Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب حروب امريكا اسرائيل وبريطانيا على العراق /المؤلف صالح مختاري/إسرائيل تهدد الكيان العربي

 

إسرائيل تهدد الكيان العربي

التفوق في السلاح التقليدي هو خطة إسرائيل في الماضي، وخطتها الحالة هي التفوق في الأسلحة غير التقليدية ومنع العرب من الحصول عليها. وشهدت المنطقة تصعيدا ملحوظا في وثيرة التهديدات الإسرائيلية ضد العرب من مغبة استخدام أو تطوير الأسلحة غير التقليدية، ومن صواريخ وأسلحة كيميائية وبيولوجية وصولا إلى السلاح النووي.

والواقع أنه لم يكد يمر يوما واحدا من دون أن يطلق فيه مسؤول إسرائيلي أو أمريكي تصريحات مسهبة يتحدث فيها عن مخاطر وآفاق مستويات التسليح الجديدة في الشرق الأوسط، ويستوي في ذلك القادة العسكريون والسياسيون.

والسؤال الذي فرض نفسه في أعقاب هذه التصريحات الخطيرة، هو هل نحن أمام تهويل إعلامي واسع النطاق، هدفه الأول والأخير تعبيد الطريق أمام تسوية سلمية زاحفة في المنطقة، أم أن منطقة الشرق الأوسط معناها الجغرافي الأوسع الذي يضم باكستان وإيران وتركيا والعراق قد دخلت بالفعل في مرحلة تاريخية جديدة لم يسبق لها مثيل من سباق التسلح في الأعتدة غير التقليدية.

فالضجة الراهنة حول مستويات التسلح في المجالات النووية والكيميائية والبيولوجية تترافق مع جهود حثيثة في الساحة الدولية لدفع تسوية ما الصراع العربي-الإسرائيلي إلى دائرة الضوء، وهذه الجهود تواكب بدورها، تطورا نوعيا في العلاقات السوفييتية-الأمريكية قد يكون الأول من نوعه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية التي توجت بمعاهدة يالطا، وهو تطور جعل سلسلة كاملة من الصراعات الإقليمية أفغانستان. حرب الخليج انفولا ونامينا كمبوديا…الخ توضع فجأة على طاولة المفاوضات الجدية.

هذا إضافة إلى أنه بات سرا معروفا بأن الولايات المتحدة تعودت منذ مطلع الستينات أن تحرك قضية التسلح غير التقليدي في كل مرة ترى في ذلك وسيلة ضغط، غير تقليدية على تل أبيب لفرض موقف ما، هذا برغم أن الموقف الرسمي الأمريكي من مسألة التسلح النووي الإسرائيلي، يستند إلى مقاربة القرود الثلاثة على حد تعبير مؤتمر أخير عقد في أوسلو حول انتشار الأسلحة النووية أي: "لم نسمع، لم نر، لم نتكلم".

يقول الكاتب الإسرائيلي إيلي تانجر في هذا الصدد: "خلال العقد الأخير، أصبحت الأخبار التي مصدرها الولايات المتحدة حيال القدرات الذرية الإسرائيلية، رد فعل شرطي-على غرار باقلوف والكلب-في العلاقة بين الطرفين فكلما حاولت الإدارة الأمريكية تنفيذ صفقة سلاح مع دولة عربية مما تلقي معارضة من اللوبي الإسرائيلي، ـو كلما حدث توتر سياسي في العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية، يصبح الاحتمال كبيرا في تسريب وثيقة أمريكية عن وجود أسلحة ذرية في يد إسرائيل، وبعدما يعقب هذا التسرب، أو لا يعقبه اعتذار من واشنطن يقول: "آسفون أخطأنا".

والحال أن وزير الخارجية الأمريكي السابق جورج شولتز استخدم على ما يبدو رد الفعل الشرطي الباقلوفي هذا، خلال جولته المكوكبة السابقة في الشرق الأوسط، حين أعلن في القدس المحتلة أن "انتشار الأسلحة النووية والصواريخ بعيدة المدى، تهدد بأن تصبح النزاعات المستقبلية أكثر دموية، ونحن نريد تجنب نشوب أي حرب أن تكون أبدا كسابقاتها في حجم الدمار والخسائر، وهذه الحقائق يجب أن تدفع الأطراف الإقليمية إلى تحبيذ التسوية.

