Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب الحروب السرية على الجزائر المحروسة /مواقف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من الاستعمار / المؤلف صالح م

مواقف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

من الإستعمار

 

تأسست جمعية العلماء في 05 ماي 1931 م بنادي الترقي بالجزائر العاصمة وضمت رجال الطرق والإصلاح في سنتها الأولى وإنتخب الإمام عبد الحميد بن باديس رئيسا لها، ولم يتمكن الإصلاحيون من فرض آرائهم إلا في سنة 1932 م، وولد بن باديس سنة 1889 م بقسنطينة أين تمدرس وواصل دراسته في جامع الزيتونة بتونس، وعند عودته من البقاع المقدسة سنج 1913 م إشتغل بمهنة التعليم الحر في قسنطينة، وإلى غاية عام 1925 م ركز جهوده في تربية وتعليم الأطفال والشباب العلوم الدينية من حديث وتفسير، واللغة العربية ومبادئ التاريخ والحساب، وبعد عشر سنوات من التدريس أثمرت جهوده في تكوين شباب متشبع بقيم الحضارة الإسلامية ساعده في نشر دعوته الإصلاحية في كافة التراب الجزائري، عندئذ تفرغ بن باديس لنشر دعوته عامة مخاطبا الشعب والحكومة الفرنسية، فأسس لهذا الغرض جريدة المنتقذ في 2 جويلية 1925م لك بعد صدور ثمانية عشر عددا أوقفتها السلطات الفرنسية، فأصدر جريدة أرى في نفس السنة اسمها الشهاب والذي استمرت في الصدور حتى عام 1929 م ثم تحولت إلى مجلة شهرية إلى غاية عام 1939م حيث توقفت نهائيا، ول يدخل في المعركة السياسية إلا في الثلانينيات حيث حارب عدة جبهات في مقدمته الاستعمار ورجال الطرقية

 ورجال التبشير المسيحي ودعاة الفرنسة وذلك عن طريق الدفاع عن مقاومات الشخصية الجزائرية المتكونة من العقيدة واللغة العري والثقافة الإسلامية، وفي هذا الصدد كتب في إحدى الصحف النطاقة باسم جمعية العلماء الجزائريين " أن الأمة التي لا تحترم مقوماتها من جنسها، ولغتها، ودينها، وتاريخها لا تعد أمة بين الأمم، ولا ينظر إليها إلا بعين الاحتقار مع القضاء عليه في ميادين الحياة بالتقهقر والاندحار".

وبمناسبة الاحتفال الكبير الذي نظمه الاستعمار الفرنسي سنة 1930م لإحياء الذكرى المئوية لاحتلال الجزائر رد عليهم بن باديس في قصيدة شعرية مشهورة نذكر منها البيتين التاليين:

شعب الجزائر مسلم ... وإلى العروبة ينتسب

من قال حاد عن أصله ... أو قال مات فقد كذب

يا نشء أنت رجاؤنا... وبك الصبح قد إقترب

خذ للحياة سلاحها   وخض الخطوب ولا تهب

ورغم أنه لم يكن من دعاة الإستقلال جهرا لظروف وأسباب معينة، إلا  أنه كان بالطبع من المتحمسين لها وفي نفس الوقت يدرك أيضا أن الطريق طويل وصعب، وأن تحرير البلاد لا يأتي إلا بالعمل على بعث مقومات الشخصية الجزائرية من سباتها العميق ولكن كان على يقين أن الجزائر ستنال يوما ما إستقلالها. وهذا ما تنبأ به في أحد مقالاته في الشهاب عام 1936م حيث قال: إن الإستقلال حق طبيعي لكل أمة من أمم الدنيا، وقد إستقلت أمم كانت دوننا في القوة والعلم، والمنعة والحضارة، ولسنا من الذين يدعون علم الغيب مع الله، ويقولن إن حالة الجزائر الحاضرة ستدوم إلى الأبد، فكما تقلبت الجزائر مع التاريخ فمن الممكن أنها تزداد تقلبا مع التاريخ، وليس من العسير بل إنه من الممكن أن يأتي يوم تبلغ فيه الجزائر درجة عالية من الرقي الأدبي وتتغير فيه السياسة الإستعمارية عامة وتصبح البلاد الجزائرية مستقلة إستقلالا واسعا تعتمد عليها فرنسا إعتمادا الحر على الحر«. وفي يوم 16 أفريل 1940 م توفي أب النهضة الجزائرية عن سن يناهز إحدى وخمسين سنة تاركا من ورائه رجالا أكملوا رسالته إلى يوم الإستقلال. ولم يكن عبد الحميد بن باديس في نضاله لوحده بل كان من حوله علماء أجلاء أمثال البشير الإبرهيمي، الذي خلفه في رئاسة الجمعية بعد وفاته ومبارك الميلي والطيب العقبي والأمين ا لعموودي والعربي التبسي وتوفيق المدني والشاعر محمد العيد آل خليفة، ولكهم تخرجوا من الجامعات الإسلامية بالمشرق العربي، وكانت شعارهم  »الإسلام ديننا، العربية لغتنا، الجزائر وطننا«. وهي في نفس الوقت إمتداد للحركة الإصلاحية التي قادها في المشرق جمال الدين الأفغاني وشكيب أرسلان، وكانت الجمعية تهدف إلى تربية النشى وفق التعاليم الإسلامية مستلهمة أفكار الإصلاحي الشيخ محمد عبدو، وتطهير العقيدة الإسلامية من البدع والضلالات والخرافات  التي أحدثها رجال الطرقية في الدين الإسلامي، ومحاربة الجهل والآفات الإجماعية، كالميسر والخمر وكل مار يحرمه الشرع وذلك بالرجوع إلى السلف الصالح، وكذلك إحياء اللغة العربية التي كانت مهددة في عقر دارها وتقوية الشعور بالشخصية الوطنية. ومن أجل ذلك أنشأت عبر التراب الوطني عدّة جمعيات ثقافية رغم مضايقة ومراقبة سلطات الإحتلال لها، ففتحت مدارس حرة تدرس العلوم باللغة العربية، وبلغ عددها 90 مدرسة سنة 1947  و 181 عام 1954  وضمت 40.000 تلميذا، كما إستعلمت المساجد للوعظ والإرشاد والنوادي والجرائد لنشر أفكارها، ومن أهم الجرائد السنة 1933 م وخلفتها »الشريعة« ثم عقبتها جريدة الصراط وأخيرا البصائر 1935م، وكانت تصدر باللغة العربية، و إبتداء من عام 1936  إعتنت الجمعية بالجالية الجزائرية في فرنسا خوفا من انسلاخها عن عروبتها وإسلامها وذوبانها في المجتمع الفرنسي، ولهذا الغرض بعثت إلى فرنسا الشيخ الأستاذ الفضيل الورتلاني وأمدته بمجموعة من المعلمين، وفعلا إستطاع أن يفتح عدة نوادي بأحياء باريس يقدم فيها الوعظ والإرشاد وتعليم أطفال المهاجرين مبادئ اللغة العربية والدين الإسلامي والتاريخ الجزائري، وقد ساعد نشاط جمعية العلماء في تنمية الحس السياسي لدى الكثير من زعماء الثورة التحريرية دفعت بهم إلى الإنضمام إلى حزب الشعب ومن بعد صفوف جبهة التحرير الوطني، فقد كان خطابها ديننا لكن ذا أبعاد سياسية، وفي عهدها الأول حاربت أنصار سياسة الإندماج، وهذا ما يتبين من تصريح إبن باديس الصادر في شهر أفريل 1936 م في مجلة الشهاب ردا علي المقال الذي كتبه فرحات عباس بالفرنسية أنكر فيه وجود الشخصية الجزائرية في التاريخ الجزائري بقوله : نحن العلماء نتكلم بإسم أغلبية الشعب. نقول للذين يزعمون أنهم فرنسيون، لا تمثلوننا، إننا نحن فتشنا في التاريخ، وفتشنا في الحالة الحاضرة، فوجدنا الأمة الجزائرية المسلمة متكونة موجودة كما تكونت ووجدت كل أمم الدنيا، ولهذه الأمة تاريخها الحافل بجلائل الأعمال، ولها وحدتها الدينية، واللغوية، ولها ثقافتها الخاصة، وعوائدها وأخلاقها بما فيها من حسن وقبيح، شأن كلّ أمة في الدنيا. ثم إن هذه الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا ولا تستطيع أن تصير فرنسا، ولو أرادت، بل هي بعيدة عن فرنسا كل البعد، في لغتها وأخلاقها، وفي عنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج، ولها وطن محدود معين، هو الوطن الجزائري،  بحدوده  المعروفة.

كما لم تتدخل في عهدا الأول في شؤون السياسة لأن قانونها الأساسي كان يمنعها من ذلك، وبمجيء الجبهة الإشتراكية للحكم أعيد الأمل للحركة السياسة الجزائرية، فبدأت الجمعية تتحرك سياسيا عن طريق مشاركتها في المؤتمر الإسلامي الجزائري الذي إنعقد في 07 جوان 1936 م بسينما الماجيستيك الأطلس حاليا والواقعة بحي باب الواد الجزائر العاصمة، وتبنى المشاركون ميثاق المؤتمر والذي شمل مجموعة من المطالب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما طالبوا بإلحاق الجزائر بفرنسا والتمثيل بالبرلمان الفرنسي، وإلغاء الولاية العامة الجزائرية ومجلس النيابات المالية ونظام البلديات المختلطة، وعين المؤتمر وفد للذهاب إلى فرنسا ليقدم مطالبه للحكومة الإشتراكية التي كان يترأسها ليون بلوم، وكان يضم من الجمعية الشيخ عبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي والطيب العقبي والأمين العمودي، والمنتخبون الدكتور بن جلول وفرحات عباس إضافة إلى ممثلين عن شرق وغرب وجنوب الجزائر، و استقبل الوفد من طرف رئيس الحكومة الفرنسية ليون بلوم والنائب موريس فويليت الوالي العام السابق للجزائر، وعند رجوعهم إلى أرض الوطن أقيم تجمع كبير بالملعب البلدي بالعناصر وقدم الوفد تقريرا عن مهمتهم بباريس، وفي نفس السنة قدم مشروع بلوم فيوليت BLUM - VIOLLETTE

 إلى البرلمان، ويمنح هذا المشروع حق المواطنة الفرنسية لفئات معينة من المجتمع الجزائري المتحصلة على شهادات تعليم والمنتخبين والعسكريين ذوي الرتب والموظفين مع المحافظة على أحوالهم الشخصية الإسلامية، وسانده كل من المؤتمر الإسلامي بما فيه جمعية العلماء والحزب الشيوعي الجزائري، وقبل مناقشته من قبل البرلمان ارتفعت أصوات المعمرين الأوروبيين خاصة منهم النواب منددة ومستنكرة هذا المشروع وبعثتت بوفد إلى فرنسا لإلغائه وهدد بالإستقالة الجماعية وبالإنفصال في حالة قبلوه، وأخيرا ألغت الحكومة هذا المشروع، فخبت آمال المؤتمر الإسلامي، والتحق أعضاؤه بكل من التجمع الجزائري ـ الفرنسي الإسلامي الذي كان يقوده الدكتور بن جلول واتحاد الشعب الجزائري الذي أسسه فرحات عباس سنة 1938 م، وبدأ به مرحلة جديدة من النضال السياسي بعد أن تخلى عن فكرة الإندماج، أما جمعية العلماء فواصلت مشروعها الثقافي والديني إلى حين إندلاع الثورة التحريرية.