Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب الحروب السرية ضد الجزائر المحروسة /فشل الاحزاب في مواجهة الاستعمار 2 /المؤلف صالح مختاري

الصورة الشعبية العارمة

وهنا ندرك كيف إستعاد الشعب هذه الحرية بالإرادة التي لاتلين، وبالغصب والقوة، وكيف إتحدث كلمته بمعزل عن الأحزاب التقليدية، وفي حركة جماهيرية عارمة ومنظمة أحسن تنظيم، فأصبحت الثورة بذلك حقيقة لاينازع فيها أحد ... ثورة إستطاعت أن تنطق من الصفر، وأن تجعل ما كان مجرد أحلام وتصورات، يتحقق ويحدث المعجزات... وهنا أيضا ندرك لماذا وجد الإستعمار نفسه، رغم كل مالديه منسيطرة وقوةوعتاد، عاجزا ومحكوما عليه نهائيا بالفشل. ولذلك لم ير الإستعمار من وسيلة لإستعادة سيطرته إلا بتسعير حرب ضروس. ولكن العجيب في الأمر أن هذه الحرب الغاشمة التي بلغت منتهى العنف والقسوة لم تفتّ من عضد الحركة القومية، بل دفعتها للعمل من أجل بناء الوطن. هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فقد جعلت المدبرين لها يتمادون في غيهم وحماقاتهم. وكنتيجة لهذه الوثبة إلى الأمام ـ وما رافقها من أحداث جديدة، وتنظيم ثوري جديد ـ فقد زادت الشقة إتساعا بين الشعبي الثائر، وبين الشرذمة الباقية من المنتخبين الحكوميين، والأعيان، وأتباع مصالي العاملين في حزب الحركة القومية الجزائرية، تلك الشرذمة التي يحالو الإستعمار بشتى الوسائل أن يدفع بها إلى الميدان، لكي يقف بها في وجه الحركة الزاحفة نحو الحرية والتقدم... تلك هي أسطورة القوة الثالثة: مجرد أرقام لها وزن، يتخذها الإستعمار ركيزة ليقف بها في وجه الثورة الشعبية العارمة. وهكذا لم تستطع هذه الحرب الضارية أن تنال من حركة التحرير الزاحفة، أو تضيّق عليها مجال الإنتشار في الزمان والمكان، أو تحول دون إنضمام الجماهير الغفيرة اليها.

وكما فشلت الحرب، فإن الأساليب السياسية المفضوحة ستكون أكثر فشلا، لأنها معاكسة للتيار. فالمحاولات الرجعية التي نشهدها اليوم، تدل على الإستعمار، بخصائصه الثابتة، لم تتغير عقليته وأساليبه في التصدي للحالات الطارئة. وعلى سبيل المثال، فإن الإستعمار يستعمل مع الشعب أسلوب العطف ا لأبوي، المصحوب بالشدة والعنف. وهذا يدل على تصوره الصبياني للعالم المعاصر، وجهله تماما بما تشهده الجزائر المكافحة منذ سبع سنوات من تغير  في العقليات ، وتطور في الوقائع والأحداث. وأكبر دليل على ذلك ماتبثه  محطة الإذاعة والتلفزة الفرنسية باللغتين العربية والقبائلية من برامج مخصصة للمستعمين الجزائريين، وما في تلك البرامج من النصائح المبتذلة والنواهي السخيفة التي يبدو كأنها قد بقيت من عهد حكومة فيشي، أيام كانت تلك الحكومة توجهها للشبيبة الفرنسية لكي تنصحها بالتعاون مع الحكم النازي... وأسلوب العطف الأبوي هذا نجده أيضا ـ ولكن على الصعيد الإيويولوجي ـ لدى فئة من اليساريين الفرنسيين الذين يستبعدون أن يكون الجزائري قادرا على بناءا مجتمع إشتراكي ديمقراطي، وهم يصدرون في حكمهم هذا عن جهل تام بالجزائريين... وماذا نجد مقابل هذا كله؟ نجد بلدا أخذ يتشكل، ويتخذ مختلف الأبعاد، وينظم شؤونه في ظروف الحرب القاسية، ويبعث في النفوس طاقات جديدة، ويتعطش للتقدم السياسي والإجتماعي، ويكتسب في وقت قصير تجربة أصيلة متعددة الجوانب... تجربة دولة فتية متفتحة على العديد من البلدان في إفريقيا الجوانب... تجربة دولة فتية متفتحة على العديد من البلدان في إفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا، نظرا لما نشأ بينها من علاقات ومبادلات، وآمال مشتركة، وما قام بينها من صداقة وتعاون وتقدير للكفاح المرير.