الاحتمال الأول، إذن أي استخدام ورقة التسلح غير التقليدي للضغط باتجاه تسوية ما. له مبرراته الواقعية.

بيد أن هذا لا ينفي الوجه الآخر للحقيقة، وهو أن سباق التسلح هذا قائم بالفعل، وأنه بدأ يتطور بوتائر متسارعة للغاية… وبشكل علني.

ونقطة الانطلاق "الشكلية" في هذا السباق كانت بالطبع حرب الخليج، فقد دشنت "حرب المدن، بين العراق وإيران، استخدام الصواريخ البالستية ضد أهداف مدنية للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، وتبع ذلك سباق محموم بين دول المنطقة على شراء وتطوير في حالة العراق الصواريخ، تتوج بحيازة المملكة العربية السعةدية لصواريخ أرض-أرض "دي-أف 2-أ" الصينية المعروفة باسم éريح الشرق" وبهدف معلن هو ردع إيران التي يصل مداها إلى نحو 1500 ميل، وهي بذلك قادرة على الوصول إلى إسرائيل واليونان والاتحاد السوفييتي والهند.

وإلى جانب وصول الصواريخ البالستية على الساحة الخليجية، كانت الحرب الكيميائية تستخدم بكثافة وأكثر من أي وقت مضى منذ الحرب الثانية، في الحرب العراقية-الإيرانية. هذا في وقت تتواتر فيه الأنباء عن مساع حثيثة تبذلها إيران للحصول على التقنيات العسكرية النووية، ومن مساع أخرى يبذلها العراق لاستكمال أبحاثه النووية المتطورة التي عطلها مؤقتا الهجوم الإسرائيلي على المفاعل النووي تموز.

إن حرب الخليج كانت نقطة الانطلاق لسباق التسلح غير التقليدي في الشرق الأوسط، وتم وصف هذه النقطة بأنها "شكلية" لسبب بسيط هو أن نقطة الانطلاق الحقيقية كانت ستتم في مكان آخر، وقبل وقت طويل من اندلاع حرب الخليج.

فإسرائيل كانت قد قطعت خلال العقود الأخيرة شوطا بعيدا في تطوير الأسلحة غير التقليدية، على الجبهات كافة: الأسلحة النووية، الأسلحة الكيميائية، الأسلحة البيولوجية، ومؤخرا الصواريخ بعيدة المدى والقادرة على حمل رؤوس نووية أريحا-2 ناهيك عن مشاركتها في برنامج "حرب النجوم" الأمريكي الذي سيمكنها من مواكبة تكنولوجيا الصواريخ المضادة لصواريخ.

وهذه التطويرات بخاصة في المجال النووي، تمت في إطار ما أسماه بعض البحاثة الإسرائيليين بـ "الغموض الموجه، الذي استهدف تحقيق الأغراض الآتية:

* في المرحلة بين 1956 و1966، كان هدف السرية هو حماية مفاعل ديمونا، الذي ينتج كميات ضخمة من البلوتونيوم من ضربة وقائية عربية لمنع إسرائيل من حيازة الأسلحة النووية.

* وفي مرحلة لاحقة، أصبح الغموض الموجه أفضل سياسة تنتهجها إسرائيل لتحقيق ما يصفه الدكتور جيرالد شتينيرغ من الجامعة العبرية بـ "الردع النووي الخفي للعرب".

ويضيف شتينيبرغ "أن الغموض يتمتع بمزايا عديدة للغاية ولا ينطوي على مخاطر كثيرة أو على الكلفة التي تصاحب تحويل الأسلحة النووية إلى أسلحة علنية، ولنا أيضا أن نتوقع رد فعل من جانب الاتحاد السوفييتي: فعدا عن خوف موسكو من استخدام الأسلحة النووية ضدها، فإن الزعامة السوفييتية ستجد نفيها -إذا ما أصبح الردع الإسرائيلي علنيا- تحت وطأة ضغط من حلفائها العرب للقيام برد ما. ويحتمل أن يكون الرد توريد أسلحة تقليدية متطورة للعرب وتدخلا عسكريا مباشرا في إعطاء العرب ضمانة نووية، ومثل هذا الرد السوفييتي يمكن أن يكلف إسرائيل ثمنا فادحا.

* مواصلة اعتماد إسرائيل على القوات التقليدية، طالما أن هذه القوات تحقق أهداف تل أبيب السياسية والعسكرية والاستراتيجية. عبر استمرار تفوقها على القوات التقليدية العربية.

أن كل هذه العوامل مجتمعة كانت كافية في السابق، الآن تدفع إسرائيل إلى مواصلة سياسة "الغموض الموجه، وقطف ثمراته الداخلية استمرار التطوير التكنولوجي والخارجية ابتزاز العرب في آن واحد العراق وإيران. بيد أنه يبدو أن تغييرات عميقة بدأت تدخل على هذه الصورة الخفية، مع ما أقررته حرب الخليج من تطورات أدخلت القلق إلى قلوب قادة تل أبيب.

فإذا كانت إسرائيل تحتكر الآن السلاح النووي في الشرق الأوسط إلا أن هذا السلاح ليس وسيلة الفتك الشامل الوحيدة، وخاصة مع دخول الصواريخ المتوسطة وبعيدة المدى إلى ساحة المعادلات العسكرية.

إذ أن هذه الصواريخ وحتى لو لم يمتلك العرب الخيار النووي قادرة على تشكيل مخاطر جمة، لأنها تعطي أصحابها القدرة على استخدام الأسلحة الكيميائية، إلى درجات بالغة التدمير وفي هذا الإطار ليس ثمة فرق مادي كبير بين السلاحين النووي والكيميائي بخاصة إذا ما ركبت رؤوس كيميائية في الصواريخ.

ومعروف أن الأسلحة الكيميائية التي يمكن أن تستخدم كغازات أو سوائل تستطيع احتراق الملاجئ وتلويث الهواء والتغلغل داخل الملابس ومهاجمة الجلد والعينين والأعضاء الداخلية، كما أنه في المستطاع إطالة أمد تأثيراتها من ساعات قليلة إلى أسابيع كاملة، الأمر الذي يحول مناطق برمتها إلى أفخاخ موت.

وقد استخدم هذا السلاح للمرة الأولى في 22 أبريل 1915، حين أطلق الألمان سحابة من "الكلورين" فوق القوات الفرنسية قي منطقة أيبيرز، وكانت محصلة مروعة، 5 آلاف قتيل و15 ألف مشوه، ومنذ ذلك الحين كانت الأسلحة الكيميائية تستخدم بشكل متقطع في الحروب الإقليمية، لكن التطويرات التي أدخلت عليها فيما بعد وخاصة قي ترسانات الدول الكبرى وحتى الدول المتوسطة، جعلتها على قدم المساواة مع الأسلحة النووية.

وتشرح مجلة "نيوسانيتيست" البريطانية تأثيرات الأسلحة الكيميائية بالتعابير الآتية "أن سلاحا كيميائيا ما يستخدم غاز الأعصاب "سارين" قادر على تدمير 20% من محتشدات العدو في بقعة محددة والهواء يساعد الغاز على التنقل فأي شيء غير محمي على مسافة 15 ميلا، ويقتل ويتعرض الناس إلى أضرار بالغة إذ كانوا على بعد 20 ميلا من ميدان المعركة. إن الإصابات ستكون بالملايين، والعديد من المصابين سيحتاج إلى عناية طبية للبقاء على قيد الحياة.

إن إسرائيل التي كانت تراقب عن كتب الاستخدام المكثف والفعال لكل من الصواريخ المتوسطة والبعيدة والأسلحة الكيميائية في حرب الخليج التي بدأت تتحرك بسرعة متزايدة في منحيين اثنين:

الأول، العمل لتكريس تفوقها في المجالات العسكرية النووية والكيميائية والصاروخية، ليس فقط من خلال التطويرات التكنولوجية بل أيضا عبر توجيه الضربات العسكرية "الوقائية" لبعض الأهداف المنتخبة في الدول العربية ضرب المفاعل العراقي التي كان فاتحة هذا الاتجاه.

والثاني: الاستعداد لإشهار أسلحتها غير التقليدية كوسيلة ردع وابتزاز للأطراف العربية، بهدف إحباط عزيمتها في سباق التسلح الجديد في المنطقة.

وفي هذه النقطة، لا يزال البعض يثير تساؤلات حول ما إذا كان العالم النووي الإسرائيلي فعنونو، الذي أفشى الأسرار النووية الصهيونية لصحيفة "صندداي تايمز" البريطانية هو مجرد عالم محب للسلام، أو أنه طرف سربته إسرائيل لإضفاء الصفة الرسمية والعلنية على وجود رادعها النووي؟

يضاف إلى ذلك أن المناورات التي أجرتها إسرائيل، ونضمت تدريب السكان المدنيين على خوض الحرب الكيميائية ومجابهتها، كانت مؤشرا آخر على أن تل أبيب لن تتردد في خوض  أية معركة تمكنها من حسم موازين قوى الأسلحة غير التقليدية في المنطقة لصالحها.

وكان ملفتا على أي حال أن ترد صحيفة "جيروزاليم" على التحذيرات التي وجهها الاتحاد السوفييتي لإسرائيل بعد تجريبها صاروخ "أريحا-2" بعيد المدى.

يقولها "في الحقيقة في إسرائيل هي التي يجب أن تقلق، في ضوء الأنباء التي تقول سوريا بأن سوريا تقوم بتطوير رؤوس صواريخ ذات طبيعة كيميائية جرثومية يمكن إيصالها بواسطة الصواريخ المتوفرة لديها الآن.

وتضيق الصحيفة: "إن تهديد الحرب الكيميائية العربية ضد إسرائيل هو التهديد الراهن الذي يعتبر بمثابة شكل من أشكال الرد العربي والردع المضاد لتفوق إسرائيل النووي وغير ذلك من أنظمة الأسلحة المتطورة التي قد تكون في حوزة إسرائيل.

إن بدء خروج إسرائيل من شرنقة الغموض المحيط بتسلحها غير التقليدي إضافة إلى التطورات النوعية والحديثة في التسلح الخليجي الذي ترافق مع الحرب العراقية-الإيرانية، فمنطقة الشرق الأوسط قد دخلت بالفعل مرحلة تاريخية جديدة، ستكون فيها القوة النووية والأسلحة الكيميائية والبيولوجية والصواريخ بعيدة المدى وكذلك تقنيات الحرب الإلكترونية، عوامل مؤثرة بشكل مباشر وفعال على موازين القوى وإستراتيجيات القوى الإقليمية الرئيسية في هذه البقعة من العالم، ناهيك بالطبع عن تأثيرها على مصير المنطقة برمتها.

وتبدو إسرائيل أكثر من مصرة على كسب هذه الجولة الجديدة والخطيرة من معادلات القوة الشرق أوسطية، فماذا عن الجانب العربي؟

إن القدرات غير التقليدية متوافرة لدى العرب في العراق ومصر وسوريا والجزائر في شتى المجالات النووية والكيميائية والبيولوجية لكن العامل الحاسم في هذا الصراع، وفي أشكال الصراعات في الواقع، ليس القدرات بين الارادات التي متى توفرت فإنها قادرة على ضمان الأمن القومي العربي وتحقيق الأهداف العربية.

والحال أن وجود القدرات العربية محذوفا منها الإرادة، سيمكن إسرائيل في النهاية من حسم موازين القوى الجديدة لصالحها، فتل أبيب التي لم تأل جهدا لتدمير القدرات العسكرية العربية التقليدية، ستكون مستعدة لخوض أكثر من حرب ألان لمنع العرب من استكمال ولوج باب التكنولوجيا العسكرية المتطورة.