Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب حروب امريكا اسرائيل وبريطانيا على العراق /انعكاسات حرب الخليج على المنطقة /المؤلف صالح مختاري

انعكاسات حرب الخليج على المنطقة

انتهت الحرب التدميرية الظالمة بعد 43 يوما من القصف الوحشي على أرض العراق الشقيق، ألقيت خلالها آلاف القنابل على المنشآت القاعدية والمعالم الحضارية، وعلى السكان المدنيين الأبرياء، عندما تيقن الحلفاء بعدم كفاية الحصار الاقتصادي والتجاري، وعدم نجاعة الحملة الإعلامية الكلامية المكلفة، لتفكك الصمود والتماسك الاجتماعي الموجود بين القيادة العراقية وشعبها، بهدف الإطاحة بنظام صدام حسين الذي انسحب من الكويت بطريقة فاجأت الرأي العام العربي المساند للعراق. ووافق فيما بعد على جميع لوائح مجلس الأمن الإثنى عشر للحفاظ على ما تبقى من القوة العراقية الضاربة وليفوت الفرصة على الأمريكان والغرب، للحيلولة دون تحقيق جميع الأهداف التي سطرها الحلفاء منذ سنوات خلت بغية تركيع الشعوب العربية والسيطرة على هذه المنطقة الحيوية والاستراتيجية من وطننا العربي، ومهما يكن من أمر فإن الحرب قد وضعت أوزارها، وقررت نتائج وأبعاد ستتضح معالمها أكثر فأكثر في المستقبل القريب والسؤال المطروح هو: ما هي النتائج والأبعاد التي تمخضت عن هذه الحرب؟

إن القوى الاستعمارية الغربية التي جزأت الوطن العربي بناء على اتفاقية سايكس يبكوا في بداية هذا القرن، أرادت أن تعيد الكرة من خلال سايكس بيكو جديد، لكن بأدوات أكثر تطورا من السابق. فلقد انتقل الاستعمار الجديد من عملية التجزئة إلى عملية أكثر خطورة، وهي استراتيجية التفتيت، قصد حل وشل كل حركة تجميع للقوى العربية… والحفاظ دوام إسرائيل كقوة وحيدة في المنطقة. وهو ما نستشفه من المخطط المحبوك الذي أعدته الدوائر الأمريكية والغربية منذ نهاية السبعينات، بمشاركة كبار الاستراتيجيين الأمريكيين اليهود… من أمثال هنري كيسنجر وزبيقينيو بريرنسكي وغيرهم قصد توريط القوتان الإقليميتان اللتان كانتا تزاحمان إسرائيل وهما العراق وإيران في حرب مدحورة مدمرة دامت 8 سنوات. استفاد منها الغرب بعقد العديد من الصفقات وفاجئ فيها العراق الغرب بخروجه بقوة عسكرية تكنولوجية وهو ما جعل الغرب يسارع خاصة بعد انهيار الكتلة الشرقية وزوال الحرب الباردة إلى الحضور بقوته العسكرية لحسم الموقف وتطبيق ما أسماه بوش بالنظام الأمني الجديد للمنطقة، الذي أعدت نقاطه قبل الاجتياح العراقي للكويت، ومن أهمها ما يلي:

1- قيام حكومة معتدلة في العراق.

2- تواجد عسكري أمريكي-أوربي غير مكشوف.

3- إشراك إيران وتركيا وباكستان وإسرائيل في دور مشترك.

4- دعم ملموس للدول العربية "المعتدلة" التي ساهمت في التحالف لإخراجها من الضائقة الاقتصادية عن طريق صندوق تموله دول الخليج.

إن هذا النظام الأمني الإقليمي الجديد الأمريكي، لا يمكن فصله عن النظام الدولي أو العالمي الجديد الذي أراده بوش، بعد أن بدأت تبرز ملامح انهيار النظام الدولي القديم. فقد أصبح الاتحاد السوفييتي قوة إقليمية بعد أن كان قوة دولية لا يستهان بها والدليل على ذلك دورها الضعيف، من حيث المشاركة في إدارة الصراع في الأزمة الخليجية، رغم المجهودات الدبلوماسية التي قامت بها في آخر المطاف، فالولايات المتحدة الأمريكية التي وحدت نفسها الوحيدة في الساحة الدولية، لم تأبه بالسوفيات الذين قدموا مبادرات سلام لحل أزمة الخليج، فحضروها العسكري إلى جانب باقي قوات الحلف الأطلسي على بعد بضعة آلاف من الكيلومترات من العاصمة موسكو يعتبر تهديدا حقيقيا للمجال الاستراتيجي السوفييتي وعلى هذا الأساس لن تكون العلاقات الأمريكية السوفييتية في المستقبل مبنية على مبدأ توازن القوى والمصلحة كما في السابق، ذلك أن النفوذ السوفييتي في أوربا الشرقية قد تراجع، فاسحا المجال لتعميم النموذج الرأسمالي على العالم/ في الوقت الذي أصبحت فيه الجولة السوفييتية منشغلة بمشاكلها الداخلية السياسية والاقتصادية الحادة، الشيء الذي أثر على الدور السوفييتي المعهود في السياسة الخارجية لدرجة أن هذا الأخير، صادق على قرارات مجلس الأمن الدولي لتحرير الكويت بالقوة ولم يساعد العراق عسكريا في حربه كما فعل في السابق مع دول عربية إبان الحروب مع إسرائيل، رغم أن العراق مرتبط مع السوفييت بمعاهدة صداقة وتعاون، أبرمت في 1972، أما الولايات المتحدة التي جندت معها 30 دولة تحت غطاء الشرعية الدولية لتنفيذ العدوان على العراق فإنها لم تحقق كل ما كانت ترجوه فالتدمير العراقي تجلي أساسا  في الجانب الاقتصادي بنسبة 70% أما القوات العراقية فقد خرجت من هذه الحرب سالمة رغم بعض الأضرار التي لحقت بها. ولذلك ما زالت الولايات المتحدة تدبر المؤامرات ضد العراق للإطاحة بالنظام البعثي من خلال تحريض المعارضة الشيعية لخلق الفوضى في البلاد شمالا وجنوبا ويتم بذلك محاصرة بغداد العاصمة السياسية العراقية وفي مقابل هذا، أحرزت أمريكا على نسبة 90% من صفقات إعادة بناء ما دمرته الحرب في الخليج التي مولها البترودولار الخليجي بنسبة كبيرة، ذلك أن السعودية والكويت دفعتا مبدئيا مبلغ 70 مليار دولار من أصل 111 مليار دولار تكلفة هذه الحرب، إضافة إلى صفقات الأسلحة المبرمة مؤخرا والتي بلغت لحد الآن 18 مليار دولار ومن المنتظر أن تصل حسب المراقبين إلى حوالي 30 مليار دولار بهدف تحقيق الأمن لدول الخليج كما تزعم الولايات المتحدة التي تدرك جيدا أن دول الخليج لا تتحكم في هذه التكنولوجية العسكرية المتطورة جدا. والحرب الخليجية أثبتت ذلك عندما عجزت السعودية والكويت عن التصدي للعراق القوة الصامدة في المنطقة، وخير مثال على  هو معركة الخفجي، التي احتلتها القوات العراقية في ساعات معدودة بالرغم من الدفاعات والحصون السعودية بالإضافة إلى هذا فإن الولايات المتحدة تعمل قدر الإمكان على تكسير طموحات منظمة الأوبيك المتمثلة في استقرار أسعار السوق والنفطية والحفاظ على سقف الإنتاج خاصة بعج تصريح وزير النفط الكويتي السيد رشيد العماري لوكالة روتر يوم 11 مارس 1991 القائل بأهلية الولايات المتحدة وانجلترا وفرنسا للتدخل في تحديد الأسعار ضمن الأوبيك لكونهم انتصرا في حرب الخليج، ولذا يتعين أن الإدلاء برأيهم لحماية مصالحهم وهو ما زاد من قلق دول الأوبيك الحارسة على استقلالها واستقلال قراراتها وفيما يلي جدول إنتاج البترول عام 1990 لدول الخليج.

السعودية: 640.000 مليون برميل يوميا حخاليا 8 ملايين ونصف مليون برميل يوميا.

أما الجامعة العربية، فقد أكد بعض الخبراء العرب، نهايتها عمليا عندما انتقلت إلى مصر المرتبطة مع إسرائيل باتفاقية كامب ديفيد، وتحالفت مع أمريكا ضد العراق وهكذا فلم تعد مصر الإطار الأمثل لحل المشاكل العربية.

أما دول أوربا المتحالفة مع أمريكا، فقد تمكنت من تجريب أسلحتها المتنوعة في حرب حقيقية، وأحرزت على صفقات إعادة بناء الكويت، وإن كانت نسبتها ضعيفة مقارنة بأمريكا، رغم أنها شعرت بالامتعاض  من جراء تورطها في حرب لا إنسانية قذرة خسرت فيها المصداقية التي كانت تتمتع بها لدى الدول والشعوب العربية على الخصوص التي وقفت ضد العدوان كالجزائر واليمن والترويكا الأوربية تتحرك دبلوماسي باتجاه الشرق الأوسط والمغرب العربي فقضية العرب الأساسية، قضية فلسطين ما دام أن العراق قد استطاع أن يقنع الرأي العام الدولي إلى حد ما، بأن طبيعة الصراع في المنطقة جوهره القضية الفلسطينية ولذلك لن يكون هناك استقرار إلا إذا حلت أسباب النزاع الحقيقية بين إسرائيل والعرب.

إن حرب الخليج كانت تجربة قاسية  للشعب العراقي، ولكن تضحياته الجسيمة لم تذهب هباء، فقد أثمرت على أربعة مستويات:

1- إبراز قدرة الصمود أمام العدوان الاستعماري الأمريكي والغربي، الذي جرب باسم الدفاع عن حقوق الإنسان أرقى أسلحة الدمار وهي في حقيقة الأمر تعد مفخرة لعوب العالم الثالث.

2- تعرية النوايا الأمريكية بخصوص تصورها للنظام الدولي الجديد.

3- كسر أسطورة إسرائيل التي يستحيل ضربها في العمق الترابي، وبالتالي القضاء على مصداقية نظرية الأمن القومي الإسرائيلي التي دامت أكثر من 40 سنة.

4- تحقيق إجماع دولي بصورة حل القضية الفلسطينية -ما قلنا في السابق- وضرورة التعامل بالمثل بخصوص تطبيق قرارات الأمم المتحدة الأخرى، وهكذا فإن العراق يكون قد حقق للبلدان العربية والإسلامية والعالم الثالث مكاسب سيسجلها له التاريخ وهذه البلدان مطالبة اليوم، قيادة وشعبا وأحزابا المحافظة على هذه المكاسب التي ستساعدها لا محالة على الانتصار في المعركة السياسية والدبلوماسية القادمة، لأن إسرائيل لا يمكن أن تتناول بسهولة شبر من الأراضي العربية التي تحتلها بدون مقابل باهظ ولا ننسى أن نشير إلى أن إسرائيل حققت مكاسب هامة في هذه الحرب، فالصواريخ العراقية التي سقطت على أراضيها كانت مطية للحصول على دعم مالي وعسكري غربي وخليجي… فالسوق الأوربية مولت إسرائيل بمساعدات قدرها 210 مليون دولار، وألمانيا قدمت لها مئات الملايين من الماركات إلى جانب صواريخ الباتريوت، أما السعودية والكويت فقد تبرعا بالملايين من الدولارات على إسرائيل بوساطة أمريكية، لإرضاء بوش، الذي حقق الأمن الأمريكي لأمراء الخليج وأدخل مصر وسوريا وتركيا تحت المظلة الأمريكية وأبقى الدعوة مفتوحة لباقي الدول العربية والإسلامية، وهوا ما أطلق عليه بعض المحللين السياسيين تسمية مشروع مارشال الجديد المتكون من شقين:

* شق اقتصادي: يمثل مختلف المشاريع الاقتصادية الخاصة بإعادة البناء.

* شق عسكري، ويتمثل في حلف يضم بلدان الخليج العربي ووريا ومصر وإسرائيل تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية.

ويبدو حصب بعض المحللين، أن إيران تكون قد دخلت في اللعبة الأمريكية الجديدة، ذلك أن الولايات المتحدة دفعتها إلى إثارة الحرب الأهلية بالعراق وتحريك الشيعة في جنوب العراق بقيادة زعيمها الروحي آية الله محمد باقر حكيم اللاجئ بإيران، وتحريك الأكراد في الشمال تحت زعامة السيد عمر البرزاني المتواجد في كردستان الإيرانية بهدف الإطاحة بنظام صدام حسين بحجة أنه نظام غير ديمقراطي، كما رود الغرب لذلك.

لكن إيران  نسيت أو ربما تناست أن أمريكا  تعتبرها العدو الاستراتيجي الثاني بعد العراق في المنطقة وأنها بعملها هذا تساعد الولايات المتحدة على التخلص من قضية العرب والمسلمين، قضية فلسطين. من خلال تفجير ممل الشعب الفلسطيني الشرعي منظمة التحرير الفلسطينية وإيهام الرأي العام الدولي بأنها مجرد منظمة متطرفة إرهابية لا تبالي إلا بالمصالح الذاتية والخلافات الهامشية، وهناك نقطة جد هامة لا يمكن إهمالها وهو أنه بواسطة حرب الخليج نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في إعطاء درس للابن الأوروبي العاق، فأمريكا أدركت أن أوربا وبقيادة فرنسا تريد أن تستقل عنها وتشكل قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية لا علاقة لها بأمريكا، وما انعقاد مؤتمر حول الأمن الأوربي في أواخر سنة 1990 بباريس إلا دليلا على ذلك.

لذا فاحتلال أمريكا لأبار النفط والسعودية وبعدها الكويت، ركع أوروبا وأجبرها على إرسال قواتها العسكرية لضرب العراق. لأن أمريكا اتهمت الجميع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بأن الذي يشارك في الحرب لا يستفيد بالغنيمة وأن الذي يعصي أمريكا ويريد أن يستقل عنها، فإن البترول لن يصله.

وخلاصة القول فإن حرب الخليج أعطت درسا للدول والشعوب العربية والإسلامية، فقد بينت العدو من الصديق وكشفت الهوة الساحقة الموجودة بين بعض الأنظمة العربية. التي لم تكن في مستوى شعوبها المتعطشة إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان، وإلى تجسيد الشعور الوحدوي العربي في الواقع المعاشي، وقد آن هذه الحرب ما هي إلا جزء من استراتيجية المواجهة العربية ضد الإمبريالية والصهيونية وأن تعمل على بناء جبهتها الداخلية  أن أرادتا  رفع المستقبل تمام كما فعل العراق الشقيق