Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

دور الإعلام في معركة التحرير الجزائرية/المعارك السرية لمخابرات الجزائرية" المالك"/الجزؤ الاول

 

دور الإعلام في معركة التحرير

المعارك السرية لمخابرات الجزائرية المالك صد الاستعمار الفرنسي
الجزاء الاول       

 

حاولت جمع شتات الفكر بعد مرور الأعوام والسنين من العمل الإعلامي لألقي اليوم بعض الضوء على ميدان لم يعد خطره خافيا على الناس سواء كانوا مسؤولين أو مجرد متتبعين للأحداث.

وتشعب موضوع الإعلام عموما، وبخاصة إبان عهد الكفاح المسلح حتم علي ضبط الأمر في رؤوس أقلام تسهل على كل مهمتهم للإلمام بالقضية، إضافةة إلى وقاية الراوي من الإنزلاق وراء المعلومات التقريبية، أو السقوط في متاهات التقديرات النسبية خصوصا ولم يسبق للمتحدث أن كتب مذكرات في لإبان، أو حافظ على وثائق تساعد اليوم على التعمق في القضية المطروحة. لكن هناك أحداثا منقوشة في الصدر كأنها رسوم منقوشة في الصخر، وسيكون تناولي للموضوع حسب المرتكزات التالية:

أولا: الإعلام عبرالوسائل السمعية

ثانيا: الإعلام عن طريق الصحف ومختلف النشريات

ثالثا: الإعلام عن طريق الوسائل السمعية البصرية

رابعا: الإعلام عبر وسائل أخرى

خامسا: قضايا إعلامية متفرقة

سادسا: خاتمة

ولنبدأ بالوسائل السمعية رغم أنها كانت لاحقة للصحف ولمختلف النشريات نظرا لإتساع قاعدة من يصلهم الصوت الإذاعي مقارنة بعدد من يحسنون القراءة:

 

1) الإعلام عبر الوسائل السمعية:

1.1: الإذاعة السرية:

        بدأت المرحلة الأولى لهذه الإذاعة بجهاز إرسال من نوع PC 610 منتقل عبر شاحنة من نوع  GMC  أخرجت من القاعدة الأمريكية بالقنيطرة بالمغرب عام 1956.

وكانت هذه الإذاعة تبث برامجها متنقلة عبر وهاد وفجاج منطقة الريف الخاضع سابقا للحكم الإسباني ساعتين إثنتين يوميا على الموجات القصار حسب التقسيم التالي:

أ- ساعة كاملة باللغة العربية تششتمل على:

- أخبار عسكرية.

- أخبار سياسية.

- تعليق بالفصحى.

- تعليق بالدارجة.

ب- نصف ساعة بالأمازيغية

ج- نصف ساعة بالفرنسية.

وإذا كان صاحب الفضل في الحصول على الشاحنة وما فيها من أجهزة هو الفقيد رشيد زثار رحمه الله فإن كيفية خروج الشاحنة من القاعدة العسكرية الأمريكية بقيت غامضة.

فمن قائل أنه اختلسها من داخل القاعدة الأمريكية إلى مؤكد أنه اشتراها من أحد الضباط كانت له به صلة.

كان الإعلان عن برامج الإذاعة يتم بهذه العبارة:

" هنا إذاعة الجزائر الحرة المكافحة"

" صوت جبهة التحرير وجيش التحرير الوطني يخاطبكم"

" من قلب الجزائر"

أما المناضلون الطين أسندت لهم مهمة إعداد وتسيير الإذاعة السرية في مضمونها خصوصا التعاليق والبرامج السياسية والأخبار العسكرية فهم:

- السيد مدني حواس

- الأخ رشيد نجار

- الأخ المسمى"يوغرطة"

- الأخ بالعيد عبد السلام

- الأخ عبد المجيد مزيان

- الشيخ رضا بن الشيخ الحسين

- الأخ الهاشمي التيجاني

- المرحوم سيدي الشيخ وهو من طلبة الزيتونة.

من هذه القائمة أساسيون استمروا أمد طويلا، ومنهم من بقي مدو معينة ثم كلف بمهام أخرى كالأخوين بالعيد عبد السلام وعبد المجيد مزيان.

وكان الإشراف على الأجهزة التقنية يتم على يد تقنيين جزائريين من بينهم الأخ عبد الرحمن الأغواطي "سي العروسي" الأخ موسى وكذلك الأخ عبد الكريم حسني.

أما جهاز اللاسلكي فقد كان يعمل عليه الأخ علي قراز المعروف باسم"منقالة " MANGALA

هنا ينبغي أن نشير إلى أن السلطات الإستعمارية، بعد عجزها عن التشويش على برامج إذاعتنا المتنقلة عن طريق بث أغاني عربية من مركز إذاعي بالجزائر على نفس موجات إذاعتنا الفتية، عمدت عدة مرات إلى محاولة تحديد المكان الذي تتواجد فيه سيارة البث المتنقلة لسحقها، وتمكنت في إحدى المرات من تحديد موقعها، فأرسلت طائرة أطلقت أنوارا كاشفة تمهيدا لقنبلة سيارة البث، غير أن يقظة الحراسة وسرعة التصرف أفشلت محاولة العدو.

وللذين يتساءلون عن اسباب توقف بث الإذاعة السرية أشهرا عديدة بين عامي 57 و58، نلفت انتباههم إلى أن توقف البث منشؤه أسباب تقنية بحتة مرجعها عدم قدرة الجهاز المتنقل على مواجهة الإحتياجات اللازمة، وكان لابد من دخول مرحلة جديدة تفرضها التطورات المعتبرة الواقعة داخل الثورة في جميع الميادين وخصوصا في الميدانيين العسكري والسياسي.

وبالفعل فقد اقتنينا أجهزة جديدة تم تنصيبها بالقرب من مدينة الناظور بالإتفاق مع المسؤولين المغاربة.

وعاد البث مرة أخرى أقوى مما كان عليه، واستحدثت فترة صباحية وأخرى زاولية بالإضافية إلى الفترة الليلية الرئيسية.

 

مرحلة الإستقرار:

في عمارة بمدينة الناظور المغربية تم ترتيب استديو بكامل تجهيزاته، ونصبت آلات البث على بعد 15 كلم تقريبا. وتم افتتاح الإذاعة بمحضر الأخوين سعد دحلب وبوعلام بالسايح.

وقد سبق للأخ الشهيد رمضان عبان أن زار محطة الإذاعة قبل وفاته أثناء مرحلة تنقلها من موقع لموقع.

الجدير بالذكر أن كلمة افتتاح الإذاعة السرية قد كتب نصها الفرنسي وألقاها الأخ سعد دحلب بينما كتب التعليق بالعربية الأخ مدني حواس وألقاه الأخ عيسى مسعودي صاحب الصوت الرمز للثورة الذي وصل في نفس اليوم   02/07/1959 قادما من تونس، لتعزيز الطاقم افذاعي المتكون من الإخوة:

- مدني حواس- )عبد اللطيف)

- خالد سافر

- كمال داودي

- محمد بوزيدي

- سي محمد السوفي

- دحو ولد قابلية

- مولاي

- مصطفى التومي

- خالد التيجيني

 

أما المشرفون على الأجهزة التقنية فيها، فيمكن أن نذكر من بينهم:

- الأخ عيسى

- الأخ عبد المجيد قوار

- الأخ قدور ريان

- الأخ محمد مقيدش

- الأخ سعيد غماري

- الأخ لوصيف محمد " المعروف " بـ "القوردو" EL GOURDO

 

وهنا نذكر أن الاتصال كان مستمرا بين المشرفين على الإذاعة ومركز القيادة الأقرب بوجدة وذلك عن طريق مناضل اسمه بوثلجة كان يقوم بمهمة الاتصال باستمرار ممتطيا دراجة نارية.

وتحسبا لكل الطوارىء، أمر القائد الفقيد " سي المبروك " وهو ( عبد الحفيظ بوصوف ) رحمه الله ، أمر باقتناء ثلاثة أجهزة إرسال بقوة 15 كيلووات لكل واحد ، ثم وضع اثنين في مكانين مختلفين بمنطقة الناظور أما الثالث فقد أمر بإبقائه في الصناديق كقطع غيار يمكن الاستنجاد بها عند الحاجة.

هذا وأشير إلى أن جهاز آخر من نوع 610 PC للتلقي والاستماع قد أقيم في (وجدة) لتتبع الأخبار ليس فقط السياسية والعسكرية لكن وبالخصوص لمراقبة تعليمات العدو لوحداته العسكرية.

وهنا ينبغي أن نذكر بأن جهازا مثيلا مركزا في مدينة " الكاف " بغرب القطر التونسي قد مكن المشرفين على أجهزة الاتصال التابعة للثورة من فك شفرة العدو وهو الرمز المعروف (CODE SLIDEX) مما يعتبر بحق انتصارا كبيرا لجهاز الاتصال الجزائري جديرا بالتنويه

* * *

        هذا ما يمكن أن يقال باختصار عن الإذاعة السرية التي تتميز بأنها كانت جزائرية مائة بالمائة في برامجها و توجيهاتها و إطاراتها السياسية و التقنية على حد سواء.

        و كان احتضان سكان الريف الأشاوش لها بكل ما جلبوا عليه من صفاء و إخلاص رمزا لوحدة متينة صادقة منزهة عن كل شعار دعائي أو رابط مزيف.

        برامج الإذاعة الثابتة كانت تبث ثلاث مرات يوميا تدوم كل فترة ساعتين :

البرنامج الأول يبدأ على الساعة الخامسة صباحا.

البرنامج الثاني يبدأ على الساعة الواحدة ظهرا.

البنامج الثالث يبدأ على الساعة الثامنة مساءا.

و إذا كانت مصادر الأخبار في مرحلة التنقل الأولى مستقاة في أغلبها من مختلف الإذاعات، فإن الأمر قد تغير كثيرا بالنسبة للإذاعة الثابتة التي تعتمد على منشورات الثورة و في مقدمتها جريدة "المجاهد" إضافة إلى إعطاء أهمية لأدب الثورة، فضلا عن بث توجيهات القيادة الثورية و القيام بتحليلها و بث الأناشيد الوطنية و الحماسية.

        و فيما يلي مختارات من برامج الإذاعة السرية

الجزائر في أسبوع :

و هي عبارة عن عرض إخباري لنشاط الثورة السياسي و الدبلوماسي في سبعة أيام.

من أدب الثورة :

و هو عبارة عن برنامج أسبوعي تقدم فيه بصوت الأخ عيسى مسعودي قصائد ثورية جزائرية أو عربية، من بينها قصائد عديدة للمرحوم محمد بوزيدي.

أخي المواطن ثقف نفسك :

و هو عبارة عن برنامج للتكوين السياسي موجه إلى جنود جيش التحرير الوطني و المسؤولين السياسيين داخل المناطق و الولايات.

قارتنا السمراء :

كان هذا البرنامج يتابع تطورات القارة الإفريقية و كفاحها من أجل الاستقلال، و كان يرمز في نفس الوقت إلى الترابط النضالي بين كفاح شعبنا، و كان يرمز في نفس الوقت إلى الترابط النضالي بين كفاح شعبنا، و كفاح القارة، و هو في الأخير دليل قاطع على أن الثورة الجزائرية كانت تؤكد في كل مناسبة بعدها الإفريقي.

و بالطبع هناك برامج أخرى تتعلق بالمواضيع التاريخية و غيرها من البرامج بحيث تغطي الأسبوع كله.

 

2.1 – صوت الجزائر من تونس :

        كان برنامج "صوت الجزائر" عبر الأمواج التونسية مقسما إلى فترتين : الأولى خاصة بالأنباء العسكرية و الثانية للتعليق السياسي.

        يدوم البرنامج من 20 إلى 30 دقيقة و يتم بثه ثلاث مرات في الأسبوع.

        يستهل البرنامج بنشيد "قسما" لشاعر الثورة الراحل مفدي زكرياء رحمه الله و ينتهي بنفس النشيد، يفصل الفترتين العسكرية و السياسية نشيد "الله أكبر" الذي راج بنجاح عند العدوان الثلاثي على القنال خريف 1956.

        هنا ينبغي أن أنوه برجل غمط حقه باعتباره أول من لحن نشيد "قسما" و هو الموسيقار التونسي الشهير الأستاذ محمد التريكي أطال الله في عمره.

        فقد كانت له صلة حميمة و قديمة بشاعرنا مفدي زكرياء الذي سبق أن درس بتونس، و كان يتردد عليها بعد ذلك بين الحين و الآخر مما حدا به إلى إرسال النص من باربروس حيث كان سجينا إلى صديقه بتونس الأستاذ محمد التريك الذي اغتنم تواجده كأستاذ موسيقي بدار المعلمين و المعلمات بالمراكض بتونس ليسجل نشيد الثورة، بعد تلحينه بمجموعة صوتية منتقاة من دار المعلمين المذكورة قوامها 250 شابا و شابة.

        و اهتمام الأستاذ محمد التريكي بالقصيد جعله يلحن المقاطع الخمسة كل مقطع بلحن يناسب معناه إضافة إلى ما يسمى باللوازم و هي الفواصل بين المقاطع بحيث صار النشيد يستغرق كاملا قرابة 12 دقيقة.

        و كان نشيد قسما بلحن الأستاذ محمد التريكي هو أول ما سمعه الناس كلحن مميز لحصة صوت الجزائر التي تفتح هكذا بصوت الإذاعي التونسي اللطيف السيد محمد المحرزي.

"هنا صوت الزائر المجاهدة الشقيقة"

        و غني عن الإشارة إلى أن لحن محمد فوزي للنشيد لاحقا هو الذي شاءت الأقدار أن يحل محل لحن الأستاذ محمد التريكي في برنامج صوت الجزائر بل حاز أعلى شرف لاختياره فيما بعد نشيدا رسميا للجمهورية الجزائرية.

        إني – إذ أحيي بهذه المناسبة الفنان الكبير الأستاذ محمد التريكي – أرجو أن تبحثوا معي على نص تلحينه لنشيد قسما – خصوصا و أنا على قناعة تامة بأن الجهد الذي قام به لا نسبة بينه و بين من مكان الحظ حليفه فيما بعد.

        فإذا كان لحن الموسيقار محمد فوزي قد فرض نفسه لخفته و سلاسته، فإن عمل الأستاذ محمد التريكي عمل سمفوني دسم أرجو أن تتاح لنا الفرصة العثور عليه كجزء من تاريخ كفاحنا الإعلامي و لبنة في صرح مغربنا العتيد، كما أتمنى أن تتاح للدارسين في مجال الموسيقى و الأنغام فرصة دراسته و تحليله و مقارنته بغيره حتى يكتشفوا مستواه المعتبر.

        هذا و إذا كان الأستاذ محمد التريكي قد وفى بالأمانة فلحن النشيد كاملا كما ورده من الأستاذ مفدي زكرياء، فإن النص اذي تسلمه الفنان المصري محمد فوزي عليه رحمة الله كان قد بتر منه المقطع الذي يشهر بفرنسا و توعدها مطلعه : "يا فرنسا قد مضى وقت العتاب". كما حذفت كلمة "فرنسا" من المقطه الذي مطلعه : "نحن جند في سبيل الحق ثرنا".

        فعوض "لم تكن تصغي لنا فرنسا إذا نطقنا" حذفت كلمة "فرنسا" و أصبح التعبير للمجهول إلى اليوم هكذا : "لم يكن يصغى لنا لما نطقنا"

        الرابح أن الدافع إلى هذا التحوير هو إقناع بعض الأوساط السياسية في تونس و في غيرها مسؤولي الجبهة إلى ضرورة الفصل بين الاستعمار الفرنسي و بين الشعب الفرنسي الذي يوجد عدد من أبنائه في معارضة حكومته إن لم يكونوا صراحة في صف الثورة و الثوار.

        فهؤلاء التحرريون يناصرون كفاح الشعب الجزائري، لكنهم لا يرضون لاسم فرنسا أن تلوكه الألسن اعتباطان فكان لهم ما أرادوا.

أعود إلى الحصة في حد ذاتها .

مصادر الأخبار

سبق أن قلت أن الحصة كانت تشتمل على جزئين : الجانب السياسي و الجانب العسكري.

لمقتضيات القضية كنا نبدأ بأنباء المعارك و العمليات الفدائية، و كانت مصادرنا ثلاثة :

ما كان يأتينا من قيادتنا العسكرية على مستوى الولايات و المناطق و النواحي ثم – بعد تكوين الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية – ما يصلنا من بلاغات عن طريق وزارة القوات المسلحة.

ما تتناقله وكالات الأنباء الأجنبية بما فيها بلاغات العدو التي كنا نكفيها حسب تحليلنا لأسلوبه في الحرب النفسية.

ما يصرح به الأفراد من مواطنينا الذين يلجأون تحت قهر العدو إلى الحدود التونسية.

قلم الرقيب :

كنت أذهب ثلاث مرات في الأسبوع بمعيةأخي سي عيسى محمودي إلى محطة الإذاعة  التونسية قصد عرض أدبياتنا على السيد رئيس التحرير التونسي قبل تسجيلها.

كنا طبعا نتحاشى دوما فيما سنسجله – لأن الحصة كانت لا تبث على الهواء مباشرة – ما يمكن أن يحرج الجانب التونسي من قريب أو من بعيد.

غير أنه يحدث بين الحين و الآخر خلاف ينتهي في أغلب الأحيان أن لم يكن في كل الأحيان لصالح صاحب الدار.

أعطيكم مثالين أحدهما في جزء الأنباء العسكرية و الثاني في التعليق السياسي.

عبر الرقيب و كان و قتها شخصا إسمه أحمد بن سالم عن دهشته لنتيجة معركة وقعت بجبال الأوراس دامت ثلاثة أيام بلياليها استخدمت فيها المدفعية الثقيلة و الطائرات الاستعمارية حسب ما جاء في بلاغنا الذي انتهى بعدد كبير من القتلى و الجرحى في صفوف العدو بينما لم تسجل في صفوف الثوار سوى خسائر محدودة.

قال رئيس التحرير بأن هذا البلاغ العسكري غير جدي إلا إذا افترضنا كما قال بأن الجنود الفرنسيين يضربون بقنابل مصنوعة من الصوف خلافا للثوار الذين يجاهدون برصاص حقيقي.

و عبثا حاولنا اقناعه بأن التضاريس في الأوراس تسمح للثوار نيل مأربهم من الجيش الاستعماري خلافا للجحافل الاستمارية التي يخطىء من يعتقد بأن تعدادها و تسليحها العصري يكفيها للقضاء على من يعرفون كيف يتسترون و متى يهجمون.

ثم وجه لنا رئيس التحرير "نصيحة" يدعونا بمقتضاها إلى عدم مجاراة الأشداء، مشيرا علينا بضرورة التركيز على الاعتداءات و على القمع المسلط على شعبنا و على الدمار الذي تلحقه قوات الاستعمار بمواطننا و ما يملكون، راجيا منا عدم التعنتر بذكر بطولات المجاهدين أو الفدائيين.

و كنا آنذاك أمام خيارين، إما الآذعان "لنصيحة" رئيس التحرير أو الخروج من مكتبه دون تسجيل الحصة.

و نقحنا الخبر للضرورة القصوى و سجلنا الحصة.   

الحقيقة لاي لا مكن إغفالها هو أن شخصين لعبا دورا مهدنا و توفيقيا في كل مرة يصل تيار الخلاف حدا كبيره هما الأخ سي عبد الله شريط في المرحلة الأولى ثم الأخ سي محمد يزيد بعد توليه وزارة الأخبار عند تأسيس الحكومة المؤقتة.

أمل المثال الثاني و الخاص بالتعليق السياسي فأمر يدعو حقا الدهشة، و فيما يلي موجزه.

ترأس إحدى حكومات الجمهورية الرابعة اللفرنسية السيد بورجس موندري و قد سبق أن شغل منصب وزير الدفاع.

و قد تميزت عهذه بتكثيف التجنيد حتى أصبح عدد العساكر في الجزائر يتجاوز نصف المليون عسكري بما فيهم جنود الاحتياط.

و قلنا في التعليق السياسي بأن الاستعماري بورجس ستنال من عزينة شعبنا على افتكاك حقه في الحرية و الاستقلال.

و اعتبر الرقيب أن كلمة "الاستعماري" التي نعتنا بها رئيس الوزراء الفرنسي في غير محلها و أنه ينبغي أن تحذف.

و تمسكنا بأن الكلمة ليست شتيمة، بل هي صفة تنطبق تماما على المسؤول الفرنسي.

هنا قال لنا السيد بن سالم بأن بورجس موندري كانوراء دعم مالي للحكومة التونسية يقدر بمليار و نصف مليار ... و أنه لا يحق أن يشتم هذا الرجل لمساعد لتونس على أمواج إذاعة تونس.

و لما ألححنا على ضرورة بقاء الكلمة نبهنا إلى أن برنامج صوت الجزائر برنامج تونسي بحكم عنوانه "صوت الجزائر المجاهدة الشقيقة".

و عبرنا على إصرارنا، و وصل بنا النقاش إلى طريق مسدود فقال الرقيب : أرجوكم أعذروني : لو كنت عضوا في الحزب الدستوري لوافقت دون تردد على كل ملتريدون و ما تكتبون، لكني عكس ذلك، و ليس لي سند، فكل صغيرة أو كبيرة ستسحب علي و سأدفع ثمنها غاليا ...أنتم لا تعلمون ما يحدق بي من أخطار .. رجاء ساعدوني"..

و هممنا أن نقول : كف نساعد على السكوت على المنكر، ثم سكتنا في المكتب و عبرنا عن احتجاجنا خارجه.

و ما انتظرنا طويلا، فتم نقل السيد أحمد بن سالم إلى مهمة أخرى، و تحسنت الأمور بتولي كل من السيدين الشاذلي القليبي ثم الحبيب بولعراس بعده مقاليد الأمور في الإذاعة، و واصلت الحصة مسيرتها حية تذكي الهمم و تطلع الرأي العام الجزائري و المحلي على مجريات معركة التحرير عسكريا و سياسيا و دبلوماسيا إلى أن صدر مقال في جريدة "المجاهد" اللسان المركزي لجبهة التحرير الوطني تحت عنوان "الخبز المسموم" إليكم مجمل ملابساته :

الخبز المسموم

        كان لصدور مقال افتتاحي في العدد 27 من جريدة "المجاهد بتاريخ 22 جويلية 1958 أثر الصاعقة على المسؤولين التونسين.

        كان السبب في نشره هو توقيع الحكومة التونسية على عقد مع شركة TRAPSA البترولية القرنسية يقضي بمد أنبوب ينقل البترول الجزائري من العجيلة جنوب شرق القطر الجزائري، إلى مرفأ السخيرة التونسي قرب قابس.

        و قد اعتبرت قيادة الثورة هذا الإجراء من طرف الحكومة التونسية بمثابة طعنة في ظهر الجزائر المجاهدة و خرقا لاتفاقية طنجة التي لم يمض على توقيعها من طرف القيادات السياسية المغاربية الثلاث أكثر من عشرة أسابيع.

        لم ينفع التحذير المسبق خصوصا و قد كان موقف ليبيا و المغرب منسجما و متماشيا مع ضرورة التضامن الفعلي بين بلدانالمغرب العربي.

