Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب حروب امريكا اسرائيل وبريطانيا على العراق /المؤلف صالح مختاري/الوضع الاجتماعي والاقتصادي في ظل الحصار

 

الوضع الاجتماعي والاقتصادي في ظل الحصار

لقد استهدف العدوان الثلاثيني جل البنية التحتية للاقتصاد العراقي، فقام بتدمير العديد من المنشآت الصناعية، ومصانع حليب الأطفال، وجميع محطات الكهرباء، والهاتف، والبريد، ومحطات توزيع المياه الصالحة للشرب، ومجاري ومحطات تصريف المياه وأحدث دمار واسع. كان إعادة إعمار تشكل الأولوية للحكومة، لتأمين الحد الأدنى من الخدمات والمنتجات..بواقع احتباس الصادرات والواردات.

ولسنوات طويلة كان الاقتصاد العراقي منتعشا، ويحقق فائضا كبيرا. فقد كانت صادرات النفط تشكل 1.3% من الناتج المحلي الاجمالي، بينما كانت الزراعة تشكل 5%، والبقية، أي نحو 33.7% كانت صادرات متنوعة لمنتجات مصفعة وثروات معدنية مختلفة.

وكان معدل النمو 4.4% في الفترة الممتدة من 1965-1973. ثم ارتفع إلى 10.5% حتى عام 1980، ثم انخفض قليلا في العامين التاليين..لدخول العراق في الحرب مع إيران. ليستقر معدل النمو دون هبوط.

ومع سنوات الحصار توقفت بشكل شبه شامل معدلات النمو في الصادرات، وانعكس ذلك بصورة دامية على سعر صرف الدينار، مقارنة بالدولار..حيث كان السعر الرسمي للدولار قبل العقوبات يساوي 3.11 للدينار أي نحو ثلث دينار وتدهور السعر الموازي بسرعة جنونية بعد العقوبات. حتى وصل إلى نحو 3000 دينار للدولار الواحد، أي بزيادة تصل نحو تسعة آلاف ضعف..وتذبذبت أسعار صرف الدينار مقابل الدولار في السوق الموازي ما بين 500-600 عام 1994، ثم ارتفع عام 1995 ليصل إلى أكثر من 3000 في نهاية هذا العام..وتراجع عام 1996. حيث استقر لأشهر بحدود 1640..واستقر بحدود 1700 ثم تراوح عام 1997. ما بين 1100-1700. وحتى حدود 2000 دينار للدولار الواحد.

فعلى صعيد الأفراد، وبحكم التقشف القسري..اضمحلت، وتلاشت مظاهر البذخ والتبذير في المأكل واللباس، واستغنى المواطنون عن مواد كثيرة كمالية وضرورية. ونظموا حياتهم وتغذيتهم وفقا للامكانيات المتواضعة. وبالوقت نفسه اتجه العديد منهم إلى ابتداع وسائل جديدة في استغلال حدائق البيوت معظم بيوت العراقيين تتوفر فيها حدائق تحيط بالبيت، أو داخله وتحويلها إلى مزارع صغيرة تنتج ما هو ضروري من خضروات، وإلى تربية الدواجن لتوفير البيض واللحم والبعض طور ذلك إلى إدخال زراعات مناسبة تسد بعض الحاجات، وعادت النخلة لتحتل مكانتها بالاعتماد على التمر كمادة غذائية رئيسية حيث توقفت معظم صناعات الحلوى، والتفتن في استخداماته المنزلية..

وقد أوجدت هذه الوضعية الاقتصادية إرادة جديدة، وعقلية أكثر همة واقبالا على العمل، والتركيز على الزراعة..بعد أن أهملت لسنوات، وبعد أن كان جل العراقيين يعتمدون على الأيدي العاملة الخارجية، والوافدة من مصر بشكل رئيسي، ومن عدد من الأقطار العربية، والهند، وبعض دول شرق آسيا..

ونجد هذا الاعتماد على الأنفس يتجاوز الجانب الغذائي، والزراعي. ليشمل جميع الميادين، والخدمات وغيرها.

وبدورها توجهت الدولة نحو قطاع الزراعة، فأولته أهمية أكبر. فنهضت مشروعات زراعية شاسعة في مختلف أنحاء العراق، فتمت زراعة حوالي 3588000 هكتار بالحبوب عام 1995، وانخفضت هذه المساحة بنحو 13% عام 1996 وقدرت كميات الحبوب المنتجة عام 1997بـ2200000طن، وهو أدنى إنتاج منذ عام 1991..بسبب ضعف إعداد الأرض نتيجة عدم توفر الجرارات والأسمدة، ومبيدات الحشرات، وتسهيلات الري..ونقص الحصادات وآلات الجني..

أما الخضر والفواكه..فقد احتلت مكانة هامة في النظام الغذائي، بسبب النقص في الحبوب واللحوم والمنتجات الحيوانية وقدرت المساحة الزراعية عام 1997 نحو 500 ألف هيكتار، وهي نسبة تساوي 10% من جملة الأراضي الزراعية لكن العراق، وحسب تقرير "منظمة الغذاء والزراعة"..يعاني من مشكلات كبيرة في الميدان الزراعي، كزيادة المعالجة، والأسمدة المناسبة..وغيرها من مستلزمات إنجاز المشروعات الزراعية، وتحسين مردودية الأرض.

لقد نزل الحصار بكل ثقله وويلاته على المجتمع..فأحدث هزات ومتغيرات وآثارا كبرى، بعضها يمكن تلمسه ومشاهدته وبعضها سيتفاعل لسنوات قادمة..وربما لعدة أجيال..

فقد انهارت طبقات اجتماعية بأكملها..لتلتحق بالفئات الفقيرة، خاصة تلك الطبقة الوسطى التي كانت تعيش حياة مقبولة. وازدادت أوضاع الفئات الشعبية تدهورا..وحلت المصاعب بأصحاب الدخل المحدود، خصوصا الموظفين..فراح قسم كبير منهم يبحث عن عمل إضافي في شتى المجالات، خارج أوقات العمل الوظيفي، مما يؤثر على عملهم، وصحتهم، بينما دخل العديد من الأطفال ميادين العمل المتوفرة، واضطر الكثير لبيع أثاثهم وحاجياتهم، ومكتباتهم..

كما أدى الحصار إلى هجرة أعداد كبيرة من العراقيين..بحثا عن باب للرزق، في الدول العربية التي تقبل استقبالهم، خاصة في الأردن، أو في مشارق الأرض ومغاربها..حيث تتحدث المصادر عن وجود نحو /3/ مليون خارج العراق..

وبالمقابل فإن هذه الأوضاع الاستثنائية..تفتح شهية تجار الحروب للقيام بشتى أنواع المضاربات والاحتكار، والتهريب، والسوق السوداء..إذ برزت طبقة جديدة، تمتص دماء الشعب، وتحاول التحكم بأسعار المواد، وطرق توزيعها..الأمر الذي أدى بالحكومة العراقية إلى اتخاذ إجراءات صارمة ضد المحتكرين والمضاربين، وصلت إلى إعدام عدد من هؤلاء. كما انتشرت عمليات التهريب من وإلى العراق، خصوصا تهريب المواشي إلى السعودية، والعديد من السلع والمواد الرئيسية بتشجيع وتخطيط من الأنظمة المعادية، التي كانت تدفع مبالغ ضخمة ثمنا لرأس غنم مهرب، وعندما شدد العراق إجراءاته على الحدود..صارت الطبقات تتجه إلى تسليم ضرع النعجة مقابل مبلغ مالي معتبر، كجزء من عملية تخريبية كبيرة..

هذا الواقع القاسي..لابد أن يفرز عددا من الأمراض والآفات الاجتماعية، إلى جانب الأمراض الصحية الناجمة عن سوء التغذية.

والحقيقة، فالشعب العراقي العربي –المسلم، والمؤمن بأمته حتى النخاع، والقومي النزعة والتشكل، والذي كان سباقا للعطاء والفداء في جميع معارك الأمة ومنحها..يجد نفسه وحيدا دون عون من أحد..وأكثر من ذلك فإن أخوته العرب والمسلمين يغلقون حدودهم، وينفذون –حرفيا- قرارات أمريكا، وبغضهم يتآس على العراق ويحرض الأعداء عليه..والغالبية تتفرج على شعب يعاني ويلات الموت والجوع والحاجة والمرارة..دون أن يتقدم أحد بمد يد المساعدة..اللهم إلا من بعض القوى الشعبية ضمن امكاناتها المحدودة، وبعض الدول التي قدمت بتقطع الاعانات القليلة..

هذه الوضعية الخطيرة لابد أن تترك آثارها في أعماق المواطن العراقي. ما فائدة الأخوة والصداقة والروابط القومية والدينية ما لم تعبر عن نفسها وقت الشدة عملا، ومشاركة ومواقف.

مع ذلك، فشعب العراق ما زال إيمانه عاليا بعروبته وأمته ومعتقداته، ويتفهم الكثير منه أوضاع الشعب العربي في عموم أقطاره، بحكومات عملية أو متخاذلة أو خيانة أو مشغولة بـ"بغدادها" ومشاكلها الداخلية كما يعرف هذا الشعب..أن العرب والمسلمين، وكافة أحرار العالم..معه في الخندق الواحد، يتألمون لمصابه وواقعه..وقد عبروا عن مساندته له ضمن كل الوسائل التي أتيحت.

لقد أحدث الحصار المجرم ويلات، وهزات، وكوارث طالت كل بني العراق، وحصد أكثر من مليون مواطن، غالبيتهم من الأطفال..وأوقع المرض بالملايين..وخلق اضطرابات وهزات وحفر داخل النفس..وفي مجمل البنى.

إلا أنه في وجهه الآخر..ساهم في رفع عزيمة الشعب، واستنفارها حتى الدرجة القصوى، وكرس إدارة التحدي لدى العرقي..ليس في مواجهة الأعداء الخارجيين وحروبهم ومؤامراتهم وحسب، وإنما بنية الفرد، فازدادت صلاحية العراقي، كما ازداد تمسكه بترابه الموحد ومعتقداته وقيمه الأصلية، وشمر عن ساعديه..يعتمد عليها في حياته وتأمين لقمة عيشه وعيش أطفاله وعائلته..وفي قهر من يريدون قهره وإذلاله..

ودخلت المرأة ميادين العمل بكثافة وقوة وإرادة..تساعد في حمل العبء الثقسل وتحمل السلاح جنبا إلى جنب الرجل دفاعا عن وطن عزيز مهدد..

ويمكننا القول –بكل موضوعية- أن الأزمات..هي الامتحان الأكبر للانسان، وأنه كلما كبر التحدي، واشتد الخطب، وتكاثفت الأخطار على الوطن والمواطن..كلما ارتقى الشعب إلى مستوى أعلى من الجاهزية والاستعداد للقضية والتحمل والفداء هذا هو منطق التاريخ، وهذا هو حال الشعب العراقي..الذي يقد الآن من فولاذ التصميم والإيمان والعزم ليخرج من قلب المعاناة والمأساة عملاقا أقوى مما كان.

هذه التركيبة المتفلذة. يصعب لأحد أن يقهرها أو يكسرها..ناهيك عن نوايا اختراقها، وهي تقف صامدة كل هذه السنوات العجاف، تعلن بالصوت القوي، وبالفعل الملموس..أنها باقية رغم مؤامرات الأعداء والتابعين..وأنها أكثر التحاما مع قدرها الذي نذرت له، ومع إيمانها بوحدة الوطن وتحرره وتقدمه.

ولئن أذهل هذا الشعب العالم وهو يواجه أعنف قصف همجي بشجاعة ورجولة وإيمان..وهدوء..ويواصل حياته العادية وأفراحه..في أوج القصف الذي تهاطل على بغداد والمدن العراقية..فإنه يبلغ الجميع رسالة واضحة. ويرد على الأمريكان والصهاينة. الذين يرهنون "انتفاضة" هذا الشعب ضد نظامه الوطني. من خلال إدامة الحصار ومحاولة قتل إرادة الشعب. كما يبلغ أبواق المعارضة ومن يحميهم ويمولهم. أن شعب العراق واقف وصامد..وثابت على المبدأ. حتى تزاح الغمة. وتحقق أهدافها.

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :