Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب الحروب السرية على الجزائر المحروسة /التجنيد الاجباري لاهالي /المؤلف صالح مختاري

التجنيد الاجباري للأهالي

وفي هذه الأثناء تقريبا، أي في شهر نوفمبر 1840 ، أراد فالي أن يسد الفراغ الذي تركته هذه الحرب الفتاكة وأن يسيطر سيطرة تامة على الشعب الجزائري، فعمد الى التجنيد الاجباري للأهالي، وشكل من هؤلاء فرقا شبيهة بما نسميه اليوم ‌"الحركية" واتخذهم رهائن. وكانت هذه الفكرة معمولا بها قبيل التوقيع على معاهدة تفنة، ولكن الأهالي لم يكونوا يعملون في الجيش الفرنسي الا كأعوان. ثم عندما استؤنفت الحرب برزت فكرة اتخاذهم رهائن بكيفية معممة. فمبادرة المارشال كلوزيل "لم تستهدف زيادة القوات الفرنسية عددا عن طريق التجنيد، بقدر ما استهدفت فتح المجال أمام قسم من السكان للانضمام الى صفوفنا لكي يتميزوا على غيرهم من السكان، كمثال تقتديه فئة من المسلمين موالية لفرنسا  " أما فالي الذي جعلته التجربة يعارض فكرة تجنيد فرق نظامية من الأهالي، يسبب فرار أفرادها على نطاق واسع، وكذلك بسبب ما يقدمونه من خبرة تقنية للجيش الوطني الجزائري، فانه كان يرى بأن يعمد في المناطق المحتلة، الى تجنيد فرق غير نظامية، لأن "كل أعمال القمع، وكل الاجراءات اللازمة لجباية الضرائب ينبغي أن يتولاها جنود من الأهالي، ومن أجل هذا الغرض سخرناهم " ولكن، هاهي ذي الحرب تتجدد. فالعملية التي كانت في البداية عملية ادارية استفزازية، تحولت الى عملية سياسية صرفة بهدف قهر السكان وتحميلهم مسؤولية جماعية.

ان صاحب فكرة اتخاذ الجزائريين رهائن من بين الرؤساء والأعيان، ومن ذوي الجاه، ومن بين العائلات الكبرى والطوائف المختلفة الخ...

هو المارشال سولتن وزير الحرب، الذي تولى نقلها مرتين – مع فاصل زمني بين المرة الأولى والثانية دام بضعة أشهر- الى الوالي العام فالي على شكل تعليمات، فما كان من فالي تلقى هذه التعليمات، فما كان من فالي الا أن استجاب في الأخير للفكرة. والحقيقة أن فالي تلقى هذه التعليمات مكرها، وعلى الأخص فيما يتعلق بتعميمها، الا أن هذا لم يمنعه من أن يطبقها على أوسع نطاق. فهو يقول في رسالة وجهها بتاريخ 30 نوفمبر 1840 الى الوزير "ان تشكيل فرق من الصبايحية spahis غير النظاميين وفّر لنا من هؤلاء عددا كبيرا من الرهائن. وعما قريب سوف نسخر لخدمة فرنسا في مقاطعة قسنطينة 1.500 فارسا... وسوف نتخذهم ضمانة لولاء الأهالي الآخرين، كما أن كتيبة التيرايور في قسنطينة وفرت لنا عددا كبيرا من الرهائن... وأصدرت أمرا الى بعض القبائل التي فرضنا عليها مدنا بالفرنسان، بأن تنتقل الى برج سطيف لكي تكون في حمايته. فهذه العائلات هي في الواقع رهائن بين أيدينا، وبهذه الكيفية تصبح العلاقات بين الشعبين أوثق وأمتن (هكذا)... واتبعنا نفس الأسلوب في مقاطعة الجزائر... ومن الرهائن أيضا رجال الدرك الأهليون الذين تقيم عائلتهم في الجزائر والبليدة والقليعة... وسوف تلاحظون يا سيادة المارشال أنني فضلا عن الاجراءات التي أشرت اليها، خولت نفسي حق أخذ الرهائن من جميع القبائل خاضعة لنا. وسوف أعمل على تطبيق هذا الأمر بشكل خاص عندما تعلن قبائل التيطري  و وهران انفصالها عن عبد القادر 

