Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب الحروب السرية على الجزائر المحروسة /ظروف ميلاد حزب اتحاد الشعب الجزائري واطروحة الاندماج / المؤلف صالح م

ظروف ميلاد حزب إتحاد الشعب الجزائري وأطروحة الإندماج

 

تأسس هذا الحزب على يد فرحات عباس سنة 1938م، وهو من مواليد مدينة الطاهير جيجل يوم 24 أكتوبر 1899م، عاش صغره في وسط الفلاحين، وهو على خلاف مع مصالي الحاج لا يؤمن بإستعمال العنف للوصول إلى أهدافه السياسية، وهو من عائلة غنية سمح له مركز أبيه الذي كان يشغل منصب قايد لدى السلطات الفرنسية في مواصلة تعليمه بالمدارس الفرنسية الموجودة بالجزائر، ونال جميع الشهادات الإبتدائية والثانوية والجامعية، وتخرج عام 1931 م صيدليا وفتح صيدلية بمدينة سطيف واشتغل بها، تزوج بفرنسية، ووافته المنية بالجزائر يوم 24 ديسمبر 1985م، ومن مؤلفاته: الشاب الجزائري، ليل الإستعمار، تشريح حرب الذي صدر عام 1980م، الإستقلال المصادر عام 1984م.

دخل المعترك السياسي بداية من عام 1922 م وكان قبل تأسيسه لحزب إتحاد الشعب الجزائري من أنصار الأمير خالد، ولمّا نفي هذا الأخير إلى دمشق أنشأ سنة 1927 م مع مجموعة من النخبة الجزائرية المثقفة المعروفين بميلهم للفكر الإندماجي، أمثال الدكتور بن جلول وإبن تامي إتحاد النواب المسلمين الجزائريين. كما انتخب عام 1926 م رئيسا لجمعية الطلبة المسلمين الجزائريين، وأصبح سنة 1927م رئيسا لجمعية الطلبة المسلمين لشمال إفريقيا. وأثرت فيه المدرسة الفرنسية إلى درجة أن جعلته في بداية مشواره السياسي لا يؤمن حتى بوجود أمة جزائرية وهذا ما يتبين من خلال مقاله الذي ردت عليه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كما ذكرنا سابقا وجاء فيه ما يلي: "إنني لست مستعدا للموت في سبيل الوطن الجزائري، لأنّ هذا الوطن لاوجود له، إنني لم أكتشفه، فلم أجد من كلمني عنه إطلاقا. إننا لا يجب أن نبني فوق الرمال. وإنني قد أبعدت بصفة باتة ونهائية كل خيال، لكي نربط مصيرنا بصفة نهائية مع الوجود الفرنسي بهذه البلاد".

وكان يرى في مطالب مصالي ضربا من الخيال، فانتهج سياسية الإندماج مع الإحتفاظ بالهوية الإسلامية للشعب الجزائري، لتحقيق مايصبو إليه، فبالنسبة إليه يمكن أن يكون الشعب الجزائري في نفس الوقت مسلم

 و فرنسي. إلا أنَّ أفكاره لم تجد صدى سواء لدى الشعب الجزائري أو السلطات الفرنسية، فلقد رفضت الحكومة الفرنسية سنة 1933 م إستقبال وفده الذي سافر إلى باريس، قصد الدفاع على مشروع فيوليت الإندماجي. ولم تتحقق أحلامه إلا بمجيئ حكومة الجبهة الشعبية سنة 1936 م، فشارك مع مجموعة من القادة السياسيين الجزائريين في تأسيس المؤتمر الإسلامي سنة 1936، وطالب بالمساواة في الحقوق بين الجزائريين والأوروبيين في إطار السياسة الفرنسية، وأيد مشروع بلوم فيوليت الإندماجي، والذي خيب في نهاية الأمر آماله، وكان نقطة بداية في تحول فكره السياسي، فلقد علمته تجربته السياسية من خلال إحتكاكه مع النواب الأوربيين في المجالس البلدية والبرلمان أن مطالبه السياسية غير مجدية وهذا رغم التنازلات التي رضى بها،  ولهذا تخلى عن فكرة الإندماج، فقال قولته المشهورة " إنّ وعودا قد أعلنت ولكن لم يتحقق شيء منها.... فتحرير الإنسان الأهلي سيكون مهمة الإنسان الأهلي نفسه، ولكي يتحقق ذلك لابد من تحريك الجماهير. لذلك فإن واجبنا يتمثل في شعار بالشعب من أجل الشعب، ونحن نأمل أن تعتمد الجزائر على الديمقراطية الفرنسية، ولكن تحتفظ بذاتها ولغتها وبعادتها وتقاليدها". ومن ذلك اليوم إعتنق مبادئ الوطنية الجزائرية فانفصل عن التيار الإندماجي الذي كان يتزعمه الدكتور بن جلول، وأسس سنة 1938 م حزب إتحاد الشعب الجزائري، وذلك من أجل تجسيد برنامجه السياسي الذي يتمحور حول محاربة الإستعمار والإمبريالية، فأصبح يطالب بإصلاحات سياسية وإقتصادية وثقافية تعبر عن إنشغالات الشعب الجزائري. كما شارك في صياغة بيان الشعب الجزائري الذي قدم للحلفاء سنة 1942م والذي رفضه الحاكم العام على الجزائر كاترو جملة وتفصيلا، وأكد أنَّ فرنسا لن توافق أبدا على إستقلال الجزائر. كما كان من المؤسسين لحركة أحباب البيان والحرية سنة 1944م إلى جانب جمعية العلماء وموافقة حزب الشعب، وكان يهدف من ورائه إلى تحقيق فكرة الجمهورية الجزائرية مستقلة ذاتيا ومتحدة فيدراليا مع فرنسا وأصدر لهذا الغرض صحيفة "المساواة"، ولقيت الحركة مساندة أغلبية الشعب وانضمت إليها مختلف شرائح المجتمع إلا أنها لم تعمر طويلا لسبب الخلاف الذي ظهر بين المصاليين وفرحات عباس، حول مطالب الحركة فبينما كان حزب الشعب يطالب بفكرة إنشاء برلمان وحكومة جزائرية، كانت فئة المعتدلين بقيادة فرحات تطالب بتأسيس جمهورية جزائرية مشتركة مع فرنسا. وعلى إثر حوادث 08 ماي 1945 م أوقف فرحات عباس وزج به في السجن رغم أنه لم يشارك في هذه الأحداث ولم يطلب صراحة إلا بإصدار العفو الشامل من الحكومة الفرنسية سنة 1946م. وقد تأثر كثيرا بهذه الأحداث مما جعله يبتعد عن حزب الشعب، وأسس الإتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري بمدينة سطيف في شهر أفريل سنة 1946م، وشارك في انتخابات الجمعية التأسيسية الفرنسية الثانية ودافع في حملته الإنتخابية على سياسة الإندماج مع المحافظة على الشخصية الإسلامية للشعب الجزائري. وأيد قيام دولة جزائرية يكون فيها الجزائريون والأوروبيون متساوين في الحقوق وحصل على 11 مقعدا. وقدم عام 1946 م مشروع دستور الجزائر إلى الجمعية التأسيسية لكن رفضت البحث فيه. كما كان من المنددين الأولين بعمليات تزوير إنتخابات المجالس البلدية، ودافع على المرشحين المعتقلين من بينهم أعضاء حركة إنتصار الحريات الديمقراطية، وكلفه هذا العمل الطرد من الجمعية الجزائرية، وفي عام 1951م انضم حزبه إلى باقي الأحزاب الجزائرية المعارضة من جمعية العلماء وحركة انتصار الحريات الديمقراطية والحزب الشيوعي الجزائري، وانبثق عن هذا التجمع "الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحريات الديمقراطية واحترامها"، وتتمثل مطالبها في إلغاء نتائج الإنتخابات التشريعية، وإحترام حرية الإقتراع في إنتخابات الدرجتين، مع إحترام الحريات الأساسية للعقيدة والفكر والصحافة و الإجتماع، ومقاومة الإضطهاد بكل أشكاله، إضافة إلى إطلاق سراح المعتقليين السياسيين، والفصل بين العقيدة الإسلامية والدولة، ولم تعمر هذه الجبهة طويلا. وفي 07 أفريل 1956م أعلن فرحات عباس في مؤتمر صحافي بالقاهرة إنضمام حزبه إلى جبهة التحرير الوطني، ووضع نفسه في خدمة الثورة، وهذا ما تحقق له إذ أصبح أول رئيس للحكومة الجزائرية المؤقتة من سنة 1958م إلى غاية 1961، وبعد الإستقلال رفض فرحات عباس أن يكون في نظام الحزب الواحد. فدخل في خلافات سياسية مع الرئيس أحمد بن بلة واستقال من الجمعية العامة في بداية الستينات.