Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب جواسيس في مهام سرية /الجاسوس الذي تحدى الجنرال الفرنسي ديغول

الجاسوس الذي تحدى الجنرال الفرنسي ديغول

 

 

 

ليس هناك أي سبب بسيط يدعونا للشك في أن التفوق العسكري خاضع لمدى فعالية و كفاءة الاكتشافات العلمية الجديدة. و التاريخ خير شاهد على ما ندعيه فصواريخ » ف2« الألمانية التي اعتبرت من طرف الخبراء العسكريين تطويرا بعيد المدى للمدفعية الثقيلة، لعبت دورا بارزا في التعجيل بانتهاء الحرب العالمية الثانية. و شجعت جانب دول الحلفاء على استخدام التفجير النووي الذي لم يدع أي أمل لدول المحور لمواصلة الحرب. و قد كانت إسرائيل من الدول السباقة للبحث المستمر من أجل ترسيخ هذه الأفكار و العمل الدؤوب لتحويلها إلى واقع ملموس بشتى الطرق، فوق ارض فلسطين و لهذا الغرض بالذات لعبت الاستخبارات الإسرائيلية دورا أساسيا في تدعيم فكرة التفوق العسكري في المنطقة، و ذلك بمختلف الطرق الشرعية منها و غير الشرعية. الأمر الذي جعل إسرائيل قوة عسكرية لا يستهان بها في ظرف قصير من الزمن. و ما من شك في أن الاستخبارات الإسرائيلية تأثرت بظروف إنشاء دولة إسرائيل الصغيرة الحجم و بمحدودية عمقها الإستراتيجي.

 و إحاطتها بدول معادية كثيرة تفوقها في معظم القوى البشرية بدرجة كبيرة. و لذلك كان لزاما على القادة الإسرائيليين إعطاء الاهتمام الخاص لضمان تواجد أجهزة استخبارات *معقدة و على درجة عالية من الكفاءة مع توفير الإمكانات البشرية و التكنولوجية المتقدمة لها، لكي تضمن بقاء الدولة الإسرائيلية و تحقيق أهداف الصهيونية العالمية و إسرائيل وفق هذه القناعة، تعد اليوم، كما كانت بالأمس من الدول الرائدة في إتقان عمليات السطو و سرقة تكنولوجيات الطيران المتقدمة و المخططات الخاصة بطائرة الميراج التي حولت إلى إسرائيل عن طريق جاسوس سويسري يعمل لصالح المخابرات الإسرائيلية لخير الدليل على ذلك.

 

قبل بداية حرب 1967اشترى اليهود خمسون طائرة من نوع ميراج الفرنسية التي تتميز بفعاليتها و كفاءتها الهجومية و قدرتها الكبيرة على المناورة، و اطمأنت الحكومة الإسرائيلية و لو مؤقتا من الخطر الذي يهددها و المتمثل في الجيوش العربية التي كانت في تلك الفترة بالذات تتكاثر و تتدعم بأسلحة دفاعية و هجومية خطيرة و التي دخلت في حقيقة الأمر في سباق التسلح مع الحكومة الإسرائيلية.

 

في جوان من عام 1967 صرح الجنرال الفرنسي شارل ديغول بفرض حظر تصدير الأسلحة الهجومية لإسرائيل، و اعتبر الخبراء العسكريون هذا التصريح بمثابة ضربة قاضية لإسرائيل و حكم مسبق للنتائج الوخيمة التي ستمنى بها في حالة نشوب حرب بينها و بين جيرانها العرب الذين أعدوا العدة للدخول في تلك الحرب الشرسة هذا من حيث الجانب الإستراتيجي، أما من حيث الجانب التكتيكي فإن الخبراء العسكريين في إسرائيل و مصر على السواء اقتنعوا بأن الذي يبادر بالهجوم هو الذي سيكسب المعركة بكل تأكيد. فلا مصر و لا إسرائيل تستطيع تحمل الضربة الأولى.

 

و من ثمة كانت طائرة الميراج الفرنسية التي حصلت عليها إسرائيل، أهم الأسلحة الهجومية الفعالة آنذاك. لكن المشكلة بالنسبة لإسرائيل في تلك الظروف الصعبة هي ضمان قطع الغيار الخاصة بهذه الطائرة و مما زاد الطين بلة هو قرار الرئيس الفرنسي الجنرال ديغول السابق الذكر فلم يكن أمام إسرائيل إلا حلا واحدا هو العمل للحصول على قطع الغيار و لو بطرق غير شرعية. و هكذا أسندت هذه المهمة لرجال الموساد الذين ألفوا إ نجاز مثل هذه الأعمال.

 

لقد علم رجال الموساد أن سويسرا هي الأخرى قد تحصلت على عدد لا بأس به من طائرات الميراج الفرنسية و أن شركة » داسو « الفرنسية يوجد فرع منها بسويسرا و عليه كانت أول خطوة قام بها رجال الاستخبارات الإسرائيلية هو زرع عميل لهم من أجل أن يحول لهم قطع الغيار لبلدهم.

 

وقع الاختيار على مهندس يعمل في شركة » الإخوان زولستر« و الخاصة بصناعة الطائرات المقاتلة

كان العميل السويسري الأصل اسمه »  ألفرد فرا ونكشت « يعمل مراقبا للمشروع المبرم بين الشركة السويسرية المذكورة و شركة » داسو « الفرنسية و قد وقع  الاختيار عليه لكونه متعاطفا مع اليهود إلى أبعد الحدود، بل كان يرى أن اليهود مضطهدون من طرف شعوب العالم، و أنهم أقلية سلبت منهم أرضهم و شردوا في أنحاء العالم.

 

اندلعت الحرب بين إسرائيل و ومصر وسوريا سنة 1967 دون أن يتوصل الجاسوس السويسري فرا ونكشت إلى تقديم المساعدة لإسرائيل، لكن نتيجة الحرب التي كانت لصالح إسرائيل بعثت فيه الأمل من جديد لمواصلة البحث عن حل المعضلة. قطع الغيار الخاصة بطائرة الميراج التي برهنت على أنها سلاح فعال، بل اعتبر الخبراء الإسرائيليون أن انتصار إسرائيل يعود إلى امتلاك القوات الإسرائيلية لطائرة الميراج، يعود إلى امتلاك القوات الإسرائيلية لطائرة الميراج،( بينما يرى الخبراء العسكريون في بريطانيا أن القنابل التي استعملتها إسرائيل و الخاصة بتدمير الممرات و المطارات المصرية و التي استعملت لأول مرة على أرض مصر و هي من صنع أمريكي هي التي أكسبت إسرائيل حرب جوان 1967) و على الرغم من أن الحرب انتهت بين إسرائيل و العرب إلا أن الجنرال ديغول بقي متمسكا بقراره الأول و الخاص بمنع تصدير قطع الغيار لإسرائيل و أصبح أمام فراونكنشت متسع من الوقت للبحث عن وسيلة للحصول على قطع الغيار.

 

في ديسمبر من عام 1967 شارك فراونكنشت كممثل لشركة » الاخوة زولتسر«  السويسرية في المباحثات التي عقدت خصيصا بين أعضاء الدول التي تملك طائرة الميراج من أجل تطويرها و تحسينها و الاستفادة من الخبرة الإسرائيلية التي اكتسبتها في حرب الأيام الستة. و الشيء الذي لاحظه فراونكنشت هو الارتياح الكبير للحكومة الفرنسية لما حققته طائرة الميراج  من قدرة قتالية عالية في الميدان. و تحمس فراونكنشت خلال هذا اللقاء، و كانت تدخلاته هادفة و إيجابية.

 

و لو يكن فراونكنشت ليفعل ذلك مجانا بل كان يهدف من وراء ذلك كسب ثيقة الحكومة الفرنسية و التأثير عليها لتغير رأيها إزاء قرار جينرال ديغول و انتهت المباحثات في ذلك الاجتماع دون اصدار أي توصية بشأن رفع حضر الأسلحة الهجومية لإسرائيل و كان هذا الموقف الفرنسي بمثابة  صاعقة وقعت على رأس فراونكنشت. و اعتبر ذلك انتهاكا صارخا لقواعد العدل و الإنصاف.. بل و أن العملية أصبحت بمثابة الحجز الكامل لخمسين طائرة من طرف فرنسا للحكومة الإسرائيلية. و هذا معناه أن الأمة الصغيرة في خطر.

 

و بدأت الترتيبات الأولية لجلب قطع الغيار من فرنسا إلى سويسرا في نهاية عام 1967. إذ اتصل رجلان إسرائيليان ينتميان للمخابرات الإسرائيلية بـ» فراونكنشت« و طلبا منه، إن كان في استطاعته تزويد بلادهما بقطع الغيار الخاص بطائرة الميراج، على أساس أنه مهندس بشركة » الاخوة زولتسر« السويسرية و له علاقات حميمة مع مسيري شركة  »داسو« الفرنسية التي تشرف على صناعة طائرة الميراج بسويسرا، و كان جواب فراونكنشت الأولي أن نصح الإسرائيليين بأن يبلغوا الحكومة في تل أبيب كي تتصل بالحكومة السويسرية، من أجل مساعدتها في الحصول على قطع غيار الميراج. و وعدهما أن يعمل كل ما وسعه من أجل إقناع رؤسائه، و تمت فعلا الاتصالات بين الحكومتين،السويسرية  و الإسرائيلية في سرية تامة، لكن كان رد السويسريين بالنفي، و عاد الإسرائيليين من حيث انطلقوا.

 

لقد اقتنع رجال الموساد أن الحل بيد فراونكنشت، وعليه لابد من التأثير عليه و إغرائه، و كان قصد الموساد بعملائهم في أوربا فراونكنشت للتفاوض معه، و هذا في بداية أفريل من عام 1968. الرجلان هما العقيد "الكولونيل تسفي ألون" و الكولونيل " نحميا كاين" اللذين التقيا به في فندق الأمبسادور في زوريخ، و قدما إليه باسمين مستعارين، فعرضا عليه قضيتهما مرة أخرى. و لم يقطع فراونكنشت أية وعود على نفسه و أجابهم بمثل ما قاله في لقائه الأول قبل خمسة أشهر. و عاد العميدان بآمال ضئيلة لأن عميلهم السويسري الناطق باللغة الألمانية لم يعطيهم أية آمال جديدة، ما عدا وعده السابق ببذل كل ما في وسعه لإنجاز المهمة، و قد انقضت عدة أسابيع دون جديد.

 

و ذات يوم رن جرس الهاتف في السفارة الإسرائيلية بباريس و ردت العاملة، فطلب منها الرجل أنه يريد التحدث إلى الكولونيل ألون تسفي، فقالت العاملة أنه يوجد ببيته و يمكنك أن تتصل به غدا. و أصر على الاتصال به فورا دون تأجيل المكالمة، و عندما أوصلت العاملة بمنزل الكولونيل فرفع هذا الأخير السماعة، و إذا به يسمع جملتين موجزتين » أنا ألفرد فراونكنشت أريد مقابلتك بأسرع ما يمكن و شكرا« و انقطعت المكالمة.

 

كانت تلك المكالمة بالنسبة لرجال المخابرات الإسرائيلية في باريس بمثابة إعلان حالة الطوارئ، فبعد ساعات فقط في الليل كان خبر المكالمة قد وصل رجال الموساد في تل أبيب و روما و باريس.

 و خرج ألون تسفي بسرعة لكي يلحق بإحدى الطائرات المتجهة إلى زوريخ، كما اتجه في اللحظة نفسها زميله الكولونيل الموجود بروما للالتحاق بألون تسفي بزوريخ.

 

و كم تسائل الضابطان الإسرائيليان و هما في طريقهما على زوريخ عن سبب هذه المكالمة فهل يا ترى قد وجد فراونكنشت طريقة للحصول على قطع الغيار أم أنه استطاع أن يقنع رؤسائه لتزويد إسرائيل لقطاع الغيار التي تحتاجها إسرائيل و بعد ساعات قليلة التقى فراونكنشت بالعقيدين ألون و نوحمية في فندق الأنبسادور كما كان متفق عليه و كان يبدو على فراونكنشت هدوء تام في مقابلته لهما، بينما كان الضابطان الإسرائيليان لا يقويان على الجلوس و لا التركيز في أي شيء، كانا يتلهفان بفارغ الصبر سماع الخبر الذي طالما حلما به.

 

أدرك فراونكنشت كل ما يدور في ذهن العقيدين و قبل أن يتفوه بكلمة أمرهما بالخروج من الفندق و دون أن يستفسر الضابطان عن السبب. خرج الثلاث و استقلوا سيارة أجرة و طلب فراونكنشت من السائق أن يتجه بهم إلى حي معين بزوريخ. و كان الضابطان يعرفان أن ذلك الحي غير محترم، و لا يليق برجال الدولة المسؤولين. و كان هذا هو قصد فراونكنشت، لأن ذلك المكان بعيد عن أعين المسؤولين و لما وصلوا اتجهوا إلى إحدى المقاهي هناك فانزووا بها، و بادر فراونكنشت بفتح الكلام دون أية مقدمات قائلا :

» إنكم تضيعون وقتكم سدى في البحث عن قطع الغيار و بإمكاني أن آتيكم بالميراج بتمامها« و رد الكولونيل ألون في الفور:» مستحيل، كيف نتمكن من سرقة طائرات الميراج السويسرية و هي توجد داخل مستودعات لها أبواب معدنية سميكة للغاية، باستطاعتها الصمود حتى أمام الانفجارات الذرية.

و على كل حال حتى لو كان الأمر ممكنا لا توجد بين إسرائيل و الحكومة السويسرية خصومات.

 

استمع فراونكنشت جيدا لكلام ألون و عرف أنه أخطأ تقديره، و قال » أتظن أنني أخون بلدي و أخرج طائرات الميراج من سويسرا هذا غير معقول، أنا لست خائنا « عندما تبادل الضابطان النظرات بينهما و شعرا بخيبة أمل كبيرة إذ فهما أن لقائهما هزاء ضياع للوقت فقط. و فهم فراونكنشت ذلك و واصل الكلام قائلا : » إنني أفكر في مخططات الميراج التي تمكنكم من صنع الطائرة بأكملها على أرض فلسطين لأنني أعرف السيد "آل شفيمر" رئيس صناعة الطيران الإسرائيلية و أعلم أنه قادر على صنع مثل هذه الطائرة الهجومية المتطورة، و لكن الأمر سيستغرق سنوات من أجل تصميم واف للطائرة و إقامة مصنع لإنتاجها، و على هذا الأساس أبحث عن وسيلة لاختصار الوقت و مساعدتكم للتوصل إلى صناعة هذه الطائرة بأسرع ما يمكن في غضون أشهر معدودة فقط..« و الحل الوحيد لبلوغ هذا الهدف، كما رآه فراونكنشت،  يتمثل في الحصول على مخططات الطائرة، و إرسالها للخبراء في إسرائيل. اندهش الضابطان الإسرائيليان للفكرة الرائعة التي توصل إليها عميلهما فراونكنشت فأخذا يسترقان السمع إليه و قد استطرد قائلا يقول : » أنا لا أفعل هذا مقابل المال، و إنما أقوم به لمساعدتكم و لأنني أعتبر قضيتكم عادلة، و أنبهكم أن الطريقة التي سوف أعرضها عليكم محفوفة بالمخاطر. لتعلما أن مخططات طائرة الميراج تكفي لملئ عربة قطار كاملة. و لنقل كل هذه الكميات يكون على فترات عديدة و بالتالي فإن المهمة كما ترون صعبة ..« ثم عرض فراونكنشت الحل قائـلا : هذه المخططات قديمة و من المفروض أنها ستحرق في المحرقة الرسمية، إلا أنه سيسلمهم إياها بدل إحراقها. لكن المشكلة تكمن في أنه من الضروري حرق أوراق في المحرقة لإتاحة فرصة كتابة محضر عنها. و قال فراونكنشت أنه سيشتري وثائق قديمة من إحدى الدوائر الحكومية و يقوم بحرقها بدل المخططات و أنه سيستأجر مستودعا خاصا به و فريب له، بحيث تنقل كل المخططات و الوثائق القديمة إلى هذا المستودع و يتم استبدالها. و تذهب المخططات إلى إسرائيل و الوثائق القديمة إلى المحرقة و مما زاد في تعجب الضابطين الإسرائيليين أن لقائهما انتهى و لم يضع فراونكنشت أية شروط و لا ضمانات، لأن الإسرائيلي بطبعه لا يعرف مثل هذه الخدمات المجانية فالمادية ضارية أطنابها منذ عهد موسى عليه السلام في الإنسان الإسرائيلي.

 

إن فراونكنشت يعد شخصية بارزة في الأوساط السويسرية و له علاقات حميمة مع كل المسؤولين و يتمتع بثقة كل من حوله بما فيهم ضابط الأمن المحترف البارع الذكاء الذي يمكن أن يشك في كل الناس إلا فراونكنشت. و أعد فراونكنشت خطته على نحو لا يستدعي أي انتباه خاصة و أنه الذي تتحدث عنه التقارير السرية قائلة » يمكن الاعتماد على هذا الرجل تماما، و حياته الشخصية و المهنية بريئتان من العيوب و هو مواطن مخلص لوطنه و زوج وفي لعائلته، و موظف نقي الوجدان يذهب إلى السكينة بانتظام و يثق به المستخدمون في كلا الجانبين، الفني و المالي، و لهم ثقة مفرطة به، بمثل هذه المؤهلات التي لا يرقى إليها الشك شق فراونكنشت طريقه نحو بلوغ هدفه.

 

خطته في ذلك بسيطة للغاية، إذ استأجر مستودعا يقع في الطريق الذي يصل بين المصنع الذي توجد به المخططات و محرقة المدينة. كما طلب من إحدى الشركات بـأن تصنع له صناديق من الورق المقوى شبيهة بالتي تحتوي مخططات طائرة الميراج. و هذه العملية كان قد أنجزها بشهور قبل بداية نقل المخططات لإحراقها. الخطوة الثانية التي قام بها فراونكنشت هو البحث عن أوراق قديمة كي يضعها مكان المخططات، و قد علم أن المكتب الفدرالي السويسري يريد التخلص من الأوراق التي بقيت لديه مدة تزيد خمسين عاما . و تقدم فراونكنشت إلى المكتب الفدرالي على أساس أنه تاجر أوراق و مسودات. و هكذا تم شراء الأوراق القديمة و استغرق نقل تلك الأوراق عدة أسابيع، لأنه كان ينقلها بنفسه على متن سيارته الخاصة إلى المستودع. و كان يقوم ابن عمه في الوقت ذاته بملء الصناديق الفارغة بالأوراق القديمة هكذا كانت الخطة بسيطة، حيث يقوم سائق الشاحنة التي تنقل صناديق المخططات من المصنع إلى المحرقة بالدخول إلى المستودع و هناك يفرغ صناديق المخططات التي تخص تصاميم  الميراج  و يشحن العربة بدلها بصناديق الأوراق القديمة ليصلها إلى المحرقة.