وبما أن جل العمل قد أنجز باتقان، من غير أن يستلزم الأمر اصدار "بيان عام الأهالي" أو "أمر الى الجمهور" ، وفق ما نصح به المرشال سولت من ضرورة ملازمة الحذر، فلم يبق بعد هذا الا أن تستغل الفرصة في جميع المجالات، وحتى على المستوى الرسمي. وهذا ما حصل بالفعل: ففي تقرير نهاية السنة (31 ديسمبر 1840) الذي وضعه فالي حول الوضعية العامة في الجزائر نجد هذا الأخير ينساق مع التيار، على غرار ما فعله من بعده لاكوست الذي كان دائما يضخم عدد الحركية في كل خطاب من خطبه، أو على غرار ما صرح به مؤخرا ؤئيس الجمهورية الفرنسية. وهكذا راح فالي يؤكد بأن "القضية الفرنسية تلاقي اليوم عددا متزايدا من الأنصار. فالفرق الأهلية المسخرة لخدمتنا متزايدة بشكل ملحوظ، وعدد أفرادها يكاد يبلغ في هذه السنة ضعف ما كان عليه، وولاؤها لنا يتأكد يوما بعد يوم وبهذا نلاحظ أن الاستعمار لم يغير اليوم شيئا من أساليبه، لامن حيث طريقة تجنيد الحركية ولا من حيث الشعارات الخاصة بهم. وكما كان الأمر بالأمس، فإن الجنود الجزائريين المدعوين اليوم لأداء "خدمة" العلم الفرنسي كأعوان، يعتبرون – هم وذووهم- من الرهائن في يد فرنسا.

حرب ضارية ابتداء من 1841

ان الحرب في عهد فالي، وان كان قد أعد لها كامل العتاد العسكري، الا أنها لم تبلغ ما بلغته من الضراوة ابتداء من فبراير 1841 تحت قيادة بيجو. على أن المؤلفين العسكريين مثل شالمان يعتبرون عام 1840 من الأعوان الحالكة في الحرب، علما بأن الخسائر الفرنسية التي ذكرها لا تشمل الا الضباط: ففي تلك السنة قتل منهم أربعة وأربعون.

وعلى العموم، فان معدل القتلى بلغ 17 في السنة، اعتمادا على الرقم الذي أعطاه هذا المؤلف، وهو 304 ضابطا ممن لقي مصرعه في الحرب بين 1830  و 1847   ولكن الشيء الذي سكت عنه هو أن نسبة الخسائر بين الجنود مرتفعة جدا الى درجة أنه عيب على بعض القادة العسكريين كونهم"جاءوا الى الجزائر ليتعلموا المهنة على حساب الجنود   وقيل عن الجنرال باراغي ديليي بأن "المشي المنهك الذي فرضه على جنوده جعل عددهم يتناقص من 5.000 الى 3.000 رجل . "ويستفاد من رواية شالمان لكلام توماس أن هذا الأخير قال عن بعض الضباط بأنهم "يطلبون الشهرة" بخوض معارك "متعمدة" وانهم تعلموا المهنة "بدفع ثمن باهظ من الخسائر في الأرواح . "والمهم في الموضوع أن هذه الخسائر وهذه الاختياجات العسكرية المتزايدة أرغمت المسؤولين الفرنسيين على تجنيد فرق غير نظامية من الرهائن، وجعلتهم يفكرون- وهي فكرة أخرى من أفكار المارشال سولت – في استخدام العبيد من السودان الشرقي، بعد شرائهم من أحد الزعماء اللبيين المنشقين... كما جعلتهم يفكرون في استخدام الاجئين الاسبان. ففي رسالة رسمية بتاريخ 2 نوفمبر 1840 يقول فالي بأنه أعطى الأوامر لكي تنقل الكتيبة الاسبانية الى الجزائر. وقد أضاف الأستاد غ. ايفر الذي تولى نشر هذه المراسلاتن أضاف الملاحظة التالية في حاشية الصحفة: "كتيبة تدربت في فرنسا، وهي تتشكل من الاسبان اللاجئين الى فرنسا بعد هزيمة الكاريين carlistes  ".

ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، اذ ما كادت هذه الكتيبة التي ألحقت باللفيف الأجنبي تحط الرحال حتى فر 44 من افراادها وانضموا الى الصف الجزائر   . وهناك تفاصيل أخرى حوا هذا الموضوع مستقاة من مذكرة صادرة عن القيادة العامة للجيش الفرنسي بتاريخ 1840. ومما جاء فيها: "ولكي أضع حدا لفرار الجنود المتكرر يوميا رأيت من الضروري أن أبعد عن مدينة الجزائر هذه الكتيبة الخامسة التي لو بقيت هنا، لما ترددت في الانضمام إلى الكتائب النظامية التابعة لعبد القادر، علما بأنه إنضم إليها من قبل حوالي المئة من الإسبان التابعين للفيف الأجنبي... وقد توجهت هذه الكتيبة إلى عنابة وأوصيت بتشديد المراقبة عليها، ويضم جيش المشاة التابع لعبد القادر أكثر من مئة من هؤلاء الاسبان، وسوف ينضم إليهم بكل تأكيد الخمسة والستون من الجنود الفارين مؤخرا، بعد ثلاثة أيام فقط من وصول الكتيبة الخامسة التابعة للفيف الأجنبي[ والحقيقة أن الفرار من الجندية كان يقع من قبل، وهذا ما يستفاد من تقارير أحد الضباط، وهو الكولونيل ديلينس d’Illens الذي أشار إلى حالات مماثلة سببها فيما يبدو، الدعاية المكتوبة "بعدة لغات التي قامت بها المصالح المختصة التابعة لجيش عبد القادر، وكان من نتائجها أن فر 25 من اللفيف الأجنبي خلال ثلاثة أشهر  ما أشبه اليوم بالبارحة !

إن الذين يتبعون الوضع العسكري السائد في الجزائر منذ ثلاث سنوات، لاشك إنهم لاحظوا وجود شبه كبير بين الحالة المذكورة أعلاه والحالة الراهنة. فمن المعروف إن بعض اللجئين المجريين (الهنغاريين) الذين أرغموا على الدخول في اللفيف الأجنبي، أخذوا منذ1957 يفرون من الجندية، وقد نشرت جريدة "المجاهد" تصريحاتهم. أما الصحافة الفرنسية، فقد خامرها الشك في صحة الخبر، ولازمت الصمت، إلى أن نشرت جريدة "لوموند" في عددها الصادر في 6 أكتوبر1960 خبرا أشارت فيه إلى ما قامت به الحكومة المؤقة للجمهورية الجزائرية والسلطات المغربية من تحرير11 جنديا من الفارين التابعين للفيف الأجنبي. ومما جاء في الخبر ما يلي:"ذكر أحد المجريين، إسمه لاجاس إيلاس، بأن كل سرية من سرايا اللفيف الأجنبي تضم 25 لاجئا مجريا، وأن معظمهم إلتحقوا بفرنسا بعد إنتفاضة بودابيست في 1956، وأنهم أرغموا على الدخول في اللفيف الأجنبي". ونستنتج من هذا أن اللاجئين الإسبان كانوا هم أيضا مرغمين على الدخول في اللفيف الأجنبي، على غرار اللاجئين المجريين اليوم، بدليل أنهم سارعوا إلى الفرار عن سبق تصميم، وبصورة جماعية.

ولكن الحرب مستمرة، وهذا الاستمرار أفضى من الناحية النفسية إلى نوعين على الأقل من ردود الفعل، بحسب ما إذا كان الأمر يتعلق بالمدنيين – وعلى الأخص اللبيراليين منهم – أو بالعسكريين والمدنيين من ذوي الأحقاد والضغائن. ففي الحالة الأولى نجد مواقف لا تزال مألوفة اليوم لدى بعض الديموقراطيين الفرنسيين بالجزائر، مع ما يرافقها من نفاق ورياء، وهذا ما أشار إليه كلوزيل في 1835 :"هناك فريق كبير من الأهالي وحتى من الأوروبيين الذين يشق عليهم أن نمضي في الحرب ضد عبد القادر ويريدون أن نتفاوض معه. فهذا الفريق له مصالحه الخاصة، ويقدمها على مصالح فرنسا التي لا يكثرت بها ". أما الموقف الثاني المتمثل في من يدعي بأن حرب الجزائر دخلت ربع الساعة الأخير (أي أنها على وشك الإنتهاء)، فنجد شواهد عليه في كل حين، بل حتى في الأوقات التي إشتدت فيها الحرب، في1841 و 1842 ، أي قبيل إنتهاء الحرب مع عبد القادر بخمس أو ست سنوات، وقد إتخذ فالي هذا الموقف في أول عهده بالحكم. ولكنه بعدما جرب الأمور أصبح غير متيقن مما يقول. أما الضباط المتجهون إتجاه بيجو، وهو من الشبان المتحمسين، فكانوا يؤيدون هذا الرأي بدون تحفظ. ويقول أحد هؤلاء: "من المؤكد أن عبد القادر سينهزم قريبا، وما بقي علينا إلا أن نضرب الضربة القاضية " ويقول آخر:"إن الأوضاع العسكرية في هذه البلاد تسير فيما يبدو نحو تسوية قريبة. فهناك ما يدعو إلى الإعتقاد بأن حكم عبد القادر سينهار إنهيار تاما  وندرك مما قاله ضابط آخر أقل سذاجة، بأن الدعوة إلى "التآخي" بين الفرنسيين والأهالي قديمة، إذ يقول في مراسلة له بتاريخ 1842: "ولو صدقنا ما تقوله الجرائد وكلمات الولاء لما بقي علينا إلا أن نتعانق، لأن الحرب في زعمها قد إنتهت ومع هذا كله، فقد كان لبعض هؤلاء رأي سديد في الحرب، بل وصلوا أحيانا إلى حد التنديد بالاقطاعية والظلم السافر والكذب والتعدي على حقوق الأهالي وغير ذلك من الأمور التي إستنكروها بعقل متحرر، في سلوك رفاقهم ورؤوسائهم. ولكن، بما أن التقتيل والتشريد هما القاعدة في كل غزو إستعماري، فإن هؤلاء الضباط الذين يشهد لهم التاريخ لا محالة بالشجاعة، لم يرفع منهم صوته لاستنكار الظلم إلا فئة قليلة جدا. فالحرب هي الحرب، وليس من موقف ترتضيه القيادة الفرنسية العليا تجاه الجزائريين والحكومة التي تمتلهم سوى رفض التفاوض وإرغام العدو على الاستسلام التام، أو على الأقل، إستعمال أسلوب المراغبة والنفاق، بالدخول في مساومات من أجل سلم ممزق يعرض بصورة منفردة على الرؤساء المحليين وعلى أشخاص ليس لهم وزن، وعلى بعض العائلات الخائنة.

وهنا أيضا نجد نوعا من التشابه بين الحاضر المتمثل في تصرفات الوالي العام روبير لاكوست وفي أحداث 13 مايو، وبين أحلام الماضي الباطلة، مما يدعو إلى الإعتقاد بأن الغلاة الفرنسيين المحدثين قد إتخذوا النماذج المعرفة من القرن الماضي لأنفسهم قدرة. فبينما يؤكد المارشال كلوزيل، الوالي العام للجزائر، بلهجة موتورة، وقبيل التوقيع على معاهدة التافنة بعام واحد : "عزم الحكومة على أن لا تقبل شيئا آخر غير إستسلام عبد القادر، لأنه لا يمكن التفاوض مع رجل لا يزيد في نظرنا عن كونه رئيس عصابة المتمردين  ، إذا بالمارشال يصرح فيما بعد، على إثر نقض تلك المعاهدة:"لقد إغتنمنا جميع الفرص للاعلان بأننا لن نتفاوض مع عبد القادر، ولكننا على إستعداد لاستقبال الرؤساء والأهالي المنشقين عنه والراغبين في التفاهم معنا على انفراد وهكذا نلاحظ بأن الذين كانوا في أواخر 1958 ينادون بضرورة التوصل إلى "وقف اطلاق النار محليا' و'هدنة عن طريق التقسيم التربيعي quadrillage لا عن طريق المفاوضة" هؤلاء لم يأتوا بجديد منذ عهد فالي !

"سلم الشجعان"

ان هذا التشابه بين الحاضر والماضي يبدو على أوضع صورة عندما ننتقل الى المارشال الثالث، المارشال بيجو الذي يعتبر لعدة أسباب أمام الجيل الجديد من المستعمرين الغلاة، بل أمام بعض المسؤولين المحنكين. فهو الذي ابتداع الصيغة الأولى لما يسمى اليوم "سلم الشجعان" la paix des braves . والحكاية، وان كانت طويلة، الا أنها تستحق أن تروى لأنها، فضلا عن أهمية موضوعها، تلقى الأضواء على بعض الأساليب الدنيئة المتعجرفة التي كانت تستعمل مع المسؤولين الجزائريين في موقف الدفاع عن حقهم المشروع وكرامة بلادهم.

إن الأحداث التي تهمنا في هذا المقام وقعت في 1843. وكان المارشال قد عهد إلى صديقه الحميم، كبير التراجمة في مكتب الشؤون العربية، ليون روش Léon Roches، بمهمة اقناع الأمير عبد القادر بالاستسلام لفرنسا، هو وجيشه، "وشرفه سالم". وكان ليون روش قد لازم الأمير طيلة المدة التي طبقت فيها معاهدة التافنة وكان يتمتع بثقة لا تعادلها ثقة، وبتقدير الأمير ومودته. وعندما عيّنه بيجو – اعتبارا للأسباب السابقة – لكي يؤدي هذه المهمة، انقلب على شخص متجرد من كل حياء، فكتب اليه هذه الرسالة التي تعد آية في الوقاحة والنذالة:

"لله في خلقه شؤون، فهو يسلط شعبا على شعب آخر، وينتزع  بلدا ليعطيه لمن يشاء من عباده. وقد كانت افريقيا ملكا لأجدادنا ( ) إلى أن طردهم منها الأتراك. (هكذا) وشاءت عناية الله أن نعود اليها من جديد بعد أن خرجنا منها قرونا عديدة. فما عليك الآن أن تذعن لمشيئة الله  ."

وبعد هذه المقدمة واصل ليون روش كلامه: "لننتقل الآن إلى موضوع هذه الرسالة. لقد قلت لي بأنك ستقبل أي عرض لا يكون فيه مساس بالدين. وعهدي بك أذكى من ان يكون قصدك هو توقيع معاهدة معنا أو التوصل إلى حل سلمي، لأننا لو فعلنا ذلك لكنا مجانين. ولعلك قصدت أنك لن ترفض تسوية تضع حدا للقتال بطريقة تصون كرامتك وكرامة ذويك، ولا تتعارض مع معتقداتك ودينك. فلتعلم إذن أن المارشال قد تفضل بمراعاة الإلتماس الذي تقدمت به إليه، لكي يضمن لخصمه المغلوب عاقبة محترمة... أما الذين لا يرافقونك (الى مكة) من أفراد جيشك فسنعطيهم الأمان وسيعود كل واحد منهم إلى عشيرته... وأعتقد أنك لن تجد في سجل التاريخ مثل هذه المعاملة الكريمة من طرف عدو منتصر، كما أنك لن تجد من يضمن لك مثل هذه النهاية الشريفة لعدو مغلوب. ومما يتأسف له المارشال أن يراك – بعد ما كافحت كفاحا يليق بمقامك كأمير في سبيل دينك ووطنك – قد نزلت إلى هذا المستوى الوضيع وانقلبت إلى رئيس عصابة: تقطع الطرق وتقتل وتنهب أملاك القبائل الضعيفة البريئة لكي نعيش أنت وعصابتك 

هذه الرسالة فيها تزوير مقصود للحقائق من طرف ليون روش، وفيها أيضا تذرع لحجج معروفة وباطلة بهدف الفت من عضد الخصم. وقد برهنت الأيام عن بطلان هذه الادعاءات عندما انتصر جيش الأمير مرتين انتصارا باهرا على الفرنسيين. وقد اعتبر على أنها من أشنع الهزائم التي مني بها الجيش الفرنسي من الناحية الاستراتيجية.

ولنعد بعد هذا إلى مناورات ليون روش، فنجد أن ديدفيل (صاحب ترجمة حياة بيجو) قد تملكه الاعجاب بما لاحظه من "أنفة في جواب عبد القادر الذي ظل يطالب بتطبيق معاهدة التافنة، أو بتجديدها[21]" بينما كانت الحكومات الفرنسية المتعاقبة لا تريد منه سوى الاستسلام، وهو وجيشه. وما علينا إلا أن نقارن بين جواب الأمير الأبي، وكلام ليون روش الوقح: "لو أن الرسالة الأولى التي بعثناها إليك وصلتك، لأدركت ما هو في وسعنا أن نعمله، وما هو فرق طاقتنا. ولكنك صديقنا ولا بأس أن نعيد ما سبق أن قلناه لك... فلتعلم أن العروض التي قدمتها، وأكدت أن المارشال بيجو سيصادق عليها، ليست معقولة في شيء. كيف سولت لك نفسك – وأنا أعتبرك كولدي – وكيف تدعّي بأن مسعاك صادر عن محبة خاصة، وكيف خطر ببالك بأنني سأقبل بكل إمتنان حلا أستطيع بما لدّي من إمكانيات أن أتوصل إليه؟ وأراك تتنبأ لي بنفس المصير الذي وقع لأخي وصديقي سيدى محمح بن علال  فلتعلم بأنني لا أخشى أن يكون لي نفس المصير، بل أطلب هذا من الله عاجلا أو آجلا، لي  ولجميع المسلمين ! ... والآن أقول لك يا صديقي: اذا كان المرشال في نيته أن يبلغني ما فيه منفعة الجميع، فليبعث إلي أحد أعوانه مع رسالة إعتماد، وليخبرني بذلك سرا، وعندئد سوف أنتدب أنا أيضا أحد أصدقائي سرا، وليكن مثلا هو أخونا بوحميدي ، لكي يلتقي مع مبعوثه... ولا شك أنهما سيتفاهمان حول شروط الاتفاقية... وبذلك نجدد التحالف الذي ستكون أسسه خير ضمانة لدوام الصداقة والوئام ".

ان هذا الترجمان الذي كان من المقربين لدى بيجو، وعين فيما بعد أمينا للمندوبية في طنجة وقتصلا عاما في تونس، واشتغل هنا وهناك بمناورات خسيسة، أبى إلا أن يجدد مرّة أخرى ولكن بأسلوب مهذب، نفس العرض السابق لعبد القادر الذي كشفت رسالته عما يتصف به من "سمو النفس ورزانة في العقل" حسبما قال عنه ديدفيل ... وهكذا ماتب الأمير من جديد، ولكن الأمير لم يرد عليه:"ان الملك، ومجلس النواب والوزاراء والأمة الفرنسية، كل هؤلاء يريدون الاحتفاظ بالأرض التي فتحناها... فلم يبق لك إلا طريق واحد للنجاة أنت ومن معك. تعال بقرب المارشال وسل نفسك لمشيئته وكرم نفسه، فلن تجد عنده سواه مثلما سوف تجد عنده من حسن الاستقبال، وعظيم الاعتبار... وليس في هذا المسعى من غضاضة لك، وما عليك إلا أن تذعن لمشيئة الله تعالى ".

الطوابير الجهنمية

ونتيجة كل هذه المناورات معروفة: فقد عملت "الطوابير الجهنمية" التابعة لبيجو (هكذا يسميها العسكريون والمؤرخون)، عملت على تمديد الحرب بمدة تزيد عن أربع سنوات، فأسلمت البلاد للتقتيل والتدمير كما لو أن السنوات الثلاث عشرة من الحرب المتواصلة لا تكفي. وهنا يدخل الغزو الاستعماري مرحلته الرهيبة التي شهدت عددا من مجرمي الحرب ومن المنظّرين لسياسة الابادة وتجميع الأهالي، وهم: بيليسي، ومونتانياك، وسانت أرنو، وريشار. ومن الجدير بالذكر أن الأسماء الثلاثة الأولى، وكذلك أسماء غير هؤلاء مثل يوسف، وتروميلي الخ... قد أعطيت رسميا لعدد من القرى الجزائرية الهامة كأنها سبّة للضمير الأخلاقي. ومن يدري، فلعل مدنا أخرى ستحمل – لا قدر الله – أسماء ماسو، وبيجار، ودوكاس، وترينكيي، وشاربوني وغيرهم من سفاكي الدماء ومعذبي الشعوب. ولكن لنعد الى "ثالرواد الأوائل".

فهذا بيليسيي الذي صار مارشالا، نال "الشهرة" عام 1845 عندما تولى احراق الأهالي بدون شفقة ولا رحمة في مغارات الظهرة، حتى مات منهم حوالي الألف. وفي 1852 عند الاستلاء على مدينة الأغواط أطلق العنان لجيشه لكي يعمل ما يشاء في سكان هذه الواحة الصغيرة، فقتلوا منهم 2300 ما بين الرجال والنساء والأطفال 

وأما مونتانياك فهو أكثر الضباط الشبان حقدا على الأهالي، وهو الذي أعطى للنخبة من جيشه اسما رهيبا هو: "جوّالة الموت" فلنستمع اليه يقول في رسالة له الى أحد أصدقائه: "أراك تسألني ماذا نفعل بالنساء الواقعات يأيدينا. اننا نحتفظ بالبعض منهن رهائن، ونبادل بالبعض الآخر منهن للحصول على الخيل. والبقية للبيع بالمزايدة مثل الدواب لأفراد الجيش... ومن هؤلاء النسوة من هن على غاية الجمال.

ومن الأطفال من له جما ل ساحر. فهؤلاء المساكين الصغار يستحقون العناية. وفي العمليات العسكرية التي نخوضها منذ أربعة أشهر مشاهد يرقّ لها الصخر الأصمّ، لو كان للانسان وقت يفسح فيه المجال للعواطف. والحقيقة أننا صرنا ننظر الى كل هذا بدون مبالاة، وهذا أمر لا ترتاح له النفس ثم يضيف مستخلصا النتيجة:"هكذا يا صديقي العزيز ينبغي أن نحارب العرب. ينبغي أن نقتل كل الرجال ابتداء من سن الخامسة عشرة، وأن نأخذ جميع النساء والأطفال وأن  نضعهم في السفن ونبعث بهم الى جزر الماركيز أو غيرها. وبكلمة مختصرة، ينبغي أن نقضي على كل من لا يركع أمامنا كالكلب  وإذا سألت عن سانت آرنو، فهو أيضا صار مارشالا بعد الانقلاب الذي دبره في 2 ديسمبر لصالح الأمير – الرئيس (نابليون الثالث). وقد حذا حذو بيليسي في سد المنافذ على الأهالي في المغارات واحراقهم، ولكنه عمل في هذا المجال بمنتهى التكتم بناء على نصائح بيجو  ولع "رسائل Lettres" مليئة بمشاهد تقشعر لها البدان، عن قرى محترقة وآذان مقطوعة، وغير ذلك من الأمور التي كان يجد متعة مرضية في ذكرها ووصفها بدون حياء.