Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب الحروب السرية ضد الجزائر المحروسة /عبد الحميد بن باديس والحركة الاصلاحية / المؤلف صالح مختاري

عبد الحميد بن باديس والحركة الاصلاحية

في أواخر القرن الماضي، والجزائر تمر بأيام حالة في ظل الاحتلال الفرنسي ولد عبد الحميد بن باديس بمدينة قسنطينة في شرق الجزائر يوم 04 /12/ 1889 من بيت يتمتع بالشهرة الواسعة والثراء العريض.

فأبوه محمد بن مصطفى بن مكي بن باديس إقطاعي كبير، تقلد العديد من المناصب العالية وأمه زهيرة بنت علي بن جلول من أسرة مشهورة في قسنطينة هي أسرة (عبد الجليل).

تعد أسرة ابن باديس أسرة عريقة ومشهورة غي الجزائر نبغ منها شخصيات تاريخية لامعة، منها بلكين بن زيري والمعز بن باديس.

تعلم عبد الحميد بن باديس القراءة والكتابة في منزل والده من دون أن يذهب إلى الكتاب، أو يلتحق بالمدارس الفرنسية كغيره من أبناء العائلات البرجوازية لأن والده فضل أن يربيه تربية إسلامية خالصة بعد أن بلغ الثالثة عشرة من عمره أتم حفظ القرآن على حافظ خاص هو الشيخ (محمد المداسي) إذ كان الشيخ معجبا بذكاء الصبي وسيرته الطيبة، فقدمه لإمامة المصلين في صلاة التراويح ثلاث سنوات متتابعة في الجامع الكبير بقسنطينة، ولا شك أن هذا النشاط في مثل سنه المبكرة، قد لفت أنظار قومه إليه، وحفزه على العلم كما إختار له والده أحد الشيوخ الصالحين من ذوي المعارف الإسلامية هو أحمد أبو حمدان الونيسي".

زواجه:

في عام 1904، وعندما بلغ ابن باديس الخامسة عشرة من عمره زوجه والده من فتاة مترفة من كبريات الأسر في قسنطينة وأنجب منها ولد أسماه "عبده اسماعيل" توفي وهو صغير ثم وضع ابن باديس حدا لعلاقته الزوجية بالطلاق، ليتفرغ للعلم والدراسة.

سافر ابن باديس إلى مدينة تونس سنة 1908 ليلتحق بجامع الزيتونة أين حصل هناك على شهادة التطويع (العالمية) سنة 1912.

وكان يحب الخلوة في حجرته للمطالعة والتفكير في المستقبل الجزائر ويناقش شيوخه في مناقشات عميقة واعية.

عندما أكمل دراسته في جامع الزيتونة، رجع إلى بلاده وشرع في إلقاء الدروس في الجامع الكبير ثم أتجه إلى المشرق، فغادر الجزائر سنة 1913 متجها إلى المدينة المنورة في طريقه إلى الأراضي المقدسة مكث في مصر بعض الوقت واستقر بعد ذلك في المدينة المنورة أين التقى بشيخه الونيسي والشيخ "حسين الهندي"، ثم قرر العودة بقصد خدمة وطنه.

وصل ابن باديس إلى قسنطينة سنة 1913، أين صار يلقي دروسا في التعليم  والوعظ متطوعا وبقي يناضل وحده في هذا الميدان حتى أنشئت جمعية العلماء وجاء نتيجتها عدة مدارس وكتاتيب.

هناك مؤشرات ساهمت في تكوين شخصية ابن باديس من النواحي النفسية والفكرية والاخلاقية والوطنية منها عامل الاسرة (ةالده) والبيئة العلمية والدراسية التي تنشأ فيها بالإضافة إلى المعلمين والشيوخ الذين نموا إستعداده وتعهدوه بالرعاية والتوجيه.

تأثر ابن باديس كذلك بالحركة الإصلاحية لجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد العزيز الثعالبي....

شخصية ابن باديس: يعتبر الشيخ عبد الحميد مفسرا قديما للقرآن الكريم وقد كرس لتفسيره ربع قرن من حياته وتفكيره منصبا على أن يجعل من التفسير مبدأ إنطلاقة لنهوض الأمة الجزائرية وأساس هديه في الدراسات العلمية والإصلاح الديني والتربوي.

