Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب المعارك السرية بين مخابرات االثورة الجزائرية ومخابرات الاستعمار/نوفمبر في ضمائر المفكرين/صالح مختاري

نوفمبر في ضمائر المفكرين

 

يقول الفرنسي سيمون دوبوفوار     " أفظع ما في الفضيحة أننا تعودنا..." والفرنسي جان بول سارتر "التعذيب هو عارنا في الجزائر..." و هنرى البغ  "إن زبانية التعذيب قد أصبحوا بضاعة للتصدير..". أما  سهيل ادريس فيقول " إن تراب الجزائر..ثقيل ثقلا غير طبيعي ...انه تاريخ الجزائر المحبول بالدم والأباء..."

تقاس عدالة قضية ما، وقدسية مبادئها وأهدافها، بقوة القدرة الكامنة فيها، على اختراق صوت صراعها وأنين معاناتها، لضمائر النخبة المفكرة داخل صفوف العدو نفسه.

فالوعي والمعاناة، توؤمنان، يلقي الأول بظله الكثيف على بواطن العقل الفكر، فيوقضه منسباته وينبعث توهج الثاني، ممزوجا بالآهات ..والمملولة ليشق كثبان الثلوج والضباب، والجليد، ويستقر في وعي الأحرار من أنباء الشعوب الأخرى بما فيها الشعب المعادي.

ذلك هو حال ثورة نوفمبر مع الأحرار، من مفكري العالم، والفرنسيين منهم بالذات، فلم تحظ قضية بالإهتمام والعناية، ما حظيت ثورة نوفمبر الجزائرية، لدى الأدباء، والفلاسفة، والمفكرين في العالم، بما فيهم المفكرين الفرنسيون. ثورة نوفمبر اذن معزوفة فريدة، تجاوبت مع ألحانها الحزينة، ضمائر المفكرينن حتى القرنسيين بالرغم من النطاق المضروب أنذاك على أقلامهم وأفكارهم، ولم يسلم من هذه القاعدة التضامنية، حتى فلاسفة العبث والغثيان من أمثال: سيمون دوبوفوار، وجان بول سارتر، ولا أبطال القصص الحزينة لفرانسوار ساغان، وفرانوار مورياك. ولا كتاب الكلمة الملتزمة بالمادية التاريخية من أمثال: هنري اليغ، وموريس أودان..دون اغفال فلاسفة التاريخ من أمثال : دانييل مايير، وجيل روا. ان أرض الملحمة الجزائرية قد صنعت من تراب ثقيل ثقلا غير طبيعي، وهو ما حدا بالمفكر العربي المعاصر: سهيل ادريس إلى أن يقول: خرجت ذات ليلة إلى حديقة الفندق الذي كنا ننزل فيه، وبيدي التراب سمعت أحد خدم الفندق يسألني : ما الذي تفعله يا سيدي؟ فأجبته من غير ان ارفع رأسي : أملأ هذه الزجاجة من تراب الجزائر. فانحنى أمامي وهو يقول : دعني أملأها عنك !قلت : بل دعني أملأها بيدي.. ان هذا تراب مقدس أريد ان أحمل حفنة إلى بلدي. وحين عدت بالزجاجة، شعرت بأنها في يدي ثقلا غير طبيعي، أنه تاريخ الجزائر المجبول بالدم والأباء . ان هذه الأرض، وهذا التاريخ، هو الذي صنع الخيط الكهربائي ذي القوة المغناطيسية الفريدة، التي جعلت ضمائر كل الأحرار المفكرين ترتعد لهولها، وتستجيب لإستغاثتها.

فالمعاناة الجزائرية : كتبت فصولها بحبر خاص، هو الدم ممزوجا بالدموع، فكان التعذيب أحد مشاهدها المروعة، ولقد خصص له جان بول سارتر كتابه القيم: "عارنا في الجزائر".

ان "ان عارنا في الجزائر" كان الصرخة المدوية التي أهابت بالضمائر القرنسية أن يستيقظ، وتوقظ من "سبات العادل" ولقد تبارى في الإستجابة لهذا النداء عدد كبير من المفكرين الذين كان في مقدمتهم رفيقته الفيلسوف الوجودي-سيمون دوبوفوار.  فإلي هذه المفكرة الوجودية يعود الفضل في محاولة القضاء على تبلد الضمير الفرنسي، إزاء قضية الشعب الجزائري العادلة: عندما صرخت فيه من أعالي منبر صحيفة لوموند بتاريخ 3 يونيو 1960 بمقالها الجرئ الذي خرجت به على الناس في ذلك اليوم داعية إياهم إلى التجمع من أجل "جميلة بوباشا"، ناعتة ما سجري على أرض الجزائر بالفضيحة، مذطرة اساهم بأن "فضح ما فسي الفضيحة إننا نتعودها".

كانت الصرخة المدوية التي أطلقها سيمون دوبوفوار بمقالها، وجان بول سارتر بكتابه، بمثابة الشرارة الفكرية التي ألهبت حماس كل الشرفاء من كتاب فرنسا وأحرارها.

وهذا هنري يدلي بشهادته عن التعذيب، وزبانيته فيقول عنهم:"ان زبانية التعذيب قد أصبحو بضاعة للتصدير" قبل أن يخلص إلى هذه النتيجة المريعة: "ان نضال الشعب الجزائري منذ السيطرة الاستعمارية ومن أجل الاستقلال، انما يختلط بنضال الشعب الفرنسي ضد الفاشية، ومن أجل الديمقراطية،ولكي يثبت الجميع من ذلك ما عليهم إلا أن يفتحوا عيونهم جيدا، غير أن وجوه زبانية التعذيب، ووجوه الذين قاموا بانقلاب عسكري في الجزائر هي الوجوه نفسها".

