Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب المعارك السرية بين مخابرات الثورة الجزائرية ومخابرات الاستعمار/الحرب النفسية خلال الثورةالتحريرية/صال

الحرب النفسية خلال  الثورة التحريرية

 

الحرب الثورية،هي صراع عادل لشعب من الشعوب ضد قوة أجنبية متسلطة، يستخدم فيها كل ما يملكه من القوة العسكرية والنفسية والسياسية معتمدا على بنيته الاقتصادية وظروفه السسيولوجية وتركيبته النفسية، وتتميز هذه الحرب بـ:

1-اعتماد الشعب على دافع معنوي قوي يسمح له بخوض الحرب مهما كانت التضحيات لامتلاكه الحجة السياسية القوية وهي التحرر من نير الاستعمار والانبعاث من جديد.

2-لا يرتكز هذا النوع من الحرب على القوة المادية بقدر ما يعتمد على الإحساس الجماعي بالظلم والغبن بفعل مظاهر الضغط والقهر التي عادة ما تكون الوجه الآخر لاستعمار وبالتالي فإن التوعية السياسية تكون أمرا ميسورا لاستقطاب الجماهير الشعبية حول هذه الحرب.

3-يرتكز استمرار الحرب الثورية على تطوير أنواع الدعم المعنوي الذاتي ويمتد إلى معسكر الخصم لإضعافه وتقسيمه إلى أراء ومواقف يسمو في النهاية إلى المعسكر العالمي لاكتساب الأصدقاء والدعم المادي لحياة الثورة.

4- استخدام استراتيجية الحرب الطويلة الأمد والحرب السرية ثم العنف الثوري مع الارتقاء بالصراع من مستوى إلى أخر أعلى، حتى يتم انهيار وتصدع العدو داخليا وخارجيا.

تعتبر الثورة الجزائرية نموذجا رائعا للحروب الثورية لما أعطته من نتائج سياسية عسكرية قلما نجد لها مثيلا في الحروب الثورية الأخرى.

في البداية كانت لا تزيد على مجموعة من الرجال لا يملكون من الوسائل آلا الإيمان بعدالة قضية بلادهم،وقد دفعتهم إلى انتهاج المسلك الثوري عوامل عدة من بينها فشل الحركة الوطنية في التقدم ولو خطوة واحدة إلى الهدف،وهو ما خلق إحساسا لدى المواطنين بعدم جدوى المقاومة بالطرق السلمية،وجعلهم يحرمون بأن ما اخد بالقوة لا يسترجع إلا بالقوة خاصة وان المحيط الدولي يومها لا يدع مجالا للشك في حتمية العمل الثوري لبلوغ  هدف الاستقبال، وكمثال على ذلك الحرب الفيتنامينية التي أسفرت على هزيمة فرنسا في معركة (ديان بيان فو) وأيضا نجاح العصيان التونسي في الحصول على الاستقبال الداخلي للبلاد.

ومن هنا فإن النخبة وضعت نصب أعينها أيقاظ وعي الجماهير من غفوتها  بتظاهر عنيفة تثبت إرادة الاستقلال والتحرر لدى الشعب الجزائري، وتجلت بصفة خاصة في الأعمال القتالية التي شنتها الثورة في ليلة أول نوفمبر، إيذانا ببداية عهد جديد من التحدي،تميز ب:

1-                           تجنب المجابهة الدامية المباشرة للتغلب على عامل التفوق المادي .

2-                           اعتمادا أسلوب الكمائن والغارات المفاجئة .

3-                           التخطيط والتفنيد لفك الحصار على الثوار والثورة بعاصمتها الأوراس لتجنب خنقها في المهد.

4-                           التوسيع التدريجي لرقعة الصراع حتى تشمل كامل التراب الجزائري.

5-                           استغلال مزايا  الطبيعة للمناطق الجبلية في العمل العسكري ، واستغلال مزايا العمران للمدن الكبرى في النشاط الثوري.

6-                           تكوين النظام المدني للثورة وإنشاء المنظمات الجماهيرية وتمثيل الجبهة في كل المداشر والأحياء والسجون والمعتقلات والمؤسسات التي يوجد بها العمال الجزائريون.

