Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب الحروب السرية على الجزائر المحروسة /فشل الاحزاب في مواجهة الاستعمار المؤلف صالح مختاري

فشل الأحزاب في مواجهة الإستعمار

العامل الأساسي الذي حدّد موقف الشعب والقاعدة المناضلة من  الأحزاب السياسية نتيجة مواقف الإستياء، والشعور بالإحباط، والبحث عن بديل هو الواقع الإستعماري البغيض، الذي واجهته الأحزاب بطريقة فاشلة، في معركة خاسرة سلفا، لأن السواد الأعظم من الشعب كان محروما من المشاركة فيها. فالعمل إذ بقى محصورا في مجال ضيق، ولم يتسع نطاقه ليشمل الجماهير الغفيرة، قد يجعل النضال السياسي عقيما، حتى ولو كان مخلصا، وجعل المبادرات السياسية تدور في حلقة مفرغة، وتهدف بالدرجة الأولى إلى صيانة المظاهر. وهذا لا يعني بأن الذّنب هو دائما ذنب هذه التشكيلة السياسية أو تلك. فإدانة الأحزاب بدون تحفّظ قد تخلو من التعسف والإجحاف. ولكن، حيث  بإستعادة الجماهير لحريتها في العمل، ومشاركتها في الإنطلاقة الثورية، قد أحدث تغييرا جذريا في أصحاب العقلية القديمة، وكشف عن زيف بعض المباديء والأفكار السائدة قبيل ثورة الفاتح من نوفمبر. وأثر تأثيرا بعيدا من حيث خلق ظروف جديدة، وإنما من التفكير الجديد، ومن المواقف الإيجابية التي ما لبثت أن قضت نهائيا على نظام الأحزاب ونعراتها الجهوية وأساليبها الرذيلة.

إن المشكلة الأساسية التي عجزت السلطة الحاكمة عن حلها، مما أدى، لأسباب مختلفة، إلى إندلاع الثورة، هي مشكلة تحقيق التقدم الشامل في مختلف الميادين، عن طريق فتح الأبواب المغلقة. ترجمتها غضاضة في سياسة التعامل مع السلطة الحاكمة، لأنها  تعمل من أجل إقامة السلام. ولكنها عجزت عن حلها، لأسباب كثيرة ومعروفة، فقامت الثورة، والتقدم ليس من الكلمات الجوفاء، وأن كان قد يبدو لأول وهلة بأنه لا يؤدي تماما المعاني الكثيرة الخاصة به، كالحرية المبدعة، والإنتفاضة الجماعية، والوثبة الشاملة إلى الأمام، والإنطلاقة السريعة المتضمنة لكل الإمكانيات التي كانت معرّفة في السابق. فالأمر إذن يتعلق بتخطي العقبات التي تحول دون التطور، وتمنع من إستكمال مقومات الذات، وتحول دون تحقيق الهدف المنشود، كالإنسان المريض الذي يقوم من فراش الموت ويحاول أن يمشي على قدميه. فلابد من الإهتمام بهذا التقدم الذي إنطلاق في نفس اللحظة التي إنطلقت فيها حركة التحرير. وهذه الظاهرة بدأت الناس يتساءلون عن عواملها الأساسية وشرارتها الأولى التي تتالت من بعدها الشرارات الأخرى، في حركة سريعة منسجمة.

 

وضع حد للتردد والتسويف

يجدر بناإذن نهتم بتلك اللحظة الموعودة لتنفيذ القرار التاريخي الذي وضع حدا للتردد والتسويف عاما بعد عام، وأن نتذكر دائما ذلك الرعيل المجهول الذي أطلق الرصاصة الأولى. ولكن الزهم من كل هذا هو مشاركة الشعب المناضل مشاركة فعالة، لأن هذه المشاركة هي الدعامة الأساسية للعمل الثوري، إذ منها إستمد هذا القرار التاريخي واليها يعود أولا وآخرا.

ومما لاجدال فيه أن النضال السياسي عن طريق الأحزاب لايمكن أن يؤدي، مهما كانت الأحوال، إلى الإستقلال الحقيق، أو إلى التقدم والرقي السريع الشامل، خاصة إذا كانت مصالح الإستعمار كثيرة، وعدد المستوطنين كبيران. ولقد يقال بزن هذا الحكم لايصدق على إفريقيا السوداء. ولكن السرّ في ذلك يرجع الي حرب الجزائر التي عجلت بإستقلالها. والمستعمرون يعرفون هذا جيدا، إذ نجدهم يطمئنون إلى فكرة العمل المسالم الذي تدعو إليه بعض التشكيلات السياسية والأحزاب  في البلدان المستقلة ذات الأنظمة البرجوازية... ويعرفون أيضا بأن العقبات الكبرى القائمة في الأقطار غير المستقلة،  وتطورها الزائف، وعجزها عن تلبية إرادة الشعب المتمثلة في الكفاح المسلّح، وعير ذلك من النقائص الملحوظة لدى الأحزاب السياسية المفتقرة للحرية الخلافة لوسائل الكفاح، هذه النقائص من شأنها أن تؤدي إلى القطيعة بين تلك الأحزاب وبين السواد الأعظم من جماهير الشعب، وبالتالي، إلى التقاعس في العمل من أجل تحرير الجماهير.

وبعبارة أخرى، فإن تحرير الوطني في المستعمرات أو المحميات ذات الإستيطان الأوروبي الكثيف المنظم (كالجزائر على الأخص)، هذا التحرير يستلزم أسلوبا آخر غير الأساليب »المشروعة« والسبل المعقدة التي قد تجدي على المدى الطويل، إلا أنها لاتغير من واقع الإستعمار إلا من حيث الظاهر ، ولاتخفف من وطأته، بل قد يتخذها الإستعمار  تعلّة للإدعاء بأنه إستطاع أن يقيم نظام حكم ديمقراطي في تلك المستعمرات والمحميات. أن التحرير بالطريقة المباشرة، بل بالطريقة العنيفة، ما كان ليتحقق في الجزائر إلا بأسلوب الإنتفاضة المفاجئة، وبمشاركة الجماهير الغفيرة، بعيدا عن الأساليب الحزبية القائكة على المساومة وتنصيب الزعماء والقادة ومن يتعاون معهم، فيخادعون الشعب الذي ينساق لهم بعض الوقت طائعا، ولايكلفون أنفسهم مشقة تنظيمه وإعداده للحرب، وإذا  مثلنا لذلك بجزب مصالي الحاج، المعروف بإتجاهاته الخرقاء وتصرفاته الإرتجالية، فإن الحزب ـ في أحسن الإحتمالات ـ قد يعلن حالة الإستنفار، ولكن هذه المبادرة لن تدوم إلا أياما قلائل، وستكون ذات عواقب وخيمة، لأن الإستعمار لاينتظر إلا أمثال هذه التصرفات المرتجلة لكي يتدخل بأساليبه الوحشية.

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :