Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب المعارك السرية بين مخابرات الثورة الجزائرية ومخابرات الاستعمار/صالح مختاري /إنشاء سلاح الإشارة

إنشاء سلاح الإشارة

(مخابرات الإشارة أثناء حرب التحرير الجزائرية)

 

من بين الأعمال الجليلة التي أنجزها المجاهدون وسطرها التاريخ بأحرف لا يمحوها الدهر، الانتصارات العسكرية في ميدان القتال والعمليات الفدائية واستبسال المسبلين والمحافظين  السياسيين والممرضين والممرضات وغيرهم من أبطال جبهة التحرير وجيش التحرير الوطني. غير  أن هناك عملا جليلا في الثورة المسلحة كثيرا ما كان يشق طريقه في الخفاء ولا يظهر رأي العين مثلما تظهر العمليات الأخرى ذات الطابع العسكري الكلاسيكي، ألا وهو سلاح الإشارة الذي جندت له القوات الاستعمارية أكفأ ما عندها من ضباط محنكين ومصالح سرية وجواسيس وما تملكه من أموال إمكانيات مادية ضخمة بغية إخماد هذا السلاح الجديد  الذي أنجزه جيش التحرير الوطني، قادة من وراء ذلك منع كل محاولة عملية ترمي إلى توحيد القيادة وتنسيق العمليات العسكرية، وقد استشهد في ميدان الشرف أكثر من ثمانين جنديا من رجال سلاح الإشارة عذب الكثير منهم في مراكز التنكيل والسجون. ولكن الصحافة الفرنسية لم تتحدث عنهم ولم تشر على الإطلاق إلى أبطال الإشارة، وهذا حتى لا يخطر على بال الرأي العام أن جيش التحرير الوطني يملك أحدث الوسائل العسكرية معتمدا في ذلك على تضحيات رجاله وذكائهم وعبقريتهم، وحتى تستمر الدعايات الاستعمارية المغرضة والكاذبة والقائلة بأن عناصر الثورة المسلحة هو قل من "فلاقة" وقطاعي الطرق "والخارجين عن القانون" غير أن قوات العدو أعدت كل الإمكانيات الجهنمية للوقوف أمام إنجاز وزحف ما يسمى بالهيكل العصبي لجيش التحرير، فقال في هذا الصدد الجنرال كريبان وهو يعطي التعليمات لجنوده : "إذا كان لكم الاختيار بين تدمير فيلق أو مركز للمواصلات فدمروا قبل كل شيء مركز المواصلات".

كيف أنشئ سلاح الإشارة ؟

أنجز هذا السلاح تلبية للأوضاع السياسية  والعسكرية التي عرفتها البلاد بعد سنة ونصف تقريبا من اندلاع الكفاح المسلح وتغلغل القوات الاستعمارية ومحاولات الحصار للأطباق على الوحدات العسكرية لجيش التحرير وتشتيتها حتى يسهل للعدو توجيه الضربات القاتلة لكل واحد منها على حدة، فالاستراتيجية المدبرة من قيادة الأركان الفرنسية كانت تهدف إلى تحقيق غاية واحدة: هي تمزيق شمل القوات العسكرية الجزائرية ومنع توحيدها وتنسيق عملياتها لتصبح في النهاية مبعثرة  متجزئة متفرقة  لا حول ولا قوة لها ولا رابطة بينها لأن مجابهات الحروب الشعبية تعتمد أساسا على منظومة تضمن اتصالاتها وربط قياداتها حتى تستمر في أهدافها السياسية والعسكرية. لذلك فالثورة كانت تعتني دوما بشبكة اتصالاتها. وقبل هذا وفي سنة 1951 انتبه مسؤولوا المنظمة السرية لحزب الشعب الجزائري إلى التفكير في إقامة شبكة للمواصلات  تربط بين عناصرها وفرقها وتم تعيين المسؤول المشرف على المشروع المرحوم المرحوم ماروك. ثم تواصلت المهمة تحت إشراف الشهيد العربي بن مهيدي والمرحوم بوصوف، وهما كما نعرف من قادة المنظمة السرية، في سنة 1956 أصبح اللجوء إلى الاتصال على الأقدام الذي اعتمد عليه آنذاك غير كاف نظرا لشمولية الثورة واتساع رقعتها ودقة تنظيمها. وعلى سبيل المثال كيف يحتمل أن تنتظر قيادة ما او وحدة ما أو هيئة وطنية أو جهوية يومين أو حتى 24 ساعة لكي تنسق أعمالها مع الآخرين والوضع في الميدان يتسابق مع الزمن. فساعة بل دقيقة لها تأثيرها البالغ في نتيجة المعارك ومصير الرجال والنظام. وإذا شاء القدر أن يكون  بن مهيدي وبوصوف هما اللذان فكرا في إقامة شبكة للمواصلات بالحدود الغربية فإن جهات عديدة في مختلف الولايات قد جهزت هي الأخرى وسائلها لبلوغ نفس الغرض ومما يدل على حرص الرواد الأوائل للثورة على تقوية صفوف جيش التحرير أن بن مهيدي نفسه كان يجعل سماعات جهاز الراديو على أذنيه ليلتقط بعض ما يرسل للعدو من برقيات وذلك سنة 1955. أضف إلى هذا الضرورة الأكيدة التي أشرنا إليها، وهي الحصول على شبكة تربط بين وحدات جيش التحرير  أمر آخر كان محل اهتمامات القيادة ألا وهو إقامة منطقة محررة بالغرب الجزائري لتكون بداية لتحرير كل جزء من اجزاء البلاد. وجعلها قاعدة تتمتع بالسيادة الوطنية وتكون بداية لنهايته. فما هي الوسائل العسكرية المنتظرة لإنجاز ذلك؟ الجواب يكمن في الأسلحة الضخمة التي كانت القيادة الغربية تنتظرها مع وصول الباخرة (لاطوس) ومن بين الأجهزة الموجهة إلى جيش التحرير عن طريق البحر عدد من الأجهزة (اللاسلكية). والواقع أن الاستراتيجية العسكرية المدبر من طرف القيادة لم تقتصر على تزويد الوحدات العسكرية بالأسلحة الكلاسيكية، بل بالأجهزة اللاسلكية أيضا، وهذا حتى تتواصل خطة التحرير حازة ومنسقة. ومع الأسف فإن الباخرة المنتظرة قد حجزت من طرف العدو في نوفمبر 1956. ولكن الأعداد البشري والتصور لإقامة منظومة للمواصلات اللاسلكية توحد بين أطراف القيادة والوحدات ظل قائما، ولم يفتر جهاد الثورة على الإطلاق بل استمرت تتحدى العدو وما لديه من قوات جهنمية.

إقامة أول شبكة للمواصلات الوطنية

 بعد الضربة القاضية المتمثلة في حجز باخرة (لاطوس) والتي حالت دون إنشاء منطقة محررة استمرت المجهودات دون كلل لإنشاء سلاح الاستشارة، وتتمثل الاستمرارية الصلبة للثورة في الكلمة الشهيرة التي ألقاها سي بوصوف على مسامع بعض المسؤولين الذين تغلب عليهم اليأس بعد قضية (لاطوس). قال لهم بوصوف : "أراكم تبكون مثلما تبكي النائحات في الجنازة، وأني أعطيكم ساعة أو أكثر لتجف دموعكم بعدها أتمنى أنكم ستسترجعون صوابكم وإذ ظننتم أن الثورة تتوقف عند كل حادث عابر فإنكم لن تفهموها أبد". إذا فكرة إنشاء سلاح الإشارة أصبحت واضحة من الناحية النظرية على الأقل، ولكن شتان بين الفكرة وما كنا نكسب من وسائل متواضعة جدا، سواء من الناحية البشرية أو من الناحية المادية، أما من الناحية البشرية فكان عدد المجاهدين قليلا يمثل الهيكلة الأولى المكلفة بإنجاز سلاح الإشارة وهي لا تتجاوز ثلاثة أو أربعة من الرجال ليسوا مهيئين على الإطلاق من حيث الكفاءة الفنية إلى إنجاز هذا السلاح، فانطلقنوا إذن من الصفر ولكن إرادتنا في رفع التحدي ودك العدو كانت أقوى من كل شيء، الاعتماد على الله وعلى النفس جعلنا نحقق ما نرمي إليه. ومادامت الشبكات اللاسلكية تحتاج إلى إطارات تتمتع بمستوى فني عال فتحت القيادة أول مدرسة سرية لتكوين المخابرات الجزائريين. حدث ذلك يوم 6 أوت 1956 بالحدود المغربية مدرسة كانت تشمل على عدد يقارب الثلاثين من مناضلي جبهة التحرير يتمتعون بمستوى ثقافي يتلاءم مع القدرة الفنية المطلوبة وتم التربص بعد شهر فقط من التكوين ! وإذا علمنا أن أدنى تكوين في نفس المجال لا تقل فترته عن سنة على الأقل تقدير إلا أن مدرسة جيش التحرير قد ضربت الرقم القياسي في مجال التكوين، وتوزعت الإطارات المتخرجة من المدرسة العسكرية على المناطق مجهزتين بوسائلهم المختلفة المغنومة في لأغلبها من الجيش الفرنسي أو المقتناة عن طريق مصالح الثورة الخاصة في الخارج.

وعند مطلع سنة 1957 أصبح جيش التحرير يتوفر على العشرات من المحطات اللاسلكية التي ترسل برقيات من مختلف المناطق إلى القيادة المركزية وتستقبل الوحدات العسكرية أوامرها بنفس السرعة والدقة التي تتمتع بها وحدات العدو. وبالإضافة إلى الربط اللاسلكي حقق جيش التحرير نتيجة أخرى لا تقل أهمية عن إنجاز الشبكة اللاسلكية ألا وهي افتتاح إذاعة الجزائر الحرة في شهر ديسمبر 1956.

واستمر العمل الثوري في مجال سلاح الإشارة حتى تعزز جيش التحرير بالأجهزة الحديثة ووقف في وجه العدو على جبهة أخرى أرهقت أعصابه وكلفته ثمنا غاليا، ألا وهي "جبهة الأمواج" جبهة سقط في ساحتها الكثير من الشهداء المخابرين كانت أعمارهم لا تتجاوز 25 سنة، اختلطت دماؤهم الزكية بدماء الأبطال الآخرين من جنود وفدائيين ومسبلين، دماء خرجت الجزائر بفضلها من الظلمات إلى النور يوم 5 جويلية 1962.