السعي إلى تمثيل الجزائر على المستوى الدولي سياسيا ورياضيا وثقافيا، لما لذلك من أهمية في تجديد دم الثورة  واكتساب مواقع أخرى جديدة.

وهذا المشروع الطموح الذي انطلقت به الثورة التحريرية غذته عوامل عديدة من بينها :

1- التكوين العسكري لبعض الجزائريين الذين شاركوا أو أشركوا في حروب خاضتها فرنسا ضد قوي خارجية.

2- طبيعة الأرض الجزائرية المتباينة التضاريس، ثم التخطيط العمراني للمدن كحي القصبة الذي أعطى لمقاومة طابعا متميزا للعنف الثوري.

3- بنية المجتمع الجزائري الاجتماعية والنفسية التي جعلت مبدأ التكافل الاجتماعي يتحقق في أسمي معانيه.

4- رياح التحرر التي اجتاحت العالم بعد الحرب العالمية الثانية.

5- السرية التامة في الإعداد و المفاجئات في التنفيذ مما أعطى العدو بعدا غامضا عن الإمكانيات المتوفرة أضفي على الجماهير شعورا بالثقة في الثورة الجامحة.

6-التنظيم  المحكم والقيادة الجماعية لتجنيب الثورة احتمالات الانحراف التي قد تنجز عن عثرة الزعيم أو نزوته، وهذا الطابع حصن الثورة وزاد من موقعها النفسي  وتأثيرها الإيجابي على العمل الميداني بالجبال والمدن.

7-                           جعل آفتاك السلاح شرطا أساسيا لكل من يرغب في الانضمام إلى الثورة.

وإلى جانب كل هذه العوامل، كان لبيان الفاتح من نوفمبر الذي جاء على شكل دعوة صريحة للشعب إلى الكفاح المسلح، الأثر الإيجابي في نفوس المواطنين خاصة وأنه ترفع عن الانتماء السياسي،ولم يعلن إذعانه لأية شخصية بعينها، مما جعل الباب مفتوحا على مصراعيه لانصهار كل الألوان والاتجاهات الوطنية في العمل المسلح المباشر وهو ما ساعد على نسيان ونبذ النزعات القديمة وتكريس الوحدة الوطنية لخوض المعركة الكبرى.

إن القفزات النوعية التي عرفتها الثورة أذهلت العدو وجعلته  يبذل جهودا، مضنية لتكييف وسائطه وطرف الرد على العمل الثوري لإجهاض وإيهام المعكرين والجزائريين بعدم وجود شيء يسمي الثورة، وقد ركزت فرنسا في البداية على تصفية القضية بالوسائل العسكرية بمنح العسكريين كل السلطات وتقسيم البلاد إلى مربعات ومحتشدات لخنق النشاط الثوري غير أنها أدركت وبسرعة فائقة بأنها لن تستطيع ذلك ما لم تجابه الثورة بنفس أسلوبها مع استمرار الحرب العدوانية وسياسية الأرض المحروقة، وهو ما جعل المواجهة النفسية للثورة تشكل محور اهتمام كل القادة الفرنسيين، حيث تم اللجوء إلى استعمار احدث فنونها على نطاق واسع عندما أيقنوا بأنه لا شيء يستطيع تغيير تصميم الشعب الجزائري على الكفاح مهما جند لذلك من جند وعتاد.

هذه النتيجة التي وصلت إليها فرنسا في تعاملها مع احدث الثورة جعلتها تستعمل كل الوسائل لضرب الثورة، مما عرض الشعب الجزائري لألوان من الاضطهاد كان قد استخلصها العدو من تجاربه في الهند الصينية ومن أساليب النازية، ويمكن تخصيص الجليات هذه الحروب فيما يلي:

1-   استعمال سياسة الترغيب ودعم فكرة الانتماء إلى فرنسا، ثم التحذير في الوقت نفسه من مغبة مقاومتها والخروج عن طاعتها لأنها القوة الوحيدة القادرة على تسيير البلاد وتنظيم الشعب.

2-   التذكير بعظمة الدولة الفرنسية وقوة جيشها بحيث يعدو التفكير في محاربتها والتغلب عليها من قبيل المستحيلات.