وبنفس الاستجابة للصرخة الوجودية المدوية نجد جاك فونلويت اسبراير الذي ينسج على نفس منوال هنري اليغ في المزج بين النازية والفاشية في الجزائرية فيكتب قائلا: "الصحيح انه يجوز لنا القول أن الجزائر تحيا في طال النظام الهتليرى". كما سمعنا فيما بعد وزيرا أوسع اطلاعا، يعترف بأن الأساليبب المتبعة في الجزائر هي عدوى الجدرى الهتلري.

لا جدال اذن في ان المفكرين الفرنسيين، قد هبوا منذرين مواطنيهم، مغبة المنزلق الخطير الذي انحدر إليه النظام الفرنسي بكامله، تحت تأثير  ضربات الثورة الجزائرية المنتصرة، وهو ما حدجا بروحية موريس أودان إلى |أن ينحدر الرأي العام الفرنسي، والعالمي، من العوقب الخطيرة التي ستنجم بالتأكيد عن المصير الخطير الذي يحاول زبانية التعذيب من الفرنسين في الجزائر، زج فرنسا فيه، بالموت والعار فيقول :"بديهي أن الشعب الجزائري قد أثبت أنه لم يروعـ لكن هذا لم يثن الغستعماريين عن عزمهم فأمنعوا يائسين في استخدام أساليبهم لنشر الموت والعار." على أن مسؤولية تحديد هذا المصير المظلم لفرنسا، ليس من صنع  العسكريين الفرنسيين وحدهم، بل هناك بعض المثقفين قد تواطأوا معهم، ومن هؤلاء الأطباء في الجيش الفرنسي، الذين يستخدمون كغطاء علمي، لتمرير التعذيب، والموت، وعمليات الإنتحار "الانتحار الارادى" لذلك يهيب أحد الأطباء، وقد صحا ضميره، ذلك هو الدكتور جاك كالزاس، فيقوم لهذا النقد تالذاتي المرير قائلا: "الواقع اننا معشر الأطباء ضاعون جميعا في آثام التعذيب اليومية هذه، مهما تفاوتت في الرقة والمراوغة". لعل النتيجة التي يمكن استخلاصها من هذه الشهادات الشجاعة للمفكرين الفرنسيين، انها تأتي بدافع وطني، يحاول انقاد ما يمكن انقاذه،من نظام فرنسا،...نستسف هذا من مقال "دانييل مايير" حين يبين للرأي العام ان الغرض من الحملة التضامنية التي يدعو اليها المفكرون الأحرار في فرنسا-بطلبهم تكوين لجان لادانة الاجرام-انما هو انقاذ ما يمكن انقاذه من ماء وجه فرنسا، لذلك نجد-دانييل مايير- يكتب في مقاله ما يلي:"فهذه اللجان هي التي ستشهد بأن كل شيء لم يتهرأ، ولم يتعقن في البلد الذي كان جميلا وكبيرا في انفتاحه للأفكار الحرة السخية، انها تنقذ اليوم أمل الفردـ وشرف الجماعة في الغد".

كذلك نستشف هذا-انقاذ ما يمكن انقاذه- من مقال سيمون دوبوفوار الذي يمثل تحذيرا خطيرا لكل الفرنسيين فتقول لهم: "يجب أن ترفضوا  لا بعض الأساليب فحسب (تعني الأساليب الفاشية) بل الغاية التي تجيز الأساليب، وتقتضيها، ترفضون هذه الحرب التي نجرؤ على ذكر اسمها والجيش الذي يتغذى جسدا وروحا بالحرب. والحكومة التي تنحى أمام الجيش، ثم تقيمون الدنيا، وتقعدونها لتجعلوا رفضكم ناجعا، فليس هناك من مخرج آخر، وانا لامل أن يسهم هذا الكتاب في اقناعكم، أن الحقيقة تهاجمكم من كل حدب، وصوب، فلن تستطيعوا بعد اليوم أن تمضوا في القول متلعثمين:"ما كنا نعرف". نفس النتيجة يؤول إليها "دانييل مايير" حين يكتب: "وغدا حين يكتب تاريخ عصرنا، ولا يحكم كاتبوه على فرنسا الحاضر، بأقصى الشدة، والصرامة، فسيكون اودان: وما بذلته من جهود لمحاربة تستر الدولة على الإجرام باسم المحافظة على الدولة". ان هذه الأصوات الحرة التي انبعثت من داخل كثبان الظلام والجليد والصقيع، التقت بأضوات نابعة من داخل الملحمة "تهيب كلها بالضمير العالمي أن يستيقظ ويتحمل مسؤوليته، من هذه الأصوات صوت الشاعر العراقي :"علي الحلى" في قصيدة تحمل عنوان "من جان دارك الى جميلة" نختار منها هذه المقاطع:

اختاه ....لن نموت، ولن تموت شعلة الفداء حين يسجنون صفوة الرفاق

وحين يذبحون طفل ثائر شهيد، وحين يحرقون جثة الأسير

وحين يتحرقون عنف مقعد سجين، جرعة العذاب قصة القدر

أختاه ! لن تموت شعلة الفداء، ظالف جميلة من اللظى في رحم الحياة

من شفق اللهب، تولد خلف سجنك البعيد !! 

من أمة العرب !!

هذا هو واقع ثورة نوفمبر على ضمائر الإحرار في العالم، وأنها لرسالة قد كتبت بالدم والدموع