Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

حزب جبهة التحرير الوطني يزلزل فرنسا بمظاهرات 17 أكتوبر1961

حزب جبهة التحرير الوطني يزلزل فرنسا بمظاهرات

17 أكتوبر1961

صالح مختاري

لم تكن مظاهرات 17 أكتوبر وليدة الصدفة، بل كانت تعبيرا صادقا على مدى الوعي الذي وصل أليه الشعب الجزائري في ظل الهيمنة الاستعمارية التي حاولت بكل ما أوتيت من قوة طمس مقوماته و إخماد وطنيته ، لكنها لم تفلح في ذلك ، نظرا لأمان هذا الشعب بقضيته العادلة التي كانت تتطلب منه نضالا مستميتا و شجاعة نادرة ، فكانت مظاهرات 17 أكتوبر 1961 التعبير الحقيقي لنضجه السياسي .

إن  مظاهرات 17 أكتوبر 1961 التي هزت فرنسا من الداخل كانت احدي الحلقات المهمة في تاريخ الثورة التحريرية و عملا ميدانيا كانت جبهة التحرير وراءه  .

البعض يجعل من عام 1924 بداية ظهور ما أسموه  بالوطنية العصرية ، و المتمثلة بالدرجة الأولي في شخص الأمير خالد ، الذي تبني النضال السياسي، فإن هناك شخصيات جزائرية كانت سابقة في هذا النضال منذ دخول الفرنسيين الجزائر عام 1830 و كان علي رأس هؤلاء حمدان خوجة صاحب المرآة الذي عبّر عن موافقته السياسية فكانت النتيجة هي نفيه من الجزائر ، و بالتالي فإن  عام 1924 ما هو في الحقيقة الاّ حلقة مميزة من تاريخ الجزائر المعاصر و مرتبطة بظروف معينة أوجدتها حتمية تاريخية .

و بحكم هذه الظروف التاريخية وقعت هجرة كبيرة نحو فرنسا دفعت بالجزائريين إلى نقل نضالهم هناك، رغم المحن و المآسي فكانت هذه الهجرة وراء ظهور أكبر تنظيم سياسي الا وهو نجم شمال أفريقيا الذي أصبح تحت تصرف الجالية الجزائرية التي نادت من خلاله  بالاستقلال .

 و بناء علي نشاط هذا الحزب تبلورت بين أبناء الجالية الجزائرية فكرة النضال السياسي من أجل الاستقلال و أصبح لدى الأغلبية أحدي المسلمات ، و قد جسد هذا الشعور الوطني فيما بعد حزب الشعب الجزائري ، الذي نقل النضال السياسي من الجزائر إلى فرنسا و استطاع بدوره أستقطاب أعداد هائلة من الجزائريين إلى صفوفه و تأسيس هياكل قاعدية له في فرنسا ذاتها.

يعود الفضل في تأسيس هذه الهياكل داخل التراب الفرنسي : الدور الذي لعبه مصالي الحاج و المكانة التي استطاع أن يحتلها بين أفراد الجالية الجزائرية و هذا أكسبه شعبية كبيرة إلتفت حوله و لفترة طويلة .

و رغم الهزات العنيفة التي عرفها حزب الشعب بسبب الخلاف الحاد بين زعيم شخص مصالي الحاج و أعضاء اللجنة المركزية ، فإن المبادئ الأساسية الهادفة إلى تحقيق الاستقلال بقيت راسخة لدى القاعدة الشعبية ، المؤمنة بحتمية النضال بكل أنواعه سواء السياسي منه أو المسلح ، هذا الأخير الذي كان ضروريآ في مرحلة فقد فيها النضال السياسي مكانته وأصبح حبرا علي ورق فكانت إنطلاقة الثورة المباركة في غرة نوفمبر 1954 ورغم هذه التحولات داخل التراب الوطني إلا أن الهياكل القاعدية التي وضعت حزب الشعب داخل التراب الفرنسي بقية علي ولائها لمصالي الحاج ، عدا الأقلية القليلة التي تفاعلت إيجابيا مع اندلاع الثورة و رأت في العمل المسلح الطريق الوحيد المؤدي للاستقلال ، و من جهة أخرى رأت ضرورة تعبئة المهاجرين الجزائريين و ترسيخ فكرة الثورة المسلحة ، لذا عملت هذه الأقلية على خلق نواة لفدرالية جبهة التحرير الوطنية داخل التراب الفرنسي .

و نظرا للشعبية الكبيرة التي كان يحظى بها زعيم حزب الشعب مصالي الحاج لم يكن بإمكان ممثلي جبهة التحرير الوطني السيطرة علي جزء ولو قليل من أبناء الجالية الجزائرية ، لذا كان ينتظرهم عمل جبار لتحسيس المهاجرين بالثورة و حتميتها ، و مع مرور الوقت ، تمكن أعضاء فيدرالية جبهة التحرير الوطني من كسب جزء كان ضد الجبهة ، التي أثبتت للجميع أنها هي الوحيدة التي تقود الثورة المباركة و هي بحاجة ماسة إلى كل أبنائها داخل و خارج التراب الوطني ، و بالفعل تمكنت الجبهة من السيطرة على مناطق تواجد المهاجرين الجزائريين في فرنسا و ذلك مع مطلع عام 1957 ، و مع اتساع رقعة نشاطها من أربعة مناطق إلي ستة في عام 1959 ، رأت من الضروري الاعتماد علي التنظيم المحكم حتي لا يقع أعضاؤها في قبضة السلطات الفرنسية بناء علي التعليمات التي كانت تقدم من طرف لجنة التنسيق و التنفيذ ، و من أهم توجيهاتها هو العمل علي إرباك السلطات الفرنسية عن طريق الأعمال التخريبية ، و الهدف من ذالك هو زعزعة الأمن الداخلي ، و قد أوكلت هذه الأعمال التخربية إلي منظمة خاصة تحت إشراف  فيدرالية الجبهة  المباشرة .

هذه المنظمة الخاصة ظهرت في فرنسا عام 1957 ، و هي منظمة سرية هدفها القيام بأعمال تخريبية داخل التراب الفرنسي ، قصد زعزعت الاستقرار الداخلي ، و كانت منطقة لعراش بالمغرب مركز تدريب أعضاء اللجنة و ارتكز نشاطها في باريس و نواحيها و من أبرز أعمال هذه المنظمة هي اغتيال علي شكال و ذلك أمام الرئيس الفرنسي آنذاك رونيه كوتي .

و لم يكن من السهل علي السلطات الفرنسية أن تهضم ما كان يحدث داخل أراضيها من أعمال حساسة تمس أمنها و مصالحها لذا كان رد فعلها عنيفآ و قويا ضد الجالية الجزائرية حيث طبقت عليها حظر التجول إلي جانب الممارسات اللاإنسانية ضدها مثل الاعتقالات العشوائية بين صفوفها إلي جانب المداهمات و الحبس ، لكن هذه الأعمال الوحشية لم تضعف عزيمة جبهة التحرير الوطني في الاستمرار في النضال رغم المحاولات الفاشلة التي حاول من خلالها بعض القادة الفرنسيين و على رأسهم الجنرال ديغول من فرنسة الجزائر عن طريق سياسة الاندماج التي لم ترض بها جبهة التحرير و قاومتها بشدة ، مما خلق في نفوس هؤلاء نوعا من الخوف من هذه القوة المتنامية التي أصبحت تضرب فرنا في الصميم و من داخلها

علي ضوء العمليات المسلحة المتوالية ضد قطاعات حيوية فرنسية مثل نسف السكك الحديدية و إشعال المخازن المخصصة للمواد الخام إلي جانب الهجومات المتكررة علي مراكز الشرطة و غيرها ، رأت السلطات الفرنسية ضرورة الإسراع في تطبيق حظر التجول قصد تطويق مناضلي جبهة التحرير الوطني و كان ذلك في 27 أوت 1958 

و بحلول عام 1961 و بالتحديد في 17 من أكتوبر ، كانت الهمجية الفرنسية قد وصلت ذروتها في معاملتها لأبناء الجالية الجزائرية في فرنسا ، فالعديد منهم زج بهم في غياهب السجون و المحتشدات و منهم من استشهد و هناك من نقل إلي السجون و المحتشدات بالجزائر لا لشيء إلآ لكون الجزائري هذا ساند ثورته بماله ، و ما يملك .

كان الهدف من هذه العمليات المسلحة داخل التراب الفرنسي هو الضغط علي السلطات الفرنسية حتى تتوقف عن عملية تدعيم تواجدها العسري داخل الجزائر الذي أثر سلبا على المجاهدين ، و بالتالي التخفيف من الضغط العسكري المتزايد .

لذا رأت فدرالية جبهة التحرير الوطني أنه من الضروري القيام بمسيرة سلمية تعبيرا عن الوضعية المزرية التي آلت إليها الجالية الجزائرية من جراء المعاملات اللاإنسانية ، و بسبب الظلم و الإضطهاد اليومي الذي كانت تتعرض له وقد جعلت من باريس العاصمة الفرنسية نقطة إنطلاق للمظاهرات التي شملت فئات عديدة كان علي رأسها العمال و الطلبة ،

و حتى النساء و الأطفال،  ليتسع لهيبها في جل المناطق الستة حيث التواجد الجزائري بكثافة و كذالك حيث السيطرة الفعلية للفدرالية و بالتالي انضم إلى هذه المسيرة بعض الفرنسيين المحبين للسلام.

من أشهر المحتشدات التي خصصتها السلطات الفرنسية للجزائريين داخل التراب الفرنسي نذكر منها : سان موريس لوزاك - لردواز إلخ .

و ما أن بدأت الشعارات و الصيحات تدوي في شوارع باريس و ضواحيها حتى واجهتها السلطات بكل قسوة رغم سلميتها ، مستعملة كل أنواع الردع  بما فيها الذخيرة الحية ، و قد سالت دماء الجزائريين غزيرة من أجل كلمت حق لا أكثر ، و بعد تفريق المتظاهرين ، بدأت الاعتقالات بين صفوفهم

و محاكمتهم محاكمات غير عادلة ، هذا إن لم نقل محاكمات جائرة و بدأت الشرطة السرية في مداهمة المهاجرين محاولة منها كشف المنظمة السرية و تفكيكها ، و بالتالي ضرب جبهة التحرير الوطني في الصميم .

لقد كانت مظاهرات 17 أكتوبر منظمة ومعدة من طرف فدرالية جبهة التحرير الوطني ، و كانت كذلك بمثابة دفع قوي للثورة خارج حدودها الإقليمية ، و برهنت علي مدي قوة الترابط العفوي بين أبناء الجزائر في الداخل و الخارج .

و بالتالي فإنها حلقة من حلقات نضال هذا الشعب الأبدي عبر مراحل كفاحه التحريري ، و عكست مدي وعي و نضج الجالية الجزائرية المهاجرة بمصير وطنها ، و أن المطالبة بالاستقلال و العمل علي تحقيقه بكل الطرق ، السلمية منها أو العسكرية و ما هذه المظاهرات تحقيقه بكل الطرق ، السلمية منها أو العسكرية و ما هذه المظاهرات في حد ذاتها إلاّ تعبير صادق عن قوة و إيمان الجالية المهاجرة بحتمية ثورة نوفمبر و تحديا كبيرا لأعتى قوة استعمارية و تحسيسها بأن إرادة الشعوب لا تقهر .