Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب حروب امريكا،اسرائيل وبريطانيا ضد العراق/اسباب حماية امريكا للكويت/المؤلف صالح مختاري

 

 

 

أسباب حماية أمريكا للكويت

لا يختلف اثنان في أن إقدام العراق على ما أقدم عليه يعتبر قنبلة التي فجرت الأوضاع وقلبتها رأسا على عقب، تلك الأوضاع التي كانت توحي بقضاء صيف هادئ بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، وبعد انتهاء أحداث أوروبا الشرقية، فكل الدوائر السياسية والإعلامية توجهت أو كانت تتهيأ لقضاء عطلة صيفية، فجورج بوش أدار الأرمادا وحرك قواته واتخذ قراراته السياسية وهو في مركز يبعد عن واشنطن بمئات الكيلومترات. وكذا الحال لبقية الرؤساء بما فيهم الرؤساء والملوك العرب، حيث تحولت مراكز العطل والاصطياف إلى عواصم سياسية تدار منها أخطر أزمة تعرفها أخطر منطقة، أزمة مست مباشرة ترتيبات القوى الرأسمالية في منطقة الخليج، أزمة مست الأنظمة السياسية المقننة حسب الطلب والحاجة الأمريكية والأوروبية في المنطقة، ولهذه الأسباب كلها قامت القيامة على العراق !

ردود الفعل جاءت من الشرق والغرب قبل أن تأتي من الدول العربية نفسها التي تريثت أياما قبل أن تعلن موقفها، لأنها كانت تنتظر مواقف القوى الدولية وبعبارة أخرى فإن البلدان العربية والعالم كله كان ينتظر موقف واشنطن وسلوكها قبل أن تتوالى تباعا ردود الفعل الأخرى مطابقة في أغلب صورها لهوى واشنطن، ولم يستثن من ذلك حتى مجلس الأمن الدولي للأمم المتحدة التابع لواشنطن الذي تحرك طبقا لرغبات البيت الأبيض وظل يعقد اجتماعاته ويصدر فرماناته لفرمنة العراق سياسيا ثم اقتصاديا وأخيرا عسكريا.

الولايات المتحدة ومجلس الأمن الدولي والمجموعة الدولية كلها أجمعت بأن الاجتياح العراقي للكويت مخالف للشرعية الدولية وبعبارة أخرى مخالف للسياسة والمصالح الأمريكية والأوروبية، ولما كانت الولايات المتحدة هي مصدر "الفتوى" السياسية التي تطابق بين  تصرفات الدول والمواثيق الدولية، فهي التي تقرر ما إذا كانت هذه التصرفات أو تلك شرعية أو لا. وقد رأت هذه المرة أن تصرف العراق عير مطابق للشرعية الدولية وذلك على خلاف تصرفات واشنطن في غرينادا وبانما، وتصرفات إسرائيل في لبنان وفلسطين، فهذه الأخيرة مطابقة للقوانين الدولية والأخلاق الإنسانية، أما صدام حسين فهو "الدكتاتور" الذي بعث 'هتلر" من مرقده المجهول، وهذا هو منطق الشرعية الدولية التي نصبت نفسها زعيمة العالم الحر وحامية للديمقراطية والحرية والسلام في العالم.

ردود الفعل كانت متفاوتة حسب القدر والقدرة، وتبدأها أولا بالدول العربية، فهي وإن اجتمعت على إدانة التدخل العسكري العراقي في الكويت إلا أن إدانتها تراوحت بين مجرد الاستنكار والتحرك العنيف وهذا ما ظهر في قمة القاهرة الطارئة، حيث انقسمت القيادات السياسية على نفسها، اتجاه يرى أن القضية عربية ويجب حلها عربيا ولا تستحق إقحام القوى الأجنبية المعادية في هذه القضية  وأن إقحامها بالشكل الذي تم أمر خطير أكثر من خطورة التصرف العراقي، أما الاتجاه الآخر فقد تزعمته السعودية ومصر باعتبارهما أكثر ولاء للولايات المتحدة الأمريكية، فالرياض قد صعدت الموقف وقبلت عرض واشنطن بإرسال قوة عسكرية ضخمة إلى المملكة العربية السعودية ليس للوقوف في وجه أي هجوم عراقي على السعودية ولكن استعدادا لضرب العراق وردعه بالقوة حتى يعود من حيث أتى، وحتى تبقى المنطقة ضمن دوائر النفوذ المعدة لها سلفا، والموقف السعودي هذا وافقته مواقف الإمارات الخليجية وبعض الدول غير الخليجية التي لم تتأخر في تبنى الموقف السعودي دون أية اتفاقية للرأي العام الوطني والعربي من معضلة الخليج، وما تجدر الإشارة إليه أن الولايات المتحدة التي كانت غاضبة جدا على صدام حسين  و"خرجاته" المقلقة لواشنطن في المنطقة فقد تحركت أساطيلها بسرعة، وأرسلت وزير دفاعها (ديك تشيني) إلى المنطقة ليمهد الطريق لنزول القوات الأمريكية الضخمة في الدول المجاورة للعراق استعداد لساعة الحسم، أما على الصعيد السياسي فقد رمت بكل ثقلها لجر أبتاعها وحلفائها في صف واحد، كما جندت مجلس الأمن الدولي ولأول مرة في تاريخه لإصدار قرارات "الشرعية" كغطاء لما تقرره واشنطن فيما بعد ضد العراق ابتداء من المقاطعة الاقتصادية والخطر التجاري والحصار البحري واستعمال القوة العسكرية لفرض الخطر والحصار لحمل العراق على الاستسلام وانسحاب قواته إلى ما كانت عليه قبل اكتساح الكويت، وذلك دون قيد أو شرط.

الولايات المتحدة كانت تدرك أن عناد العراق لا مثيل له وأن قواته العسكرية على قدر كبير من الاستعداد والتجربة، ولهذا تحركت بقوة واستعدت لجميع الاحتمالات وأعدت لذلك كل الوسائل العسكرية الممكنة لحل الإشكالية بالقوة، إن عجزت وسائل الضغط السياسي والخطر الاقتصادي والحصار البحري وتشمل هذه الوسائل أيضا العمليات المخابراتية السرية للإطاحة بنظام الرئيس "صدام حسين"، حيث أكد الرئيس بوش  في تصريحاته أنه لا يستبعد اللجوء إلى القوة العسكرية وأنه أعطى أوامره للأجهزة المختصة للعمل على الإطاحة بالنظام القائم في بغداد، فهل تستطيع قهر تمرد صدام حسين مثلما قهرت نوريغا من قبل؟ وإذا كان البعض يرى بأن هذا الاحتمال هو المرشح في الصراح العراقي-الأمريكي، فإن البعض الآخر يرى خلاف ذلك لأن العراق ليس "باناما" وأن صدام حسين المدعوم بشعبه ليس هو "ترويغيا" الصنيعة الأمريكية المتمردة، ومهما يكن الأمر فإن التصعيد العسكري يبقى  الطابع المميز لأثناء العراق عن عزمه والإبقاء على الترتيب الأمريكي الموضوع سلفا للمنطقة وهو الترتيب الذي يجعل منابع النفط تحت إمرة واشنطن المباشرة لكي تتحكم في رقاب أوربا واليابان، وهي القوى الاقتصادية المنافسة والمهددة لمركز الولايات المتحدة الأمريكية بعد انتهاء سيطرتها العسكرية بانتهاء الحرب الباردة وزوال الخطر الشيوعي بعد تفكك الكتلة الشرقية واختناق الاتحاد السوفييتي في شرنقته الداخلية، ولذلك عمدت واشنطن إلى الضغط على كل حلفائها وأتباعها وجرهم إلى الدخول في مواجهة مفتوحة مع العراق بدعوى أن واشنطن لا تتحمل وحدها دائما أعباء الدفاع عن مصالح الدول المصنعة في العالم الثالث خاصة وأن هؤلاء الشركاء قد باتوا منافسين أقوياء للآلة الاقتصادية الأمريكية، وأن كل المؤشرات تدل على أنه بعد انتهاء الحرب البارجة فإن الحرب القادمة ستكون حربا اقتصادية بين القوى الاقتصادية الكبرى بعدما ظهر من الدلائل ما يرشح انزواء  الاقتصاد الأمريكي أمام الزحف الياباني والأوروبي.

وعلى صعيد آخر، فإن اشتراك الحلفاء في عملية التصدي لنظام صدام حسين، يعني أن الولايات المتحدة لم يعد بمقدورها تحمل أعباء حرب خارج حدودها لأن تكاليفها باهضة جدا، كما يعني أيضا تخوف الولايات المتحدة من تحمل  انتكاسة عسكرية تذهب برهبتها العسكرية، فعقدة الفيتنام لا تزال ماثلة في أذهان الأمريكيين والخوف من تكرار الهزيمة أمام قوة معتبرة مثل العراق أمر وارد في التفكير الأمريكي. لذا عمدت واشنطن إلى إشراك حلفائها الأوروبيين وبعض أتباعها المناهضين لصدام حسين لإرهاب العراق في مرحلة أولى، ولضربه في مرحلة ثانية، ولتغطية بقائها في المنطقة كمرحلة ثالثة تحت غطاء الشرعية الدولية.

ولكي تضمن واشنطن انصياغ حلفائها وأبتاعها، عمدت إلى شن حملة نفسية مركزة للتهويل من الخطر العراقي على كل الدنيا، ودعت المجموعة الدولية لمساندتها في درء هذا الخطر، وهي الطريقة التي أدار بها بوش سياسته في الخليج، والتي تتماشى والسياسة الدولية للولايات المتحدة في ظل اختفاء صراع شرق-غرب، وغياب منافس لها في مقام الاتحاد السوفييتي، وحتى لا يتقهقر وضعها فهي بحاجة دائما إلى عمل صاخب يعيد لها فرض سيطرتها على القوى الاقتصادية الأوربية واليابانية وهو ما لا يتأتى لها إلا إذا خلقت جوا دوليا متوترا يلغي كل الحسابات الأوروبية واليابانية ويعيدها تحت المظلة الأمريكية مثلما كانت في سنوات الحرب الباردة.

مما لا شك فيه أن للبلدان الأوروبية واليابان مصالح مباشرة وحيوية في منطقة الخليج ومن مصلحتها أن تبقى بلدان هذه المنطقة على وضعها حتى تبقى كما كانت مصدرها الرئيسي للطاقة وسوقا استهلاكيا للصادرات الصناعية لكل أصناف المنتوجات ابتداء من المعدات الثقيلة إلى أجهزة الألعاب الإلكترونية والمواد الغذائية وكل صغيرة وكبيرة في حياة البذخ الاستهلاكية بالإضافة إلى أن هذه البلدان تشكل مجالا حيويا لنشاط الشركات الأوروبية واليابانية لإنجاز مشاريع ضخمة وهو ما لا  تجده هذه الشركات في مناطق أخرى من العالم. وهناك عامل آخر يتمثل في توجه رؤوس الأموال الخليجية إلى البنوك الغربية سواء بطرق مباشرة أو غير مباشرة ولكنها تؤدي في النهاية إلى تراكم الأموال  وتداولها في الدول الصناعية، ولهذه الأسباب كلها كان من مصلحة أوروبا واشنطن أن لا تتغير الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، وهي مصلحة تقتضي ضرب كل من يحاول تتغير هذه الخريطة.

لكن أوربا واليابان تدرك أكثر من غيرها أن التصعيد الأمريكي مبالغ فيه وأن الخطر العراقي لم ولن يصل  إلى الحد الذي تفتعله واشنطن، وأن الإدارة الأمريكية إنما عمدت إلى هذا التصعيد كله لإحكام السيطرة الأمريكية على منابع النفط أو بالأحرى للإمساك برقبة أوروبا واليابان وليس لحمايتها من خطر العراق فعندما تتحكم الولايات المتحدة بالمصدر الأول للطاقة يمكنها أن تتحكم في السياسة الاقتصادية للمجموعة الأوروبية واليابان وتجعلها تحت رحمة الولايات المتحدة الأمريكية التي بدأت تفقد شيئا فشيئا هيمنتها الاقتصادية على العالم بعد الطفرة اليابانية والوحدة الأوروبية، وأمام شعور اليابان وأوروبا بهذه النوايا والخطط الأمريكية لم ترد وتقاعست أكثر وتركت الساحة لواشنطن وحدها، بل رمت بنفسها وراءها حتى جاءت ساعة تقاسم الغنيمة، كان لها الحق في المطالبة بنصيبها، وهذا ما يفسر لنا خروج فرنسا عن موقفها المعتدل في الأيام الأولى من الأزمة، بحيث كانت تنادي بالتعقل والحكمة في حل المشكلة ولكنها أضحت بعد ذلك على شاكلة الولايات المتحدة في رؤيتها لازمة الخليج، على الرغم من محاولات باريس الدائمة لإيجاد سياسة مستقلة عن السياسة الأمريكية، بخلاف بريطانيا التي تميزت سياستها بالتأييد مستقلة من السياسة الأمريكية، بخلاف بريطانيا التي تميزت سياستها بالتأييد المطلق لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية خطوة بخطوة أما بقية البلدان الأوروبية الأخرى فقد انصاعت لضغوط واشنطن رهبة ورغبة كي تبقى حليفا أو تابعا لواشنطن أو حتى لا تغضب البيت الأبيض لأن غضب هذا البيت يعني الكثير من المخاطر.

أما الاتحاد السوفييتي الذي انهارت كتلته وتصدعت إمبراطوريته وتشققت أسوار الكرملين، فلم يعد ذلك العملاق العنيد الذي يرعب العالم الحر، فتخلى عن عقيدة الثورة الاشتراكية وإيديولوجية الشيوعية، وأصبح يعمل على حفظ ينيان دولته الاتحادية المهتزة تحت ضربات الأزمة الاقتصادية والمطالب السياسية الانفصالية، وصارت مصلحته الاقتصادية والسياسية تقتضي أن يكون تابعا لأمريكا وحليفا لها، ولذلك لم يتجرأ على استعمال حق النقض ولو مرة واحدة في مجلس الأمن حتى في قراره الأخير الذي يفتح الباب لاستعمال القوة ضد العراق رغم أن موسكو تربطها معاهدة للصداقة والدفاع المشترك مع بغداد…

وهكذا ينتهي الصراع الإيديولوجي لحساب التقارب الاقتصادي والمصالح المتبادلة بين الشرق والغرب. وحتى الصين نفسها لم تذهب بعيدا في سياستها المناهضة لاستعمال القوة العسكرية إذا حذت حذو موسكو. فبعد أن كانت بكين تعارض بشدة استعمال القوة ضد العراق تراجعت عن ذلك فجأة بعد زيارة ولي العهد الكويتي إلى الصين، وصوتت إلى جانب واشنطن وموسكو ولندن وباريس ترى ما هو المقابل الذي تلفته بكين، وهل قبضته "كاش"  أم تأجل الدفع ليوم العسرة والشدة كيوم ربيع بكين في عام 1990.

أما البلدان العربية التي أرسلت قواتها إلى الخليج لتكون كلاب حراسة الجنود الأمريكان قبل بدء الحرب، فهي  فعلت ذلك تقربا من أرباب البترو-دولار وسادة البيت الأبيض ولن نقول أكثر من ذلك حتى نسيء إلى أحد رغم أن مقايضات المواقف السياسية بالدولارات الأمريكية والريالات السعودية لا تخفى على أحد.