3-   تذكير الشعب الجزائري بالماضي القريب الذي عرف فشلا ذريعا لكل المقاومات المسلحة بسبب قوة فرنسا وعدم  إمكانية الشعب الجزائري من تنظيم نفسه بشكل يجعل منه أمة تقود المعركة إلى النصر.

4-   التذكير بالتجارب الأليمة القريبة كمذبحة 8 ماي1945 وإمكانية تكرارها إن مست مصالح فرنسا الإستراتيجية .

5-   استعمال وسائل الإعلام للنيل من الثورة و سمعة الثوار بل ووصل الأمر إلى تزوير وسائل إعلام كانت ملكا للثورة كإخراج اعد مزيفة من جريدة المجاهد وإنشاء إذاعات تخاطب المواطنين بواسطة مأجورين هدفهم إثبات عزائم الجزائريين وتشكيكهم في قدرة العمل المسلح على بلوغ هدف الاستقلال.

6-   تطبيق مبدأ العقاب الجماعي كلما ظنت أن ذلك سيغزل الثوار عن الشعب.

7-    تحريك النعرات العرقية والسياسة القديمة وتكوين طوابير عديدة تطبيقا المقولة فرق تسد هي مجدية في هذه الظروف بالذات .

8-   استعمال العملاء و حثهم على القيام  بنفس الأعمال لإحداث الشروخ بين أبناء الشعب الواحد.

9-   إنشاء مكاتب تقوم بشؤون الأهالي محاولة منها لربط الشعب الجزائري وشده إليها .

       لقد تواصلت الحرب على هذا المنوال ضد كل ما هو جزائري وازدادت  ضراوة وشراسة كلما اقتربت الثورة من الهدف في عهد العجوز (ديغول) الذي خطط للقضائي على الثورة  على جبهاتها الثلاث:

1-الجبهة العسكرية بتطبيق  سياسة الأرض المحروقة وإقامة المحتشدات والخطوط المكهربة وعمليات المسح والتمشيط الضخمة للقضاء على جند جيش التحرير.

2-الجبهة الاقتصادية بتحسين الظروف  الاجتماعية للمواطنين   كما يتجسد في مشروع  قسنطينة .

3-الجبهة السياسية بالسعي إلى إيجاد أو تكوين طرف أخر يطلع بمهمة التحاور مع إدارة الاستعمار  بدلا من جبهة التحرير الوطني .

غير أن الثورة بفضل تماسك بنيانها، عرفت كيف تخرق مخططات الاستعمار على الأصعدة الثلاث السالفة، وتدحضها بقوة الحجة وحسن تدبير القيادة وتجنيد الأمة حول مشروع الاستقلال الوطني.

إن حاجة الثورة لسند المعنوي و القوة النفسية التي تعينها و تعوضها ضعفها وانحصار ماديتها، شكلت مجموعة مبادئ عزرتها وأعطتها الدفع القوي لتمضي قدما في طريق صناعة التاريخ وأهم هذه المبادئ هي :

1-توحيد المجهود الوطني حول هدف الاستقلال مع غلق كل الأبواب على الخلافات السياسية والنعرات القبلية المعهودة.

2-وضع شروط وقيود للانضمام إلى صفوف الثورة، وذلك على الرغم من أنها في حاجة إلى جميع أبنائها إذ أن الظروف الصعبة أدت إلى ابتكار أساليب واختبارات صارمة للانضواء تحت لوائها، وقد فرضت على الراغب في الالتحاق بها  أن يقدم براهين عملية البراهين عملية التأكد من سلامة نواياه.


3-توسيع مفهوم الانضمام على الثورة :  الانضمام  لا يعني بمنطق الثورة الصعود للجبل وحمل السلاح فقط، ولكنه يتمثل أيضا في مساعدة الثورة والارتباط بها وتنفيذ تعليماتها في المدن والقرى والمهجر والسجون والمعتقلات .

4-العمل العسكري المعبر: للعمل العسكري قيمة تزداد كلما كانت فاعليته غير محدودة في الزمان والمكان لما له من صدى نفسي عميق عند القوات الصديقة والمعادية، وأبرز عمل عرفته الثورة إلى جانب معركة الجرف التاريخية التي برهن فيها الجزائريون عن قدرتهم وعلى مواجهة ظروف المعركة الحديثة، نجد هجوم 20 أوت 1955 الذي رسم  هدفا يتمثل في دحض مقاولة انحصار الثورة في منطقة الأوراس وحدها.

فكانت لهذه العملية التي أبرزت حقيقة إزماع الشعب الجزائري على انتهاج طريق العمل المسلح كأسلوب لا رجعة فيه من أجل استرجاع السيادة. ورغم أن نتائج العملية كانت رهيبة بالنظر إلى الرد الفرنسي، إلا أنها حققت أغراضها كاملة، حيث أظهرت للإرادة الاستعمارية أن الثورة قادرة ومستعدة للتضحية، فأحست في النهاية بأن رياح الثورة عاتية، وان الأمر لم يعد مجرد مجموعة من الخارجين عن القانون كما يحلو لوسائل إعلامها تسمية الثوار.

5-العنف الثوري:  ويتمثل في القيام بعمليات تقتيل وتحطيم لمنشآت المعمرين كلما كان ذلك ضروريا لرفع معنويات الشعب وبعث الذعر في نفوس المعمرين.

6-المقاطعة الاقتصادية:  من الأساليب التي ابتكرتها الثورة في تحديدها لظاهرة الاستعمار الامتناع عن اقتناع أو التعامل مع كل ما هو فرنسي، وقد أدى التجاوب معه إلى دعم الجانب النفسي، الاجتماعي للشعب الجزائري وأضحى هناك تمييز بين ما هو وطني، وما هو غير وطني، وكان كل من لا يطبق تعاليم الجبهة مرشحا لأن يوصف بالخيانة ويصبح محل الرقابة الشعبية، وقد أدى فرض قاعدة سلوكية كهذه غلى خلق ظواهر انضباط جديدة للمجتمع الجزائري الجديد، أعطت للعمل الثوري مضمونا إنسانيا رفيعا وجديرا للافتخار.

7-التنظيم الاجتماعي للشعب :  أمام حزم الثورة وتصميمها على ضرب كل من يتعامل مع المستعمر كان ضروريا خلق و إيجاد نظام للثورة يعوض إدارة فرنسا ويشكل سندا قويا للشعب،ويؤدي إلى عزل فرنسا و جماهيريا. وقد عملت الثورة على مددها إلى كل القرى والمدن والسجون والمصانع وحتى إلى المهجر، فأنشأت محاكم لزواج وبلديات ثورية ونوادي وممثلات في الخارج، كما لم تتخل عن ذوي الحقوق من أرامل وأبناء الشهداء ومعطوبين الحر..، وكان لكل ذلك أثره الإيجابي على المواطنين الذين لم تتزعزع ثقتهم قط بقيادة الثورة وإنما ظلت راسخة في النفوس رغم ردود فعل الطرف الأخر.

اعتمد التنظيم الاجتماعي  على نظام الخلايا قصد قطع الصلة مع ضباط الشؤون الأهلية ،كما كان لتكوين مختلف الاتحادات ضمانا أعطى قفزة  نوعية في الحرب النفسية الشاملة مما جعل المستعمر يدرك أن هذه الثورة قادرة على تنظيم صفوفها وتجنيد كل طاقاتها في هذه المعركة المصيرية.

8-صناعة الإعلام الثوري: استخدمت الثورة كل الوسائط الممكنة من أثير وصورة وملصقة مع ومناشير وجرائد للقيام بالدعاية  لصالح الثورة، ولعل أهم وسيلة لها في هذا الشأن هي ضباط المحافظين  السياسيين الذين كانوا في اتصال حميم بين القوات المسلحة والشعب.

كما لجأت الثورة إلى الإذاعات المتنقلة أو الموجودة داخل الدول الشقيقة لتمرير رسبتها إلى الأوساط الشعبية التي هي في حقيقة  الأمر جزء من التنظيم الثوري بكل ما تحمله الكلمة من معاني التفاعل المثمر والارتباط العضوي والعطاء اللامحدود.

ومن هنا فإن قادة الاستعمار واستراتيجي فكرة الاستيطان  في الجزائر وجدوا نفسهم في مأزق حقيقي لا يملكون معه سوى لعهد ظل وكأنه إحدى مسلمات الجغرافيا لفترة تجاوزت القرن من الزمان.

ghilas.boudraa 26/02/2016 21:36

شكرا على هذه المعلومات ...