Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب الحروب السرية على الجزائر المحروسة /حرب ديغول الصليبية / المؤلف صالح مختاري

حرب ديغول الصليبية 16/06/1959

من بين المشاريع التي يجري درسها الآن في الأوساط الحكومية البرلمانية الفرنسية لتسطير مستقبل النظام بالجزائر هناك مشروع يتعلق بالقضاء الإسلامي. وقد أثار هذا المشروع احتجاجات من طرف القضاة الجزائريين الذين وقع تعيينهم من طرف السلطات الفرنسية نفسها، كما أن وزارة الأخبار الجزائرية خصصت له مقالا في العدد الأخير من "نشرتها السياسية" التي تصدر في كل أسبوع.

يقال أن الجنرال ديغول وجماعته مهتمون الآن بتسطير برنامج خاص بالجزائر يستلزم إنجازه أمدا لا يقل عن ... خمسة وعشرون عاما. هذا البرنامج الذي لو تم لخول للجنرال ديغول إمساك القطر الجزائري بيد من حديد، يرمي إلى جعله هذا البلد العربي لا جزءا من فرنسا فحسب، بل يرمي إلى جعله صورة اقرب ما تكون شبها في كل جزئياتها بشكل "الوطن الأم": فرنسا.

وفيما بين يسطر الجنرال ديغول هذا البرنامج الجديد، يواصل الجنرال "شال" مجازره الدامية في الولايات الجزائرية ويتمكن من أن يذيع يوميا بأن حوالي "المائة ثائر قد قتلوا.. لفائدة فرنسا".

وما من شك في أن الإدماج الذي قال عنه ديغول إنه "الأمل العظيم" و"الفكرة الخارقة" – سيتبلور داخل إطار هذا البرنامج الجديد ويتخذ شكله المعين المطلوب.

وهكذا نجد في أمد الخمسة وعشرين عاما المضروب لتطبيق البرنامج الإدماجي الجديد، نجد تفسيرات لقول ديغول في إحدى خطبه:"إن تغيير الجزائر وبناءها على أسس جديدة يستلزم نفسا طويلا وتكوينا مستمرا".

يعني أن الجمهورية الخامسة التي تبنت فكرة سوستيل في إعتبار الجزائر قطرا عليلا تريد أن تعالج هذه العلة بالبرنامج الجديد الذي سيطبق في الجزائر مهلة مثلما يتجرع المريض دواءه قطرة قطرة.

فبادئ ذي بدء، يضاعف الجنرال ديغول في إصدار وتعنت نادرين مشاوراته سعيا وراء إدخال نظام ديمقراطي في بلاد خربها جيشه وصير مداشرها يبابا. وهذا النظام الديموقراطي لا يؤمن به ديغول نفسه بل أنه أصبح واضحا لدى كل واحد أن الديموقراطية أخذت إجازة منذ أن تولى الجنرال ديغول زمام الحكم في فرنسا.

نعم إن ديغول أكد مرة قائلا:"سننظم الإنتخابات أربع مرات، أو خمس مرات، أو حتى عشر مرات إن لزم الأمر.. ولكن في المرة الحادية عشرة سيكون التصويت الحر".

وهكذا يعدنا الجنرال ديغول بانتخابات حرة ستتم في المستقبل... يعني بعد عمر طويل.

ولم يظهر أن الرئيس الفرنسي تذكر – ولو عرضنا وبصورة خاطفة – أن بعض الإجراءات التحريرية الحقيقية التي اتسم بها دستور 1947 كانت كافية لإثارة سخط المعمرين الذين استعانوا بالوالي العام "الإشتراكي" نايجلان لجعل التزوير الانتخابي نظاما متبعا في الجزائر يحميه قانون الأقوى وتنفذه السلطة القائمة.

و إن إنتخابات 1948 – إذ صح أن تسمى تلك المهزلة الكبرى بإنتخابات – ليست بعيدة عنا كل البعد وما تزال ذكراها المضحكة عالقة بأذهان الجميع.

ولكن الجنرال ديغول رغم مثل هذه الذكريات الحية في نفوسنا يفضل أن يقنعنا أو أن يدخل في روعنا أن هؤلاء المعمرين أنفسهم الذين زوروا انتخابات 1948 وكل الانتخابات التي سبقتها في الجزائر، والذين يضاف إليهم اليوم جيش متعطش للدماء وللنفوذ السياسي – يفضل ديغول أن يحاول إقناعنا بأن تلك الذئاب الكاسرة المجتمعة ستترك إنتخاباته في الجزائر مرة أخرى تجري حرة، لشيء سوى لأنه المتربع على كرسي الرئاسة في باريس ولأنه هو الذي تبني هذه الانتخابات.

هذا وجه أول من محاولات الجنرال ديغول في حل المشكل الجزائري.

أما الوجه الثاني لهذه السياسة فيتمثل في البرنامج المنسوب إلى "لوريول" والذي سطره جماعة من الحقوقيين الفرنسيين بإيعاز من قصر رئاسة الجمهورية الفرنسية الذين توليهم أوساطه ثقة وتقديرا. وبرنامج لوريول يرمي – كما ذكرنا في إحدى نشرياتنا السابقة – إلى خلع محتوى سياسي ملموس على هذا النوع الحديث من الاستعمار الذين يتسم به عهد الجنرال ديغول.

ثم دخلت صحيفة "لومند" المعمعة بدورها وفسحت أعمدتها لشخص مجهول"؟ "خط فيها بأسلوب حقيقي مقالا عنوانه:" حق الجزائر في الإدماج "نشر بتاريخ فاتح أفريل المنصرم.

ومع أن الجنرال ديغول احتفظ لنفسه حق الاستنكار – علينا – على بعض الجوانب من برنامج لوريول إلا أنه تمكن – بروح غريبة من التوازن السياسي المبنى على الغموض – تمكن من أن يستخرج من البرنامج المذكور لا مشروع قانون واحد بل ثلاثة مشاريع قانونية وضعت على بساط المناقشة في المداولات البرلمانية الحالية الخاصة بالجزائر.

المشروع الأول من الثلاثة يتعلق بتوحيد العلمية بين فرنسا والجزائر، ويتعلق المشروع الثاني بتصويت البرلمان الفرنسي على ميزانية الجزائر، فإذا صادق نواب قصر بوربون على هذين المشروعين لي يبق للمعمرين الأوروبيين في الجزائر سوى أن يودعوا نهائيا إستقلالها المالي الذي إفتركه من وطنهم "وطنهم الأم". في عام 1899 بواسطة التهديد والتهريج.

ولكن هذا لن يبعث بأساطين المعمرين على التأسف لأنهم يعرفون بالتجربة أن فرنسا أكثر محافظة على ناموسها من أي شيء أخر، مما يجعلها تقبل كل التضحيات التي يستوجبها الدفاع عن "الجزائر الفرنسية".

أما المشروع الثالث فهو أعظم خطر من سابقيه إلى  حد بعيد.

تحت ستار إصلاح القضاء الإسلامي... يحطم الجنرال ديغول بجرة قلم – ركنا أساسيا من أركان القضاء في الجزائر فيلغي القاضي نفسه الذي يصبح – تبعا للمشروع الجديد مجرد كاتب عدلي نزعت عنه سلطاته الدينية وانحصرت مهمته في تخطيط محاضر الجلسات القضائية التي يديرها رئيس محكمة الحق العام الذي لا يكون إلا فرنسيا.

أيستبعد أن يتستر هذا المشروع بعلة "مسايرة العصر" لينزع عن الأدب المسلم سلطته في ترويج إبنته المسلمة وهكذا يتجزأ النظام الديغولي على إتيان بيوت الناس من سقوفها دون إستئذان، وهو بعمله هذا يلعب بالنار دون أن يشعر.

والحكومة الفرنسية الوفية لخطتها الاستعمارية التقليدية المبنية على التفريق الطائفي، قررت أن تشمل "إصلاحاتها القضائية" المحاكم الإباضية ببني مزاب في الجنوب الجزائري.

ولكن رد الفعل على المشروع المذكور لم يطل إنتضاره: فإذا كان المسمى بن حبيلس – وهو القاضي الجزائري الخالي من كل وشيمة إسلامية – قد أسرع في إرسال برقية تقدير إلى الجنرال ديغول "الذي أمر بإنتخابه" وإلى المسيو ديبري" الذي قاد خطواته الأولى – فيما مضى- في مجلس الشيوخ"، إذا كان هذا هو موقف بن حبيلس فإن نائبا من سطيف يدعي بن جليلة قال – لا – للمشبوهين الذين يصطادون في الماء العكر والذين يقومون بتحريك هذا الدولاب الجهنمي.

ففي إستجواب إلى صحيفة "جورنال دالجي" لم يستطع السيد بن جليلة أن يخفي إستنكاره وأن يكظم غيظه. وأعتبر أن عملية إلغاء القضاة المسلمين مصيبة عظمى تحمل في طياتها شرا مستطيرا. كما لاحظ السيد بن جيلة في إستجوابه لجريدة "جورنال دالجي" بأن النظام الديغولي لا يفكر أبدا في فصل الدين عن الدولة إذ ما يزال الدين كما كان منذ أوائل عهد الاحتلال يرزح تحت رقابة فرنسا المادية. وما تزال الدولة الفرنسية تتصرف كما يحلو لها في شؤون الدين الإسلامي.

ولنذكر – عرضا – أن القادة الفرنسيين لم تخامرهم في أي وقت من الأوقات فكرة إعادة الأحباس التي إستولى عليها المعمرون الأوروبيون ورجال الإدارة الفرنسية وإرجاعها إلى اصحاب الشرعيين.

وقد نعت نائب سطيف "الإصلاحات العدلية" بأنها محض كفر وخروج عن حظيرة الدين وأكد قائلا:" إننا عازمون على معارضة كل تحوير في هذا الصدد "ثم ختم إستجوابه هكذا:

"يراد بدون شك نزع صفة الإسلام عن الجزائريين فليصرح لنا بهذا جهارا، وعندئذ نكون أحرار في الإختيار".

إننا لا نعرف السيد بن جليلة هذا. ولكننا نعلم فقط أنه وقع إختياره وإنتخابه في نوفمبر 1956 من طرف السلطة الإستعمارية، مما يجعلنا نعتقد أن إستقلاله في المواقف لا يمكن أن يكون حقيقيا ولو بعد التصريحات التي فأه بها والتي لخصناها فيما سبق.

وهذا بالذات ما يدفعنا إلى إعتبار كلامه عن المشروع الفرنسي الخاص بتعديل القضاء الإسلامي في الجزائر ذا أهمية. فكلام السيد بن جليلة يعرب عن قلق "النواب"الجزائريين إزاء"الإصلاحات" القضائية الفرنسية. وهو قلق يهدد بتفجير المجموعة الصغيرة التي تتكون ممن يسمون "النواب المسلمين".

وهكذا يبرز الإدماج الحقيقي من خلال نتائجه المعادية للجزائر العربية والمناهضة للإسلام. والإدماج – كي يكون شاملا، وكي يخلو من أي بذرة تكمن فيها فكرة إنفصال الجزائر عن فرنسا – يشترط مسخ الجزائر المسلم ومحو كيانه الديني.

إننا ننذر ديغول بأن هذه المسألة التي تبناها والتي يريد أن تحمل إسمه على مر الايام ليست سياسة جديدة أو عبقرية، فقد كانت أساسا أولا للنظام الإستعماري منذ بدء الإحتلال. ثم عرفها المغرب الأقصى الشقيق سنة 1922 و 1933 في ما يسمى "بالظهير المغربي" الذي كان يرمي بالضبط إلى إستئصال الروح الإسلامية من نفوس سكان المغرب البرابرة، ونتائج "الظهير المغربي" الخاسرة أشعر من أن نتعرض لها بالتحليل أو الكلام.

فهل يطمع النظام الديغولي في النجاح في نفس الموطن الذي أخفقت فيه الجمهورية الثالثة؟ نعم، بدون ريب.. وكل طماع أحمق.

إن تعطش ديغول إلى إدماج الجزائر في فرنسا وإصراره على تحقيق ذلك مهما كانت التكاليف لهو علامة على الحمق وعلى الحيرة الكاملة.

إن الإدماج – كبرنامج مخطط على الورق أمر سهل يسيرها وهو أيسر بكثير من إدخاله إلى حيز الوجود ولو ظن ظان أن في الوقت متسعا.

إن كل هذا لا يعني أننا نعارض في جعل مؤسساتنا الدينية مسايرة العصر لكننا لا نتحمل أن يفرض علينا التعصرن من الخارج. وليس لبناتنا – إذا أردن نزع الحجاب – أن يذغن في بطحاء درا الحكومة بعاصمة الجزائر إلى أوامر جنود المضلات. إن بناتنا يفضلن الإعتصام بالجبال الثائرة.

فهناك – وبكل حرية – يعوضن الحجاب بالبدلة العسكرية.

الواقع أن ديغول يصطدم بحقيقة بسيطة سيتعثر فيها طول مدة تجربته الإستعمارية.

هذه الحقيقة هي: ليس في الأرض ولا في السماء قوة تجبر الجزائريين على الإدماج قهرا.

 

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :