Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب حروب امريكا اسرائيل وبريطانيا على العراق /المؤلف صالح مختاري/سياسة حركة الصهيونية في قيام دولة إسرائيل

 

سياسة حركة الصهيونية في قيام دولة إسرائيل

قضية فلسكين هي قضية العرب الكبرى في التاريخ الحديث والمعاصر، وقد أطل القرن العشرون على العالم العربي والحركة الصهيونية يشتد ساعدها بما توافر لها من قيادات سياسية على أعلى المستويات العلمية، ووسائل الدعاية والإعلام والتنظيم الدقيق والتمويل وما إلى ذلك من عناصر القوة.

وهذا ما جعل الصهيونية تضع في مخططها كمرحلة أولى إنشاء دولة تجمع شتات اليهود المبعثرين في أنحاء العالم واشرأبت أعناق الصهيونيين إلى فلسطين ابتغاء اتخاذها مهدا لهذه الدولة الموعودة ولتحقيق هذا الهدف حدث التقارب بين الصهيونية والاستعمار ممثلا في بريطانيا التي وعدت الصهيونيين بإنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين عملا بوعد بلفور فازداد النشاط الصهيوني المحموم واتخذ خطوات عملية لوضع هذا الوعد موضع التنفيذ بإقامة دولة إسرائيل في قلب الوطن العربي الكبير.

كلمة الصهيونية مشتقة من كلمة صهيون، وهو جبل يقع على المشارف الجنوبية لمدينة القدس وقد وردت لفظة صهيون لأول مرة في التوراة عندما تعرض هذا السفر الديني للملك داود الذي أسس مملكة إسرائيل واستولى على عرضها أربعين سنة من سنة 1000 إلى سنة 960 قبل الميلاد وكان داود قد استولى على مدينة أورشليم القدس آخر معقل للكنعانيين وجعلتها خاصة ملكه واستطاع توحيد بني إسرائيل وقد حاء في التوراة. وذهب الملك ورجاله إلى أورشليم إلى الببوسين مكان الأرض وأخذ الملك حصن المدينة، حسن صهيون وأقام داود في الحصن وسماه مدينة داود.

وقد ارتبطت كلمة صهيون بداود ومملكته وعاصمته فغذت في نظر اليهود رمزا لمدهم ويلاحظ أن الملك سليمان الذي تربع على العرض بعج وفاة والده داود أقام في القدس الهيكل المعروف باسمه وسرعان ما إذا هذا الهيكل أكبر مركز روحي لليهود مما أضفى على المدينة مزيدا من الأهمية الدينية في نظر اليهود.

كما أنهم كانوا ولا يزالون ينظرون التقدير بالغ إلى مملكة داود ويعتبرون حكم داود وابنه سليمان بمثابة العصر الذهبي لتاريخ اليهود فكلما ساءت أوضاعهم بعد زوال ملكهم يتذكرون ذلك العهد الذهبي ويتطلعون على عودته.

ولتحقيق هذا المبتغى عمد اليهود إلى تحريف شريعة موسى عليه السلام وعوضوا التوراة بالتلمود وهو كتاب وضعه حاخامات اليهود عبارة عن مبادئ غير خلقية اتخذها اليهود أسلوبا ومنهاجا في الحياة سواء في علاقاتهم بعضهم البعض أو في علاقتهم مع غير اليهود، وقد أطلقوا لفظة الجوييم على غير اليهود ويقصدون بها الكفار أو الأجانب أو الأميون وبعد التلمود كتاب السياسة الإرهابية الصهيونية بما جاء فيه من توجيهات سياسية ونزعات استعلانية ابتغاء السيطرة على العالم كله في المدى البعيد.

وقد غرس التلمود في اليهود آمالا كبرى في السيطرة على العالم وطلب منهم اتخاذ كافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة وصولا إلى الهدف النهائي وهو التسلط على العالم.

وقد ورد في التلمود على لسان حاخات اليهود وهم يرسمون سياسة المستقبل، يجب على كل إسرائيل أن يبذل جهوده لمنع تملك باقي الأمم في الأرض حتى تبقى السلطة لإسرائيل لأنه يجب أن تكون لهم السلطة أينما حلوا فإذا لم يتيسر لهم ذلك اعتبروا منفيين وأسرى وإذا تسلط غير الإسرائيليين على أوطان إسرائيل حق لهؤلاء أن يندبوا عليها ويقولون باللعار وبالخراب ويستمر ضرب الذلة والمسكنة على بني إسرائيل حتى ينتهي حكم الأجانب وقبل أن تحكم إسرائيل نهائيا على باقي الأمم يلزم أن تكون الحرب على قدم وساق ويهلك ثلث العالم.

واعتبر اليهود كتاب التلمود كتابا منزلا وأفضل من التوراة وأجدر بالاحترام حتى أن الحاخات ادخلوا في روع اليهود أن من يخالف التوراة يغفر له أما من يخالف التلمود فلن يغفر الله له، وقد رد القرآن الكريم على هذا المسلك غير الأخلاقي الذي لجأ إليه اليهود في قوله تعالى، فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم منا يكسبون.

بقيت الصهيونية كمفهوم في أفئدة اليهود مرتبطة بمملكة داود ولذلك يطلق عليها الصهيونية الدينية، وهي تهدف إلى المحافظة على الثقافة واللغة اليهودية والاستمرار في أداء الطقوس الدينية والتمسك بالعادات والتقاليد اليهودية منذ العصور القديمة من نوع ثان وهو الصهيونية الحديثة الضالغة مع الاستعمار الغربي في خططه وأهدافه وهو ما سوف نتعرض له في ثنايا هذه الدراسة.

الصهيونية الحديثة حركة سياسية قامت في أوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وعاصرتن عهود الاستعمار والاستغلال الحديثة وتأثرت بهما وأثرت فيهما وتهدف إلى تجميع اليهود المشتتين في أنحاء العالم في إقليم يكون لهم وطنا قوميا يقيهم صنوف الاضطهاد الديني والعنصري ومع مرور الوقت تصبح القومية اليهودية حقيقة مجسدة يسعر بها العالم ويستند إليه اليهود في تحرير هذا الوطن القومي إلى دولة يهودية تمارس سيادتها كاملة واستندت الحركة  الصهيونية إلى أن اليهود مشتتون في أنحاء العالم ويخضعون لدول عديدة  ويتعرضون لأوان شتى من الاضطهاد العنصري والديني والسياسي والاجتماعي، الأمر الذي خلق المشكلة اليهودية وأن هذه المشكلة في نتاج النزعة المعادية السامية وانتهى أقطاب الحركة الصهيونية إلى أن الحل الوحيد لخلاص اليهود من هذا الاضطهاد هو إنشاء وطن قومي خاص بهم.

وتطور التفكير الصهيوني فغدا أكثر تحديدا وأصبحت اليهودية تعني تهجير اليهود المشتتين إلى فلسطين لتأسيس الدولة اليهودية التي تدين بالدين اليهودي وتتميز بالعنصر اليهودي والثقافة اليهودية وتعمل على بث مجد مملكة داود وإعادة بناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى ثم اتخاذ فلسطين مركز انطلاق إلى السيطرة على المناطق المتاحة لها والتي تمتد من نهر النيل إلى الفرات.

وتعد فلسطين هي نقطة البداية في سياسة التوسع الإقليمي المرحلي التي أرسى قواعدها الصهيونيين فلسطين هي أرض الميعاد حسب زعمهم التي وعد بها إبراهيم وذريته لتكون لهم ملكا ووطنا كما تعتبر أرض الخلاص التي تخلصهم من صنوف الاضطهاد الذي ستعرضون له في الدول التي يعيشون فيها والصهيونية السياسية تعتبر اليهود عنصرا متميزا عن سائر شعوب العالم بجنسه وتاريخه وثقافته ولغته الموحدة ودينه الواحد ووفقا لهذه الخصائص فاليهود شعب واحد توافرت له في زعم الصهيونية عناصر القومية اليهودية لإنشاء دولة يهودية واستطاعت الصهيونية أن تشتغل الناحية العقائدية بإحياء المفاهيم الدينية التي استقرت في أذهان اليهود أحقابا وعصروا فاليهود هم شهب الله المختار الذي فضله الله على سائر العالمين واستخلفهم على الأرض وجعلها ملكا لهم.

كما ألهبت الصهيونية الروح العنصرية في نفوس اليهود وآمنوا إيمانا عميقا بما أسموه نظرية التفوق اليهودي.

يحاول الصهيونيون إرجاع الحركة الصهيونية بمفهومها السياسي إلى عصور تاريخية قديمة ويذكرون أنها مرت بأطوار عديدة فيرى فيرق منهم أنها ترجع إلى ما قبل المسيح عليه السلام بستة قرون، حيث نجح نبوخذ نصر ملك بابل في الاستيلاء على بيت المقدس سنة 567ق.م ودمرها تدميرا مع عدد من المعاقل اليهودية ويقرر فريق آخر من الصهيونيين أن الحركة الصهيونية ترجع إلى القرن الأول الميلادي، حيث قام الرومان سنة 70م باحتلال بيت المقدس وهدم هيكلها وطرد اليهود من فلسكين وتشتيتهم، في حين يرى فريق ثالث أن الحركة الصهيونية ترجع إلى القرن الخامس عشر الميلاد، حيث سيطرت على فرديناند وإيزابيلا ملكي إسبانيا روح صليبية لطرد المسلمين واليهود من إسبانيا ولجأ اليهود إلى الولايات الإسلامية الخاضعة للدولة العثمانية.

ومن هنا اتخذ الصهاينة من هذه الأحداث التاريخية نقط ارتكاز للتضليل وإظهار الحركة الصهيونية بمظهر الحركة القومية العميقة الجذور والبعيدة كل البعد عن علاقتها بالاستعمار الأوربي الحديث.

ومما أضفى على الحركة الصهيونية نوعا من القوة هو أن النصف الثاني من القرن التاسع عشر حفل بحركات التحرر القومي في أوربا من ناحية وازدياد وحدة الاستعمار الأوربي قي آسيا وإفريقيا وغيرهما من ناحية أخرى وعمل الصهاينة على إدماج الحركة الصهيونية في نطاق الحركات القومية للاستفادة من التيار القومي الذي عمر شعوب أوربا وفي الوقت نفسه فإن الحركة الصهيونية تهدف إلى السيطرة على القيم خارج أوربا واستقلاله بنقل القوى البشرية والمادية إلى هذا الإقليم الذي يصبح ركيزة للاستعمار ومنطقة الشرق العربي وكان إدماج الحركة الصهيونية في دائرة الحركات القومية من التضليل السياسي لجأ إليه الصهاينة افتراء وكذبا لأن الحركات القومية تهدف إلى إجلاء محتل أجنبي مستعمر وصولا إلى الحرية والاستقلال، في حين الصهيونية تهدف إلى الاستيلاء على إقليم غربي هو فلسطين وإنشاء دولة يهودية دينية عنصرية.

قامت الحركة الصهيونية في وقت مبكر بنشاط واسع كثيف متعدد الألوان والأنواع في شتى المجالات التنظيمية والاقتصادية والثقافية والسياسية فأنشأت عددا من الأجهزة تتولى تنظيم الجماعات الصهيونية وربطها بعضها ببعض ونشر التوعية الصهيونية بين يهود  العالم وجمع اشتراكات سنوية منهم لتمويل الحركة الصهيونية ومساعدتها على تحقيق أهدافها، أما نشاطها السياسي فكان منصبا على الصعيد الدولي وكان مسرحه العواصم العالمية الكبرى تعمل فيه على حمل مستويات السلطة والنفوذ وتتصل بمراكز القوة سواء في الأستانة عاصمة الخلافة العثمانية آنذاك أو برلين أو باريس أو روما أو الفاتيكان أة واشنطن ونيويورك معقل يهود أمريكا واستهدف هذا النشاط ضمان تأييد مختلف الدول الصهيونية في تحقيق أهدافها.

عملت الصهيونية على استغلال الناحية العقائدية في نفوس اليهود في الظفر بتأييدهم وشحذا لعزائمهم وإلهابا لعواطفهم وكسبا لمزيد من الأنصار كما استغلت أيضا الاضطهاد الديني والاجتماعي والعنصري الذي تعرض له اليهود فالاضطهاد الديني والاجتماعي والعنصري الذي تعرض له اليهود فالاضطهاد كان بمثابة ورقة رابحة اتخذتها الصهيونية للترويج لحركتها كما حاربت فكرة إدماج اليهود في المجتمعات الأوربية التي يعيشون فيها وزعمت الحركة الصهيونية أن هذا الإدماج ينطوي على أخطار شديدة ليس بمستقبلهم السياسي فحسب بل أن هذا الإدماج سوف يقضي في المدى البعيد على الوجود اليهودي في العالم كله لأن اليهود المشتتين على وجه الأرض هم أقلية ضئيلة العدد بالنسبة للمجتمعات التي يعيشون فيها وأن اندماجهم يؤدي إلى ذوبانهم في الشعوب المسيحية الأمر الذي يؤدي إلى ضياع الشخصية  الذاتية للشعب اليهودي.

وذهب زعماء الصهيونية إلى أن الروح المعادية لليهود لا تزال كامنة في نفوس الأوروبيين باستغلال حركة الاضطهاد التي تعرض لها اليهود في أوربا الغربية في الفترة ما بين 1815 حتى سنة 1830. ثم استمرارها بعد ذلك كما استغلوا أيضا موجات الاضطهاد العنيف التي عمت روسيا عقب اغتيال  القيصر إسكندر الثاني في عان 1881 فقد اتخذت السلطات الروسية الحاكمة في روسيا من اليهود كبش الفداء في هذا الحادث كما استغل زعماء الصهيونية امتداد الاضطهاد إلى بولندا وألمانيا وغيرها وسنحت فرصة ذهبية للحركة الصهيونية حيث وجهت السلطات الفرنسية إلى الضابط اليهودي الفرنسي الجنسية الفريد ديغوس تهمة تزويد الملحق العسكري في السفارة الألمانية بباريس بمعلومات سرية عن القوات المسلحة الفرنسية، حيث حكمت عليه المحكمة العسكرية بثبوت الخيانة العظمى عليه وتجريده من رتبته ونفيه مدى الحياة في إحدى المستعمرات الفرنسية، فقد ركزت أجهزة الدعاية الصهيونية نشاطها على هذه القضية وصوبت الضابط بمظهر اليهودي البريء وأنه ضحية الاضطهاد والتعصب ولم يهدأ للحركة الصهيونية البال حتى خضعت الحكومة الفرنسية للضغط الصهيوني وأمرت بإعادة الضابط اليهودي إلى فرنسا وأعادت محاكمته وصدر الحكم ببراءته وأعيد إلى الخدمة في الجيش وتقررت ترقيته ومنحه وسام الشرف.

قد خلصت الحركة الصهيونية من ذلك كله، إلى أن الروح المعادية لليهود لن تخبو ولن تهدأ وأن اليهود معرضون في أي زمان ومكان للاضطهاد ولذلك فإن إدماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها ليس حلا جذريا.

ووجد زعماء الصهيونية ذريعة أخرى ترويجا للحكة، فادعوا أن قطاعات كثيفة العدد من اليهود المقيمين في شرق أوربا يعيشون في ظروف اقتصادية قاسية وأن تهجريهم إلى فلسطين حلا لمشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية واعتمدت الصهيونيون في الترويج لحركتها على المؤسسات اليهودية الثقافية والدينية والاجتماعية وهي منظمات قوية منتشرة في شتى أنحاء العالم ورحبت هذه المؤسسات بالتعاون مع الصهيونية بدافع المصلحة المشتركة وتم بينهما تنسيق مثمر لإنشاء وتدعيم تضامن يهودي، ثم توجب هذا التضامن نحو الهدف السياسي القومي المتصل بإنشاء دولة يهودية في فلسطين وهكذا لو تترك الصهيونية أية وسيلة نشر حركتها وتدعيمها إلى واستغلتها.

ولم يقتصر دور الحركة الصهيونية عند هذا الحد بل واصلت نشر التوعية الصهيونية في أوساط اليهود فكونت جمعيات يهودية في أنحاء العالم هيأت أذهان اليهود لتقبل أفكار الحركة ومهدت الطريق لظهورها وقد ضمت هذه الجمعيات صفوة مفكري اليهود الذين وضعوا مؤلفات وكتبوا نداءات واصطنعوا شعارات ليهود العالم يذكرونهم بالحالة للنهوض إلى مستوى الشعوب الراقية ومن هذه الجمعيات جماعة محبي صهيون وجماعة بني موسى وحركة الهاسكلاه وجماعة البيلو.

بدأ التفكير جديا في مسألة الوطن القومي لليهود بظهور اليهودي، تيودور هرتزل، على مسرح الأحداث حيث تصفه دائرة المعارف اليهودية بأنه زعيم الصهيونية السياسية وضع هرتزل في سنة 1895 كتابا باللغة الألمانية تحت عنوان الدولة اليهودية وسرعان ما ظهرت لهذا الكتاب طبعات باللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية واللغة العبرية مما سعد على انتشار الكتاب طولا وعرضا في الأوساط اليهودية في أنحاء العالم طالب هرتزل في هذا الكتاب بإنشاء دولة يهودية وأشار في كتابه إلى فلسطين كمكان للدولة المرتقبة ونظر إليها على أنها الوطن القومي الذي لا ننسى.

دعا هرتزل إلى عقد مؤتمر عالمي خاص باليهود لبحث مشكلتهم ولقيت دعوته ترحيبا جارا من فريق كبير من اليهود وفي أوت عام 1897 اجتمع هذا المؤتمر في مدينة بال بسويسرا حينها أعلن تيودور هرتزل صيحته بقوله.

نحن اليهود شأننا في ذلك شأن أية أمة أخرى لنا الحق في تقرير مصيرنا وفي المكان الذي يريده الجنس اليهودي حتى يحكم نفسه ويعيد إلى الحياة استقلاله القومي الذي كان قائما في وقت من الأوقات.

ولم يعلن هرتزل حرية المقدسة هذه إلا بعد أن نسق أفكاره ونظم مخططاته في مشروع كامل راح يعرضه على أثرياء اليهود وزعمائهم أمثال: البارون هيرش، وأسرة روتشليد، وما لبث  هذا المشروع الاستعماري أن خطى أول خطواته العملية بتكوين المنظمة الصهيونية العالمية التي تبلورت عقيدتها في برنامج بال حيث تحددت الغاية واتفق على الوسيلة.

كانت الغاية التي أعلنها المؤتمر الأول في بال هي خلق وطن اليهودي في فلسطين أما الوسيلة فتلخصت في النقاط الآتية:

1- العمل على استعمار فلسطين بواسطة العمال الزراعيين والصناعيين اليهود.

2- تنظيم القوى اليهودية العالمية وربطها بواسطة منظمات محلية ودولية، بحيث تتلاءم مع القوانين المتبعة في كل دولة.

3- تدعيم المشاعر اليهودية وتقوية الوعي القومي اليهودي.

4- اتخاذ الخطوات التمهيدية للحصول على التأييد الضروري لتحقيق غاية الصهيونية، وانطلقت الحركة الصهيونية لتنفيذ برنامج بال تحت زعامة هرتزل من خلال أنشطة أربعة:

- التنظيم السياسي.

- الاستعمار الزراعي والصناعي.

- التدعيم النفسي والمعنوي.

- العمل الديبلوماسي.

