Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب جواسيس في مهام سرية /رأي أحد أشهر كتاب

رأي أحد أشهر كتاب

 قصص الجوسسة

 

 

يبرز دافيد كورنويل المعروف باسمه الأدبي جون لو كاريه وهو من أشهر كتاب هذا الأدب وهو الذي قدم لونا جديدا في قصص الجاسوسية لا يعتمد على الحبكة المشوقة والسياق المثير فحسب ولكنه يتعدى ذلك إلى العمق الإنساني في الصراع بين ممثلي الكتلتين المتصارعتين وهو ما يعطي لرواياته مكانا خاصا في الأدب العالمي.

        جون لوكاريه ينظر، من جديد، إلى شخصياته التي قدمها في أشهر رواياته، من "الجاسوس القادم من الصقيع" إلى "قارعة الطبل الصغيرة"، التي عرض فيها الصراع العربي الصهيوني، إلى "سمايلي" وهو الذي يمثل في رواياته رئيس المخابرات الغربية. ومن المعروف أن لوكاريه رسم وهندس شخصية سمايلي على مثال جورج أولدفيلد، الذي كان بالفعل رئيسا للمخابرات البريطانية في أحلك ساعات الحرب الباردة (والذي قيل عنه أخيرا أنه كان مولعا بالغلمان الصغار وإن استطاع إخفاء هذا الجانب من حياته حتى وفاته). وكان أولدفيلد من أصدقاء لوكاريه.

        ويراجع لوكاريه شخصيات الحرب الباردة ليقول أنه ليس هناك أبيض وأسود أو شرا وخيرا، فهما متداخلان دائما في الصراع الإنساني، ويلاحظ أن غول البيروقراطية الذي يخلقه الصراع يخلق في الوقت نفسه نمطا جديدا من الشخصيات هو نتاج البيروقراطية. حتى أن "قبيلة" المخابرات والجواسيس من كل طرف تجد أن ما يربطها معا في كونها تنتمي إلى جهاز، متشابه ولو اختلفت مكاتبه وإعلامه، أكثر مما يفرقها. فـ"آلية" المؤسسة توجد "نمطا" معينا دائما".

        هل هو اعتذار يقدمه لوكاريه أم أنها نتيجة استخلصها في عمله الطويل؟ فهو في النهاية يدعو إلى أن تكون حرية الخيار الإنساني هي الأساس والتي عليها  تتجاوز أن تكون "نتاجا" تصنعه المؤسسة أو مسلمات تفرزها الأنظمة. وهو يدين بكلمات واضحة المفاهيم والقيم التي تصطنعها وتستخدمها المؤسسات الغربية تبريرا لتدخلها الدائم في العالم الثالث.

        في إحدى المفكرات التي دونت عليها أول قصة عن جورج سمايلي، قبل 26 سنة ونصف، رسمت تلاوين شخصيته ما تراءت في البداية : ذلك الحاج المنهك والبدين والمضطرب الذي يكدح وهو يتسلق تلة صخرية، حاملا على كاهله حصانه المتعب.

        سمايلي نفسه كان سيدفع، بنبل، ومن نفسه هنا ثمن الأعمال المخيفة التي يجب القيام بها حتى يتمكن المواطنون العاديون والمهذبون وغير المدركين لما يجري، من أن يناموا بسلام. فهو قد يضحي بمعنوياته الخاصة على مذبح الضرورات القومية:  وهي أوصاف وضعتها الكاتب في العشرين سنة الأخيرة، مرارا وتكرارا، في أفواه الشخصيات الرئيسية لروايات سمايلي: في "الجاسوس الذي أتى من الصقيع"، حيث استخدمها كا من رئيس قسم المخابرات السرية وعميله سيء الطالع، وفي "الطالب الشريف" حيث يفرض الخصم على سمايلي بوحشية مسؤولية تحديد الوسائل التي تبرر الغاية وصولا إلى "ناس سمايلي"، وهي آخر سلسلة روايات سمايلي، التي ينصب فيها النقاش على سمايلي نفسه.

        كان سمايلي قد أنجز أعظم إنجازاته طيلة حياته في خدمة المخابرات الغربية وهو نجاحه في إقناع خصمه السوفياتي بخيانة بلاده واللجوء إلى الغرب. أنه يقف أمام حائط برلين (الذي لا يزال القلب المضطرب لمحبوبته ألمانيا). إلى جانبه يقف زميله الشاب بيتر غويلام الذي دخل الآن المرحلة الوسيطة من عمره. أنها لحظة الانتصار المشتركة لهما. لكن الرواية لا تعكس ذلك تماما:

        كان سمايلي، بحكم العادة القديمة، قد انتزع نظاريته وأخذ يعلمها بأسفل ربطة عنقه برغم أنه اضطر للبحث عن هذه الأخيرة في تضاعيف معطفه الكثيف.

        وقال غويلام وهما يسيران نحو السيارة: "جورج، لقد ربحت".

        ويرد سمايلي: "هل حقا ربحت ؟ نعم، نعم، أعتقد أني ربحت".

        منذ ذلك الحين لم يعد أحد يسمع شيئا عن سمايلي. وإذا كان قد ترك المسرح إلى الأبد، فإنه قد خلف وراءه، أضخم سؤال في حياته دون جواب.

        ومع ذلك، وسواء بقي سمايلي في الظل أو عاد ثانية، فإن النقاش و الحوار كلمة ضعيفة للغاية. فهل ما فعله في حياته كان حقا شيئا بطوليا ؟ هل كانت التضحية بالضمير الأخلاقي أمرا نبيلا ؟ أليس هو أشبه قليلا بالفتاة العذراء في قصة أريك ليتنكلاتر القصيرة التي تبيع نفسها بشجاعة في سوق البغاء لإنقاذ عائلتها من غائلة الجوع، في حين أن عملا بسيطا كان سيقوم بهذه المهمة ؟

        هل ثمة فرق كبير، في الواقع، بين الرجل الذي يتخلى طوعا عن ضميره الأخلاقي وبين الرجل الذي لم يكن حائزا على ضمير أساسا؟ هل لسمايلي، ولأي شخص، الحق في إلغاء ضميره كفرد لصالح مفهوم جماعي غامض ؟ هل هذه هي كل "الثقافة الغربية" لدى مايلي ؟ ربما يجب أن نسأل وكالة المخابرات المركزية.

        على أي حال، ليس المنشقون هم الذين ألحقوا الجحيم لعالمنا غير المتصالح، ولا كذلك الخوارج والخونة وغيرهم ولا حتى ذلك الوحش الأخير في معجم واشنطن: استطاع أن يهدد حضارتنا حتى الآن.

        أنهم أولئك المخلصون الذين يسيرون كالعميان على موسيقى المفاهيم التي صنعتها المؤسسات: أن سجل هؤلاء ليس مشرفا سواء كانوا  يسيرون على أنغام النشيد الإمبراطوري البريطاني، أو لألمانيا أو للحماس العقائدي مهما يكن أو للديمقراطية من أي نوع قلا يوجد أن يستطيع تقديم ضمانات لعدم الانحراف من المبدأ لمبدأ آخر.

        وكما يقول مونتسكيو: "لم تحدث أبدا هذه الكمية من الحروب الأهلية (في أوربا) تحت اسم الدين".

        والتضحية في حد ذاتها وكحقيقة ليست ضمانة أيضا. أننا لا نستطيع أن نقيس شرف ونبل القضية ما بعدد الناس الذين يموتون من أجلها، كما يتعين على سمايلي أن يعرف جيدا.

الشيء الوحيد الذي نستطيع قوله باطمئنان، ربما، هو أن أعظم تهديد للجنس البشري يأتي من تخلي عن شك الإنسان الفرد لصالح ما تفرضه علينا الأنظمة، ومن تبنى الشعار، والقبول الأخرس للعدوات المعدة سلفا، على حساب القرارات الصعبة للفرد وللضمير الإنساني أن البطولة الحقيقية تكمن كما هو الأمر دائما، ليس في قبول الانخراط مع القطيع و لا حتى في العصبية و القبلية و الوطنية، بل في أعمال الشجاعة الخلقية التي يتخذها الإنسان. وهو ما كنا قد تعودنا الإعجاب به في سيرة الأنبياء والرسل.

اعذروا لي أن أتفلسف عليكم وأن أعظكم بهذه الطريقة المسرفة، لكن لدي شعور بأن سمايلي حين ترك المسرح، كان يسائل نفسه بجدية إذا كان بطلا في يوم ما أو أن كل ما يسمى بالتضحيات الأدبية والخلقية التي بذلها كانت مجرد نوعا من النفاق.

هل صرخ مرة واحدة طوال حياته بكلمة: قفوا ؟ ليس على حد علمي. هل رمى مرة خنجره والعباءة واقتحم غرفة رئيسه في السيرك ليقول له: "ما هي الحدود ؟".

لم يفعل ذلك، ولهذا دعوني أرسم لكم الآن هذا المشهد.

رئيسه –كائنا من كائنات  هذه الأيام- يجلس وراء مكتبه ويتمتع بأول فنجان قهوة في الصباح.

"آه، جورج، تبدو مرتكبا ومهتاجا. هل هربت آن ثانية ؟".

يقول سمايلي: "ما هي الحدود ؟".

هذا هو السطر الذي كان يتمرن سمايلي على إلقائه مرارا وتكرارا. ويضيف سمايلي: "أريد أن أعرف إلى متى سنواصل القيام بهذا العمل للدفاع عن المجتمع الغربي، من دون أن نتوقف عند نوع المجتمع الذي يستحق الدفاع عنه. هذا هو كل شيء".

"أي عمل ؟ جورج، لا تمكن فظا. خذ إجازة".

لكن سمايلي مصر على مواصلة حديثه: "التدخل في شؤون دول العالم الثالث. هذا هو العمل. تخويف شعوب هذه الدول وتدمير اقتصادياتها وتزوير انتخاباتها واغتيال قادتها وشراء سياسييها مثل ألفشار (بوب كورن) وتجاهل جوعها وجهلها وطرد فلاحيها من أراضيهم وتزويد الطغاة بالسلاح حتى الإنسان وتحويل أطفالها إلى إرهابيي الغد، رغما عنهم، والتلاعب بأجهزة الإعلام والكذب باستمرار".

لكن سمايلي يرفض التراجع.

"أنظر يا ريس. لقد فكرت بكل شيء جيدا وعرفت ما يجب فعله. لو كنا نبذل الجهد للتوقف كما نبذله للاستمرار في عملنا –لو فعل الأمريكيون ذلك- لو كان السلام مهما لنا مثل تلهفنا على وضع إنسان على القمر …"

"كنت تشرب الخمرة يا جورج، أستطيع أن أرى ذلك".

"لقد فقدنا الرؤية يا ريس، فقدنا شجاعتنا. ماذا حدث لتوم بين ؟ ماذا حل بتورو وادمون بيرك ؟". (من أهم المفكرين الغربيين الداعين لحرية الإنسان)

يسمح الرئيس لنفسه بضحكة نادرة. "يا عزيزي جورج .. لقد أمرنا بتقاعدهم جميعا وجعلنا لهم المرتبات الملائمة.. منذ سنين طويلة".