة اتجاهات مختلفة وثانوية، وتم تمويه تحركات الذهاب والإياب داخل الجبهة وإظهار كتمارين أو مناورات تدريبية، وكانت تتم بالتغيير المتواصل في العدد وفي المواقع.

3-         تمركز قوات الهجوم خلال 3 أو 4 أشهر قبل الشروع في الهجوم، وهذا على شكل مجموعات صغيرة. وإرسال قوات أساسية في عمق الجبهة قبل ثلاثة أسابيع من الهجوم تحت غطاء أعماق الهندسة التي تسبق المناورات العسكرية الكبرى مع الانطلاقة في المعركة الحقيقية خلال المرحلة الأخيرة من هذه المناورة.

4-         تحضير الخنادق والملاجئ والجسور للعتاد ولقطع المدفعية ولمختلف العربات والسيارات التي تصل في اللحظة الأخيرة إلى الجبهة مموهة بشبكة التمويه.

5-         ترك الجوانب اليومية من حياة قوات الدفاع على حالها في القطاع الغربي للقناة إلى غاية القصف المدفعي والجوي.

6-         حصر أخبار الهجوم وتوقيته لدى أقل عدد من الأشخاص فلم يعلم قادة الأولية بالساعة س إلا في ليلة 5 أكتوبر، بينما لم يعلم قادة فصائل الهجوم المجموعات إلا على الساعة الحادية عشرة من يوم 6 أكتوبر أي 3 ساعات قبل القتال. بجانب كل هذا اتخذت مجموعة أخرى من القرارات مثل إعفاء 20.000 جندي عامل من السلك العسكري 48 ساعة قبل الحرب.

وكان اختيار يوم وساعة الحرب ذا أهمية بالغة في تحقيق  المفاجأة، وذلك

لأن اليوم المختار هو أحد أيام شهر رمضان الكريم والذي يلاحظ بصفة عامة غياب النشاطات والأعمال الكبرى في الدول العربية.

وهو أيضا يوم عيد "الغفران" في إسرائيل والذي ينقص فيه الحذر وتقل فيه إجراءات الأمن، وحتى أن الساعة الثانية زوالا، لا تختار عادة كساعة للقيام بالعمليات العسكرية الكبرى (حيث تختار ساعة من الليل أو الفجر) وهذا حسب تفوق طيران المهاجم، أو حسب الرغبة في استغلال الظلام لتعزيز مواقع المدفعية.  فاختيار ساعة بدء الحرب كانت الحل الملائم لشروط توازن الطيران الإسرائيلي العربي ويستجيب لمتطلبات اجتياز العقبات الأولى، بل إنه ضروري لضبط تصاعد مقاسات القصف المدفع، ولفتح ثغرة في جدار الضفة الشرقية للقناة التي منها يمكن وضع وتجهيزات  أخرى خلال الساعة الأولى من الليل لتسمح للمدرعات من عبور القناة في منتصف الليل بأقل تأثير محتمل لغارات الطيران الإسرائيلي. وشهدت سوريا نفس السناريو، حيث قامت فرق الهندسة بتدمير الخنادق المضادة للمدرعات في النهار، لتسهل عبور القوات الأساسية ليلا، وخاصة وان المدرعات السورية مزودة بتجهيزات (ما فوق الحمراء) ومتدربة على القتال الليلي.

وما حقق المفاجأة أكثر هي العوامل التالية:

1-اعتقدت إسرائيل بأن سوريا ومصر غير قادرتين على القيام بالحرب نظرا لمشاكلهم الداخلية.

.

2-ظن قادة تل أبيب أن الجيوش العربية غير محضرة كميا ونوعيا لخوض هجوم على الموانع والحواجز في الجولان وعلى خط برليف في سيناء.

3-جهدت إسرائيل للتحول الطارئ في نفسية المقاتل العربي بعد حرب الاستنزاف التي أعادت الثقة للجندي العربي في قوته بعد أن عدلت ميزان القوى العسكري.

4-كانت إسرائيل تعتقد أن الحرب لن تندلع إلا إذا تحسنت العلاقات العربية، السوفياتية هذا إضافة إلى ىعدم وجود الجبهة الشرقية في القتال "جمود" الجيش العراقي في الثكنات.

5-ثقة إسرائيل في قواتها الجوية وفي قدرتها على درع أي تقدم عربي مهما كان، حتى وإنةكانت من مجموعة المشاة.

الاعتقاد بأن النشاط الدبلوماسي العربي كان يهدف إلى تسوية سلمية للقضية مع تنازل إسرائيل عن بعض الأراضي المحتلة.

7-تزايد الثقة في جهاز المخابرات  "موصاد" بل ويمكن القول بأن انتصار إسرائيل في حرب 1967 كانت من ورائه المخابرات. ومنذ هذا التاريخ انفصل المخطط العسكري للأركان العامة الإسرائيلية حول محورين هما:

-       حماية وقف القتال بخ برليف القادر على منع أي هجوم عربي

-       تكوين قوات عسكرية قوية (الطيران والمدرعات) قادرة على الردع. وهذا المخطط كان الفخ الاستراتيجي الذي وقع فيه الإسرائيليون.

مخطط الهجوم السوري

ضبط هذا المخطط وفق أرضية المعركة، ووفق المنشآت الدفاعية الإسرائيلية وتوزع قواتها، حسب الخنادق المضادة للمدرعات ويتكون من :

1-تكبيد سلاح الطيران، المضاد للطيران الإسرائيلي خسائر كبرى مع شل حركة قيادتهما بغارة جوية مفاجئة معززة بالقوات المحمولة جوا وبالقصف المدفعي والصاروخي.

2-في بداية هجوم المشاة، تخترق التحصينات والموانع في عدة قطاعات في وقت واحد وبعدها تنظم الإغارة بالمدرعات في عمق قوات العدو قصد تشتيتها والقضاء عليها، وبعدها يتم احتلال خط الدفاع المشرف على الضفة الشرقية لنهر الأردن.

3-توجيه الضربات لتحييد قوات الدفاع الإسرائيلي من معركة في الجبهة وبعدها القوات الاحتياطية ورادات المراقبة.

        لقد تدخلت مجموعة من العناصر لتضاف إلى هذا المخطط، وخاصة بصعوبة أرض المعركة (مما يحتم استعمال المشاة الميكانيكية في المرحلة الأولى من الهجوم. ووجود جبهة متماسكة تمتد من الشمال (جبال الشيخ) حتى الجنوب (واد اليرموك) والتي لا يوجد بها أي جانب مكشوف يسمح بمحاصرته (وهذا ما يلزم القيام بمعركة تصادمية). هذا بالإضافة إلى عدم مشاركة كل من لبنان والأردن واستحالة استعمال أراضيهما كميدان للعمليات الحربية. وبجانب كل هذا يمكن تسجيل عنصر إيجابي يتمثل في وجود جبهتين للقتال في نفس الوقت مما يدفع  إسرائيل إلى تشتيت جهودها وتوزيعها عليهما خلال مدة الحرب.

العمليات العسكرية  في الجبهة السورية

مرت هذه الجبهة بثلاثة مرحل وهي :

مرحلة الهجوم العربي – مرحلة الهجوم المضاد العادي – مرحلة التوازن والجمود.

بدأت المرحلة الأولى بهجوم القوات العربية يوم 6 أكتوبر من مواقعها بشرق الجولان وغرب حنين واقتربت من مواقع العدو على خط وقف النار وارتكزت في ذلك على :

1-المحور الأساسي : حيث تغلغلت فيه القوات لمحاصرة القنيطرة من الشمال، وانصرفت أخرى لمحاصرتها من الجنوب بهدف تشديد الحصار على القوات الإسرائيلية المجودة في  القنيطرة  وبالتالي القضاء عليها، وبعدها تتحرك القوات نحو الغرب على المحورين الأخيرين:

2-محور الشمال هو ثانوي ويؤدي إلى الجبهة.

3-محور الجنوب : وهو الآخر ثانوي ويؤدي إلى الجبهة من نقطتين إحداهما تتوجه نحو الشمال والأخرى نحو الجنوب الغربي لتقطع شبكة الاتصال مع العدو الرابض في الجوخدان.

عرف هذا الهجوم انتصارا بالغا خلال الأيام الأربعة الأولى، وذلك لاختراقه دفاع العدو وحرر جزءا كبيرا من الجولان لكن في اليوم الخامس انتهت إسرائيل من تجميع احتياطات من المدرعات ورمت بكل ثقلها في الجبهة السورية ودعمته بالقوات الجوية وعند هذا الحد نصل إلى المرحلة الثانية والتي انحصر فيها المخطط الإسرائيلي على:

1-محاولة الحفاظ على تفوق الطيران وهذا مهما كانت الخسائر وذلك بقصف المطارات وتدمير قواعد الصواريخ أرض – جو.

2-القيام بالعمليات الجوية والبحرية ضد الأهداف الاستراتيجية والمنشآت الحيوية على معنويات المقاتلين.

3-مواصلة العمليات البحرية على الساحل السوري وذلك بهدف دفع سوريا إلى سحب جزء من قواتها ووضعها في مواجهة الساحل للتصدي إلى أي إنزال بحري إسرائيلي.

4-تنظيم هجوم استراتيجي على طول الجبهة وهذا قبل وصول قوات المشاة والطيران العراقي. وقد استطاع هذا المخطط أن يحقق يوم 11 أكتوبر بعض  النجاح حيث ركز العدو وعلى محورين أحدهما في الشمال والآخر في الوسط ليسمح بشق الطرق المؤدية إلى دمشق.