وهكذا بدأت فكرة العودة إلى صهيون تتحول إلى حركة صهيونية سياسية عالمية تسعى إلى إنشاء العلاقات مع الهيئات السياسية الأخرى وخلق الاتصالات مع الحكومات المختلفة وتحاول تنظيم اليهود وتنمية روح التعصب العنصري في نفوسهم وشحن معنوياتهم بالآمال العريضة للعودة لأرض الميعاد وإحاطة نشاطها بالكتمان والتمويه خشية أن يؤدي كشف المخطط الصهيوني إلى ردود فعل عالمية قد تتسبب في تعثره منذ البداية.

بعد مؤتمر بال الأول مرحلة هامة في تاريخ الحركة الصهيونية، فقد حدد هدفا لها هو إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي وبعث القومية اليهودية على أساس أن اليهودية ليست مجرد دين وإنما هي قومية وأن اليهود المنتشرين في أنحاء العالم يشكلون الأمة اليهودية أو الشعب اليهودي وحدد المؤتمر الوسائل والأجهزة المختلفة لتحقيق أهداف الصهيونية، كما أن هذا المؤتمر كان بمثابة تجمع يهودي على الصعيد الدولي صعد المسألة اليهودية إلى المجال الدولي بعد أن كانت تعد من المسائل الداخلية لكل دولة تضم أقلية يهودية.

وقد علق على مؤتمربال الأول في جريدته كي والت DIE WELTج تعليقا مشحونا بالتفاؤل إذ قال: لو أن طلب إلي تلخيص أعمال المؤتمر فإني أقول بل أنادي على مسمع من الجميع أنني قد أسست الدولة اليهودية وقد يثير هذا القول عاصفة من السخرية والتهكم هنا وهناك ولكن سوف يرى العالم بعد خمس  سنوات أو خمسين سنة قيام الدولة اليهودية حسبما تمليه إرادة اليهود بأن تنشأ لهم دولة.

وقد ساهمت أوضاع العالم العربي المتردية من ناحية وتطورات السياسة الدولية من ناحية في تحقيق نبوءة هرتزل، فقد صدر تصريح بلفور في سنة 1917 بعد مضي عشرين سنة على مؤتمر بال وصدر قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين وإنشاء دولة إسرائيل في سنة 1947 بعد انقضاء على خمسين عاما على لك المؤتمر.

تعتبر بروتوكولات حكماء صهيون برنامجا استراتيجيا لإخضاع العالم لنفوذ اليهود وهي عبارة عن مجموعة من المحاضرات ضمت البرنامج السياسي والاقتصادي والمالي لبسط السيادة اليهودية على العالم.

ويرى البعض بأن هناك رأيين في أصل وتاريخ البروتوكولات: الرأي الأول ويقول أن هذه البروتوكولات وضعها زعماء اليهودية خلال العصور التي شتت فيها الشعب اليهودي وأن تيودور هرتزل عرضها على المؤتمر الصهيوني الأول الذي دعا إلى عقده عام 1897، ولم يكن واضعها. أما الرأس الثاني فيذهب إلى أن تيودور هرتزل هو واضح هذه البرتوكولات وأنها عبارة عن المحاضرات التي كان يلقيها سرا على أعضاء المؤتمر الصهيوني الأول.

أيا كان الرأي بالنسبة لمصدر هذه البروتوكولات، فقد حاول زعماء الصهيونية إبقاءها سرا خاصا بهم ولكنهم لم يستطيعوا ذلك بعد أن استطاع العالم كشف سرها، فقد استطاعت سيدة فرنسية أثناء اجتماعها بأحد كبار أعضاء المؤتمر في وكر من أوكارهم الماسونية السرية في فرنسا أن تختلس هذه البروتوكولات التي وصلت إلى أليكس نيكولا نيفتش كبير أعيان روسيا الشرقية القيصرية فقدر خطورتها ضد العالم لا سيما بلاده روسيا ثم رأى أن يضعها في يد أمينة أقدر منه على الانتفاع بها ونشرها فدفعها إلى صديقه العالم الروسي سرحي نيولوس فطبعها لأول مرة باللغة الروسية سنة 1902 واتضحت نيات اليهود الخسيسة واستولى عليهم الفزع حين رأوا أن نشر هذه الوثائق يجعل شعوب العالم في حذر شديد من اليهود، وفعلا اندلعت المذابح على نطاق واسع في روسيا ضد اليهود واضطر هؤلاء بنفي أية ثلة لهم بها وأنكروا علاقاتهم بموضوعاتها لما حوته من استخدام الوسائل المخالفة لكل دين والعادمة لأركان كل الدول لتقوم على أنقاضها المملكة اليهودية الموعودة.

بذلت الصهيونية جهدها الحثيث إبان الحكم العثماني لصبغ حركتها وأهدافها القانونية التي تبرز الوجود الصهيوني في فلسكين، فكما أن صدر قرار المؤتمر الصهيوني الأول بإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين حتى سارع هرتزل إلى السعي نحو تحقيق هذا الهدف الأول الضروري إذ كان يعارض التسلل الصهيوني التدريجي إلى فلسطين لما قد بجلبه من مخاطر على الحركة الصهيونية ذاتها.

وتركزت مساعيه حول الحلو على فرمان من السلطان العثماني يسمح بإنشاء مستعمرة يهودية تحظى بالحكم الذاتي في فلسطين وحاول أن يستعين بإمبراطور ألمانيا ولهلم الثاني لمعونته في الحصول على هذا الفرمان، غير أن أمله في الحصول على الفرمان بعج مقابلته للإمبراطور.

في سنة 1900 وأثناء عقد المؤتمر الرابع الصهيوني في لندن، انتهز هرتزل الفرصة وبدأ يتقرب من بريطانيا لإثارة شعبها وحكومتها بالحركة الصهيونية حتى يتحقق ما فشل في تحقيقه مع إمبراطور ألمانيا وسلطان تركيا ولذلك عمد في خطابه الافتتاحي للمؤتمر أن يشيد ببريطانيا ويعلن أنها الدولة العظمى الحرة التي سوق تدرك حقيقة أمرنا وأهدافها، ومنها سوف تحلق الفكرة الصهيونية إلى الأعلى ثم تمكن هرتزل من مقابلة السلطات العثماني في ماي سنة 1901 وعرض عليه استصدار الفرمان المطلوب مقابل دفع جزية سنوية لخزينة الحكومة العثمانية ولكن السلطان رفض هذا العرض ورغم ذلك استمرت محاولات هرتزل ومقايضاته  مع السلطان لأكثر من عام دون جدوى وفي جويلية عام 1902 توقفت المفاوضات مع السلطات ولم يسمح سوى بإقامة بعض المستعمرات اليهودية في العراق وسوريا والأناظول دون فلسطين وذهبت جهود هرتزل م السلطان سدى.

توجه هرتزل بعدئذ إلى لندن في عام 1903 ليبدأ محاولة جديدة حيث قابل، اللورد رونشيلد، رئيس الجالية اليهودية في بريطانيا وطلب منه التوسط لدى الحكومة البريطانية في إنشاء مستعمرة يهودية في شبه جزيرة سيناء بمنطقة العريش أو في جزيرة قبرص وهي أراضي كانت خاضعة للحكم البريطاني ووافقت الحكومة البريطانية على مناقشة الفكرة، غير لأن اللورد كروس المندوب السامي البريطاني والمسؤولين المصريين في ذلك الوقت رفضوا الفكرة تماما.

ولم يفقد الأمل في استمالة السلطان العثماني والحصول على مواقفه بشأن الأطماع الصهيونية في فلسطين  فعاود جهوده مستعينا مرة أخرى بالحكومة الروسية محاولا إغراء السلطات الروسية بالتخلص من اليهود بواسطة تهجيرهم إلى فلسطين بشرط أن تتدخل الحكومة الروسية لدى السلطات العثمانية للحصول على موافقتها وفي أوت 1902 تحصل على وعد من حكومة روسيا بمساعدته لدى العثمانيين طالما كان إنشاء وطن يهودي في فلسطين يؤدي إلى الهجرة الجماعية ليهود روسيا.