Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب الحروب السرية على الجزائر المحروسة /مذكرات الجنرال ديغول تفضح سياسة الارض المحروقة /المؤلف صالح مختاري

 

مذكرات الجنرال ديغول تفضح

سياسة الأرض المحروقة في الجزائر

 

 

الجنرال ديغول في الجزء من مذكراته الذي يحمل عنوان "يوميات الأمل: التجديد" يعرض تفسيره لسياسته الجزائرية، عندما يقول في معرض الحديث عن مشروعه المتعلق بالمجموعة الإفريقية في 1958 ما يلي:

"... على أن ارتقاءهم ـ أي الأفارقة ـ إلى مرتبة الاستقلال بمساعدة فرنسا لا يمكن إلا أن يحدث تأثيرات عميقة على الوضعية الجزائرية. إن الشعور بأن ذلك يؤشر لتطور عام يمكن أن يكون مرضيا، ويدفع الأذهان إلى التفكير. لاشك أن قسما كبيرا من المعمرين وبعض العسكريين في الميدان، وكذلك الناس الذين يشجعون في فرنسا  مطالبهم المجحفة، يزدادون اندفاعا لتحطيم قوة الأشياء. لكن هناك تساؤلا عند المسلمين هو: ما تبذله فرنسا للسود ألا تبذله لنا. ونفس الفكرة تنتشر لدى الضمير الشعبي ببلدنا. أما أنا وقد لاحظت في ممتلكاتنا السابقة طبيعة الحقائق السيكولوجية والسياسية وما قد تسفر عنه من تمردات إذا رفضنا التسليم بما هو عادل وحتمي، وعلى العكس من ذلك الآفاق الرائعة للتعاون المخصب التي تنفتح أمامنا، فإني أشعر بالاطمئنان للمفهوم الذي لدي للمشكل الجزائري ولحله. ومهما يكن من شيء، فانه يجب علي من وراء ذلك كله أن أتوصل إلى تخليص فرنسا من الأعباء والخسائر التي تتفاقم مع مرور الزمن، بينما أصبحت الاختيارات التي كانت تستمدها قبلا، مجرد مظاهر فارغة. لكن ياله من طريق طويل لتحقيق ذلك كله. فعلي أن أقطعه خطوة خطوة".

إن الجنرال ديغول بهذا التفسير الذاتي والبعدي للتاريخ يريد أن يظهر في مظهر من كان يعرف ما يريد، إنه يكاد يقول لنا بصريح العبارة انه هو الذي رتب تلك التناقضات، حتى تفعل فعلها من أجل إفراز النتيجة التي أرادها، والتي تحققت.

في حين أن التناقص بين الجنرال ديغول وبين الجناح الاستعماري المتطرف لم يكن بسبب الخلاف بينهما حول جوهر المسألة الاستعمارية، ولكن كان خلافا في درجة الذكاء وبعد النظر وما يترتب عن ذلك من اختلاف في المسعى والتناول والمعالجة. الجنرال ديغول كان يريد القضاء على الثورة الجزائرية دون المساس بسمعة فرنسا، بل ومع تعزيز هذه السمعة ومع الظهور بمنظر المتحرر.

وهذا يعني أن الحل الذي كان يحمل به الجنرال ديغول، كان يختلف في آن واحد عن حل اليمين الاستعماري المتطرف، وعن حل جبهة التحرير الوطني المدعومة من طرف الأغلبية الساحقة من الشعب الجزائري.

ومثل هذه الوضعية هي التي أصبغت على مواقفه خلال حرب التحرير، ذلك الغموض الذي استغل فيما بعد لتقديمه من طرف البعض في صورة "بطل استقلال الجزائر" لأن مناهضته لليمين الاستعماري المتطرف غفرت له   في نظر اليسار  مقاومته للتيار المطالب بالاستقلال، وجعلت بعض عناصر اليسار ينسبون إليه أفكارا لا يؤكدها أي دليل مادي.

والواقع أن الجنرال ديغول كان براغماتيا، كان أمامه هدف واضح يسعى  لتحقيقه بكل وسيلة، وهو أن يخلص فرنسا من الحرب، ويعيد لها الاعتبار الذي فقدته من جراء الحروب الاستعمارية وانعكاساتها السياسية، وما جرته من تبعية لأمريكا ومن ركود اقتصادي. وهو في مسعاه لتحقيق هذا الهدف لم تكن لديه خطة جاهزة متكاملة، فكان يسير في خضم أمواج الحرب وتقلبات الوضع السياسي، حسبما تسمح له بمواصلة الطريق.

إن الكتاب الذي يضم هذه المذكرات نشر عام 1970. ومعنى ذلك أن الجنرال ديغول كان لديه وقت كاف، بضع سنوات، بعد استقلال الجزائر، لكتابة ما كتبه وليس من المستبعد، أن يكون صادقا، بينه وبين نفسه، فيما كتبه حين كتبه. لأن مضي زمن معين على تلك الأحداث، قد تجعلها تبدو في نظره، كما لو كانت مندرجة في مخطط أراده هو، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار طبيعة النظرة المتعالية لديه، وطبيعة تكوينه التي تجعله يرفض أن يعترف بأنه كان مقهورا على أمره، فيما اضطر إليه من أحداث.

صحيح انه ليس في استطاعتنا أن نلم، في موضوع أو موضوعين، بأهم الوقائع التي تعتمد في استخراج حقيقة السياسية الديغولية، لذلك سوف نقتصر على التذكير بأحداث ووقائع وتصريحات ومواقف تساعد على استكشاف الحقيقة حول ما نحن بصدده، أي الإجابة بدقة وعمق وتاريخية عن سؤال: هل كان الجنرال ديغول فعلا قد وضع في حسابه، ومنذ عام 1958، استقلال الجزائر وخطط لذاك تدريجيا كما يفهم من مذكراته؟.

إن الجنرال ديغول في هذا الجزء من مذكراته الذي صدر عام 1970 يعمد في الفصل الذي خصصه للكلام عن "المؤسسات" إلى التذكير بسياسته التي بدأها فيما يتعلق بالمستعمرات "منذ 1944 في برازافيل" ، عندما يؤكد بأن كان يرى ممكنا "إقامة مجموعة كبيرة قائمة على المشاركة الحرة وعلى التعاقد"، مجموعة تكون مدعوة لاستخلاف الإمبراطورية الفرنسية.

إن مجاراة الجنرال ديغول فيما يقوله بهذا الصدد تفضي بنا إلى التسليم بأنه لو استمر في الحكم بعد 1946، لولا "نظام الأحزاب" حسب تعبيره الذي طبع الجمهورية الرابعة، لما عرفت فرنسا تلك السلسلة من المتاعب والحروب، سواء في الهند الصينية أو الشمال الإفريقي.

والواقع أننا  عندما نتابع الأحداث والمواقف الديغولية  نجد فعلا إن هناك استمرارية في مواقف الجنرال 1944 إلى 1959، ونجد أن هناك تصورا منسجما للمشكل الاستعماري، لكنه تصور قائم على استمرارية النظام الكولونيالي، بأشكال جديدة صحيحة، وليس تصورا قائما على إزالته أو التسليم بضرورة زواله.

 فندوة برازافيل التي يستشهد فيها الجنرال   والتي وقعت في يناير 1944 ليست إلا عبارة عن تصريح غامض، أوضح شيء فيه هو الإصرار على انفراد فرنسا باتخاذ القرار الذي تريده. وهو تصريح يؤكده الخطاب الذي ألقاه الجنرال ديغول في مدينة بابو عام 1946، والذي تحدث فيه عن مصير المستعمرات الفرنسية بصورة تشبه شبها شديدا الصورة التي وضعها للمجموعة الإفريقية عام 1958.

والواقع أن الجنرال ديغول الذي اشتهر بالتحرر منذ ندوة برازافيل قد اكتسب هذه الشهرة من مقاومته للنازية، ومن مسعاه لتعبئة كل المستعمرات الفرنسية في حركة المقاومة ضد النظام فيشي، وضد جيش الاحتلال الألماني.

وتتمثل صورة ديغول في ثلاثة ملامح: بداية بإعطاء أولوية لتحرير فرنسا من الاحتلال الألماني والاعتماد على المستعمرات وإمكانياتها البشرية والاستراتيجية، لدعم المقاومة الفرنسية وتمكينها من العمق الستراتيجي اللازم. ومساهمة المستعمرات الفرنسية على اختلافها   من إفريقيا الغربية إلى إفريقيا الاستوائية إلى الشمال الإفريقي إلى سوريا ولبنان إلى مدغشقر وجزر الأنتيل  مساهمة تلك المستعمرات في نظره ليس فقط واجبا عليها ولكنه شرف يكافأ صاحبه بمنحة صفة "المواطنة الفرنسية". وإذا كانت ظروف بعض تلك المستعمرات الواقعة تحت الانتداب الفرنسي   مثل لبنان وسوريا   تقتضي استقلالها فإن الجنرال ديغول قد صمم على البقاء بها بعنوان الضرورة العسكرية.

يعتبر ديغول أنه هو الذي يشخص "فرنسا الخالدة"، فإذا حدثت مشاكل سياسية في بعض المستعمرات، مثل خلع المنصف بأي في تونس لموقفه الوطني وإلقاء القبض على عدد من المواطنين التونسيين، فان المسألة في نظر ديغول آنذاك لا تعدو أن تكون عبارة عن "سوء تفاهم"، سرعان ما يزيله قائد المقاومة الفرنسية عندما يلتقي في تونس بالأمين بأي "ويلقى الترحاب في شوارع تونس"، بصورة اقتنع معها بأنه قد أنهى المشكل وان "ولاء التونسيين لفرنسا لا غبار عليه"، كما جاء في الجزء الثاني من كتابه "مذكرات الحرب".

وإذا كان المغرب يتحرك وطنيا ويتعاطف فيه سلطانه محمد الخامس مع الحركة الوطنية، فيكفي أن يزوره ديغول وأن يظهر له كما هو أي "رئيس فرنسا سيدة، لكن مستعدة لتبذل الكثير لفائدة المتمسكين بها"،   حسب تعبير الجنرال نفسه لكي يزول مشكل المغرب بقدرة قادر.

بهذا المفهوم، وبهذا التصور ينظر ديغول إلى مشاكل المستعمرات في خضم الحرب العالمية الثانية، فهو لا يعتبر مساهمتها في الحرب ضد النازية دينا يكافأ بفتح مجال التحرير والاستقلال أمامها، بل يعتبر أن مساهمتها تلك تؤدي إلى "الربط بين الأم والممتلكات الفرنسية برباط نهائي لا ينفصم"

وإذا كان ذلك هو ديغول ومفهومه للوضع في المستعمرات على اختلافها، فما هو مفهومه بالنسبة للجزائر؟!.

هنا نجد أن اسمه قد اقترن بمدينة وبمشروع، أما المدينة فهي قسنطينة عاصمة الشرق الجزائري، التي ألقى بها خطابا بتاريخ 22 ديسمبر 1943، عندما كان رئيسا للجنة التحرير التي تقود حركة المقاومة، وقد جاء في هذا الخطاب أن لجنة التحرير قد قررت أن تمنح في الحال لعشرات الآلاف من المسلمين الفرنسيين في الجزائر حقوقهم الكاملة، كمواطنين دون أن تتأثر ممارسة هذه الحقوق منعا أو تحديدا بالاعتراضات القائمة على قانون الأحوال الشخصية.

وفي نفس الوقت سنزيد في نسبة المسلمين الفرنسيين بمختلف المجالس التي تعنى بالشؤون المحلية".

وتجدر الإشارة إلى أن الزيادة في نسبة الجزائريين بالمجالس المحلية التي يتحدث عنها الجنرال ديغول كانت تتمثل في منحهم نسبة الخمسين (5/2) مقابل ثلاثة أخماس للأوروبيين.

وقد علق الجنرال ديغول نفسه في مذكراته على ذلك الإجراء المعلن في خطابه هذا قائلا: "صحيح أن هذا الإصلاح يثير انتقادات خفية، سواء من ناحية المعمرين أو بعض الكتل الإسلامية، لكن الكثير من العرب والقبائل يشعرون بنوع من هزة الأمل والاعتراف بالجميل إزاء فرنسا التي لم تنتظر نهاية متاعبها (أي الحرب)، لتقرر تحسين ظروفهم وتمتين ربط مصيرهم بمصيرها".

وقد بلور المشروع الذي اقترن باسمه أيضا  ما أعلنه في خطاب قسنطينة الأول، في صيغة قانون اشتهر بقانون 7 مارس 1944. وهو يتخلص في منح فئات معينة من الجزائريين مثل قدماء الضباط، ومثل حملة شهادة البروفي فما أعلى، ومثل الموظفين القدماء والموظفين الخ.. حق التصويت في القسم الانتخابي الأوروبي. والجزائريون الذين كان يشملهم هذا الإجراء في ذلك الوقت يتراوح عددهم بين 50 و 60 ألف، في حين أن عدد "الفرنسيين غير المسلمين" المسجلين في القسم الانتخابي الأروبي كان يبلغ 450 ألفا.