Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب حروب امريكا ،اسرائيل وبريطانيا على العراق/الموساد وراء تدميرالمفاعل النوي العراقي عام 1981/المؤلف صالح مخ

 

 

الموساد وراء تدمير المفاعل النووي العراقي في عام 1981؟

بعد أزمة البترول عام 1973، والصراع الذي قام بين المصدرين والمستهلكين حدث بين فرنسا والعراق تقارب في الآراء أسفر عن إبرام عدة عقود ومعاهدات بين البلدين أبرزهما اتفاق تعهدت فيه فرنسا بمساعدة العراق في تطوير بحوثه النووية وإمداده بالتكنولوجيا اللازمة فقط للأغراض السلمية، ومن هنا شرعت الحكومة العراقية في إنشاء مركز للبحوث  النووية. وبمجرد وصول هذا الخبر إلى القيادة الإسرائيلية هرعت وسائلها الإعلامية إلى تضخيم الخبر وترويجه بطريقة مخيفة معتبرة هذا المشروع خطرا على أمنها بالدرجة الأولى، لأنه يهدف لصناعة القنبلة النووية، واتهمت فرنسا بأنها زودت العراق بـ 67 كلغ من اليورانيوم المخصب وهي الكمية التي تمكن العراق من صناعة أربع قنابل نووية، وهكذا نشطت مصالح المخابرات العسكرية على الخصوص للحصول على معلومات دقيقة تخص هذا المشروع الذي سيعطي ثماره في نهاية السبعينات. أما العراق فقد أصر على مواصلة المشروع السلمي بهذا المفاعل النووي لاستغلاله في توليد الطاقة الكهربائية للعاصمة بغداد.

وهكذا أعطيت الأوامر من قبل مصالح التجنيد في الموساد لإيجاد شخصية عراقية بمركز البحوث "بصاكلي" وهي بلدة تقع جنوب غرب العاصمة الفرنسية بغرض تجنيده لصالح المخابرات الإسرائيلية تكثفت نشاطات رجال الموساد واضطر القائد "بيران" وهو رئيس مصالح التجنيد المعروف بـ TSOMET إلى الاتصال برئيس الفرقة العاملة بباريس "دفيد أربيل" الضابط في جهاز الموساد الذي أخبره بكل تفاصيل المهمة الجديدة وهذه الفرقة توجد تحت الطابق الأرضي للسفارة الإسرائيلية بباريس كباقي الفرق التابعة للموساد بالخارج ورجال الموساد لهم من الصلاحيات ما يجعلهم يراقبون حتى الحقيبة الدبلوماسية للسفير وجميع المراسلات التي ترد أو تبعث من السفارة ويتبع رجال المخابرات الإسرائيلية في الخارج العديد من اليهود المتطوعين والذين يعملون بجميع المصالح والمؤسسات في فرنسا.

ولما كان يتعلق بإيجاد عامل عراقي بمركز البحوث النووية "بصاكلي" تصل رجال لفرقة التجنيدية للموساد برجل يهودي اسمه الاصطلاحي "جاك مارسيل" الذي يعمل بمصلحة الأفراد في ذلك المركز من أجل إعطائهم المعلومات عن العمال هناك خاصة منهم الراقيين.

وهكذا حمل مارسيل قائمة بأسماء العمال العراقيين بالمركز ومر بها إلى رجال المخابرات الإسرائيلية بباريس، أين تم تصوير تلك القائمة بواسطة جهاز التصوير المصغر الذي يحتوي الفيلم الواحد منه على أكثر من 500 صورة وأرسلت القائمة بعد ذلك إلى المكتب المكلف بتل أبيب بطريقة رمزية ومن الأمثلة على ذلك أنه إذ كان الاسم المرسل هو عادل فإنه يصبح عأ ودل المقطع الأول بأخذ رقم 7 والمقطع الثاني يأخذ رقم 21 ولتعقيد الاسم بأخذ كل رقم حرفا معينا مثل ك ون وتغير هذه الرموز كل أسبوع، وقد أرسلت القائمة على مرحلتين، في المرحلة الأولى أرسلت المقاطع الأولى للأسماء وفي المرحلة اللاحقة أرسلت المقاطع الثانية من الأسماء، وذلك تحسبا لأي طارئ قد يكتشف حقيقة الرسالة الأولى فلا يجد معنى للمقاطع حتى وإن تمكن من فكها.

بعد أن وصلت الأسماء إلى تل أبيب، بدأ النظر فيها من قبل دائرة البحوث للموساد، لكن المعلومات لم تكن وافية عن هؤلاء العمال العلميين غير الخطرين وعليه أعطيت الأوامر من قبل مصالح التجنيد للموساد للفرقة الباريسية للعثور على فريسة في أسرع وقت، ومن هنا بدأت حكاية رجال المخابرات الإسرائيلية مع المواطن العراقي السيد "مشهد حليم" المتزوج بالسيدة سميرة والمقيمة معه بضواحي باريس وقد وقع اختياره على أساس أنه الوحيد الذي أعطى عنوان سكنه الخاص. ومما زاد من تشجيع رجال المخابرات على الاهتمام به، كونه متزوج بدون أولاد وعمره تجاوز الأربعين، وهذا يطرح احتمال السعادة في حياته الزوجية غير موجود. المشكل الآن هو كيف يتم تجنيده علما أن الموساد يعرف جيدا إيمان وإخلاص المواطن العربي تجاه بلده وأمته ونظرا لأهميةالقضية فقد تكلف فريقان بتنفيذها، وهي تجنيده لصالح المخابرات الإسرائيلية ومن ثمة إمدادها بالمعلومات اللازمة عن المفاعل النووي العراقي الذي شرعت بغداد في إنشائه بدأ العمل وانطلق رجال المخابرات الإسرائيلية كل في تخصصه، منهم من كلف بضبط مواقيت خروج حليم وزوجته ووقت عودتهما طول الأسبوع، ومنهم من كلف بوضع وسائل التصنت والتسجيل في الشقة التي يقطنها حليم، لأنهم يحملون مفاتيح خاصة تمكنهم من فتح أية شقة حتى ولو كانت تفتح بواسطة القصاصات المعناطيسية أو الرمز ولذلك تفتح الغرف حاليا في بعض الفنادق بأوروبا وأمريكا بواسطة بصمات صاحبها نفسه وهذا لتأمين الزبون وحتى هذه المرحلة لم تكن لدى المخابرات الإسرائيلية صورة حليم ولم يكونوا متيقنين من فائدته بعد، وبدأت مراقبة حليم وزوجته، وكنت أول مقابلة مع الزوجة بعد يومين فقط من إعطاء الأوامر، حيث دقت بنتا في مقتبل العمر باب شقة حليم في الوقت الذي كان هذا الأخير في العمل كان اسم البنت الحقيقي 'دينة" تعمل لصالح المخابرات الإسرائيلية دقت الباب على أساس أنها تعرض سلعتها وهي مجموعة من العطور والروائح ذات الأسعار المغرية والقابلة للتقسيط وهكذا فتحت سميرة للآنسة 'دينه" قلبها وأدخلتها عندها رأت ما يعجبها من بضاعة لا سيما وأنها ستسافر إلى بغداد لحضور العملية الجراحية التي ستجريها والدتها، وامتد النقاش بين الزوجة والبائعة بشكل غير عادي، حيث سمعت البائعة في اللقاء الأول ما لم تكن تنتظره، وبعد لقاء ثان قرر رجال المخابرات الإسرائيلية المشرفون على العملية أن يضعوا نهاية لهذه العلاقة لأنها غير مجدية بعد أن تبين بأن زوجة حليم عير هامة في المعادلة، وعليه بدأ رجل ثاني في توطيد العلاقة بينه وبين حليم مباشرة، هذا الرجل يأخذ نفس المحور وهو ذاهب إلى العمل بسيارته الخاصة، مما جعله يمر على حليم كل صباح وفي المساء بعد نهاية العمل. اسم هذا الرجل "دونوفان" وفي غياب زوجته سميرة أصبح حليم يسير وفق برنامج جديد، حيث دخل "دونوفان" في حياة حليم وأصبحت العلاقة بينهما تتوطد وتتحسن أكثر فأكثر، حتى أصبح يتردد على منزل حليم في غياب زوجته لتجاذب أطراف الحديث في مواضع عامة، لقد كان "دونوفان" يرسل بتقاريره إلى رؤسائه في الموساد عن طريق رجلين يعملان لصالح المخابرات الإسرائيلية، بحيث أن التقارير التي يحملانها في شكل رموز تكون متكاملة فلا يفهم تقرير إلا يفك رموز التقرير الثاني علما أن الرجلين بلتقيان ولا يعرف الواحد منهما إن كان الثاني يحمل تقريرا من "دونوفان"، وهذا تحسبا لوقوع أي تقرير في يد جهات أخرى.

لقد كانت التقارير تجيب في كل مرة عن الأسئلة الخمسة الهامة وهي من؟ ماذا؟ أين؟ متى؟ لماذا؟ فضلا عن المحادثات التي كانت تدور داخل منزل حليم وهم يتصنتون  عليها "جونوفان" قدم نفسه إلى حليم على أساس أنه بائع للحلويات ومصدرها للدول الإفريقية في صناديق حديدية كبيرة حيث تستعمل للسكن هناك، وحتى يتيقن حليم من مهمة زميله استدعاء لمرافقته إلى جنوب فرنسا لعقد صفقة من الحاويات أثناء العودة سلم "دونوفان" ألف دولار لحليم مكافأة للملاحظات التي قدمها لدونوفان والتي خصت بعض السلبيات في السلعة، واتضح لدى حليم بعد هذا التصرف أن صديقه 'دونوفان" ليس صديقا من أجل وقت الفراغ إنما يمكن أن يكسبه أمولا طائلة تساعده على تحسين مستواه المعيشي.

وجاءت لحظة العمل الجاد والدخول في صميم الموضوع، بعد يومين من اختفاء "دونوفان" بدعوى أنه مشغول، التقى مع حليم وعليه ملامح القلق سأله حليم عن السبب أجاب: لقد جاءت صفقة العمر في ألمانيا، إنها أنابيب مطاطية تستعمل لنقل المواد ذات النشاط الإشعاعي المخصص للبحوث الطبية، لكن المشكل أني لست متخصصا في هذا الميدان وأخاف أن أعتمد على خبير قد لا ينصحني، رد حليم على الفور أستطيع مساعدتك أشكرك، لكن القضية تحتاج إلى خبير متضلع في الميدان، أجاب حليم إنه ميدان تخصصي. تظاهر "دونوفان"  بالدهشة معلقا، كنت أظن أنك طالب؟ نعم هذا ما قالته لك، لكن في الحقيقة أنا في مهمة خاصة بفرنسا اندهس "دونوفان" ثانية للسهولة التي اعتمدها حليم في إفشاء مثل هذه المعلومات ودون أن يلفن انتباه حليم استطرد" إذن سنلتقي في "أمستردام" هذا الأسبوع وإنني مضطر أن أذهب يومين قبل الموعد، أما أنت سوف تلحق بي رفقة أحد رجالاتي إلى مكان الموعد.

لما وصل حليم إلى "أمستردام" وجد في انتظاره "دونوفان"، ورجلين أحدهما يهودي فيزيائي يحمل حواز سفر ألماني والثاني من نفس الجنسية بصفته مسير مالي، وبينما كان "دونوفان" مع الرجل الثاني منفردين، كان حليم والفيزيائي يتناقشان حول الجانب العلمي والتقني للعتاد المراد بيعه والسؤال الذي كان الفيزيائي يبحث عن جواب له هو: من أين تحصل حليم على كل هذه المعلومات والمستوى العلمي العالي الذي يتميز به في ميدان الفيزياء النووية، وكان حليم كعادته سخيا في إعطاء جميع أسراره عن عمله في المصنع وخارجه وخلص اليهودي الفيزيائي إلى إعرابه عن نيته في بيع مفاعلات نووية للدول النامية من أجل الأغراض السلمية، لكن المعضلة تتلخض في عدم امتلاكه لمخططات ونماذج كاملة لمفاعل ننوي واغتنم الفرصة ليطلب من حليم إن كان بإمكانه إنجاز مثل هذا العمل مقابل أجر كبير تردد حليم للوهلة الأولى وعلق خائفا: هذا أمر خطير؟ طمأنه اليهودي الفيزيائي لا يوجد أي خطر عليك بتصوير المفاعل النووي العراقي وتقدميه لنا وسوف نقبض مبلغا هاما، وتغلبت الأنانية وحب المال على حليم، واقنع نفسه بأن الأمر لن يكلفه جهدا كبيرا كل ما في الأمر أن يقوم بتصوير المخطط الأصلي، وهكذا انتهى دور "دونوفان" ليفسح المجال لزميليه الاثنين لمواصلة المهمة مع حليم في اليوم الموالي من اللقاء أخبر "دونوفان" حليم سيسافر إلى لندن لمدة قد تطول بعض الوقت، ودون أن ينسى ترك له رقم الهاتف في لندن ربما يحتاجه حليم في أو لحظة بعد ذلك تم لقاء ثاني بين حليم والفيزيائي اليهودي رفقة زميله المحاسب، في هذا اللقاء اختيرت ثلاثة أسئلة ليجيب عنها حليم، الأسئلة كانت: أين يقع المفاعل النووي العراقي. ما هي مراحل أشغال البرنامج الذي هو في طور الإنجاز؟

أجاب حليم عن الأسئلة الثلاثة بدون تحفظ، ليشرع بعد ذلك في تدريبه على الرسائل المستعملة لدى المخابرات الإسرائيلية من أجل الحصول على المعلومات اللازمة التي ستكون إضافية للأسئلة المطروحة من قبل رجال الموساد. لقد عرف حليم بعض الفنيات في تصوير الملفات والمخططات، منها بعض من الورق الخاص، بوضع فوق الورقة الأصلية المراد تصويرها ثم يوضع ثقل لجسم ما فوقها، وبعد لحظات تؤخذ الورقة الخاصة لتعالج في المخبر، فتظهر صورة الوثيقة الأصلية، عند هذا الحد تفطن حليم لطبيعة المهمة الموكلة من طرف الرجلين الذين يجهل عنهما كل شيء واعتبر ما طلبوه منه في النهاية عملا تجسسيا محضا، واعترف لزميله "دونوفان" بعدما اتصل به هاتفيا أنه تورط مع الرجلين الألمانيين، وطلب منه أو يلتحق به وأن يمد له يد المساعدة.

لقد أدرك حليم لأول مرة خطورة المهمة والعواقب التي تنتظره ولا سيما أنه يعرف جيدا بأن المخابرات العراقية لن ترحمه إذا كشف أمره، وهو الاحتمال الوارد لأن هؤلاء يراقبون وبعيون لا تنام رجالاتهم بالخارج وصل "دونوفان" إلى باريس لمؤازرة حليم بعد يومين فقط من المكالمة الهاتفية، التقى الصديقان وعلى وجه حليم الحيرة والقلق والخوف، وما جلسا حتى انفجر حليم، لقد انخدعت بالمبلغ الذي وعدوني به، وأنت الصديق الوحيد الذي يمكنه مساعدتي، أرجوك أن تدلني على طريق ينجيني من شرهما. تأسف "دونوفان" لما حدث لزميله، وتظاهر بانشغاله عليه، وحاول تهنئته طالبا مهلة للتفكير في الحل، ثم قال "دونوفان": اهدأ ولا تخف إن مثل هذه الأحداث كثيرة، أجاب حليم بعصبية لقد قلت لهما كل ما أعرفه لكنهما يريدان المزيد، وأنا أعرف أكثر مما قلت، رد اليهودي "دونوفان": إنك لست الأول المتورط في مثل هذه الأعمال ولست الأخير ولا أعتقد أن الأمر يصل إلى هذه الدرجة من الخطورة التي تتصورها، اتركني أفكر لعلني أجد حلا.

خمسة أشهر فقط من تعارفهما استطاع '"دونوفان" أن يتحصل على معلومات جد هامة من حليم ولم يبق أمام "دونوفان" سوى إقناع حليم بأن رجال المخابرات الأمريكية سي.أي.أ هم الذين وراء هذه العملية، وأنهم يريدون منك إضافات جزئية فقط عن المفاعل النووي العراقي، وأعتقد أنهم يتركونك وشأنك بعد ذلك، إني أعرف أن الأمريكيين أرحم وأكثر إنسانية من الإسرائيليين وما أن توقف "دونوفان" عن الكلام حتى بادره حليم: ماذا عصاني أن أقوله لهم أكثر مما قلته؟ ورد "دونوفان": لست أدري ربما أنت تعرف جيدا وأحسن مني ما يريدونه منك. مثلا ما هو موقف العراق من عملية استبدال مادة "الكارامال" مكان اليورانيوم المخصب؟ أجاب حليم أن العراقيين يريدون اليورانيوم المخصب، وهناك الأستاذ "يحي مشهد" الفيزيائي الكبير سيصل في الأيام القادمة إلى باريس لينظر في الأمر، وهو الذي سيقرر نتيجة المفاوضات ويسأل "دونوفان" هل بإمكانك مقابلته. بكل تأكيد سيلتقي مع الرجال الذي يعملون من أجل المشروع هنا، إذن يمكنك معرفة جواب السؤال السابق وربما الأخير من هذا الأستاذ.

بعد عودة زوجة حليم من العراق، وجدت زوجها أنسانا مختلفا عما تركته عليه، حيث تحسنت أحواله المالية، فأصبح  يقتني من الأكل والملبس ما شاء الله كما أنه استطاع أن يدعوها أكثر من مرة لأماكن الترفيه والتسلية الراقية وكان يدفع مقابل ذلك مبالغ كبيرة تساءلت زوجته هل هذه البحبحة ناتجة عن ارتفاع ماهيته؟ وبأي مناسبة ترتفع بهذا الشكل؟ بعد أيام فقط صارح زوجته الحائرة وقال لها أنه تعرف على صديق اسمه "دونوفان" وهو رجل أعمال سلمه ما استطاع من المال نتيجة مساعدته في بعض صفقته التجارية، كما أخبرها بأنه في مشاكل مع المخابرات الأمريكية.

حذرته زوجته من ذلك قائلة أن هؤلاء إسرائيليون وليسوا أمريكيين، ما حاجة الأمريكان بهذه المعلومات؟ ونصحته بالعودة فورا إلى بغداد.

بعد أيام فقط بدأ شحن المفاعل النووي باتجاه العراق كانت المرحلة الأولى هي نقل هذه التكنولوجيا على متن ثلاث شاحنات إلى ضواحي طولون TOULON، لينقل  بعد ذلك عبر البحر باتجاه العراق، في تلك الأثناء واعتمادا على المعلومات التي تلقاها رجال الموساد من حليم استطاعوا أن يخبئوا ثلاث رجال داخل إحدى الحاويات الكبيرة المعدنية التي كانت تحمل عتادا مكملا للمفاعل النووي،وكان ضمن الرجال المندسين أستاذ متخصص في العلوم النووية، حيث قام الرجال بعد أن دخلت الشاحنة إلى الحظيرة المسقفة بوضع متفجرات موقوتة يتم التحكم فيها عن بعد، ثم لاذوا بالفرار في اللحظة التي هرع الحراس إلى الحادث الذي وقع خارج الحظيرة في الشارع المقابل، أين اصطدمت سيارة بامرأة كانت تتأهب لقطع الطريق والحقيقة أن الحادث دبر هو الآخر من طرف رجال الموساد لتحويل انتباه الحراس من الحظيرة إلى الخارج لأنه في تلك اللحظة بالذات غادر الرجال الثلاثة الحظيرة ولم تمض إلا دقائق معدودة حتى سمع انفجار كبير داخل الحظيرة أتى على تدمير جزء كبير من عتاد المفاعل النووي وهكذا تمت الخطوة الأولى من المخطط التخريبي لتأخير إنجاز المفاعل النووي العراقي لعدة سنوات أخرى.

لما سمع الخبر أصابه الهلع والخوف وتأكد أن المعلومات التي سربها الرجلين هي التي استعملها المخربون وأنه السبب المباشر في ذلك رغم أن الأوساط الإعلامية أرجعت العملية إلى اليساريين الفرنسيين، وأخرى إلى الفلسطينيين العملاء لليبيا والبعض الآخر للموساد لكن الناطق الرسمي باسم الحكومة الإسرائيلية كذب الاتهامات الموجهة لبلاده بعد الحادثة التقى حليم ب "دونوفان" وأخبره بأنه عازم على العودة إلى العراق لأن الخطر أصبح يحدق به في كل لحظة سواء من طرف العراقيين أو من طرف العصابة التي تورط معها وحاول "دونوفان" آخر مرة إقناع حليم بالتعامل مع الإسرائيليين إذا أراد أن يحصل على أموال طائلة مقابل تزويدهم بمعلومات إضافية عن المفاعل النووي العراقي، لكن حليم رفض اقتراح زميله لأول مرة في آخر لقاء بينهما.

لم يعد حليم ينفع في شيء، وانتقل رجال المخابرات الإسرائيلية لأمر أهم  وهو السيد "يحي مشهد" العالم المصري الجنسية المقرب لدى الشخصيات العسكرية والمدنية في الوطن العربي والذي ذاع صيته في كل مكان، نظرا للمستوى العالي الذي يتميز به هذا الرجل كما أن الصلاحيات التي أعطيت له من قبل السلطات العراقية جعلته لغز المعادلة الصعبة في المفاعل النووي العراقي، لأن كثيرا من الأسئلة لم يتوصل رجال الموساد لمعرفة الجواب لها، ولما كان العالم المصري ينتقل من حين لآخر بين المشرق العربي وباريس في مهمات سرية وعملية، فكر رجال المخابرات في تجنيده أو تصفيته نهائيا، خاصة وأنهم تيقنوا لأن نتيجة المفاوضات مع السلطات الفرنسية حول مشروع المفاعل النووي العراقي تتوقف على موقفه تجاه المشروع.

في زيارته الأخيرة إلى فرنسا وبالضبط إلى المركز النووي "بصاكلي" صرح للعلماء الفرنسيين قائلا: "إننا سوف نغير مجرى العالم العربي" وهذا ما أقلق السلطات الإسرائيلية الني أيقنت بأن العراق على أبواب صنع القنبلة النووية، وهي مؤشر لبداية نهاية الكيان الصهيوني في المنطقة.

لقد علم رجال الموساد أن العالم "يحي مشهد" سيحل بباريس فس الوقت والمكان المحددين لزيارته عن طريق التقاط التلكس الفرنسي الموجه لمصر، ولما كان التلكس يحدد أيضا فندق نزوله والغرفة التي حجزت باسمه، تمكن رجال المخابرات من ترتيب الأمور بوضع وسائل تصنت داخل الغرفة التي ينزل بها.

لم يكن أمام رجال الموساد تجاه العالم المصري سوى أحد الأمرين، إما أن يبوح بما يبحثون عنه، أو اغتياله مرة واحدة في حالة رفضه، في الأمسية التي وصل فيها "يحي" إلى الفندق اتصل به رجل ودون أن يفتح العالم الباب سأل من الطارق؟ أجابه الرجل اليهودي باللغة العربية أنني رسول منظمة قوية تنتظر منك بعض المعلومات مقابل أجر كبير، رد الرجل المصري غاضبا" اذهب أيها الوقح وإلا ناديت الشرطة، لما سمع اليهودي الجواب هرول خارجا، عرف أن الرجل المصري ليس من النوع الذي يراوده الخوف ولا حب المال ولا حتى الحياة، وهكذا انسحب رجل المخابرات اليهودي ليعود مباشرة إلى إسرائيل حتى لا يشتبه في أمره، وفي تلك الليلة دخل رجلان إلى غرفة الرجل المصري وهو نائم وتم اغتياله ولم يتفطن له أحد إلا بعد مرور الساعات الأولى من طلوع النهار، وبهذه الكيفية تم تنفيذ العملية الثانية بكل نجاح.

لم يبق أمام رجال الموساد سوى العملية الثالثة والأخيرة والأصعب من سابقتيها، لكونها ستنفذ بكيفية جريئة وعلنية على مرأى من العالم، إنها عملية تدمير المفاعل النووي العراقي ببغداد مستعملة في ذلك طائراتها المقنبلة اعتمادا على المعلومات التي قدمها حليم بالإضافة للمساعدة الأمريكية.

في السابع من شهر جوان 1981، وعلى الساعة الرابعة زوالا، أقلعت اثنتا عشر طائرة من نوع أف-15 ونفس العدد من نوع أف-16 من قاعدة "بير شبيه" القريبة من الحدود الإسرائيلية الأردنية، كانت الطائرات تحلق على ارتفاعات عالية وبسرعة خاطفة حتى أنها لم تكشف من قبل الرادارات العراقية ووسائل الدفاع الجوي، ولما كان الارتفاع والسرعة يثقلان من احتمال إصابة الأهداف المراد  تدميره، فقد تكلف أحد رجالاتهم الموجودين ببغداد بوضع إشارات مضيئة بالقرب من المفاعل النووي حتى يتمكن الطيارون من تحديد أهدافهم بكل دقة لتكون الرماية بعد ذلك ناجحة وفعلا لما اقتربت الطائرات من العاصمة بغداد في حدود الساعة السابعة مساء رأى طياروها أعمدة صغيرة منيرة في عدة أماكن بضواحي العاصمة، كان الطيارون يحملون معهم خرائط مفصلة للمنطقة ولكل واحد أهدافه التي يجب تدميرها وقد استعملت الطائرات الإسرائيلية الأمريكية الصنع صواريخ من نوع "سايدوندار" وقنابل تدميرية عالية يتم التحكم فيها بواسطة الليزر، وقد تم إعادة تموين الطائرات المقنبلة بواسطة "بوينغ 707" التي حطت بقبرص بعد إتمام مهامها.

وفي حدود الساعة السابعة مساء رمت الطائرات الإسرائيلية كل حمولتها فوق منطقة "توايطة" أين يوجد المفاعل النووي العراقي ودمر ما دمر من المفاعل النووي، وتلقى الإسرائيليون نبأ التدمير بكل فرح وسرور، بينما تلقى الشعب العراقي النبأ بكل تحسر وإصرار على مواصلة العمل والتحدي.

وكان للعراقيين ما نووا، وما المفاجآت التي قدموها خلال حرب الخليج إلى دليلا على إرادتهم الصلبة وعزيمتهم الفولاذية، وأثبت العراقيون لإسرائيل ما رجموها به من "عباس" و"حسين" أنها لا تستطيع الوقوف أمامه لولا تواطؤ الإمبريالية العالمية معها و ما يزال العراق الشقيق ينتصب شامخا رغم الحصار والمؤامرات.

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :