Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب اسرار الصـراع العربـي الإسرائيلـي/خطة الصهيونية لإبادة اليهود /العقلية اليهودية بعد قيام دولة إسرائيل

 

 

 كتاب

اسرار الصـراع العربـي الإسرائيلـي
العقلية اليهودية بعد قيام دولة إسرائيل

  خطة هولكوست الصهيونية لإبادة اليهود من اجل تعمير فلسطين

تعاون مشبوه بين الصهيونية والنازية بألمانيا خلال الحرب ع2

  مؤلف والصحفي المحقق صالح مختاري

ديسمبر 2002

 

 

قد أدرك منظرو وزعماء الحركة الصهيونية، أن مشروعهم الاستيطاني لتهويد فلسطين لن يكلل بالنجاح، ما دام اليهود يرفضون ترك أوطانهم الأصلية التي ولدوا وعاشوا فيها، والتوجه إلى الوطن آخر لا تربطهم به أدنى صلة، وكانوا ينظرون إلى موجات العداء للسامية باعتبارها " ظاهرة مفيدة للحفاظ على الشخصية اليهودية".

ولذا لم يتورع مؤسسو الحركة الصهيونية، عن مشاركة أعداء السامية في تدبير وتنفيذ المجازر وحملات الإبادة ضد اليهود، لحملهم على التماس النجاة بوسائل نقل أعدتها الوكالة اليهودية، بهدف دفعهم للهجرة إلى ما يسمى "أرض الميعاد" ولم يعد خافيا ما كان يبذل من أموال طائلة لتغذية موجات الاضطهاد المفتعلة ودفع عجلة العداء للسامية لتشريد المزيد من اليهود وتوجيههم إلى فلسطين.

ولقد تصاعد تحالف بين الصهاينة وأعداء السامية "إلى توثيق العلاقات مع الحكومات الفاشية في إيطاليا وألمانيا، ففي عام 1923 عقد لقاء بين حاييم وايزمن رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، والدتشي الإيطالي موسوليني الذي أكد استعداده لتقديم كل المساعدات اللازمة للصهاينة للإسراع في استيطان وتهويد فلسطين، وأن حكومة بلاده تضع إمكانيتها لمساعدة الصهاينة في إنشاء أسطول بحري وتدريب بعض الطيارين واستمرت لقاءات موسوليني وقادة الصهيوني دون توقف، وفي لقائه مع ناحوم جودلمان في 13 نوفمبر 1934 =، لأكد موسوليني موقفه حيال المشروع الصهيوني، وأبدى مواقفه على فكرة تأسيس "المؤتمر اليهودي العالمي" التي طلب جولدمان مشورته فيها.

وعندما وصل هتلر عدو السامية الأول إلى قمة السلطة في ألمانيا بدا أن ذلك سيثير المخاوف في نفوس الصهاينة، لكن ما حدث كان على عكس ذلك، فقد كان الصهاينة يرون في وصول النازية إلى قمة السلطة في واحدة من أكبر الدول الرأسمالية في أوروبا فرصتهم الذهبية لإحكام سيطرتهم على يهود أوروبا، والتعجيل في دفعهم للهجرة إلى فلسطين.

فقد تبين أن زعماء الصهيونية كانت لهم علاقات وثيقة مع هتلر، ومن قبل وصوله إلى الحكم، وان النازيين كانوا يتلقون مساعدات مالية ضخمة من البنوك والاحتكارات الصهيونية، وساعدتهم بشكل فعّال في الوصول إلى السلطة،  فعلى سبيل المثال، ثبت أن النازيين قد تسلموا عام 1929 مبلغ 10 ملايين دولار من بنك "مندلوسون أندكومباني" الصهيوني بأمستردام، كما تلقوا عام 1913 مبلغ 15 مليون دولار، وفي عام 1933 بعد وصول هتلر للسلطة، كان أول ما أرسله له الصهاينة مبلغ 126 مليون دولار، ولا شك أن هذه المساعدات المالية الكبيرة، كانت عونا للنازيين من المنظمات الصهيونية العالمية لبناء قوتهم العسكرية والاقتصادية، اللازمة لاجتياح أوروبا، وإبادة الملايين من البشر، ومن بينهم اليهود، وهو ما اعترف به "ناحوم جولدمان" في كتابه "السيرة الذاتية".

تعاون مشبوه بين الصهيونية والنازية بألماني
خلال الحرب العالمية الثانية

لم يكن "روجيه جارودي" الفيلسوف والمفكر الفرنسي الشهير، أول من كشف أوراق الدجل الصهيونية ! ولن يكون المؤرخ البريطاني "دافيد إيفرينخ" الذي قدم للقضاء لمحاكمة بآخرهم !!وقصة دافيد إيفرينخ بدأت في حقيقة الأمر منذ عام 1992، عندما تعرض للتنكيل والمطاردة لموقفه الذي يشكك في الحكايات المختلفة عن إبادة اليهود !حتى أنه طرد في ذلك العام  من كندا وبقرار من المحكمة الاتحادية بحجة أنه دخل البلاد"بطريق غير مشروع" !!ولأنه "أدلى بأقوال مهنية لذكرى الموتى" !!وفي العام التالي منع  من دخول أستراليا للسبب ذاته، ثم أصدرت محكمة ألمانية عام 1994 حكما بتغريمه 10 آلاف مارك لأنه "شكك في حدوث جرائم ضد الإنسانية " !!وقد قدم إيفريخ للمحاكمة في لندن، وفقا لقانون استطاعت إسرائيل والقوى الصهيونية العالمية إصداره في كثير من الدول الأوربية بمحاكمة ومعاقبة كل من يشك في "أسطورة الهولوكست" !!والكاتب النمساوي "جير هونسيك" حكم عليه بالسجن 18 شهرا لكتابته عدة مقالات في مجلة "Hult" نفى فيها وجود غرف الغاز السام في معسكرات الاعتقال النازية. !وكانت عدة دعاوى قضائية قد رفعتها الجمعيات والمنظمات اليهودية ضد "جارودي" عقب نشر كتابه: "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية" في ديسمبر 1995، والذي فنّد فيه أسطورة "أفران الغاز" مؤكد أن "هذه الفكرة غير ممكنة التنفيذ من الناحية الفنية، وأن أحدا لم يوضح حتى الآن كيف كانت تعمل هذه الأفران المزعومة، وما الدليل على ثبوت وجودها، وعلى من لديه دليل على وجودها أن يتقدم" !وقد تعرض أيضا عدد من الباحثين والمؤرخين في أوربا وأمريكا للاغتيال، والاغتيال، المعنوي والمطاردة والسجن، لمجرد أنهم أبدوا رأيا في مزاعم إبادة اليهود على يد النازية، والبعض الآخر التزم "الصمت المذهل" !بالرغم من أن هذا الموضوع ينتمي إلى "التاريخ" الذي يفترض أن باب الاجتهاد فيه يجب أن تحاط بقدر من القدسية ! وسوف أتناول قضية المؤرخ والباحث الفرنسي "هنري روك" في نهاية المقال بشيء من التفصيل.

والصهيونية العالمية، تلح بشكل دائم على إبقاء الوعي العام لليهود في "حالة من التذكر الدائم" كنقطة استيعاب للمشاعر القومية بترسيخ العادات الدينية اليهودية القائمة على الارتباط بأيام الحزن والمآسي في تاريخ اليهود !ويخصص لضحايا الكارثة النازية من اليهود "يوم حداد" خاص في 27 أبريل من كل عام، فتطلق صفارات الإنذار في جميع أنحاء إسرائيل، في صباح هذا اليوم لمدة دقيقتين، فتتوقف حركة الحياة تماما، ويجتمع الآلاف في مقابر "يدفاشيم" لتخليد ذكرى ضحاياهم حول النصب التذكارية !ووضع بين مناهج الدراسة بالمدارس الإسرائيلية، منهج يهتم بدراسة إحدى الطوائف اليهودية التي أبيدت كما يزعمون خلال هذه الكارثة، بتقديم أبحاث عن حياة وتاريخ تلك الطائفة !

الفضيحة الصهيونية على أمواج راديو 3 CR

كان راديو 3CR الذي يبث برامجه من ملبورن بأستراليا، وهو اتحاد لمؤسسات عدة ذات اتجاهات سياسية مختلفة، لكنها تتفق في الأساس على دعم حقوق الطبقات الفقيرة ومعارضة التعصب والعنصرية، وقد بث الراديو في فترة السبعينيات، برامج عدة عن التعاون الصهيوني النازي، مما دفع المجلس اليهودي في ملبورن إلى إقامة دعوى قضائية ضد هذه الإذاعة: قضية "رودلف كيستنر" رئيس المجلس اليهودي بالمجر (هنغاريا) إبان الحرب العالمية الثانية، نال درجة الدكتوراه في القانون، وكان صهيونيا شديد التعصب، والذي كشف دوره في هذه القضية هو د.رودلف فربا بمجلس الأبحاث الطبية البريطانية، وكان أحد الفائزين القلائل من معتقل "أوشويتز"، وجاء في مذكراته التي نشرت عام 1961، بجريدة "لندن دايلي هيرالد":"أنا يهودي وبالرغم من ذلك، فإنني أتهم بعض القادة اليهود، بأبشع أعمال الحرب، هذه الفئة من الخونة علمت بما يحدث لإخوانهم، لكنهم فضلوا شراء أرواحهم بالصمت عما يجري ومن بين هؤلاء د.كيستر رئيس المجلس و"الصلة الوثيقة بين د.كيستنر وأدولف إخمان، أكدتها اعترافات إيخمان نفسه، عقب اختطافه الشهير وتقديمه للمحاكمة فقال عنه: "لقد وثق أحدنا بالآخر تماما، عندما كنا نتحدث، كان يدخن سجائره المعطرة بشراهة، يتناولها من علبة  سجائره الفضية ، ويشعلها بولاعة ذهبية، كان متحفظا في تصرفاته، فكان يبدو كضابط جستابو مثالي ! لقد كان همه الأكبر هو: تمكين مجموعة مختارة من يهود المجر، من الهجرة إلى إسرائيل" !

غير أن أهم ما يجب لفت الأنظار إليه "عملية الانتقال التي كانت هدفا رئيسيا للمنظمة الصهيونية من أجل بناء الدولة اليهودية، وليس إنقاذ اللاجئين اليهود !  والفلسفة الصهيونية، حددها بن جوريون : انتقاء القليل من جموع اليهود في ترتيب عملية الهجرة إلى فلسطين، من الشباب الذين يستطيعون فهم ما يعنيه الوطن القومي اليهودي طاقاتهم وإمكاناتهم لخلق ظروف اقتصادية ملائمة، ستسمح بمتابعة الهجرة" !

ونمضي لنتابع معا، كيف يثبت قادة الصهاينة، قدراتهم على التحكم باللعبة السياسية، خاصة عندما تكون بمستوى هذه القذارة !!

هل قامت حقا الحركة الصهيونية لحماية يهود العالم من خطر "العداء للسامية"؟ إن الوقائع التاريخية تدحض هذا الزعم، وتثبت أن تعاونا وثيقا نشأ بين الزعماء الصهاينة وأعداء السامية منذ اللحظة الأولى لتأسيس حركتهم.

الدعاية الصهيونية قبل تنفيذ خطة الهولكوست لإبادة اليهود

قبل البدء في تنفيذ المخطط الصهيوني النازي ضد اليهود، قام الصهاينة بالتنسيق مع الجستابو بشن حملات دعائية واسعة تتهم السلطات النازية بتعقيب الصهاينة واعتقالهم، وبناء على تعليمات من جيرنيك أحد كبار مسؤولي الجستابو تم إرسال مندوبين إلى لندن وبراغ، بهدف تصعيد الحماية الدعائية حول "مطاردة واعتقال" الصهاينة في ألمانيا.

وكانت المنظمات الصهيونية تلقى كل دعم ومساندة من السلطات النازية، وفي الوقت الذي كانت تحرق فيه مؤلفات سبينوزا وأينشتاين في ألمانيا، كانت السلطات النازية تسمح بإعادة طبع كتاب هرتزل "الدولة الصهيونية" وحين كان الآلاف من فقراء اليهود يساقون إلى معسكرات الاعتقال وحجرات الغاز، كان المليونير الصهيوني -مندلسون- ينال لقب "مواطن آري" بمرتبة الشرف، كتقدير من زعماء النازية !

وعلى أثر ازدياد عدد المهاجرين اليهود في الثلاثينات من أوربا إلى أمريكا وأستراليا، تمكن زعماء الصهيونية من استصدار قرار من وزير داخلية الولايات المتحدة يقضي بمنع دخول المهاجرين اليهود إلى معظم الولايات الأمريكية، مثلما تمكنوا من الحصول على قرار مشابه من الحكومة البريطانية، يحول دون اليهود إلى أستراليا وغيرها من المستعمرات البريطانية، فيما عدا فلسطين بالطبع وتتصاعد الحملات الدعائية زاعمة أن محروقة هتلر قد أهلكت 6 ملايين يهودي أو ثلث تعداد اليهود في العالم.

ولكن ثمة تساؤل: لماذا إذن التزمت الإدارة الأمريكية الصمت إزاء أحداث الإبادة الجماعية لليهود؟ بل انقسام يهود أمريكا على أنفسهم وعدم اتخاذهم موقفا موحدا ومحددا إزاء إعدام الملايين من اليهود كما يزعمون غير أن بعض اللجان قد تشكلت بغرض انقاد اليهود وجمع الأموال اللازمة لذلك، منها "لجنة الطوارئ" التي  نشرت إعلانات بالصحف تدين عمليات الإبادة ونظمت التظاهرات.

ولكن مثل هذه اللجان، كانت تواجه بهجوم مكثف من المنظمات الصهيونية، والتي كانت لها وجهة نظر تتلخص في أنه، يجب ترك هتلر يقتل ويبيد بعضا من اليهود، حتى يدرك العالم كله أن الحل الوحيد لإنقاذ اليهود هو إقامة وطن قومي وطني لهم في فلسطين ! 

بالإضافة إلى أن الحركة الصهيونية قد أعلنت، أن إنقاذ ليهود ليس مهمتها وإنما هدفها الأكبر هو فلسطين، وأنها حين سعت بالفعل إلى إنقاذ الشباب وصغار السن من اليهود ليكونوا نواة للدولة الصهيونية في فلسطين فلم يكن ذلك رغبة في إنقاذ أرواح بشرية بقدر ما كان إنقاذ أداة تحقق مخططات الحلم  الصهيوني  الرهيب !.

وهذا ما أكده "يوري أفنيري" النائب السابق في الكنيست والمعلق السياسي الإسرائيلي حيث قال : إن اهتمام الحركة الصهيونية وقت وقوع المحرقة لم يكن موجها إلى اليهود على الإطلاق بل كان موجها إلى إقامة دولة يهودية في  فلسطين !.

