Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب المعارك السرية بين مخابرات الثورة الجزائرية ومخابرات الاستعمار/كيف طبق الاستعمار الحرب النفسية في الجز

كيف طبق الاستعمار الحرب النفسية في الجزائر؟

       

الحرب النفسية أثناء حرب التحرير، هي تلك السياسة الشاملة، اقتصادية، سياسية إيديولوجية وعسكرية التي حاول الاستعمار أن يواجه بها، حركة التحرر الوطنية. لقد كان الهدف الأساسي للحرب الشاملة، بقاء الاستعمار وكانت كل الوسائل مجندة لتحقيق هذا الهدف، وجربت كلها: من المكتب الخامس والحركة... إلى القتل الجماعي، والإبادة الكلية. إذن هذه هي الحرب النفسية التي عرفها الشعب الجزائري خلال هذه الفترة:

بعد سنة واحدة فقط من اندلاع الثورة بدأ تعداد الجيش يرتفع بسرعة إذ استجيب لطلب الجنرالات لرفع تعداد الجيش، وبلغت هذه الزيادة سنة 1956، حسب تقدير المجاهد (شهر ماي 1956) 250 ألف عسكري وهو ما لا تعترف به المصادر الرسمية الفرنسية، ويقدر نفس المصدر القوات الفرنسية، ويقدر نفس المصدر القوات الفرنسية العاملة في الجزائر في تلك الفترة ب 500 ألف عسكري في مختلف الأسلحة. وإذا أضفنا لهذا العدد عدد الحركة والقومية، والمخزن والرصاص. فان تعداد القوات يصبح ما بين 735 ألف-800 ألف فرد ويمكن أن نقول أن الجيش كان في أعلى نسبته العددية في هذه السنة. إذ وصل عدد الضباط المؤطرين إلى 60 جنرالا، ومن 600 إلى 700 عقيد ومقدم، ومن 1300 الى 1500 رائد.

كل هذه الأعداد لا تجد معناها إلا بالمقارنة مع قيادة وقوات جيش التحرير الوطني مقسما إلى ست ولايات ويبلغ عدد رواده 18 رائد فقط، وكان من الصعب على الولايات الداخلية أن تحافظ على أفراد جيش التحرير تكونوا في الميدان، بينما في المقابل لهم قوة يتخرج أفرادها من المدارس والمعاهد العسكرية المشهورة والمعروفة. من هنا نستشف أن أول خطوة في السياسة الفرنسية كانت البحث عن الحسم العسكري، وبالتالي استعمال القوة ضد الجزائريين للتأثير على عقولهم وسلب إرادتهم ومنعهم من الحصول على مطلبهم المتمثل في الاستقلال الوطني.

وبالإضافة إلى أفراد الجيش الفرنسي، فإن المستعمرين  عملوا على إيجاد قوات محلية تعمل لصالحهم وتقوم بمهام لصالح الإستراتيجية الكولونيالية، وتكلف بهذا العمل أخصائيو النشاط النفسي، وتمكنوا عن طريق التعذيب، أو عن طريق القيام بأعمال قذرة، من أن يكسبوا لصالحهم بعض الأفراد من (الأهالي) الذين كونوا بهم جيوشا مضادة لجيش التحرير الوطني (لضرب العرب بالعرب) حسب نظريات جنرالات الحرب النفسية.


حرب الموجات الصوتي بين جيش التحرير الوطني

 والاستعمار الفرنسي

 

تعود فكرة إنشاء مصلحة المواصلات السلكية واللاسلكية  إبان الثورة التحريرية إلى تلك المحاولات الأولى التي سجلت قبل بداية الثورة أيام إنشاء المنظمة السرية وهذا لاقتناع أعضاء المنظمة بضرورة استعمال  أجهزة راديوسلكية ولا سلكية لتعقب العدو في كل تحركاته واكتشافه قبل أن يدرك الثور، والقيام بعمليات التنصت لمعرفة أكبر عدد ممكن في المعلومات عن العدو وعن المحيط الذي يتحرك فيه وحتى يتسنى ضربه بفعالية أكثر وبطريقة مبنية على أساس تخطيط محسوب ومدروس، وقد قيمت المنظمة السرية مسيرة كل الثورات الشعبية والحروب ابتداء من عام 1930 إلى غاية 1947 فأرجعت سبب فشلها إلى كونها لم تكن ثورات شاملة ولا تتوفر على وسائل الحرب الحديثة وعليه أدركت ضرورة إدخال جملة من الوسائل والأسلحة المتطورة وكانت أجهزة الإشارة في صدارة هذه الوسائل.

وقد أعطي الضوء  الأخضر للبحث عن هذه الوسائل والأجهزة بأي ثمن كان ابتداء من مؤتمر زدين بضواحي العطاف وهذا في ديسمبر 1948، ففي هذه المؤتمر طالب المؤتمرون بشراء أجهزة راديو لا سلكية من القوات الأمريكية المرابطة بالجزائر والتي كان مقر قيادة أركانها بفندق سان جورج (فندق الجزائر حاليا)، بالإضافة إلى شراء أسلحة أخرى.

لقد أسندت مهمة شراء الأسلحة وأجهزة الإرسال والاستقبال إلى السادة (رباح لخضر، بناي محمد، يوسفي محمد، آيت أحمد) وبعد أن تم شراء مجموعة من الأسلحة وأجهزة الراديوا اللاسلكية المختلفة نقلت إلى بيت السيد زرقاوي، ونشير هنا إلى أن الشهيد بلوزداد كان قد اشترى في نفس الفترة أسلحة من الحدود الجنوبية الشرقية للبلاد.

بعد تحويل تلك الأجهزة إلى بيتت صهر سويداني بوجمعة تم كشفها من طرف العدو وهكذا تم القضاء على هذه الفكرة في مهدها قبل أن تصل إلى المرحوم بوقارة وجماعته من الإخوان الذين كانوا ينتظرون وصولها لاستعمالها في جبال الوسط الجزائري.

عشية اندلاع ثورة التحرير المظفرة أصبحت الفكرة المتعلقة بتكوين مصلحة المواصلات  السلكية واللاسلكية قد نضجت أكثر، لكن الظروف الصعبة التي  رافقت بداية الثورة، حالت دون تمكين جيش التحرير من إنشاء هذه المصلحة التي كانت تحتاج إلى إطار متخصصين ووسائل من أجهزة  راديو وغيرها، ولكن رغم كل الصعاب بقيت الجهود منصبة ومستمرة، بل وبإلحاح اكثر على غاية مؤتمر الصومام اذي قرر بصفة نهائية الشروع في البحث عن أجهزة راديو سلكية ولاسلكية، أما الطرق التي سلكها المجاهدون لكسب هذه الأجهزة فهي عمليات الإغارة والكمائن التي كان يقوم بها المجاهدون إضافة إلى عمليات السطو على البيوت التي نصبها العدو بالغابات لحراساتها وإلى جانب هذا تم شراء كما أمكن من أجهزة الراديو السلكية واللاسلكية من القوات الأمريكية المرابطة في المغرب ودول أخرى. وهكذا وبعد مرور شهور قليلة وصلت أولى الأجهزة إلى جيش التحرير عن طريق المغرب اشترتها اللجنة المكلفة بتموين الثورة بالعتاد والأسلحة. والتي كان يرأسها في تلك الفترة المرحوم محمد بوضياف، وكانت الولاية الخامسة بقيادة الشهيد بن مهيدي وبوصوف والحاج عبد الله وهواري بومدين رحمهم الله، هي أولى الولايات التي وصلتها مثل هذه الأجهزة التي ساهمت في تشكيل النوات الأولى لمصلحة المواصلات السلكية واللاسلكية لثورة التحرير في هذه المنطقة للنشر بعد سنة فقط عبر كامل التراب الوطني كما سنرى بعد قليل.

فقد وصلت الولاية الخامس ثلاثة أجهزة من نوع (SCR-284) وهي اجهزة إرسال واستقبال من صنع أمريكي، والجدير بالذكر أن دخول الأجهزة تزامن مع دخول أربعة متخصصين جزائريين يعملون على هذه الأجهزة وهم (بوغرارة يوسف، سدايرية علي، علي البسكري، بولحرايق) الثلاثة الأخيرون نالوا الشهادة وقد عرفت المصلحة تدعيما للأفراد ابتداء من ماي 1956 وهو التاريخ الذي أضرب فيه الطلبة الجزائريون، والتحق عدد كبير منهم بصفوف جيش التحرير، وكان ذلك فرصة سائحة لتجنيدهم وتكوينهم في مختلف الأسلحة خاصة منها التقنية التي تحتاج إلى قاعدة علمية.

هذا زيادة على التحاق جماعة اخرى من العارفين بميدان المواصلات السلكية واللاسلكية بعد فرارهم من الجيش الفرنسي والتحاقهم بصفوف الثورة وهم: (ديب بومدين المدعو عبد المؤمن، تليجي علي، دكار بوعلام، حساني عبد الكريم، صدر سنوسي، خروبي عبد القادر) وهؤلاء كانوا بمثابة الإطارات الأولى لمصلحة المواصلات السلكية واللاسلكية بالناحية الغربية من الوطن (الولاية الخامسة)، وعلى أيديهم تخرجت الدفعات الأولى التي توزعت على كامل التراب الوطني بالإضافة إلى الدفعات التي تكونت فيما بعد الجهة الشرقية ابتداء من عام 1958.

لقد كانت مهمة مصلحة المواصلات السلكية واللاسلكية ةفي بداية ظهورها تقتصر على عمليات التصنت وجمع المعلومات المتاحة عبر شبكات العدو وفي الثامن من أوت 1956 دشنت أول مدرسة على الحدود الغربية لتكوين إطارات المواصلات السلكية واللاسلكية، بعدما أصبح لدى جيش التحرير بعض من أجهزة الإرسال والاستقبال. وكانت أول دفعت باشرت تربصها بالمدرسة متكونة من 26 طالب. وتخرجت بعد 45 يوما من التكوين. وسميت هذه الدفعة باسم الشهيد "أحمد زبانا" وقد تلقت تكوينا تقنيا للعمل على أجهزة الراديو في عملية التصنت ثم توالت دفعات أخرى في الناحية الغربية دائما، وابتداء من أواخر عام 1957 أصبحت لجيش التحرير على الحدود الشرقية محطات ومصلحة المواصلات السلكية واللاسلكية وهذا بعد وصول بعض من أجهزة الارسال والاستقبال والتحاق عاملين عليها بهذه القاعدة.

في أواخر عام 1956 تحصل جيش التحرير على 10 أجهزة من نوع (RCA/M) وهي أجهزة صممت خصيصا لبواخر الصيد، ونظرا لمردودها المحدود في الجيش أدخلت عليها تعديلات وأضيفت لها تقنيات أصبحت بموجبها أكثر فعالية على المناورة، ثم وزعت هذه الأجهزة على أماني مناطق تابعة للولاية الخامسة. 

  تبعد هذه المرحلة تم شراء ثلاثة أجهزة إرسال واستقبال نوع (ART/13) أمريكية الصنع، لكنها صممت لأغراض الطائرات العسكرية، والثورة حولتها لأغراض قوات المشاة واستعملتها كمحطات أرضية ثابتة بالقرب من مقر قيادة الولاية الخامسة وعلى الحدود الغربية، لتدعيم المحطات الأخرى لتشكل بالتالي شبكة اتصال هامة وقادرة على ربط جميع الوحدات القتالية لجيش التحرير بالقيادة العليا في الداخل والخارج، ومما زاد في نجاح هذه المحطات الأولى قلة مردوديتها هو غرور العدو واستصغاره لقدرات جيش التحرير، فلم يكن يتوقع أن جيش التحرير بإمكانه استعمال أجهزة استقبال سلكية ولاسلكية واستمر غروره إلى أن تكبل أكثر من مرة الخسائر المعتبرة في الأرواح والعتاد، مما جعله يعاود حسابه ويراجع الأطروحات التي كان قد وضعها من قبل.

بدأ العدو يبحث عن مراكز المحطات ويجند لها وسائل بشرية وتقنية هامة مثل طائرات مروحية ورجال المخابرات، ووسائل أخرى عسى أن يتوصل إلى أدنى المعلومات بكيفية تحصل جيش التحرير عن هذه الأجهزة ثم من يقوم باستغلالها وأين تدربوا؟

في أواخر عام 1957 وبداية 1958  وصلت مجموعة متن أجهزة الراديو اللاسلكية المتطورة من نوع (HAMARLUND-SP 600) لها من الخصائص الفنية ما يجعلها تحتل الصدارة في تلك الفترة وتضاهي أجهزة مصلحة الإشارة للعدو وابتداء من هذا التاريخ اصبح لدى جيش التحرير سلاح للإشارة بأتم معنى الكلمة، وقد لعبت هذه الأجهزة دورا رياديا أثناء الثورة، وللتذكير ان المرحوم زقار مسعود هو الذي قام بشراء هذه الأجهزة بالإضافة إلى جهازين آخرين للإرسال من نوع (ANGRC-38) قوتها 400 واط تشتغل بالبطاريات وهذان الجهازان هما اللذان فتحت بهما إذاعة الجزائر الحرة المكافحة صوت جبهة التحرير وجيش التحرير يخاطبكم من قلب الجزائر وهي الإذاعة التي بقيت تشتغل طيلة بقية سنوات الثورة، رغم أن العدو عمل كل ما في وسعه لتدميرها أكثر من مرة وقنبل مقرها ثلاث مرات باستمرار الأمر الذي صعب من ككشفها وأبطال عملها، وقد كانت تشتغل بثلاث لغت (عربية، أمازيغية، فرنسية). أما التقنيون العاملون عليها فهم إطارات جيش التحرير تابعين لمصلحة المواصلات السلكية واللاسلكية.

في القاعدة الشرقية ابتداء من أفريل 1957 وصلت أول محطة لفائءدة مصلحة المواصلات السلكية واللاسليكة هناك، رفقة جماعة من الإطارات العاملين على هذه المحطة نذكر منهم (شكيري عبد العزيز، زرقان محمد الصالح، السعودي... وآخرون)    هؤلاء يعودون النواة الأولى لهذه المصلحة في الناحية الشرقية، وقد وصل هؤلاء المجاهدون رفقة جهازي المحطة إلى مقر القاعدة الشرقية قادمين إليها من مصر.

وأقيمت محطة "قارة" على الحدود الشرقية للتنسيق والاتصال الدائم بالقاعدة الغربية، الأمر الذي سيعطي للاستراتيجية العسكرية الشامل بعد آخر مكنها من تحقيق العديد من الأهداف.

وفي الوقت الذي بدأت مصلحة المواصلات السلكية واللاسلكية تنتشر في القاعدة الشرقية كانت القاعدة الغربية قد أصبحت لها شبكة واسعة تغطي كل الولايات التاريخية التابعة لها وهذا بفضل الدفعات التي تخرجت من مدرسة التدريب والعدد الهائل من الأجهزة السلكية واللاسلكية بالإضافة إلى الإذاعة وخاصة بعد وصول جهاز الإرسال والاستقبال (ANGRC-9) الأكثر تطورا في ذلك الوقت سواء بالنسبة للأجهزة التي كانت بحوزة قوات المستعمر، إذ كان هذا الجهاز مستعملا بشكل واسع لدى قوات الحلف الأطلسي، ويعتبر جهازا عمليا لأنه صمم خصيصا لقوات المشاة، ويشتغل بالحركة لتوليد الكهرباء، ويمكن نقله بسهولة بواسطة ثلاثة أفراد، الأول يحمل الجهاز على الظهر والثاني يحمل المولد، والثالث الهوائيات وله مدى عملي هام يصل حتى 2000كم بطاقة تقدر بـ: 15 واط، وهو يعمل بالصوت والرموز المورس، وقد تمكنت قيادة الثورة الحصول على 50 جهاز من أوروبا، وبفضل هذا الجهاز تمكن المجاهدون بمصر من الاتصال بالقاعدة الغربية في الجزائر. وهذه خطوة حاسمة في تاريخ مصلحة المواصلات السلكية واللاسلكية أثناء ثورة التحرير ونظرا لأهمية هذا الجهاز العظيم الذي قدمه لثورة التحرير فقد أطلق عليه المجاهدون اسم "المجاهد الأكبر".

مع مطلع عام 1958 أصبحت الولايات الست مجهزة على الأقل بجهازين وفنيين عاملين على هذه الأجهزة لأن تكون الإطارات لم يتوقف في القاعدة الغربية وفي هذا التاريخ كانت أربع دفعات قد تخرجت من القاعدة الغربية ودفعة  أولى تخرجت من القاعدة الشرقية التي أنشأت هي الأخرى مركز تدريب لإطارات المواصلات السلكية واللاسلكية في تلك السنة وهذا مخطط للمصلحة على مستوى القاعدة الغربية عام 1957، 1958، 1959 ونفس المخطط يوجد بالقاعدة الشرقية.