Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب جواسيس في مهام سرية/الجاسوس السوفياتي كورت

الجاسوس السوفياتي كورت

 

 

اعتقلت الشرطة الإسرائيلية المدعو " إسرائيل بير " الذي كان قد وصل إلى أعلى المراتب في وزارة الدفاع بعدما سلم موظفا كبيرا في السفارة السوفياتية في تل أبيب حقيبة من الوثائق السرية.

 

و قد حوكم "بير" و حكم عليه بالسجن 15 سنة، لكنه توفي في سجنه بعد أربع سنوات، و كان قد كتب عن حياته كتابا، لكن سره الحقيقي ذهب معه إلى القبر.

المفاجأة الكبرى أن التحقيق الذي أجري بعد اعتقال " بير" بسنة واحدة أثبت أنه ليس "إسرائيل بير" و لم يحارب إسبانيا بل لم يضع قدمه فيها.

 

كاد القضاة ألا يصدقوا ما يسمعون عندما اعترف لهم " بير" بأنه قرأ متلهفا أدب الحرب الأهلية في إسبانيا، و كتائب المتطوعين و تاريخ الجنرال فرانكو.. و من هنا فإن الحرب التي يشترك بها، لم تكن سرا بالنسبة إليه. و عبر ما قرأ، تعرف على كل الذين ادعى انهم أصدقاؤه الحميمون.. و قد تدرب من خلال الكتب على المعارك، و على الاستراتيجية و غيرها، ثم راح يروي لكل الناس أنه حارب في إسبانيا. و لكثرة ما ردد هذه الرواية صدق نفسه في النهاية !

 

و اعترف " بير" أيضا بأنه قابل الموظف الكبير في السفارة السوفياتية عشرات المرات و ليس مرات معدودة، و أن مقابلاته له كانت تجري بعيدا عن العيون. و في بعض الأحيان كان مكان الاجتماع يرتجل ارتجالا لتفادي أية ملاحقة محتملة لو كانت دائرة مكافحة التجسس قد شكت بأمره، و قال أن الوثائق التي أعطاها له في اجتماعه الأخير كانت الخطط السرية للجيش الإسرائيلي و بعض المذكرات السرية أيضا المتعلقة بمشاكل الأمن الوطني، و كذلك لوائح كاملة عن مشتريات إسرائيل من السلاح من فرنسا و ألمانيا الاتحادية مع أسماء الذين يبيعون هذا السلاح و أسماء الوسطاء، بمن فيهم الوسطاء المحتملون !

 

و حصل موظف السفارة السوفياتية أيضا من " بير" على معلومات ثمينة جدا في مجالين آخرين:

1-    الأجهزة الأوروبية في منظمة حلف الأطلسي و طريقة عملها و صلاتها بإسرائيل.

2-    الجيش الألماني الاتحادي الجديد و العلاقات السرية بين ألمانيا و إسرائيل.

و المعروف أن ألمانيا في عهد المستشار اديناور كانت تقدم السلاح سرا إلى إسرائيل و أن أبواب وزير الدفاع جوزيف شتراوس و كذلك أبواب المستشارية كانت مفتوحة ليس فقط لشيمون بيريز المدير العام لوزارة الدفاع الإسرائيلية حينذاك - و إنما أيضا لإسرائيل بير نفسه ! .

 

فليس مصادفة إذن أن يكون " بير" قد زار " شتراوس " كذلك ليس مصادفة أن يكون قد قابل في سنة 1960 الجنرال " غهلن " رئيس المخابرات في ألمانيا الاتحادية.

و لم يقتصر الأمر على هذا الحد، بل كان " بير" يلتقي سرا بالعلماء و الاختصاصيين الألمان. و في سنتي 1960- 1961 كان " بير" قد تردد بكثرة على المقهى الذي يتردد عليه المثقفون و العلماء في تل أبيب.

 

و اعترف بير أيضا أنه سلم موظف السفارة السوفياتية، بناءا على طلبه معلومات كاملة عن الأبحاث العلمية في إسرائيل.

و قد أجري تحقيق دقيق حول حقيقة " بير" بعدما تبين أن معظم اعترافاته لم يكن صحيحا، فظهر أن التغلغل السوفياتي في الشرق الأدنى الذي بدا للوهلة الأولى حديثا، إنما جرى الإعداد له منذ زمن طويل، و لئن كان الغرب قد تعذر عليه اكتشاف الإستراتيجية السوفياتية الجديدة إلا غداة حرب السويس (1956) فإن الحقيقة هي أن الاتحاد السوفياتي أخذ يهتم بالشرق الأدنى منذ نهاية الحرب العالمية الأولى (1914-1918). لكن يومها لم تكن موسكو تتصور إمكان مد نفوذها إلى البلاد العربية متخلفة النمو، لكن الأهمية الإستراتيجية لتلك المنطقة، و كذلك رائحة النفط لم تخفيا على موسكو. و لعل أغرب ما في ذلك، أن فلسطين منذ سنة 1922 و بالرغم من الانتداب البريطاني أصبحت القاعدة الأساس، في المنطقة كلها لنشاط العملاء السريين في خدمة الكرملين. و لم يكن تسلل العملاء السوفيات إلى فلسطين باسم " إسرائيل بير" العميد في الجيش الإسرائيلي و مستشار بن غوريون، و أستاذ التاريخ العسكري في جامعة تل أبيب، لم يكن " إسرائيل بير" الحقيقي.

 

فالحقيقي كان طالبا يهوديا في جامعة برلين توجه إلى فيينا سنة 1938 بأمل الوصول إلى فلسطين و كان يشبه شابا شيوعيا نمساويا يسميه أصدقاؤه   » الرفيق كورت  « الجاسوس السوفياتي في النمسا.هذا التشابه بين كورت و بير كلف الأخير حياته.. فقد اختفى في مكان ما في فيينا سنة 1938 و لم يعثر له أحد على أثر.

كورت لم يخف بير من أجل أن يصبح هو " إسرائيل بير" إنما تولت المخابرات السوفياتية تصفية بير ليستطيع  » الرفيق كورت «  الذهاب إلى فلسطين بصفته يهوديا. و قد أعد إعدادا جيدا، و تولت منظمة "هيشالوتز" تغيير هويته، ثم أرسل من فيينا إلى تريستا إلى جنيفا إلى نابولي حيث استقل سفينة مهاجرين و اتجه إلى فلسطين، و مهمته الأساس أن يكون عميلا نائما، أي لا يمارس أي نشاط إلى أن يستقر تماما في فلسطين.

 

كم من السنوات بقي نائما ؟ لا أحد يدري. فتاريخ الجاسوسية يعرف حالات مشابهة انتظر فيها " الجواسيس النائمون " عشر سنوات أو خمس عشرة سنة قبل أن يضاء لهم النور الأخضر. و قد اتبع الاتحاد السوفياتي هذا الأسلوب أيضا في الولايات المتحدة الأمريكية و في دول أخرى أقل أهمية.

في اعترافات" بير" أن اتصالاته الأولى مع العملاء السوفيات في إسرائيل بدأت سنة 1954 ..

لكم ما هي المعلومات التي حصلت موسكو عليها منه ؟

لا أحد يدري .. إنما في تلك الفترة كانت ثمة علاقات نصف سرية بين تل أبيب و باريس. فهل استطاع "بير " إطلاع موسكو على اقتراب القيام بعمل عسكري تسهم فيه إسرائيل مع فرنسا و إنجلترا، موجه إلى جمال عبد الناصر بعد تأميم قناة السويس ؟

 

هناك ما يحمل على الاعتقاد بأن المعلومات التي بعث بها " بير" و استقاها من مصادر مطلعة هي التي مكنت الكرملين سنة 1956 من توجيه تهديداته بتدخل نووي .. و هو ما جاء في رسالة " بولغانين" إلى إسرائيل و فرنسا و إنجلترا، و هذا التهديد هو الذي وضع عمليا حدا نهائيا للعدوان الثلاثي.. فالعواصم الثلاث كانت تخشى فعلا أن يستخدم السوفيات الصواريخ عابرة القارات لينهي حرب السويس.

 

و المرجح أن موسكو كانت قد تلقت معلومات من مصادر إسرائيلية و غربية تؤكد أن مجرد التهديد بالتدخل المسلح من قبل الاتحاد السوفياتي سيوقف تقدم القوات الفرنسية و الإنجليزية في الأراضي المصرية ثم الانسحاب من سيناء و شريط غزة الساحلي. فرجل مثل " بير" قادر على تقديم معلومات من هذا النوع إلى موسكو، و هو  أكثر من غيره كان يعرف أن بن غوريون كان خائفا من تدخل سوفياتي.

 

إن المسؤولين الإسرائيليين، على ثقة كاملة، من غير أن يملكوا الأدلة الكافية، بأن كل أسرار الدولة في إسرائيل أخذت طريقها من خلال " بير" إلى الاتحاد السوفياتي بما فيها حرب سيناء سنة 1956.

في سنة 1939 عندما نشبت الحرب العالمية الثانية كان العميل السوفياتي المتمركز في طوكيو " ريتشارد سورج" قد قدم إلى موسكو المعلومات السرية جدا عن هيئة أركان الحرب الألمانية و السفارة الألمانية في اليابان.

في السنة نفسها قدم " ليوبولد تربير "، زعيم (الأوركستر الأحمر) و العميل السوفياتي في أوربا كل ما يريد الكرملين معرفته عن قوات الاحتلال الألمانية في فرنسا و عن خطط هتلر الحربية.

 

في السنة نفسها أيضا، تجاوز " إسرائيل بير " أو " الرفيق كورت " كل درجات السلم في جهاز الدفاع اليهودي في فلسطين لكي يصبح فيما بعد المستشار العسكري لرئيس الوزراء.

قصة " سورج " كتبت و أعيدت كتابتها.

قصة زعيم " الأوركستر الأحمر " باتت معروفة بتفاصيلها كلها.

أما قصة " بير" الحقيقية .. أو على الأصح " سر بير " فإنه يحتاج ربما إلى زمن طويل قبل أن يعرف كاملا.