وقد أوضحت الأبحاث التي قام بها الكاتب اليهودي "مورجنشتيرن" ونشرتها بعض الصحف الصهيونية لم يكن أبدا إنقاذ اليهود من معسكرات الموت النازية، وقد كشف مورجنشتيرن النقاب عن أن "جرنيبور" رئيس لجنة الإنقاذ وعضو رئاسة الوكالة اليهودية قد صرح أكثر من مرة بأن أموال الصندوق الوطني اليهودي "يجب أن تستغل لتنفيذ المشروع الصهيوني في فلسطين، وليس هناك أي ضرورة لإنفاق هذه الأموال لإنقاذ اليهود من النازيين... !"

وخلال الندوة التي نظمتها صحيفة "معاريف" الإسرائيلية عام 1966، صرح عضو الكنيست "خ.لانداو" بأن رئاسة الوكالة والأوساط اليهودية في الولايات المتحدة، كانوا يعملون بعملية الإبادة عام 1942، لكنهم لم يلتزموا الصمت فحسب، بل أخفوا ما عرفوا وأجبروا كل من عرف بذلك على الصمت !

كما اعترف أدولف إيخمان لدى محاكمته بالاتفاق الذي عقده الصهاينة مع الجستابو، والذي نص على تعهد النازيين بضمان سلامة بضع مئات من أثرياء اليهود والزعماء الصهاينة مقابل أن يتعهد الصهاينة بالمحافظة الهدوء والنظام في معسكرات الاعتقال، وأضاف أيضا أنه لولا تعاون الصهاينة وأعضاء المجالس اليهودية مع السلطات النازية لكانت ألمانيا في حاجة إلى جهاز استخبارات اكبر بمائة مرة على الأقل من الجستابو، وحتى في مثل هذه الحالة، فمن المشكوك فيه، قدرة هذا الجهاز وحده على تنظيم حملات الإبادة الجماعية ضد اليهود، كما حدث في أوربا ! 

وفي كتابه "الخيانة" يقول الكاتب اليهودي بن هيكت إن مئات الآلاف من اليهود كان يتم تجميعهم في "الجيتوات" حيث يجري إرسالهم بعد ذلك إلى معسكر "اوسفينتسيم" وغيره من معسكرات الموت من أجل إبادتهم، دون أن يعرفوا المصير الذي كان ينتظرهم.

وتجدر الإشارة إلى أنه في بعض الحالات التي كان يفشل  فيها الصهاينة في إدخال  المهاجرين المختارين إلى فلسطين، كانوا يحكمون على هؤلاء المهاجرين بالموت دون تردد، ثم يقومون بشن حملات دعائية ضخمة للتجار بدماء   ضحاياهم !

وهكذا ما حدث بالنسبة للباخرة "باتريا" عام 1942: حين وصلت إلى ميناء حيفاء، على متنها من المهاجرين اليهود، لكن السلطات البريطانية رفضت السماح لهم بالنزول في حيفا، وعرضت عليهم التوجه إلى مدغشقر، وبعد أن فشل الصهاينة في إقناع الإنجليز، قاموا بنسف الباخرة بمن فيها وعقب ذلك قاموا بحملة دعائية شعراء، زاعمين أن ركاب الباخرة قد نفذوا عملية "انتحار جماعي" لأنهم "فضلوا الموت على مفارقة الوطن".. وهو نفس ما فعلته العصابات الصهيونية ضد ركاب الباخرة "سترومي" !.

ومن اشهر عملاء الجستابو من الصهاينة كان "د.رودلف كيستنر" المندوب الدائم للمؤتمر اليهودي العالمي ورئيس فرع هنغاريا، وقد أسندت إليه مهمة وضع قوائم بأسماء اليهود في هنغاريا وبيان الحالة الاجتماعية والمالية منهم، وكان كيستنر يقوم بجباية الأموال من الأثرياء مقابل تهريبهم  إلى الخارج، أما الفقراء فكان يرسل بهم إلى معسكرات الاعتقال والموت. وبعد انتهاء الحرب، هاجر كيستنر هذا إلى فلسطين المحتلة وغير اسمه إلى "شووك كارميل" وعن طريق المصادفة تعرف عليه أحد اليهود الذين نجوا من الموت بأعجوبة، وبعد أن انكشف أمره قام أحد رجال "الموساد" ويدعى زئيف اينشتاين باغتياله  في عام 1957، بناء على تعليمات قيادة الموساد، وبالطبع لم تقم الاستخبارات الصهيونية باغتيال كيستنر، جزاء له على الجرائم الدموية التي ارتكبها بحق اليهود، أو لتعاونه المباشر مع الجستابو، بل خوفا من أن يكشف عن هوية عدد من القادة الإسرائيليين الذين اشتركوا معه في إبادة اليهود وخدمة النازية.

ولم يكن كيستنر هو المسؤول الصهيوني الوحيد الذي تعاون مع الجستابو، فقد كن هناك أيضا "مانلر" مندوب الوكالة اليهودية في تشيكو سلوفاكيا، الذي كان عميلا لرئيس فرع الجستابو في براغ "فوش" وطبقا للاعترافات التي أدلى بها "كارل دام" أحد كبار  قادة فرقة ال S.S . النازية، فقد شكل النازيون من الصهاينة ما كان يعرف بالشرطة اليهودية، لتولي المحافظة على الهدوء والنظام في معسكر "تيريزين" بتشيكوسلوفاكيا، وأضاف  كارل دام: إنه بفضل مساعدة الصهاينة العملاء تمكنوا من إرسال أكثر من 400 ألف يهودي من تشيكوسلوفاكيا إلى الجيتوات ومعسكرات الاعتقال في الفترة ما بين 1941-1945. ويؤكد الكاتب الألماني "جوليوس مادير" أن هناك قائمة بأسماء الزعماء الصهاينة الذين تعاونوا بشكل وثيق مع النازيين تقع في 16 صفحة وأن من بين هؤلاء عددا ممن أصبحوا من كبار المسؤولين في "إسرائيل" مثل حاييم وايزمن، موشى شاريت، دافيد بن جوريون واسحق شامير وغيرهم، وأن أقرب المسؤولين النازيين إلى الصهاينة كان كورت بيخر وأدولف إيخمان  رئيس فرع W.B4في الجستابو، وهو الفرع الذي كان مسؤولا عن إبادة اليهود !

وعلى الرغم من العداء العلني الذي كانت الحركة الصهيونية لا تفتأ تظهره حيال النازية، وإلى حد فرض الابتزاز المالي والسياسي على الحكومات الألمانية المتعاقبة بعد الحرب الثانية، إلا أن الوثائق التي نشرتها مجلة "شيترن" تكشف العروض السرية التي تقدم بها الصاينة للتعاون مع ألمانيا النازية، فتشير هذه الوثائق إلى أن منظم "أرجون" الصهيونية الإرهابية، والتي كان إسحق شامير رئيس الحكومة الاسرائيلية الأسبق أبرز زعمائها قد أجريت اتصالات سرية مع النظام النازي، عن طريق الملحق البحري الألماني بسفارة ألمانيا في تركيا، ويتخلص هذا العرض الذي تقدمت به منظمة أرجون إلى الحكومة النازية، في أهداف المنظمة الإرهابية تتفق تماما مع أهداف حكومة الرايخ فيما يتعلق بضرورة إجلاء اليهود عن أوربا كخطوة على طريق إقامة نظام جديد هناك، أن هذا الإجلاء  لن يتحقق إلا بتهجير يهود أوربا إلى فلسطين، وبالتالي يمكن أن يتحقق تعاون مشترك بين الصهاينة والنازيين في هذا  الصدد، وضمان استمرار التعاون بعد إقامة الدولة اليهودية، في شكل معاهدة بين الكيان الصهيوني وألمانيا، ترعى المصالح الألمانية في الشرق الأوسط، وقد أبدت المنظمة الإرهابية استعدادها للاشتراك في العمليات الحربية إلى جانب ألمانيا، شريطة أن توافق على هذا العرض !


المستوطنة الصهيونية الأولى في فلسطين

قصة أولى محاولات اليهود في استيطان فلسطين، وقعت أحداثها في القرن السادس عشر، فرغم فشل المشروع، فإن المفارقة أن موقعه كان أول مدينة يطرد منها سكانها العرب-جميعا- ويحل محلهم مهاجرون يهود بعد قيام الكيان الصهيوني عام 1948. 

صاحب محاولة إقامة أولى المستوطنات الصهيونية في فلسطين يهودي يدعى خوان ميكاس، والذي عرف فيما بعد باسم يوسف ناسي، وهو يعتبر من أشهر اليهود وأكثرهم ثراء في عصره. ولد يوسف ناسي في البرتغال لعائلة يهودية معروفة من المرانوس (مسيحيون ظاهرا ويهود باطنا)، تسمى عائلة مندس. وعلى الرغم من شهرته، فإن المؤرخين لا يتفقون على تاريخ ولادته، ولكن يعتقد أنها كانت بين الأعوام 1515 و1520م. توفي والده عندما كان صغيرا، فرعته عمته (بياتريس دي لونا)، وقامت على تربيته ووجهته إلى التجارة ليساعد زوجها الذي كان من كبار تجار المال والأحجار الكريمة، ومنذ الصغر، لقّن يوسف بعض الطقوس والشعائر اليهودية، وعندما بلغ الثالثة عشر من عمره (سن البلوغ للذكر عند اليهود) أخبرته العائلة عن أصله اليهودي، وأن عليه أن يطبق الفرائض اليهودية سراّ كما تطبقها العائلة. بعد وفاة زوج عمته، قررت هذه المغادرة البرتغال لعدم شعورها بالأمن، فصبحت عائلتها ويوسف معها وتوجهت إلى بلجيكا حيث كان أخو زوجها يدير مصرفا تملكه العائلة في مدينة أنتورب.

   نشط يوسف في أعماله التجارية التي شملت بلجيكا وفرنسا وهولندا، وأصبحت لعائلته شراكة تجارية مع العائلة المالكة البلجيكية،ولكي تدفع الشبهة عنها كانت العائلة تداوم على الصلاة في الكنيسة والتبرع لها، ومع ذلك، فقد وشي بيوسف قبض عليه واتهم بكونه يهوديا باطنا، وقد ظل معتقلا لبضعة أسابيع إلى أن دخلت العائلة المالكة لإطلاق سراحه.

بعد هذه الحادثة بفترة من الزمن، قررت عمته أن تغادر بلجيكا إلى دار السلطنة العثمانية، حيث كانت تنوي أن تعلن عن يهوديتها هناك، إذ كان لليهود حرية إظهار دينهم وممارسة شعائره. وكانت السلطنة العثمانية قد استقبلت عشرات الآلاف من اليهود الذين طردوا من شبه جزيرة إيبريا.

 ولكن عمته لم تعلن عن نيتها وخططت لسفرها سراّ، وللتمويه عن ذلك، سافرت أولا إلى البندقية وكان ذلك في العام 1545 ولم يصحبها يوسف وبقي في بلجيكا للإشراف على تجارة العائلة، ولكنها عندما أرادت أن تغادر البندقية منعتها الحكومة وابنتها من السفر وحجزت على ممتلكاتها. وقيل إن أختها كانت قد وشت بها لنزاع مالي بينهما، وبقيت ممنوعة من السفر لسنتين إلى أن تدخل السلطان سليمان القانوني لإطلاق سراحها. وكان ذلك بتأثير طبيبه اليهودي هامون (ت 1004م) الذي كان على معرفة وعلاقة بعائلة مندس. وغادرت البندقية إلى القسطنطينية. وبعد فترة من وصولها، شهرت يهوديتها وأبدلت اسمها إلى غراسيا حيث عرفت بهذا الاسم فيما بعد. بعد بضع سنوات، التحق يوسف بالعائلة، وعند وصوله إلى حاضرة الإمبراطورية العثمانية، أشهر يهوديته هو الآخر واختتن كذلك، وتزوج من ابنة عمته. وعن طريق اليهود المتنفذين ومنهم طبيب السلطان أصبح يوسفناسي من حاشية السلطان وتوثقت علاقته كذلك بالصدر الأعظم رستم باشا زوج مهري ماه بنت السلطان من زوجته المفضلة روكسلانة خرم التي كانت ذات تأثير كبير عليه. وأصبح كذلك على علاقة وثيقة بسليم الثاني الذي أصبح سلطانا فيما بعد وصار من المقربين له، والمتنفذين عنده إلى حد أنه أعطي احتكار استيراد بعض السلع.

وكان السلطان يستفيد من يوسف ناسي  كثيرا في علاقات الدول الخارجية بسبب انتشار وكلائه من اليهود في الدول الأوربية خاصة والذين كانوا مسيحيين في الظاهر، حتى أنه اعتبر مستشارا سياسيا غير رسمي.

كان يوسف يهتم بأوضاع اليهود في أربا وبمساعدتهم. وكانت تصله أخبار عن اضطهاد اليهود من قبل بعض الدول الأوربية، وأكثر ما أثار حفيظته ما قام به البابا بولس الرابع عام 1555م من إصدار قرارات ضد اليهود، كان منها أمخر اليهود بالسكن في أحياء خاصة بهم (غيتو) ومنعهم من تطبيب المسيحيين أو استخدام عمال وخدم مسيحيين. كذلك فرضه عليهم لبس قبعات صفراء تميزهم عن غيرهم. وقد عين مندوبون لتطبيق هذه القرارات. كما جاءت الأنباء بحرق خمسة وعشرين يهوديا بتهمة الارتداء. وكانت الحالة تزداد سوءا حيث طرد اليهود من بعض المقاطعات التي كانت تحت نفوذ الكنيسة. عزم يوسف على القيام بعمل لمساعدة أبناء جلدته في هذه المناطق، ولكنه أيضا قرر أن يتأثر لهم. فأرسل هو وعمته رسائل إلى التجار اليهود في العالم بمقاطعة موانئ فينيسيا التي طبقت القرارات فيها، وطلبا منهم، كذلك أن يفرضوا حصارا على ميناء أنكونا في إيطاليا. ويعتبر هذا أول حصار اقتصادي قام به اليهود.

في الوقت نفسه، التمس يوسف من السلطان سليمان أن يتوسط لدى البابا من أجل اليهود، وقد استجاب السلطان إلى ذلك وأرسل رسالة للبابا بيد مبعوث خاص له، ويقول اليهود إن تدخل السلطان هذا كان من الحالات النادرة التي قام بها حاكم لمصلحتهم طوال تاريخهم.

لم يكتف يوسف بهذا، ورأى أن حل مشكلة اليهود في أوربا هو إيجاد مكان خاص بهم، ورأى أن المكان المناسب لذلك هو فلسطين. واستقر رأيه أن يعرض الفكرة على سليم الثاني الذي وفقه على رأيه واعدا بأن يكلم السلطان سليمان في الأمر. ويبدو أن يوسف ناسي قد اقترح مدينة طبرية لتكون نواة لمشروعه، ووافق السلطان على ذلك، وأصدر فرمانا بهذا الخصوص عام 1561م نص على تخصيص طبرية وسبع قرى حولها للمشروع، على أن يدفع يوسف نظيرا ذلك مبلغا معينا من المال. قد وقع الفرمان بالإضافة إلى السلطان ابناه مراد وسليم وربما كان سبب ذلك هو إلا يبطل الفرمان بموت السلطان.

كانت طبرية خرائب كما ذكر من زارها في هذه الفترة وما قبلها، فقد زارها أحد اليهود عام 1522 وقال عنها "كانت طبرية في الماضي مدينة عظيمة ولكنها الآن خرائب وأكوام من الحجر الأسود كأنه حرق بالنار، ولا يمكن أن يذهب أحد إلى هناك إلا مع قافلة وتحت حماية حاكم صفد حيث تدفع له الأجور من اجل هذه الحماية. ويوجد في طبيرة نخيل كثير كما توجد قرى عربية، وكان طبيرة أيضا محملة قبل هذا التاريخ، فقد قال عنها الرحالة ابن بطوطة (ت1377م) ثم سافرت منها صيدا إلى مدينة طبرية، وكانت فيما مضى مدينة كبيرة ضخمة، ولم يبقى منها إلا رسوم نتبع عن ضخامتها وعظم شانها .وفيها حمامات عجيبة التي لها بيتان أحدهما للرجال والآخر للنساء. وماؤها شديد الحرارة وفيها البحيرة الشهيرة (التي) طولها ستة فراسخ وعرضها زيد من ثلاث فراسخ وفيها مسجد يعرف بمسجد الأنبياء".  

طبرية ..لماذا ؟

يبدو أن اختيار طبرية كان مقصودا من قبل يوسف ناسي، فهو يعرف أهميتها عند اليهود المتدينين حيث يعتبرها هؤلاء من المدن الأربعة المقدسة عندهم في فلسطين. إذ كانت في فترة من الفترات مركزا دينيا لهم، حيث كتب فيها جزء من تلمود فلسطيني، كذلك شكل فيها نص  الثورات ووضعت عليها الحركات. وكان هذا تأثيرا بما قام به المسلمون إذ لم تكن الثورات مشكولة قبل هذه الفترة. كما توجد فيها قبور لبعض الحختمين المقدسين لذا هؤلاء مثل قبر الحاخام والفيلسوف المعروف موسى بن ميمون، حيث ما زالوا يزورونها إلى اليوم. وربما كان من الأسباب التي دعت يوسف إلى اختيارها وجود البحيرة وصلاحية الأرض للزراعة.

ولم يذهب يوسف بنفسه إلى فلسطين بل أناب عنه شخصا يهوديا كان يثق به ويعتمد عليه. وقد قابل هذا اليهودي السلطان وتسلم منه الفرملن ورسائل إلى حاكم صفدو ولي دمشق يطلب منهما مساعدته في توفير العمال الذي يحتاج إليهم في البناء خاصة من كان قرب طبرية، كما خصص له بعض المال وأرسل معه بعض خدمه كما أرسل يوسف معه بعض مستخدميه، وصحبه أيذا بعض اليهود الذي أرادوا السكن في الطبرية، وكانت مواد البناء كالرمل والجص متوفرة في المنطقة، ذلك توافر الحجر بكثرة من بقليا الأبنية القديمة. وشرع في إعادة بناء المدينة في حدود عام 1564 حيث بنى صور لها بطول 1500 ، وبنى له بابان، كما أعيد بناء البيوت وأقيم معبد كذلك، وأخذ اليهود يتوافدون على المدينة بعد ان شجعهم يوسف على ذلك، ووجه نداء لهم خاصة المرانوس منهم للهجرة إلى طبرية والسكن فيها وقد أنشأ وكالة سرية هو وعمته لتهريب اليهود إلى فلسطين وتركيا، كما استخدم سفنه من اجل هذا الغرض، وأخبرهم بأن نقلهم سيكزن على حسابه الخاص. وقد هوجم بعض هؤلاء في عرض البحر، وقد ذكر مؤرخ من هذه الفترة (أن كثيرا من اليخود قد ذهبوا في تلك السنة إلى الشرق، وفي أثناء رحلتهم هاجمنهم فرسان ماطا وغرق بعضهم في البحر، وأخذ بعض الآخر منهم أسرى)، وكان يوسف يدفع الفتية هؤلاء ويفك أسرهم.

كان من اليهود المهاجرين إلى الطبرية مجموعة من العمال المهرى من البتغال واليونان وايطاليا. وقد شجع يوسف هؤلاء خاصة على الهجرة أنه خطط لإقامة صناعة للأنسجة الصوفية والحريرية.

وصناعة هاتين المادتين تمر بمراحل عدة، حيث يمكن تشغيل عدد كبير من الناس فيها وربما كان هدفه من ذلك أيضا منافسة فينيسيا التي عرفت وقتها بصناعة المنمسوجات الحريرية، وأيضا للتأثر منها مما فعلته بعمته.

قام يوسف بجلب المواد الأولية لهاتين الصناعتين، حيث استورد كمية من الصوف  من اسبانيا، وجلب كمية من أشجار التوت لزراعتها وتلربية دودة القز لانتاج الحرير منها.

وظهر جليا من كل هذا أن هدف يوسف ناسي لم يكن من أجل غرض مادي شخصي، فهو كان رجلا ثريا حتى قيل من أنه كان من الأثرياء العالم في وقته، وأنه كان يقدم قروضا إلى بعض الدول مثل فرنسا وبولندا ولكن طريق تخطيطه تشير إلى أن دوافعه كانت سياسية، كان سقير فرنسا لدى الباب العالي فد أكد هذه الدوافع في رسالة إلى حكومته مؤرخة في سبتمبر عام 1563 موقد جاء في الرسالة ما نصه (إن يوسف ناسي قد حصل على فرمان من الباب العالي ووقعه كل من سليم  ومراد ابني السلطان لبناء مدينة على البحيرة الطبرية ليسكنها اليهود فقط. وهو بهذا يريد أن يحقق هدفه، فيبدأ من هنا ليجعل نفسه مالكا على اليهود، لذلك يطالب فرنسا بأمواله.

قد أثار المشروع مخاوف سلطان فلسطين من غير اليهود، فقد قدم المسيحيون والفلسطينيون شكوى إلى الباب العالي قالوا فيها (إن الغرض من هذا المشروع هو جعل الطبرية مملوءة بالأفاعي الخبيثة التي هي أكثر خبثا من تلك التي تسكن الخرائب). وأن هؤلاء اليهود يريدون أن يحولوا الكنيسة إلى كنيس) وقد حمل هذه الشكوى ممثل عنه إلى باب العالي، ولكنه لم يتمكن من مقابلة السلطان بل قابل الصدر الأعظم، لكن ذلك لم يؤثر على سير المشروع، كما أبدى سكان المنطقة معارضة شديدة للمشروع، حيث حدرهم شيوخهم من مغبة بناء مدينة يهودية في أوساطهم. وقالوا لهم أن بناء مثل هذه المدينة سيأثر على حياتهم وعلى عقيدتهم. قد تمثلت هذه المعارضة بقيام العمال منهم بالعصيان والإضراب، مخالفين بذلك أوامر الباب العالي وقد توقف العمل لفترة، ولكن ممثل يوسف ناسي ذهب إلى والي الشام وأخبره بإضراب العمال وتوقفهم عن العمل ومخالفتهم لأوامر الباب العالي. وقد وجه الوالي مجموعة من الجند على وجه السرعة إلى المنطقة وقبضوا على اثنين من شيوخ المنطقة واعتبروها محرضين على الإضراب وعاقبوهما بشدة، وذكرت بعض المصادر انهما أعدما، وعلى إثر ذلك اضطر العمال إلى الرجوع إلى العمل، ولكن سكان المنطقة استمروا بمهاجمة موقع البناء بين الحين والآخر، وبسبب ذلك تأخر البناء لبعض الوقت لكنه أكمل فيما بعد. وكان من المباني التي شيدت بيت لعمة يوسف ناسي حيث كانت تنوي السكن في طبرية،ويبدوا أن بناء المدينة قد أكمل في السبعينيات من القرن السادس عشر. فقد وصفها الزائر في هذه الفترة وقال عنها: "إن المدينة الطبرية ترى من بعيد وهي قريبة من الحيرة وتبدو وكأن قسما منها في وسط البحيرة وهي محاطة بصور قوي وتكثر فيها الأشجار".

واستمر اليهود بالهجرة إلى المدينة، وكان من ضمنهم بعض الحخامين وطلاب الدراسات الدينية الذين كانت ترعاهم وتنفق عليهم غراسيا عمة يوسف ولا يعرف على وجه التحديد الذي هاجروا إلى طبرية، إذ أن ليس عناك سجلات بهذا الخصوص، ولا يعرف كذلك حجم النجاح الذي حققه المشروع، ولم يذهب يوسف ناسي نفسه إلى طبرية طوال تنفيذ المشروع أو حتى بعد اكتماله، وقد ذكر من أسباب ذلك خوفه ممن تآمر أعدائه الكثير عليه كان منهم محمد صوقلليي الذي أصبح صدرا أعظم وقد ظلت علاقات هذا المشروع بالمشروع عن طريق وكلائه إلى أن توفى عام 1575م.

بعد وفاته، تبنى المشروع  يهودي من اصل برتغالي اسمه سلومون أبينياس، وكان هذا دبلوماسيا ومقربا من الباب العالي أيضا، وقد تحمس المشروع كثيرا وأرسل ابنه نيابة عنه، وأول ما قام به هذا هو عقد صلح مع سكان المنطقة الذين لم يكونوا قد قبلوا بوجود المهاجرين اليهود، كما أنه بنى لنفسه بيتا كبيرا يشبه القلعة، ولكن هذا الصلح لم يدم طويلا، وعاد  السكان يهاجمون المدينة حتى أصبح وضعا غير آمن، ولم يكن اليهود يخرجون منها إلا على شكل جماعات وبسبب ذلك، أخذ بعض اليهود بالهجرة من الدينة إلى مدن فلسطين الأخرى، إضافة إلى حدوث نزاعات بين اليهود أنفسهم  حول ملكية بعض العقارات.

وبعد وفاة سلومون أبينياس عام 1603 م وتحول ابنه لدراسة الدينية تدهور حال المدينة، وعندما زارها إيغوني روجر عام  1630 م لم يجد فيها إلا عوائل يهودية قليلة لا تزيد على عدد أصابع اليدين. واستمر تدهور المدينة حتى وصل وضعها ظغلى ما يشبه ما كانت عليه قبل أعمارها، ولفظ مشروع يوسف ناسي أنفاسه.

وفي عام 1740، من مدينة أزمير إلى طبرية حاخام مشهور اسمه حاييم بن موسى أبو العافية وهو من عائلة سفاردية معروفة بين اليخود مصطحبا معه أبناءه وبعض لأقربائه. وكان هذا الحاخام يريد إعمار طبرية بدافع ديني وليس  بدافع صهيوني، فهو كان يعتفد بأن ظهور المسيح المخلص اليهودي قد قرب وقته، وأن إعمار الطبرية سيجعل بظهوره. وقد طلب من الشيخ ظاهر العمر، الذي كان يسيطر على أجزاء وواسعة من فلسطين في الفترة، وفيما بعد على أجزاء من الأردن ولبنان، أن يسمح له بإعادة بناء المدينة، ووافق الشيخ ظاهر على ذلك. وقد أرسل الحاخام أبو العافية أبناءه إلى سوريا وغيرها من البلدان لجمع الأموال من الجماعات اليهودية. كما أنه دعا اليهود الحسيديم الذين كانت حركتهم قد بدأت بالظهور في هذه الفترة أن يلتحقوا به وأقنعهم بأن إعمار طبيرة سيجعل بطهور المخلص اليهودي، ووصل منهم جماعة إلى كبرية.

وأخذ الحاخام وجماعته يعملون بجد وحماس إعادة بنائها. ولكن لم تمض على عمل هؤلاء إلا سنتان حتى بدأت  المعارك بين سليمان باشا العظم والي دمشق والشيخ ظاهر العمر الذي رفض الخضوع لسلطة والي الشام. وفي عام 1742-1743 م تحصن العمر في طبرية فحاصرها العظم وأخذ لليهود على البقاء، فإن مجموعة منهم هربت وكان منهم ابنه. ولم تتوقف المعارك الا بعد أن توفي العظم فجأة وفك الحصار عن المدينة.

بعد انتهاء المعارك، أصلح ظاهر العمر سور المدينة الذي كان قد تضرر أثناء القصف. وكان الحاخام قد طلب من أتباعه مساندة العمر تعبيرا عن امتنانه للسماح لهم بالسكن في المدينة، وجعل انتصار العمر مناسبة ليهود طبرية يحتفلون بها سنويا. كما أن صهره كتب كتيبا بالعبرية يتحدث فيه عن المعارك التي دارت بين العظم والعمر عن انتصار هذا الأخير. وبعد انتهاء المعارك، رجع بعض اليهود إليها ومنهم غبن الحاخام الذي أصبح رئيس الجماعة اليهودية الصغيرة في طبرية بعد وفاة أبيه. وظلت المدينة كما هي، وظل عدد اليهود قليلا حتى أن عددهم في عام 1839م، لم يزد على بضع مئات من مجموع السكان، ولم تحي فكرة المشروع الصهيوني في المدينة إلا في بداية القرن العشرين بعد ظهور الحركة الصهيونية، حيث أصبحت طبرية مركزا لاستيطان المناطق التي حولها. كما أنها أصبحت أول مدينة يطرد سكانها العرب كلهم في عام 1948م، ويحل محلهم مهاجرون يهود.

ويعتبر مشروع يوسف ناسي المشروع الصهيوني الرئيسي قبل ظهور الحركة الصهيونية الحديثة.

وقد قالت عنه دائرة المعارف اليهودية "إن مشروع يوسف ناسي هو وحده الذي كان المحاولة العملية لإنشاء مركز سياسي يهودي في فلسطين بين القرن الرابع ميلادي والقرن التاسع عشر"، وفي المنهاج الدراسية الإسرائيلية في الوقت الحاضر يدرس مشروع يوسف ناسي صمن منهج التاريخ كمحاولة لإنشاء كيان يهودي في فلسطين.


العقلية اليهودية بعد قيام دولة إسرائيل

 

في عام 1935 كتب بيبر جومار البلجيكي في كتابه "إسرائيل يعود إلى دياره: إنك لا تجد اليهود شدرا على مائة دولة، لكن قوتهم تسيطر على كل هذه الدول المتفرقة أو مجتمعة إنك لا تجدهم ظاهرين أو مختفين على كل صعيد عالمي وكل طبقة اجتماعية وكل جوانب النشاط البشري. إنهم دائم مستعبدون، لكنهم يظلون أسيادنا في الوقت نفسه".

وفي عام 1935 ألقى الدكتور حاييم و ازمان محاضرة في القدس بعنوان النهضة اليهودية قال فيها: "لقد قلنا لسلطات لندن أننا سنكون في فلسطين سواء اردتم أم لا وقد تعجلون بذهابنا إليها أو تأجرونه ولكنه خير لكم أن تساعدونا وإلا انقلبت قوتنا البنائة الهدامة تنزل الدمار والفساد في العالم كله".

وفي العشر العشرينيات كتب الفرنسي هينري ذو منفريد عن مغمارته في تهريب الحشيش في مصر. وكان له وسيط يهودي يطوف به حارة اليهود بالإسكندرية فيظل الجميع أنه مثله. وهكذا تمكن على حد قوله من راية التجار اليهود على حقيقتهم فقال:

"إن الواحد منهم مستعد لأن ينتزع المجوهرات من جثت الموتى لاستيراد دينهم منها. إنه مستعد بأن يسرق مال اليتامى اذا استطاع ذلك شرعاً. ومع ذلك إن نفس اليهودي قد يقتل نفسه كي يعلم أولاده، كما أنه قد يعمل في أحقر المهن ليعول أبويه العجوزين وحتى الأباعد من أقربائه … إن فيهم سرا عريقا مثل جنسهم، ثابت لا يتغير كالزمان.

وإذا حدث أحرقت غريزتهم التجارية الشرسة عن مجراها الموعود لوجدت هذا السر يطفوا على السطح ليفعل العجائب".

هذه الأقوال الثلاثة تجعلنا نتساءل هل اليهود من طينة مختلفة ؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل هم فوق المستوى البشري كما يقول أحباؤهم ؟ أم دون مستواهم كما يقول أعداؤهم ؟.

إن علماء النفس يتفقون أن هناك ثلاثة عوامل رئيسية (هي: التوراث، والشتات والاضطهاد) قد جالبة شخصية اليهود التقليدي حتى أصبحت تتسم بست سمات نفسية رئيسية هي: القلق، الشك، الخوف، الشعور بالدونية، الحرص على التمايز، وعدم الثقة في غير يهودي. ولكن هناك عاملا مجهولا كان حاسما في تطوير الشخصية اليهودية الحديثة وأشار إليه الأديب الأمريكي اليهودي سول بيلو الحائز على جائزة نوبل في كتابه "إلى القدس ومنها" حين قال: "إن اليهود كما هو معروف جيدا يغالون فيما يطلبون من أنفسهم ومن بعضهم بعضا، ومن العالم ايضا. واحيانا اتساءل إذا كان هذا هو الذي يجعل العالم يضيق ذرعا بهم إلى هذا الحد".

المغالات إذن نزعة متاصلة في العقل اليهودي، ولكنها كامنة او لنقل أنها لا تبلغ حد الخطر إلا إذا استخدمت أغراض جماعية خصوصا لوضع حد فاصل بين يهودي وغير اليهودي (الأسمي). فإذا اكتفى اليهودي بمغالات فيما يطلبه من نفسه فقط للسعي الواحد من التفوق الفردي وحده.

أما إذا غالى فيما يطلبه من بني جلدته اة غالى ابناء جلدته فيما يطلبونه من كاتهامه بالخيانة اذا ايد اسرائيل مائة فقط وليس 300 في المائة، أو كأن يعتبر هو الفلسطنيين شبعا من المجرمين وليس من اللاجئين ويرضى لنفسه ما لا يرضى للآخرين قاعدة أزدواج المعيار القائلة بانه يجوزلليهود ما لا يجوز لغيره، فإنما يدخل بذلك في دائرة التفوق القومي العنصري وليس الفردي، وبذلك يدخل دائرة الخطرويصبح في عداد الصهيونيين الذين يتباهون بمرضهم العقلي المضل (البارانويا) إلى حد العجز عن التمييز في المعاملة بين اصدقائهم واعدائهم مثال ذلك أن الولايات المتحدة بكل جبروتها لم تقتل اسرائيليا واحد بينما قتلت اسرائيل عمدا 34 ضابط وجنديا امريكيا عندما دكت بالقنابل والرصاص والطوربيد سفينة التجنس الأمريكية الشهيرة "لبيرتي" في حرب 1967 واغرب من هذا ما حدث من تستر ومصادرة لكل ما كتب عن هذه الفضيحة إلى حد ان بعض الناجين من السفينة يصدرون حتى الأن نشرة دورية تتحدث عن تلك المهزلة، ومقابل ذلك كله لم يدفع اسرائيل التعويض عن خسائر السفينة (وهي 7 ملايين دولار فقط) الا بعد مساومة بشعة دامت 13 عاما وانتهت بنهاية عام 1980 بحجة أن الأمركيين بالغوا ف يتقدير قيمة السفينة .

وسوف نلاحظ مدى التغيير الذي احدتثه سمة المغالاة في كل نمط من الانماط الأربعة الرئيسية التي اصبحت عليها الشخصية اليهودية خارج اسرائيل وداخلها وهذه الأنماط هي:

1 – الشخصية اليهودية التقليدية خارج اسرائيل.

2 – شخصية الاسرائيلي غير المولود في فلسطين.

3 – شخصية المولودين في فلسطين (صابرا) خصوصا من اليهود الغريين (الأشكناز).

4 – شخصية الصابرا المولودين في الكيبوتسات.

  • النمط الأول: إن هذا النمط يتسم بالشك والقلق والخوف والشعور بالدونية والحرص على التمايز وعدم الثقة بغير اليهود. والسمات الأربع الأولى على الاقل موجودة في مرض البرانويا الماثور عن الشخصية الصهيونية باذات ويقول الاستاذ ايمانويل رايس بجامعة نيويورك في كتابه "محاضرات في الأمراض النفسية" ان المصابين بالبارانويا عدوانيون، شكاكون، يتهمون الآخرين بالتجني عليهم والتصميم واصحاب ذمة ومكدون في عملهم، ويستمتعون بالفكاهة أو يرتاحون اليها ويتحسون كل المظالم والأخطاء حتى قبل وقوعها يشعرون بالدونية ولتفاهة وكثيرا ما يحاولون اثبات قدرتهم بانتقادهم إلىخرين وجعل من يحرصون على ودهم ينفرون منهم".

وعدوانية العبرايين غنية عن الذكر فقد كان لتاريخهم "طابع البداوة الدموية العنيفة" في راي الدكتور جمال حمدان يشهد على ذلك أن 11 من مجموع 20 ملكا.

جاء ذكرهم في سفر الملوك الأول قد ماتوا قتلا على يدي بني جلدتهم. ويبدو أن تشتت اليهود لم يكن بسبب الاضطهاد والاحتلال  بقدر ما كان هربا من تناحرهم داخل فلسطين بدليل أن الجالية الهودية في مدينة الاسكندرية قبل ظهور المسيحية كانت أكثر عدادا من كل سكان مملكة يهودا، وبعد تشتت اليهود في عام 70 ميلادية دخلت هذه العدوانية وبعمرحلة الكمون ومع ذلك كانت ملامح صورة اليهودي التقليدي في العصور الوسطى هو أنه "كافر حليف الشيطان يستخدم السحر والسم يدنس الصور، يستخدم الدم في اعياد جشع يستنزف قوت الأخرين" أما في العصور الحديثة فصار "عشائريا ميالا للسيطرة انتهازيا مرتزقا لا يتورع عن شيئ"ثم استطاع جهاز الدعاية الصهيوني الجبار أن يجعل ملامح اليهودي رب أسرة ممتازة.

النمط الثاني: نهاية التاريخ: أما النمط الثاني فهو الشخصية الاسرائلية التي لم تولد في فلسطين وعالم النفس  اليهودي هيرمان روبنشتارين يرى أن أعراض البرانويا تلازم هذا النمط ايضا، بالاضافة إلى اشتداد مشاعر الشك في العرب والجهزة الدولية لكن الشعور بالدونية هنا قد حل محله – أو صاحبه – شعور متزايد بالتفوق على غير اليهود (الامميين) ومعروف ان مركب العظمة ومركب النقص بين السادية (التلذذ يتعذيب الغير) والماسوكية (التلذذ بتعذيب الذات). ويلاحظ هنا اشتداد نزعة المغالاة لدى هؤلاء "الحرس القديم" الذين يحكمون اسرا ئيل منذ قيامها ومع ان عليهم أن يختاروا بين امرين لا ثالث لهما هما الارض أو الأمن فان الطمع والتسلط يجعلانهم يصرون على الجميع بين الاثنين وهنا بالذات تتخذ سمة المغالاة طابعا قوميا شوفينيا يسميه الدكتور عبد الوهاب المسيري بظاهرة "نهاية التاريخ".

فهم يرون أن تاريخ الأرض المقدسة بدأ وانتهى ببني اسرائيل وان عرب فلسطين مجرد ضيوف عليها حتى لو اقاموا آلاف السنيين فيها، وحتى ولو كانت العبارنيين ان تستمر فيها أكثر من 500 سنة لم يتركوا خلالها اثر يذكر إذا قورنوا بما تركه الكنعانيون والفلسطنيون القدامى والعرب اللاحقون لهم.

النمط الثالث: نحن اسرائليون لا يهود: هذا النمط هو الجيل الصادر المولود في اسرائيل وأهم سيماته:

1 – الميل إلى العنف

2 – تمركز حول اسرائيل زمانيا ومكانيا (الغيتو الجديد).

3 – طموحهم منصب على الامان المادي والحياة الموريحة.

4 – الانتهاء القوي إلى اسرائيل ومجتمعها.

5 – عدم الاهتمام بالتاريخ اليهودي الحديث والضيق بالحديث عن الرواد الأوئل (الحالوتزيم).

6 – احتقار المهاجرين القدامى والجدد (والعرب طبعا).

في هذا النمط سمات جديدة هي عودة النزعة العدوانية القديمة وتحول الشعور بالدونية إلى شعور بالتفوق إلى حد احتقار المهاجرين اليهود ويجب الانستهين بنسبة الصابرا بين السكان وتزايد أهمية دورهم. فقد جاء منهم موشى دايان، وايغال يادين وآربيل شارون عندما قامت اسرائيل كانت نسبتهم نحو 35 في المائة من مجموع السكان، اما الان فانهم يتجاوزون نصف السكان بقليل.

النمط الرابع: هذا هو شخصية جيل الصابرا المولودين في الكيبوتسات والذي اظهرت دراسات ميلفود سبيرو وبرونو بتلهايم أن سماته الرئيسية الخمس هي: العدوان – الانطوائية – البرود الانفعالي (الفتور العاطفي) – الحقد – الشعور بالدونية. وتقترن عودة العدوان هنا بظهور سمتين جديدتين هما الحقد والبرود الانفعالي مع اختفاء سمة الاحتقار وعودة الشعور القديم بالدونية ومغزى هذا النمط هو أن الكيبوتسات كانت فخر الفكر الصهيوني وتجربته الثورية الرائدة في اعادة خلق الانسان والمجتمع اليهودي. لكن عدد سكان التجربة اخفقت اخفاقا اليما بدليل التضاؤل المستمر في عدد السكان الكيبوتسات وانتاجيتهم ومع أن الكيبوتسات صورة مصغرة من المزارع الجماعية في البلدان الاشتراكية فانها كانت أقل نجاحا ومع ذلك يساق السائح الأجنبي لقضاء ليلتين فيها ليرى هذه "المفخرة" التي أصبحت بؤرة لمدني المخدرات، والشيان المتبلدين عاطفيا، والاطفال الذين يبللون فراشهم حتى سن متأخر كما لا حظ سبيرو.

إن التجربة الإسرائيلية أبرزت اسوأ ما في العقل اليهودي بغض عن انتصاراتها المادية والمعنوية الكثيرة.

فإذا كانت السمات التقليدية فيه هي القلق، والشك، والخوف، والشعور بالدونية، والحرص على التمايز، وعدم الثقة بغير اليهود، فإن الحياء العقيدة الصهيونية لعامل المغلاة (أو "العامل المضاعف" بلغة علم الاحصاء) قد ضاعف من شدة هذه السمات إلى حد افساد الشخصية اليهودية مثال ذلك:

1/ظهرت العدوانية التي كانت كامنة في الشتات ثم تفاقمت فصارت الجريمة المنظمة (المافيا) اسلوبا مألوفا في الحياة اليومية الاسرائلية.

2/اتنقلب الخنوع التقليدي والشعور بالدونية فأصبح غطرست حتى مع الاصدقاء واحتقار صريحا حتى للمهاجرين اليهود (القدامى منهم والجدد) وهؤلاء بدورهم يحتقرون غير اليهود.

3/استفحل الشك بالعالم الخارجي والمنظمات الدولية خاصة إلى حد العجز عن التمييز بين الانصار والخصوم (ضرب السفينة الامريكية ليبرتي).

4/اشتد القلق إلى حد انعدام الثقة بالمستقبل (أصبح المهاجرون إلى اسرائيل أقل من النازحين منها).

5/تزايدة نزعت الخوف إلى حد التقديس المرضي للامن حتى ظهرت امراض نفسية لا يعرفها الطب النفسي (اضراب الأطفال عن الطعام خشية مصرعهم عندما يكبرون ويساقون إلى جبهة القتال).

6/الامعان في الاحساس بالتمايز والتفوق ازاء الاممويين إلى حد الولع بالتسلط حتى على الدول الصديقة (السيطرة على مراكز القوى في الغرب وخاصة الولايات المتحدة).

وعن النقطة الاخيرة يجدر الذكر ان البحوث التي أجرتها كل من العالمة الامريكية الراحلة مارغريت ميد، والعالم الأمريكي اليهودي هيرمان تتفق على "أن تقسيم العالم إلى يهود وإلى غير يهود من المكونات الأساسية في الهوية اليهودية ..." وإن وضع الحدود بين اليهود وعالم الامميين مزال له تأثير غلاب حتى في اسرائيل نفسها.

"واستطاعتنا أن نسوق عشرات الأمثلة على ما ترتب على هذا التقسيم من ازدواج المعيار وعدم معاملة الغير بالمثل".