Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

/المؤلف صالح مختاري كتاب حروب امريكا اسرائيل وبريطانيا على العراق /الصواريخ العراقية القوة الضاربة في الشرق ا

 

 

الصواريخ العراقية القوة الضاربة في الشرق الأوسط

لا توجد منطقة على الكرة الأرضية عرفت على امتداد تاريخها القديم والحديث حروب بالحجم الذي عرفته منطقة الشرق الأوسط، ولا أظن أن أحدا يمكنه أن يقوم بجرد لعدد الحروب التي شهدتها المنطقة منذ العصور الأول إلى يومنا هذا، وكذا عدد الذين سقطوا في هذه المنطقة كضحايا لهذه الحروب، ففترات الحروب في تاريخها أكثر عن فترات السلام وعليه ليس غريبا أن تتواجد بالمنطقة وعلى مر الأزمنة ترسانات عسكرية متقدمة وضخمة في نفس الوقت سواء كانت تابعة لدول أجنبية استعمارية أو تابعة لدول المنطقة بما فيها الكيان الصهيوني المتواجد حديثا على أرض فلسطين.

إن الطابع المميز لهذه المنطقة وترشيحها لميدان المعارك عن باقي الأماكن الأخرى لم تكن من باب الصدفة وإنما يعود ذلك إلى كون المنطقة نقطة استراتيجية تربط بين عدة قارات وعدة محيطات وبحار، ناهيك عن الثروات الطبيعية التي تزخر بها وخاصة منها مادة المحروقات التي تتوفر عليها المنطقة بنسبة 60% من الاحتياط العالمي.

هذه الخصائص المميزة جعلت شعوب هذه المنطقة لا تكاد ترى نور الحرية حتى ينقض عليها استعمار جديد، وحتى بعد استقلالها في العقود الأخيرة بقيت تابعة بشكل أو بآخر للدول المصنعة وكل تحرك لها باتجاه الاستقلال والخروج عن طاعة الكبار إلا ويقابل بتهديد وعيد.

وما حرب الخليج إلا ضربا من ضروب الجزاء المسلط من طرف الدول المتحالفة على الشعب العراقي الذي تحدى قوة الكبار والتحدي هنا هو التحدي التكنولوجي في مجال ترسانته العسكرية التي حذره منها العم سام ورسم له كما لشعوب المنطقة الأخرى حدود المسموح وغير المسموح به أمريكيا لكن القيادة العراقية التي ورثت الأباء أبا عن جد لا يمكن أن ترضخ. إلا للواحد القهار، تحدث وخرجت عن عادة القيادات الأخرى في هذا الجزء من العالم، وتمردت عن النقاط التي أملتها أمريكا عليها بعد انتهاء حربها مع إيران والتي حملها إلى بغداد "سيناتور ججهوري" عام 1988، وقد تمحورت نقاطها حول خفض القوات العراقية إلى 250 ألف جندي، لكن القيادة العراقية رفضت تلك النقاط جملة وتفصيلا وابتداء من ذلك الوقت شددت أمريكا وحلفاؤها الرقابة على التكنولوجيا المصدرة إلى العراق سيما منها المتعلقة بمجال الصواريخ والأسلحة النووية والكيمياوية.

ولقد كان لانتشار الصواريخ في منطقة الشرق الأوسط موضعا خاصا في المحادثات بين موسكو وواشنطن، فقد حاول الأمريكيون عام 1988 إقناع السوفيات بعدم بيع تكنولوجيا متقدمة للعراق وللدول العربية الأخرى، بدعوى أن ذلك هو لصالح السوفيات الذي تتاخم أراضي المنطقة ولهذا السبب رفضت موسكو تزويد العراق وبعض الدول العربية في منطقة الشرق الأوسط بصواريخ متوسطة المدى من نوع "أس، أس-23" التي تعد سلاحا لأغنى عنه، لدى أي جيش هناك، نظرا للأهمية الإستراتيجية والتكتيكية التي تتمتع بها فلم يجد العراق بدا في سبيل تحقيق ذلك من الاعتماد على قدراته المحلية وفي مقدمتها العبقرية العراقية وتجربتها الطويلة في مجال الحروب والتصنيع، ويأتي تطوير الصواريخ في العراق كجانب من جوانب الصناعة العسكرية في العراق وسوف نتطرق إليه هنا بنوع من الإسهاب نظرا للدور الكبير الذي لعبته وتلعبه صواريخ العباس والحسين في حرب الخليج القائمة وحتى في الحروب السابقة لها بالمنطقة لكن هذا لا يعني أن العبقرية العراقية كانت منحصرة في تصميم أجيال جديدة من الصواريخ فقط، بل أن الصناعة العسكرية العراقية مست جميع جوانب الصناعات الحربية وقد أثبت المعرض الدولي للأسلحة الذي أقيم في بغداد أن العراقيين أصبحوا يمتلكون قدرات هائلة في إنتاج وتطوير أسلحة مختلفة.

إن وجود الصواريخ في منطقة الشرق الأوسط ليست ظاهرة جديدة، ويعد إعلان الرئيس المصري الراحل "عبد الناصر" في الستينات عن حيازة مصر لصواريخ أرض-أرض حافزا لإسرائيل على الأخذ بعين الاعتبار لمسألة إدخال الصواريخ في الشرق الأوسط في وقت مبكر، وفي أعقاب ذلك اتجهت الصناعات العسكرية في المنطقة لتطوير وإنتاج صواريخ متطورة.

إن أهمية صواريخ أرض-أرض تكمن في قدرتها على ضرب الأهداف المعادية في العمق وهي بذلك من الناحية الاستراتيجية تلغي عاملا هاما كان ولا يزال ذا شأن كبير في تحقيق النصر، وهو العمق الاستراتيجي لبلد ما، فمع ظهور صواريخ أرض-أرض المتوسطة والبعيدة المدى أصبح بإمكان بلد يمتلك هذا النوع من الصواريخ أن يهدد القوات المعادية والأمثلة عن ذلك كثيرة، لعل آخرها صواريخ العراق الحسين والعباس التي سقطت على مدن إسرائيل. هذه المدن التي لم يكن في وسع القوات العربية في السنين الماضية قصفها وهذه الصواريخ إلى جانب ما تتمتع به من قدرة على ضرب الأهداف المعادية في العمق فهي تستطيع حمل عبوات متفجرة تقليدية وربما غير تقليدية أيضا وهذه الميزة لا يمكن لسلاح أن يقوم بها، إذا استثنينا بعض من الطائرات التكتيكية المتطورة القادرة على الاختراق وإطلاق الصواريخ على أهدافها في العمق وهو ما يشرح هذه الصواريخ أن تكون سلاحا خطيرا وقوة ضاربة قد تخلط جميع الحسابات المعدة للمنطقة من قبل أمريكا.

إن المساحة الكلية التي يمكن أن يدمرها الصاروخ تزداد بكبر الحشوة المتفجرة التي يقدر وزنها ما بين 500 و 1000 كلغ ويمكن لهذه الصواريخ أن تحمل رؤوسا مزودة بذخيرة متنوعة تتكون من طلقات نارية وقنابل مضادة للأفراد والدروع، إلى جانب مواد متفجرة أخرى تمكنها من أن تصل قوتها التدميرية والتي تزن حشوتها المتفجرة 1000 كغ إلى ما تعادله 40 إلى 400 قذيفة مدفعية.

أما من الناحية التكتيكية فإن استعمال الصواريخ لضرب العمق المعادي، هو أفضل من استعمال الطائرات، لأن سرعة الصواريخ وارتفاعها عند التحليق يجعلانها صعبة الاعتراض منها عند الطائرات، ناهيك عن الخطر المهدد لطاقم الطائرات الاعتراض المعادية ووسائل دفاعه الجوي.

إن مهمة صواريخ أرض-أرض هو تدمير المطارات وبطاريات الصواريخ أرض-جو وشبكات الاتصال المعادية وكل المنشآت الحيوية ومراكز القيادة المعدية وتعادل القوة التدميرية التي تحدثها ثلاث منصات صواري أرض-أرض لقوات معادية غير محمية حجم الخسائر التي يمكن لفليق المدفعية من إحداثها للعد وبواسطة المدفعية البعيدة المدى عندما نطلق مئات من القذائف عيار 120 حتى 150 ملم.

وهكذا فإن الصواريخ أرض-أرض أجسام مخيفة ومرعبة، وكبار السن منا يتذكرون الحرب العالمية الثانية ويمكنهم إخبارنا عن صواريخ أرض-أرض نوع "في –2" التي أطلق الألمان عشرات منها على لندن في سنتي 44-1945 وقد حملت هذه الصواريخ رؤوسا متفجرة يبلغ وزنها 500 كلغ وكانت النتيجة أن سقط الآلاف من الضحايا ودمرت أعداد كبيرة من المنشآت، لكن رغم ذلك فإن الخسائر المادية والبشرية التي خلفتها كانت ضئيلة مقارنة بالخسائر التي خلفتها القنابل التي أطلقت بواسطة الطائرات المقنبلة غير أن تلك الصواريخ، لم تكن محملة برؤوس نووية أو كيمياوية أو بيولوجية لأنه لو كانت محملة بهذه الرؤوس، فن وجه المقارنة غير وارد إطلاقا.

ويمكن هنا أن نشير إلى نقطة تكتيكية تعتمدها إسرائيل في حروبها مع الجيوش العربية انطلاقا مما ذكرناه وهو اعتمادها على القوات الجوية، أي الطائرات، دون استعمال الصواريخ بشكل واسع، رغم أنها تمتلك أنواعا مختلفة من الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى لا لشيء إلا لأن الخسائر التي يلحقها سلاح الطيران تكون أكبر من الخسائر التي تلحقها صواريخ أرض-أرض ذات الحشوات المتفجرة التقليدية ويقول الخبراء العسكريون بأن سربا من طائرات "أف-16" المتكون من أربع طائرات يمكن أن يحمل 30 طنا من القنابل ويستطيع أن يصل إلى الهدف بدقة خلافا للصواريخ الثقيلة الوزن والبطيئة الحركة، فهي غير دقيقة كالطائرات وقوتها التدميرية محدودة اللهم إلا إذا كانت تحتوي على رؤوس نووية أو كيميائية فالأمر يختلف في هذه الحالة لأن الخسائر تكون مرعبة.

لقد ظهر صاروخ أرض-أرض نوع "سكود" في نهاية الخمسينات ودخل الخدمة الفعلية في صورته المحسنة الأولى، ونعني بذلك الصاروخ "سكود-بي" عام 1961. والصاروخ "سكود-بي" كان في المرحلة الأولى يطلق من قاعدة ثابتة مجهزة تجهيزا خاصا، لكن ابتداءا من عام 1965 ركب على متن شاحنة نوع م.أ.ز- 543 ذات ثمانية عجلات مطاطية ويشتغل الصاروخ بمادة الدفع الصلبة، والصاروخ موجه ذاتيا والوقت اللازم لتحضيره للإطلاق يتراوح ما بين 60 إلى 90 دقيقة.

يعتبر الصاروخ "سكود-بي" من عائلة الجيل الثاني الموجودة لدى الدول الغربية وهو يمكن أن يحمل رؤوسا مختلفة ذات حشوات متفجرة عادية أو نووية أو كيمياوية وقد يصل وزن الحشوة المتفجرة التقليدية العادية حتى 1000 كلغ، وذلك يعادل قوة انفجار 2 إلى 5 قنابل ذرية من النوع الذي ألقته أمريكا على مدينتي هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين في الحرب الكونية الثانية كما يمكن أن يحمل الصاروخ "سكود-بي" رؤوسا كيمياوية ونووية بوزن 555 كلغ. ويتم توجيه الصاروخ بواسطة نظام القصور الذاتي وتصل سرعته إلى 500 م/ثا والمدى الأقصى للصاروخ 300 كلم.

وحسب النظام السوفياتي فإن لواء الصواريخ سكود يتكون من 3 كتائب تضم كل كتيبة 3 منصات إطلاق أحادية متحركة مركبة على شاحنات طراز م.أ.ز-543 والصاروخ سكود بأنواعه معد أساسا لحمل أسلحة نووية وكيمياوية وتكتيكية وإيصالها إلى عمق مسرح العمليات، وعليه فإن دقته ضعيفة نوعا ما خاصة إذا كان محملا بحشوة متفجرة تقليدية.

وتجدر الإشارة إلى أن إتقان نظام التوجيه في المسألة الأساسية التي يوليها الخبراء السوفيات أهمية كبيرة حتى يصبح الصاروخ ذو دقة عالية، وما الأنواع المحسنة لنفس الصاروخ إلا ضربا من ضروب البحث عن نظام توجيه دقيق يوجه الصاروخ سواء في مرحلة الدفع أو مرحلة التحليق.

وتشير نشرة مركز الدراسات في جامعة تل أبيب حسب الخبراء الإسرائيليين إلى أن الصاروخ "سكود بي" عبارة عن الصاروخ الأماني"بي-ف" الذي استعمله الجيش النازي في الحرب العالمية الثانية، لكن المخابرات السوفياتية ك.ج.ب سرقت تصاميم هذا الصاروخ بعد الحرب العالمية الثانية، في صورته المحسنة، وتعتبر الصاروخ "سكود بي" قديما وبطيئا وغير دقيق.

إن التفوق الإسرائيلي في مجال سلاح الطيران على الطيران العربي كان عاملا أساسيا في حسم كل الحروب العربية الإسرائيلية لصالح تل أبيب. ولم يكن في وسع الجيوش العربية تحقيقي النصر على القوات الإسرائيلية وإنزال خسائر بها لهذا السبب فكان على الساسة والعسكريين العرب أن يفكروا جيدا في البحث عن حل لهذا الاختلال في التوازن ونظرا للتجربة التي اكتسبتها الجيوش العربية في منطقة الشرق الأوسط فقد اقتنعت بأن سلاح الصواريخ هو الوسيلة الوحيدة التي يمكنها أن تقوم بمهمة سلاح الطيران وربما أحسن منه.

إن الصواريخ "فروع-7" و "سكود" التي استعملت في حرب أكتوبر 1973 كانت نتائجها سلبية حيث أخطأت الصواريخ أهدافها بنحو 1 كلم، ولهذا لم تشكل هذه الصواريخ خطرا على الأهداف العسكرية الإسرائيلية، كما أن مداها لم يكن كافيا ليضرب العدو في عمقه، الاستراتيجي الذي يعد ضئيلا، ونظرا لهذا الضعف وقلة فعالية هذه الصواريخ الموجودة لدى الجيوش العربية إلى جانب ضعف سلاح الدفاع الجوي لم تتعرض إسرائيل إلى غاية حرب الخليج، لأي خطر كان وفي هذا الاتجاه حاولت الدول العربية الحصول على صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى من الأجيال الجديدة إلا أن الاتحاد السوفياتي الممول الرئيسي للدول العربية بالصواريخ أرض-أرض، رفض بيع الدول العربية هذه للضغوط الأمريكية والإسرائيلية عليه، وأمام هذا الحضر المضروب على العراق والدول العربية، تمكنت حكومة تل أبيب من تطوير صواريخها أرض-أرض بمساعدات غربية وأمريكية، إذ تمكنت من إنتاج صواريخ قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى وكلها من نوع أرض-أرض-جو، نذكر منها صاروخ "يريحا-1" و "يريحا-2" وغيرها من الصواريخ الإسرائيلية.