وقد كتب محرر الشؤون الثقافية في جريدة "Le petit matin" الفرنسية الصادرة في تونس عن مقدرة الشيخ الخطابية حيث يقول "والشيخ عبد الحميد بن باديس يمثل حقا الزعيم الخطيب، فهو قد ملك مقاليد الكلام وهبوته الناري يستفز الجماهير فيثير الحروب، أو ينزل في القلوب سكينة السلام كما أنه يعد شاعرا موهوبا يقرض الشعر وينظمه على قلة، وشعره سلس، عذب، يمتاز بالبساطة وصدق العاطفة والبعد عن الغريب، إضافة إلى كونه صحفيا بارزا يعرف مزايا الصحافة وأهميتها ويقدر فيها ما تستطيع أن تبثه في الشعب من وعي ويبدو أن الصحافة كانت تستهويه منذ وقت مبكر، فقد يبدأ الكتابة في جريدة النجاح القسنطينية التي إشترك في تأسيسها مع عبد الحفيظ الهاشمي سنة 1919م. وأصدر في يوليو 1925 جريدته الأولى "المنتقد"، واتخذ لها شعارا جريئا هو الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء ولكنها لم تعش طويلا حيث أوقفتها الإدارة الاستعمارية، لتخلفها في نفس العام جريدة "الشهاب" الأسبوعية التي تحولت بعد أربع سنوات من صدورها إلى مجلة شهرية ظلت مستمرة في الصدور حتى أوقفها إبن باديس من تلقاء نفسه بعد نشوب الحرب العالمية الثانية 1939 وأسهم طذلك في تولي رئاسة تحرير جرائد جمعية العلماء وإصدارها وهي "السنة"، "الصراط"، "الشريعة" قبل أن تصدر قرارات التعطيل والحظر الخاصة بها.

تعد شخصية ابن باديس، شخصية عجيبة لا تماثلها إى شخصية جمال الدين الأفغاني في ثرائها وشمولها، من حب الخير والجرأة والشجاعة والإخلاص للمبدأ وعدم المجاملة فيه. وهو قائل إن كل التعريفات تدل على أن الأمة الجزائرية (الكيان الجزائري) كانت قائمة على أساس صحيح ومحدد عند الإعتداء الفرنسي، فقد كانت لها حدودها الجغرافية الخاصة وحكومتها، ورئيس دولتها وجيشها وعملتها وعملها. كما كانت لها علاقات دبلوماسية مع فرنسا نفسها ومع إنجلترا، أمريكا، إسبانيا.. وقد كان لهذه الأمة الجزائرية لغتها الخاصة، ودينها وتاريخها وعادتها، وكان لها قبل كل شيء شعور وطني مشترك.

ومن خلال حياته القصيرة (51 سنة)، عاش وفيا محافظا على العهد فقد قال بمناسبة الاحتفال بختم القرآن:"إنني أعاهدكم على أن أقضي بياضي على العربية والإسلام، كما قضيت سوادي عليهما، وإنها لواجبات وأني سأقصر حياتي على الإسلام والقرآن، ولغة الإسلام والقرآن، هذا عهدي لكم".

وبقي بعد ذلك محافظا على العهد حتى وافاه الأجل المحتوم مساء الثلاثاء الثامن من ربيع الأول 1359 هـ الموافق لـ 16 أفريل 1940، بعد أن كتب في العديد من القضايا الدينية والتربوية والسياسية مضمنا كتابته آراءه في الموضوعات التي كانت مطروحة في عصره.

إن حياة ابن باديس، حياة خصبة حافلة وضعها بفكره وقلمه، وسخرها لنفع وطنه وأمته، وأفعاله وفيرة متنوعة لا تتسع الصحائف الكثيرة لاستقصائها فلم يكل يوما عن الفكر والعمل منذ أن كان طفلا يتلقى العلم إلى أن توفاه الله، فكان يعلم الصبية نهارا ويفسر القرآن ليلا، ويعتلي منابر الخطابة في النوادي والمحافل فيعظ ويلقي محاضرات ويترأس جمعية العلماء، ويحرر الصحف والمجلات، ويكتب المقالات وينشرها ويدافع عن الإسلام ويرد على منتقديه، ويراسل زعماء الإصلاح وعلماء الإسلام ويبادلهم الرأي.

وبوفاة العلامة الكبير الشيخ ابن باديس فقدت الجزائر والأمة العربية عامة رائدا من أكبر رواد الثقافة والحضارة العربية والإسلامية ورمزا من رموزها.

رأي إبن باديس

في الدين والسياسة

ولا نعني بهذا أننا نخلط بين الدين والسياسة في جميع شؤوننا، ولأن يتدخل رجال الدين في سياستنا، وإنما نعني اعتبار الدين قوما لنا ومهيعا شرعيا لسوكنا، ونظاما محكما نعمل عليه في حياتنا وقوة معنوية ناتجيء إليها في تهذيب أخلاقنا وقتل روح الإغارة والفساد منا وإماتة الجرائم من بيننا فلهذا لا نألوا جهدا في خدمته بنشر مبادئه الحقة العالية. وتطهيره من كل ما أحدثه فيه المحدثون والدفاع عنه من أن يمس بسوء من أهله أو من غير أهله.

المنتقد جويلية 1925.

في النقد الصحفي

إنتقادنا طريق الحقيقة المجردة والصدق والإخلاص والنزاهة والنظافة في الكلام، وننشر كل انتقاد يكون على مبدأ الإنصاف الذي لا يتوصل للتفاهم والحقائق إلا به.

هذه مبادئنا وسيرضى عنا بها الأحرار المفكرون أصحاب الصدور الواسعة والقلوب الكبيرة من المواطنيين والفرنسيين، وسيغضب بها علينا المستبدون الظالمون والدجّالون وصغار الأدمغة وضيقوا الصدور مخن بغاث البشر".

                                                                                     المنتقد جويلية 1927

في أدبيات الحوار

نقول لجميع الكتاب من الجانبين بلسان الدين والأخوة الإسلامية هاته الكلمة: أقلعوا عن المهاترة والمشاتمة والمغامزة والملامزة مما هو حرام بإجماع المسلمين ةاسلكوا طريق القرآن الكريم بيان لقول الخصم بدوت تعرض لشخصه وإقامة للحجة التي ترده عليه من حسن السلوك والقصد في الوصول إلى الحقيقة والإذعان لها إذ ظهرت على أي لسان، ومع الشعور بأن الراد والمردود عليه إخوان يريد كل واحد منهما أن يهدي أخاه إلى ما يراه خيرا له ويصرفه عما يراه شرا"

                                                                                     الشهاب جوان 1927.

دعوة ابن باديس للتفتح على الآخر

"كن ابن وقتك تسير مع عصر فكرك وفي عملك وفي تجارتك وفي صناعتك وفي فلاحتك وفي تمدنك ورقيك"

ثم ينصح بضرورة مخالطة الأخر

"فعلينا أن نخالطهم في ديارهم حيث مظاهر مدنيتهم الفخمة في مؤسساتهم العلمية والصناعية وعظمائهم أصحاب الأدمغة الكبيرة التي تمسك بدفعة السياسة وتدير دواليب التجارة وتسيّر سفينة العلم، فالذين تخالطونهم هذه المخالطة بتمام تبصر وحسن إستفادة يخدمون أنفسهم وأمتهم خدمة لا تقدر، خدمة تكون أساسا للتقدم والرقي.

"فضروري لكل أمة تريد أن تستثمر ثمار تلك العقول الناضجة وتكتنه دخائل الأحوال الجارية أن تكون عالمة من لغات أوروبا وكل أمة جهلت جميع اللغات الغربية فإنها تبقى في عزلة عن هذا العالم، مطروحة في صحراء الجهل والنسيان".

                                                                                     الشهاب فيفري 1926.

 

الحياة العائلية للشيخ عبد الحميد بن باديس

تزعم العلامة عبد الحميد بن باديس الحركة الإصلاحية في الجزائر وكابد من أجلها الصعاب وكافح حتى تظل مقومات الشخصية الوطنية مغروسة في الأفئدة وجلية في السلوك، وقد مثل نضاله وثلة من زملائه صورا حية للبلاء الحسن في ظل الصراع الحضاري بين بلدان الشمال والجنوب والذي شهده القرنان المنصرمان...

هذه المرة سوف نقف على سجل الحياة العائلية للإمام ابن باديس، من خلال جلسة جمعتنا منذ سنوات وأخيه "عيد الحق بن باديس" الذي يستهل شريط الذكريات بمكان يسمى سيدي قموش، وهو ملك العائلة، وذلك قبل إنشاء مدرسة التربية والتعليم، وقد عمل على تأسيس جمعية للعلما على مستوى مدينة قسنطينة، لكنه عندما بدأ يتسرب إليها أشخاص خبثوا إلى الحكومة الفرنسية والذين كانت لهم أغراض مناقضة تمام للأهداف السامية التي كان ينشدها الإمام، لذلك فسخ هذه الجمعية...".

ويمضي عبد الحق في سرد أنشطة أخيه عبد الحميد بقوله:"إنني درست على يد الشيخ مدة ثلاثة سنوات وقد كان يلقي دروسه الأولى غي الجامع الأخضر، وذلك بعد ما منعه المفتي من التدريس بالجامع الكبير عندئذ أخرج له الأب رخصة للتدريس بالجامع الأخضر، وبعد تطور عدد الطلبة أصبح يدرس في سيدي قموش وسيدي بومعزة وسيدي الأخضر ويعاونه في ذلك بعض طلبته.

وفي هذا السياق يوضح عبد الحق بأن الشيخ عبد الحميد لم يدرس بتاتا باستخدام السبورة، حيث كان يفرش جلدا من جلود الغنم عن حلقة الدروس. علما أنه يبدأ درسه الأول بعد صلاة الفجر، وبعد تناوله فطوره بعين المكان يستمر في إلقاء الدروس لغاية الساعة الحادية عشرة صباحا، ثم يعود إلى المنزل للغذاء، وبعد ذلك يأخذ قسطا يسيرا من الراحة، ثم يعود لإلقاء الدروس لوقت صلاة العصر، وبعدها يعرج على مكتبه ليضطلع بأعمال الصحافة ومتابعة عملية النشر من أولها إلى آخرها وعقد الاجتماعات.. أما بعد صلاة العشاء فيشتغل في التفسير والفتاوي..

وهكذا يقضي كل أيامه على هذا النحو، حيث لا يبقى في اللبيت إلا ناردا كما أنه في غالب الوقت يتناول وجبات الأكل خارج المنزل.

أما يوم الخميس والجمعة فله في الغالب برنامج خاص،ينتقل يوم الأربعاء مساء في القطار الجزائر العاصمة للألتقاء بأعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والقيام بالأنشطة المطلوبة للدعوة، وفي يوم السبت يستأنف سلسلة دروسه المعتادة.

وعن الضغوط التي كانت تتعرض لها عائلة الإمام ابن باديس، يقول عبد الحق:"إن جهاد الشيخ كان يقل الاستعمار الفرنسي كثيرًا، وقد حاولت إغراءه ببعض المناصب، كما حاولت تسميته بشيخ الإسلام، لكنه رفض هذا وذاك، وقد اضطر والدي الذي كان يشتغل في الزراعة وبيع المواشي إلى بيع مزرعة هامة في وادي زناتي حتى يستطيع تسديد الديون، لأن الحكومة الفرنسية ضغطت على البنوك لكي لا تتعامل مع والدي بسبب جهاد عبد الحميد.

وقد صمد الشيخ عبد الحميد أمام شتى أنواع الضغط والإغراء وأصر على مواصلة الدعوة الاصلاحية، والتضحية بوقته من أجل ذلك وكان يقول لنا في العائلة:"مادمت لم أوذ، ولم اضرب من أجل الدعوة فانني لم أؤد واجبي...

لقد كان الشيخ عبد الحميد باديس كما يقول شقيقه قليل الكلام في المنزل وإذا كان هناك ضجيج أو هرج يتحول فور دخول الشيخ عبد الحميد إلى هدوء احتراما له، كما أنه كان لا يحدثهم عن المشاكل والمضايقات والصعوبات التي كان يتعرض لها من قبل الاستعمار أو أصحاب الطريقة.

وقد سألنا عبد الحق عن إحساسه بتخصيص يوم العلم لذكرى وفاة العلامة ابن باديس فعبر لنا عن شعوره بقوله:"هذا إعتراف بالجميل للشيخ الذي كرس حياته لإصلاح الأمة، خاصة أنه كان دائما يقول لنا لمن أعيش ! إنه عاش لخدمة الإسلام والعروبة والوطن.

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :