Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب جواسيس في مهام سرية / الرج الذي فجر طريق باريس طهران

 

 

الرجل الذي

 فجر طريق

باريس- طهران

 

 

اثنان، واحد إيراني و الآخر فرنسي، كانا يعملان على إنجاح عملية التقارب و"تطبيع" العلاقات بين باريس و طهران، وجدا نفسيهما قبل أيام وسط أكبر و أصعب أزمة تواجهها العلاقات الفرنسية- الإيرانية منذ بضع سنوات.

 

الإيراني هو وحيد حورجي الذي يشغل رسميا منصب المترجم في السفارة الإيرانية في باريس، و الذي تعتبره جهات فرنسية رسمية بأنه المسؤول الأول عن تحريك و توجيه شبكة عربية مؤيدة لطهران تضم أشخاصا متهمين بأنهم وراء عمليات التفجير التي هزت فرنسا العام الماضي و بأنهم يخططون لعمليات "إرهابية و تخريبية" جديدة. لذلك تطالب السلطات الفرنسية بالتحقيق مع جورجي و الاستماع إلى شهادته في هذه القضية.

 

و الفرنسي هو الدبلوماسي البارز "ديديه ديستريمو" الذي يتعاطى بشؤون الشرق الأوسط منذ نحو ربع قرن، و يتهمه الإيرانيون بأنه نصح جورجي، باسم وزارة الخارجية الفرنسية، بأن يختبئ في السفارة الإيرانية، و يتهرب من المثول أمام قاضي التحقيق، و لا يحدث تدهور في العلاقات بين باريس و طهران.

"وحيد جورجي" و "ديديه ديستريمو" يعرفان بعضهما البعض جيدا، و كانا يلتقيان باستمرار، و يعملان، كل من جهته، من أجل إنجاح عملية فتح صفحة جديدة و طبيعية في العلاقات بين بلديهما.

لكن فجأة، و خلال أيام قليلة، تحول جورجي و  ديستريمو إلى" بطلي" هذه المرحلة المتفجرة من العلاقات الفرنسية- الإيرانية التي اهتزت و تجمدت عملية تطبيع العلاقات لفترة طويلة  فحدثت قطيعة بين البلدين و أصبحت عمليات ثأرية  و انتقامية متبادلة بين البلدين.

 

و الواقع أن هذه ليست المفارقة الغريبة الوحيدة في العلاقات بين فرنسا و الجمهورية الإسلامية في إيران. فلكي ندرك تماما ماذا يحدث اليوم و لماذا وصلت العلاقات بين البلدين إلى هذه المرحلة الصعبة و المتفجرة، لابد من الإجابة على سؤال أساسي هو:

هل كان هناك أمل جدي في نجاح عملية "تطبيع" العلاقات بين باريس و طهران، أم أن العملية قامت من أساسها على مجموعة أوهام و معتقدات خاطئة ؟

 

في الأساس، وضعت كل من فرنسا و إيران شروطا صعبة "لتطبيع" العلاقات بينهما، أي لنقل هذه العلاقات من مرحلة التأزم و التوتر التي عرفتها منذ عام 1981بشكل خاص إثر التزام فرنسا القوي بدعم العراق ضد إيران، إلى مرحلة من الحوار و التفاهم و ربما التعاون. و منذ بدء عملية "التطبيع" هذه عام 1984 في عهد حكومة لوران فابيوس الاشتراكية، ظهر واضحا لعدد من الخبراء في شؤون الشرق الأوسط، أن من المستحيل حدوث تقارب حقيقي بين هذين البلدين ما لم يقدم أحدهما تنازلات أو يتراجع عن الشروط التي وضعها.

و قد حدد مسؤول فرنسي بارز معني مباشرة بشؤون الشرق الأوسط  أسس و الشروط التي وضعها الحكم الفرنسي منذ عام 1984 لعملية تطبيع العلاقات مع إيران و سار عليها حتى الآن، و هي الآتية :

 

-1لا يمكن لفرنسا أن تتجاهل دولة ذات أهمية سياسية و إستراتيجية كبرى كإيران، و من غير الطبيعي أن تكون العلاقات معها متوترة أو متأزمة أو مقطوعة، خصوصا أن فرنسا لها علاقات طبيعية أو جيدة مع إيران منذ 200 سنة. و لا تستطيع فرنسا أن تكون لها سياسة شرق أوسطية حقيقية إذا تجاهلت إيران و لم تعترف بواقع الجمهورية الإسلامية فيها و لم تسع  إلى إزالة أسباب التوتر معها. كما أن فرنسا لا تستطيع أن تترك دولا أخرى كألمانيا الغربية و بريطانيا و اليابان تنشط في الساحة الإيرانية و تقوم بمشاريع كبرى في هذا البلد.

 

-2مع إدراك فرنسا أهمية التقارب مع الجمهورية الإسلامية في إيران، فإنها لا تستطيع و لا تريد أن تتبنى أهداف هذه الجمهورية الرئيسية، أي إسقاط النظام العراقي و العمل على إحداث تغييرات في هذا البلد أو ذاك، كما لا تستطيع الرهان على انتصار إيران في الحرب لأن ذلك سيؤدي إلى حدوث اختلال كبير في منطقة الشرق الأوسط بأسرها و يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في عدد من الدول.

 

 

-3على هذا الأساس فإن فرنسا راغبة في التقارب مع إيران شرط ألا يكون ذلك على حساب صداقات فرنسا العربية، و ألا يؤدي هذا التقارب إلى تخلي فرنسا عن التزاماتها تجاه العراق أو إلى إحداث تغيير أساسي في سياسة فرنسا العربية.

 

-4انطلاقا من ذلك، فإن فرنسا لا تنوي التوقف عن تزويد العراق بالسلاح و قطع الغيار كما لا تنوي بيع السلاح لإيران، في سبيل إنجاح عملية التقارب و التطبيع مع طهران.

 

 

-5إن التقارب مع إيران، من وجهة نظر فرنسا، لا يهدف فقط إلى "تصحيح وضع شاذ" بل يهدف أيضا إلى زيادة قدرة فرنسا على وقف الحرب العراقية- الإيرانية على أساس لا غالب و لا مغلوب، و لذلك شاركت فرنسا، في إطار هذا التقارب، في الجهود التي بذلت في مجلس الأمن الدولي و خارجه لوقف هذه الحرب.

 

-6تأمل فرنسا أن يساعد التقارب مع إيران على الإفراج عن الرهائن الفرنسيين المحتجزين في لبنان. لكن فرنسا كانت تتبع سياسة التقارب نفسها حتى ولو لم يكن هناك رهائن فرنسيون محتجزون، إدراكا منها لضرورة هذه السياسة.

 

هذه هي الأسس التي وضعتها فرنسا لعملية "تطبيع" العلاقات مع إيران، و أبلغتها إلى الإيرانيين و أطراف عربية و دولية أخرى. في المقابل فإن إيران وضعت 3 شروط رئيسية لإنجاح تطبيع العلاقات هي :

 

-1إعادة قرض المليار (بليون) دولار الذي منحه شاه إيران (الراحل) عام 1974 لمفوضية الطاقة النووية الفرنسية في إطار مشروع "اورودبف" الهادف إلى تحقيق تعاون نووي بين فرنسا و إيران. و يعتبر المسؤولون الإيرانيون أن قيمة هذا القرض تبلغ الآن، مع تراكم فوائده نحو ملياري (بليوني) دولار.

 

-2طرد المعارضين للنظام الإيراني المقيمين في الأراضي الفرنسية و على رأسهم مسعود رجوي زعيم منظمة "مجاهدي خلق"

 

-3تغيير سياسة فرنسا تجاه العراق و حرب الخليج إما عن طريق وقف عقد أية صفقات أسلحة مع بغداد أو عن طريق تزويد طهران بالسلاح.

 

إضافة إلى هذه الشروط الرسمية الثلاثة، فهناك شرط إيراني رابع غير" رسمي" لكن مهم، و هو الإفراج عن أنيس النقاش و رفاقه الأربعة المعتقلين منذ فشلهم في محاولة اغتيال "شابور بختيار" (آخر رئيس وزراء لإيران في عهد الشاه) في باريس صيف 1980.

و برغم صعوبة التوفيق بين الشروط الفرنسية و الإيرانية، فإن عملية التقارب و "تطبيع" العلاقات بدأت عام 1984 و استمرت بعد مجيء جاك شيراك كرئيس للحكومة في مارس 1987 و حتى الآن، وفقا لهذه الأسس المتناقصة أحيانا.

لماذا ؟ لأنه كانت هناك أوهام و معتقدات خاطئة لدى الفرنسيين و الإيرانيين على السواء.

فقد اعتقد المسؤولون الفرنسيون المعنيون بهذا الملف، أو توهموا، أن إيران ستخفف أو تقلص من حدة شروطها الأساسية مع سير عملية الحوار و الاتصالات بين باريس و طهران، و أن هذه الشروط مبدئية و لن يتمسك بها طويلا المفاوض الإيراني. كما اعتقد هؤلاء المسؤولون أن فرنسا تستطيع أن تحذو حذو الاتحاد  السوفياتي الذي يؤمن 80 % من حاجات العراق العسكرية و يقيم مع ذلك علاقات طبيعية مع إيران. لكن إيران لم تخفف من شروطها و لم تتنازل عن أي من مطالبها. كما أن الفرنسيين بالغوا حين تصوروا أنهم يستطيعون التعامل مع طهران كما تتعامل دولة عظمى كروسيا معها. و برغم حدوث انتكاسات و خيبات أمل كثيرة في المفاوضات بين باريس و طهران فإن الجانب الفرنسي ظل مستمرا في عملية التطبيع هذه على أساس أن مجرد الاستمرار قد يساعد على إطلاق الرهائن المحتجزين في لبنان.

 

و في المقابل، كانت هناك أوهام و معتقدات خاطئة في تعامل المسؤولين الإيرانيين مع الفرنسيين. فقد اعتقد الإيرانيون أن عملية التطبيع و الحوار هذه ستؤدي، بشكل أو بآخر، إلى حدوث توتر فرنسي-عراقي أو إلى تغيير سياسة فرنسا تجاه العراق و حرب الخليج و الشرق الأوسط عموما بحيث تصبح أقرب إلى المفاهيم و التصورات الإيرانية مما كانت عليه قبل بدء "التطبيع" و كان هذا هو الهدف الأساسي الإيراني من وراء هذه العملية و من وراء التجاوب مع الانفتاح الفرنسي، و سعى الجانب الإيراني خلال السنوات الثلاثة الماضية إلى محاولة تسجيل "انتصار كبير" على العراق من خلال التقارب مع فرنسا. لكن هذا الاعتقاد أو الرهان الإيراني كان أيضا خاطئا، إذ حرص الفرنسيون على التمسك بكل الشروط و الأسس التي حددوها لعملية "التطبيع" مع طهران.

 

ماذا حققت، إذن، عملية "التطبيع" من نتائج ؟ حققت هذه العملية نتائج جزئية لكنها لم تؤد إلى تقارب حقيقي بين فرنسا و إيران. و هذه النتائج الجزئية تحققت كلها بعد مجيء شيراك إلى الحكم. و أبرز هذه النتائج :

 

·       إيجاد حوار منتظم بين البلدين و تبادل زيارات الوفود و المبعوثين بشكل لم يعرفه البلدان منذ سنوات.

·       إبعاد مسعود رجوي و عدد من أنصاره خارج الأراضي الفرنسية و إلى العراق في جوان 1987.

·       الإفراج عن خمسة رهائن فرنسيين محتجزين في لبنان و بقاء خمسة آخرين قيد الاحتجاز.

·   إحراز تقدم جزئي في المفاوضات حول القرض المالي الذي تطالب به طهران مما أدى إلى قيام فرنسا بتسديد مبلغ 330 مليون دولار لطهران كدفعة أولى من قيمة القرض الإجمالية .

 

لكن في مقابل هذه النتائج الجزئية، رفضت فرنسا عقد أية صفقة سلاح-رسميا- مع إيران أو وقف تسليح العراق، و رفضت فرنسا رفع مستوى العلاقات الدبلوماسية و تبادل السفراء مع إيران أو إيفاد وزير الخارجية إلى طهران ما لم يتم الإفراج عن جميع الرهائن الفرنسيين في لبنان، و رفضت فرنسا إبعاد معارضين إيرانيين (كشابور بختيار و بني صدر)، و رفضت فرنسا تسديد باقي قيمة القرض المالي ما لم تدفع إيران تعويضات للشركات الفرنسية التي طردت بعد قيام الجمهورية الإسلامية و ألغيت عقودها. و برغم أن فرنسا الرسمية أوقفت حملاتها على إيران و بدلت لهجتها المعادية لبعض جوانب السياسة الإيرانية و حرصت على مراعاة موقف طهران من بعض القضايا، إلا أنها ظلت، في الأساس، ضد استمرار الحرب و انتصار إيران فيها و ضد أي مساعي إيرانية لإحداث تغيير في هذا البلد أو ذاك.

 

و مع نهاية 1986 و بداية 1987 وصلت عملية " تطبيع" العلاقات بين فرنسا و إيران إلى طريق مسدود، بعد سقوط أوهام و معتقدات الطرفين الخاطئة، و أصيب الجانبان بنوع من خيبة الأمل من النتائج المحدودة و الجزئية التي حققتها هذه العملية.

 

قضية جورجي

 

لكن في نهاية مارس 1987 انتقلت العلاقات الفرنسية-الإيرانية من مرحلة الجمود إلى مرحلة "التوتر الشديد الخفي" بعدما اعتقلت السلطات الفرنسية 8 أشخاص (لبناني و 6 تونسيين و جزائرية تحمل الجنسية الفرنسية) يؤلفون شبكة تعمل بالتعاون مع طهران. أبرز المعتقلين فؤاد على صالح (تونسي يبلغ من العمر 29 سنة و يعتقد أنه زعيم الشبكة) و محمد مهاجر (لبناني من بعلبك يبلغ من العمر 34 سنة و يحمل الجنسية الفرنسية منذ عام 1982). و عثر مع هؤلاء على كميات كبيرة من المتفجرات و الأسلحة، و اتهموا بالتخطيط لارتكاب "عمليات إرهابية بالغة الخطورة" في الأراضي الفرنسية، و بمحاولة اغتيال عدد من المسؤولين و الوزراء الفرنسيين. و في أبريل و جوان 1987 تم اعتقال عدد آخر من المواطنين العرب تبين أن لهم علاقات بهذه الشبكة.

 

و اكتشف المحققون الفرنسيون، من خلال استجواب أعضاء الشبكة و اعترافات البعض منهم، أن هذه الشبكة هي المسؤولة عن عمليات التفجير التي وقعت العام الماضي و هزت فرنسا و أدت إلى مقتل 13 شخصا و جرح 250 آخرين و اتهم فيها، آنذاك أشقاء و أنصار جورج إبراهيم عبد الله. كما اكتشف المحققون أن هناك "علاقة ما" بين بعض أعضاء الشبكة-و خصوصا فؤاد علي صالح و محمد مهاجر- و بين موظف كبير في السفارة الإيرانية في باريس و هو وحيد جورجي. و يوم 03 جوان الماضي طلب قاضي التحقيق المكلف بهذه القضية "جيل بولوك" رسميا الاستماع إلى شهادة جورجي لمعرفة "طبيعة" علاقاته مع أعضاء هذه الشبكة. لكن جورجي توارى عن الأنظار و قيل أنه "هرب" إلى جنيف. و طويت القضية مؤقتا، إلى أن انفجرت في مطلع الأسبوع الماضي.

لكن من هو وحيد جورجي و ما حقيقة دوره و مهماته ؟

 

علاقة وحيد جورجي (34 سنة) مع الثورة الإيرانية بدأت عن طريق والده، طبيب آية الله الخميني الخاص حين كان الزعيم الإيراني مقيما في ضواحي باريس (1978-1979). ثم تطورت هذه العلاقة حين تبنى جورجي أفكار الثورة الإيرانية، بينما تحول والده إلى رجل أعمال و دافع وحيد جورجي بحماسة عن الجمهورية الإسلامية حين كان طالبا في إحدى جامعات باريس، و خاض معارك مع الطلاب الإيرانيين المعارضين للنظام الإيراني. ثم عمل موظفا في السفارة الإيرانية في باريس، و تدرج في سلم المسؤوليات إلى أن أصبح المترجم الرسمي للسفارة. و قد شارك جورجي، ضمن هذا الإطار في جميع المحادثات و المفاوضات الفرنسية-الإيرانية التي جرت بباريس كما برز خلال العامين الماضيين كأكثر العناصر الإيرانية نشاطا في سبيل تحقيق التقارب بين باريس و طهران. لكن جورجي لم يكن يتمتع بالحصانة الدبلوماسية إذ ليس تابعا لوزارة الخارجية الإيرانية.

 

مصادر المخابرات الفرنسية تعتبر أن وحيد جورجي هو المسؤول عن توجيه و تمويل أعضاء الشبكة العربية المؤيدة لطهران الذين اعتقلوا في الربيع الماضي. أي أنه مسؤول، بشكل أو بآخر عن عمليات التفجير التي هزت فرنسا في العام الماضي. و لدى الأجهزة الفرنسية المختصة تسجيل لحوار هاتفي جرى بين جورجي و فؤاد علي صالح زعيم الشبكة يظهر أهمية دور مترجم السفارة الإيرانية. و لم يتردد "ديني بودوان" المتحدث الرسمي باسم الحكومة الفرنسية من القول الأسبوع الماضي أن وحيد جورجي "شخصية أكثر أهمية مما يبدو عليه رسميا بل قد يكون رئيسا لأجهزة المخابرات الإيرانية في أوربا" و قد جرت مشاورات سرية بشأن جورجي بين باريس و عدة عواصم أوروبية.

 

هذا هو جورجي الذي يريد قاضي التحقيق الفرنسي استجوابه و طرح 20 سؤالا عليه. لكن جورجي اختفى يوم 03 جوان الماضي و قيل أنه سافر إلى جنيف. و الحقيقة أن جورجي لجأ إلى السفارة الإيرانية و اختبأ فيها. و قد اكتشفت المخابرات الفرنسية هذا الأمر يوم 05 جوان حين استطاعت التقاط مخابرة هاتفية أجراها جورجي من داخل السفارة الخاضعة لرقابة الأجهزة الفرنسية المتطورة مع شخص في الخارج. و لم تكشف السلطات الفرنسية هذا الأمر، بل طوقت السفارة الإيرانية، سرا، بعدد من رجال الأمن الفرنسيين المتنكرين، على أمل أن يخرج جورجي من السفارة فيتم اعتقاله و تسليمه لقاضي التحقيق ليستجوبه و يجري عملية "مواجهة" بينه و بين أعضاء الشبكة. لكن جورجي لم يخرج من السفارة و في مطلع الأسبوع الماضي اتخذ المسؤولون الفرنسيون قرارا بتطويق السفارة الإيرانية بعدد كبير من رجال البوليس و الأمن المدججين بالسلاح و تفتيش جميع الداخلين إليها و الخارجين منها بحثا عن جورجي. و رد الإيرانيون على هذا الإجراء فطوقوا، من جهتهم، السفارة الفرنسية في طهران، و وجهوا تهديدات و تحذيرات إلى السلطات الفرنسية على الإجراءات التي تتخذها بحق الدبلوماسيين و المواطنين الإيرانيين.

 

و خلال هذه الفترة جرت مفاوضات سرية فرنسية إيرانية بشأن مصير جورجي. و علمت "المستقبل" من مصادر وثيقة الإطلاع في باريس أن الإيرانيين اقترحوا منح جورجي حصانة دبلوماسية و جواز سفر دبلوماسيا و ترحيله عن فرنسا. لكن الجانب الفرنسي أصر على ضرورة مثول جورجي أمام قاضي التحقيق قبل أن يتم التفكير بأية خطوة أخرى تتعلق بمصيره.

 

مساء يوم الأربعاء الأول من جويلية  حدثت المفاجأة الكبرى إذ ظهر جورجي إلى جانب القائم بالأعمال الإيراني غلام رضا حدادي، خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده هذا الأخير في مقر السفارة الإيرانية المطوقة. و أخذ جورجي يترجم تصريحات حدادي كما يفعل عادة، و كأن شيئا لم يكن. لكن المفاجأة الأكثر أهمية كانت إعلان حدادي أن وزارة الخارجية الفرنسية هي التي نصحت جورجي بالاختفاء و البقاء في السفارة الإيرانية و عدم المثول أمام قاضي التحقيق. و قال حدادي أن الدبلوماسي "ديديه ديستريمو" هو الذي أبلغ هذه الرسالة إليه، و أنه وعده بأن تفعل وزارة الخارجية الفرنسية اللازم من أجل تسوية قضية جورجي ومنع انعكاساتها على العلاقات الفرنسية الإيرانية. و ذكر حدادي أن دستريمو حمل "شخصيات فرنسية غير سياسية" مسؤولية هذه القضية لأنها تريد الإساءة إلى العلاقات الفرنسية الإيرانية. و أكد حدادي في مؤتمره الصحفي أن وحيد جورجي لن يسلم نفسه للسلطات الفرنسية أو لقاضي التحقيق و دعا المسؤولين الفرنسيين إلى التراجع عن هذا الطلب.

 

و ما سعى إليه حدادي من وراء تصريحاته هذه هو تحويل القضية من أزمة فرنسية إيرانية إلى أزمة سياسية فرنسية فرنسية، عن طريق الإيحاء بأن الخارجية الفرنسية نصحت جورجي بعدم المثول أمام  قاضي التحقيق في قضية هزت فرنسا هي قضية عمليات التفجير، و لم يتردد الإيرانيون عن اتهام ديستريمو بنقل هذه الرسالة إليهم.