        فقد رفض الملك إدريس السنوسي تشجيع الاتفاقية مما دفع بكل من الحكومة اليبية و كذا البرلمان الليبي إلى رفض مغريات الشركة الفرنسية التي كانت تفضل مد الأنبوب عبر ليبيا لقصر المساقة و سهولة العبور.

        كما رفض المغرب الشقيق تكرير البترول الجزائري الخام في مصفاة القنيطرة باعتباره ملكا لشعب شقيق يقاوم المحتل.  

        لكن القيادة التونسية تذعرت بضرورة تحقيق الخبز اليومي لمواطنيها حسب تعبير أحد المسؤولين التونسيين آنذاك، و كان الرد الجزائري هو أن ما يسمى بالخبز اليومي ليس سوى "خبز مسموم".

 

ردود الفعل على المقال :

        كان أول رد فعل على المقال هو إيقاف حصة "صوت الجزائر" من طرف السلطات الفرنسية، و الحقيقة أننا نحن الذين تم توقيفنا. فلم يعد صوت عيسى مسعودي يكهرب الجماهير، كما لم عد صوتي الأجش على موعد مع من ألفوا تتبع القضية في بعدها الساسي.

        و سمح لنا - بعد تدخلات شتى دامت حوالي شهر - بالعودة إلى الاستديو لتسجيل حصة تحمل إسم "صوت الثورة الجزائرية" يتم بثها على موجة قصيرة أي لا تسمح في تونس خلافا للموجة المتوسطة التي تبلغ بكامل الوضوح إلى جماهير الشعبين الجزائري والتونسي.

        الشيء الإيجابي في برنامج "صوت الثورة الجزائرية" هو ثراؤه و تنوعه من حيث المادة الإعلامية مما جعلنا نستعين بعناصر جديدة نذكر منها :

- الأخ الشاعر محمد بوزيدي رحمه الله (للتعليق بالدارجة).

- الأخ العربي سعدوني رحمه الله (للتعليق بالأمازيغية).

- السيد سيرج مشال (للتعليق بالفرنسية)

        و كان الشاعر الفحل مفدي زكرياء لا يتأخر عن المشاركة بفضه الغزير ترسيخنا للأدب الثوري في معركة التحرير.

        طبعا كل هذا يضاف إلى القسمين العسكري و السياسي الثابتين في كل حصة.

        لعلكم كانت الحصة يومية و تدوم نصف ساعة.

 

صوت الثورة الجزائرية من ليبيا :

أ- محطة طرابلس :

        على غرار الشعب الليبي الذي فتح قلبه الجياش آنذاك للمجاهدين الجزائريين، فتحت إذاعة طرابلس أمواج أثيرها لصوت الجزائر الثائرة ثلاث مرات.

        و كان يشرف على الحصة المكونة من أنباء عسكرية و تعليق  سياسي الأخ بشير قاضي ثم الأستاذ محمد الصالح الصديق فالأخ عبد الحفيظ أمقران.

        غير قوة الإرسال التي كانت تصل بوضوح لسكان الجنوب التونسي، لم تكن تغطي القطر الليبي بأكمله الذي كانت وقتنئذ مملكة فيديرالية تتكون من ثلاث ولايات ذات كان سياسي ذاتي هي حسب الأهمية السكنية : ولاية طرابلس، و ولاية برقة و ولاية فزان.

        و كانت لكل ولاية هيئة حكومية خاصة تعلوها جميعا حكومة فيديرالية بنت لها عاصمة سمتها "البيضاء" غير أن الملك إدريس السنوسي كان يقيم في مدينة طبؤق.

        إذا كانت إمكانيات ولاية فزان محدودة جدا، فإن حكومة ولاية برقة و عاصمتها بنغازي لم ترد أن تبقى متأخرة على طرابلس، ففتحت بدورها مجالات في إذاعتها لصوت الجزائر.

 

ب- محطة بنغازي :

        كان صوت الثورة الجزائرية ينطلق من إذاعة بنغازي ثلاث مرات في الأسبوع كنظيره في طرابلس، و كان الأخ عبد الرحمان الشريف يقوم بتنشيط الحصة بمعية مناضل ليبي إسمه عبد القادر غوقة.

        و لما تم تعييني على رأس المكتب في ماي 1962، واصلت المهمة محافظا على مساهمة الأخ غوقة الذي صار فيما بعد ثورة الفاتح سفيرا لبلاده في إحدى العواصم العربية.

        كان المبدأ هو تسجبل الحصة قبل بثها، لكن حدث مرات و مرات أن كنا نصل إلى الأستوديو في الدقيقة الأخيرة لأسباب قاهرة، فيسمح لنا ببث البرامج على الهواء مباشرة دون مشكل يذكر.

        المرة الوحيدة لاي لم يسمح فيها الرقيب (وزير الأخبار) بإذاعة النص كان بمناسبة حشد جماهيري في بنغازي أكدنا فيه بأن البلدان العربية لن يكون لها شأن على سطح الأرض ما لم تحذ حذو الدولتين العظيمتين في الوحدة و جمع الشمل، فما قسمة أمريكا لو  لم تكنالولايات المتحدة الأمريكية ؟ و ما قيمة روسيا لو لم تكن ضمن اتحاد الجمهوريات السوفياتية ؟

        و اعتبر الرقيب أن هذا الكلام يصلح أن يبث من إذاعة القاهرة لا من إذاعة بنغازي التي لم تكن حكومتها مرتاحة للقومية العربية و لما اعتبرته دعاية للناصرية.

        المهم أن صوت الجزائر كان له تأثير جبار على الجماهير سواء من محطة طرابلس أو من محطة بنغازي.

        و كان هم الشعب الليبي الوحيد في ذلك الوقت هو متابعة أحداث ثورتنا سياسيا و عسكريا.

        و كانت لجان دعم ثورتنا و تسمى "لجان نصرة الجزائر" تقوم دوريا و في كل مكان بجمع التبرعات من مال و لباس و أدوية لصالح معركة التحرير الجزائرية.

        و كان الشعب الليبي بأكمله منجدا لنصرة الجزائر إلى درجة أن عدد الذين يدفعون اشتراكا شهريا سواء في المدن أو الأرياف و حتى لدى بدو الصحاري عدد لا يحصى، و كم من متسول تراه يذهب في آخر النهار إلى مكتب جمع التبرعات فيسلم للمسؤولين حصيلة يومه.

 

صوت الثورة الجزائرية من القاهرة :      

        مازال الجيل الذي واكب الثورة و لن يزال يذكر الدور الفعال الذي لعبته إذاعة "صوت العرب" الناصرية إنطلاقا من العاصمة المعزية في شحذ الهمم و التصدي الناجح للحرب التي كانت تشنها القوات الاستعمارية ميدانيا و إعلاميا.

        فصوت أحمد سعيد الرهيب بجانب أصوات أبو الفتوح و محمد عروق و السنهوري و أمين بسيوني و كذلك أناشيد فايدة كامل و نجاح سلام و سهام رفقي و كارم محمود و محمد قنديل و المجموعة الصوتية لصوت العرب و غيرهم سيبقى يرن في وجدان الملايين إلى آخر رمق.       

        غير أن هذا لا ينبغي أن ينسينا أنه كانت هناك في نفس الوقت و على نفس الموجات أصوات جزائرية محضة تعبر عن وجهة نظر الثورة الجزائرية و قيادتها، لا عن رؤية الثورة الناصرية لحركة التحرير الجزائرية.

        هكذا نلاحظ أن مكتب الإعلام الجزائري بقيادة الأخ سعد دحلب كان قد جندا عددا من المناضلين و حتى من الطلبة للقيام بإلقاء تعاليق سياسية في بعض القنوات الإذاعية المصرية خصوصا إذاعة "صوت العرب" و كذا في القناة الموجهة لأوروبا.

        و كان الأخ الفقيد عدة بن قطاط رحمه الله هو الناطق باسم الثورة في برنامج إذاعي باللغة الفرنسية موجه من إذاعة القاهرة الدولية إلى فرنسا.

و كانت حصته لا تتجاوز ربع ساعة تبث يوميا كل مساء تحت عنوان :

Un Algérien Parle aux Français

(جزائري يخاطب الفرنسيين)

"Raisonnons Ensembles"

 

        أما إذاعة "صوت العرب" فقد بدأنا نشاكنا عبر أمواجها بتعليق سياسي يومي تحت عنوان : "صوت

 

جبهة التحرير الوطني يخاطبكم من القاهرة "

        و قد نوالي عليه عدد من الإخوة أذكر منهم :

- عبد القادر بن قاسي رحمه الله.

- رشيد نجار

- علي مفتاحي رحمه الله.

- محمد قسوري.

- تركي رابح عمامره و غيرهم ...

        و لم يستقر في البرنامج إلا الفقيد عبد القادر بن قاسي الذي كان صوته بل إلقاؤه متميزا على الآخرين فثبت خلافا لغيره حتى الاستقلال.

        هذا البرنامج كان أسبق من غيره من حيث الزمن، فقد بدأ في 1956، و تبعه بعد تكوين الحكومة المؤقتة برنامج ثاني باللغة الفرنسية تحت عنوان :

"ICI LA VOIX DE LA REPUBLIQUE ALGERIENNE"

"هنا صوت الجمهورية الجزائرية"

 

        كان المشرف على هذا الركن هو الأخ ابراهيم غافة وتلا هذا البرنامج على أمواج إذاعة "صوت العرب" تعلق سياسي يومي بالدارجة المهذبة كان لي شرف تحريره  و إلقائه في آخر الفترات الإذاعية غير أنه - رغم نجاحه - لم يدم طويلا لظروف قاهرة.

 

ألغام تحت خطي رجل الإعلام :

        هنا ينبغي التنبيه إلى أن كاتب التعليق او محرر التحليل الساسي يجد نفسه في عديد من الأحيان في ظلام دامس خصوصا إذا كان بعيدا عن مصدر القرار، و مع ذلك لا يجد مندوحة عن التواجد اليومي أمام الميكروفون لأنه على موعد ثابت مع المستمعين.

        و يتسبب هذا أحيانا في لوك ما سبق قوله أو في الحماس المفرط الذي يؤدي بصاحبه إلى الإنزلاق في متاهات تتسبب له و لغيره في حرج كبير.

        أسوق لكم مثالا عن هذه الحالة :

        بعد مظاهرات 11 ديسمبر 1960 التاريخية في العاصمة الجزائرية كتب الأخ ابراهيم غافة تعليقا بالفرنسية يقول فيه ما معناه ، أن حق تقرير المصير أمر تجاوزته الأحداث ، و أن على الجنرال ديغول الاعتراف باستقلال الجزائر و إلا فإن الثورة سيشتعل أوراها أكثر من ذي قبل إلى أن يطرد آخر فرنس من الجزائر.

        و ما كان الأخ ابراهيم غافة و لا أي عضو بمكتب الإعلام و لا حتى في البعثة الدبلوماسية الجزائرية بالقاهرة و في مقدمتها رئيس البعثة الفقيد الشيخ توفيق المدني على علم بأن هناك اتصالات بسويسرا بين قيادة الثورة و الحكومة الفرنسية.

        في الصباح الموالي لإذاعة التعليق، تقدم الوفدان لمواصلة الماحثات، فبادر المندوب الفرنسي نظيره الجزائري الفقيد أحمد فرنسيس يستفسره عما إذا كان مبدأ تقرير المصير مازال القاعدة التي على أساسها ينبغي أن تتواصل المناقشات بين الطرفين، فرد الأخ أحمد فرنسيس بالإيجاب.

        و هنا أخرج الوفد الفرنسي نص التعليق الذي ألقاه الأخ ابراهيم غافة في الليلة السابقة على أمواج إذاعة "صوت العرب" من القاهرة و قال له : "إن المتحدث باسمكم في القاهرة يرى غير ما ترون، فاتفقوا فيما بينكم و تعالوا بعد ذلك للتفاوض".

        اتصل المرحو م أحمد فرنسيس فورا بالفقيد عبد الحفيظ بوصوف الذي كان يرقب سير المباحثات من مكان قريب، و هكذا و بكيفية مفاجئة نزل "بوصوف" مطار القاهرة و توجه لمقر الحكومة المؤقتة بجاردن سيتي و جمع كل الإطارات هناك و في مقدمتهم أعضاء مكتب الإعلام.

        لم يفصح (سي مبروك) عن أن هناك اتصالات سرية مع الجانب الفرنسي لكنه نصحنا بكبح جماع الحماس، منبها إلى الموقف الرسمي للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية التي قبلت مبدأ تقرير المصيركأساس للمفاوضات مع فرنسا.

        و أدركنا كلنا و في المقام الأول أعضاء مكتب الإعلام خصوصا الأخ ابراهيم غافة بأن تعليقه عن تقرير المصير هو الذي كان هذه المرة سبب زيارة (سي مبروك) الخاطفة للقاهرة.

        و ما أزال أذكر إلحاح الأخ غافة في المطالبة بالخط السياسي لجبهة التحرير كما يسهل عليه القيام بدوره كرجل بدوره كرجل إعلام و كمعلق سياسي. كما لن أنسى جواب الأخ سقراط (عبد المالك بن حبيلس) له بجملة كأنها نكتة تفلسف واقع رجل الإعلام آنئذ.

        قال سقراط للأخ غافة و الكلام موجه للجميع : "إذا بقيت في أمان و أنت تواصل تعاليقك، فأنت في الخط، أما إذا نزلت عليك صاعقة، فاعلم و تيقن أنك خرجت عن الصراط المستقيم".

        هذه الواقعة نموذج يبين صعوبة دور رجل الإعلام الميداني في الثورة.

        فهو مكلف من جهة بإبراز تقدم القضية و نجاحها، كما هو مأمور   من جهة أخرى بالحذر و المحافظة على سرية المعلومات مما يجعله مجرد مبلغ لنشاط يتسم بالخفاء و الكتمان في عديد من الأحيان.