 

و الجدير بالذكر أن فراونكنشت و ابن عمه كانا قد تدربا على هذه الخطة عدة أسابيع و تحسبا للوقت اللازم لإتمام العملية و الظروف التي تتم فيها، فوجدا أن العملية لا تتعدى خمس دقائق و بالتالي فلا يستطيع أحد أن يشك فيهمـا، سواء الذين يراقبون المحرقة أو المصنع، و أن الوقت الضائع بسيط لا يلفت الانتباه. و هكذا سارت العملية على أحسن ما يرام . و كان الجميع رضي بما يقوم به فالمكتب الفدرالي مرتاح لأنه تخلص من الأوراق القديمة، التي كانت تشغل حيزا كبيرا في المكان، بعد أن أحرقت. و فراونكنشت كان جد مسرورا لأنه كان قد تحصل على مجموعة كاملة لمركبات طائرة نفاثة متطورة ، مقاتلة و قاذفة. بعد مرحلة تغيير الصناديق في المستودع تأتي المرحلة الصعبة و الأكثر خطرا، لأن الصناديق الموجودة في المستودع من الصعب نقلها إلى إسرائيل، و عليه كان على فراونكنشت إيجاد حل لها، و كان الحل هو نقل كل يوم سبت عدد من تلك الصناديق التي تحتوي على مخططات إلى مستودع يوجد بمنطقة صناعية تبعد عن المستودع الأول بحوالي خمسون كلم باتجاه الحدود السويسرية الألمانية، و قد اختار فراونكنشت يوم السبت بالذات، لأنه يوم عطلة و يناسب عمليات الإخفاء من أعين الملاحظين و المراقبين.

 

كان فراونكنشت قد تعرف إلى شخص ثالث يدعى "هانس شتيركر" الذي سبق و أن اشتغل لمدة سنة لدى شركة "روتستنغر" السويسرية.

و رغم المدة القصيرة التي عمل لها كمسير و أصبح ذا سمعة طيبة على طول الحدود السويسرية.

و هكذا تحصل فراونكنشت على سائق له طابع مميز و فور استلام هانس إشارة فراونكنشت انطلق بسيارته إلى المستودع الموجود بالمنطقة الصناعية، حيث يقوم بشحن الصناديق الملأى بمخططات الميراج لأنه معروف لديهم بالرجل الودود المتعاون، بل كان يقدم لرجال الجمارك الخدمات المختلفة سواء في سويسرا أو في ألمانيا، و هكذا يعبر شتريكر الحدود دون أن يوقفه أحد أو يتعرض للتفتيش و فور دخوله الأراضي الألمانية يتجه إلى مدينة شتوتغارت، و قبل بلوغه المدينة، كان ينحرف عن الطريق ليمضي صوب مطار صغير توجد به طائرات صغيرة خاصة بأغنياء المنطقة و خلال دقائق تشحن الطائرة مخططات الميراج في أحد الطائرات ذات المحرك المزدوج ثم تطير الطائرة في اتجاه جنوب إيطاليا، و هناك يتم تحويل المخططات إلى طائرة إسرائيلية و في صباح كل يوم أحد تحط الطائرة في إحدى المطارات بإسرائيل ليتم تفريغها و تحول المخططات مباشرة إلى مصانع الطيران الإسرائيلية. كانت أول شحنة من المخططات الخاصة بطائرة الميراج و التي بعثها فراونكنشت قد وصلت إلى إسرائيل في الخامس أكتوبر من عام 1968و إبتداءا من ذلك اليوم أصبحت المخططات تصل كل أسبوع بانتظام. و كان فراونكنشت يحتاج إلى سنة كاملة أو أكثر ليحول كل صناديق المخططات إلى إسرائيل. و في أواخر سبتمبر من عام 1969نقل فراونكنشت الشحنة الأخيرة من المخططات إلى مستودع المنطقة الصناعية رفقة ابن عمه فقاما بتفريغها كالعادة ثم قفلا عائدين، و في الطريق قال فراونكنشت لابن عمه » الآن أستطيع أن أنام مرتاح لأول مرور بعد سنة كاملة من الأرق و الخوف« و لم يكن حيتها يعلم أن زميله هانس كشف أمره و أمر بالقبض عليه، بتهمة تكريس الصناديق في سيارته. لقد كشف على »هانس شتريكر« بعدما تفطن أحد المارة إلى تردد الشخص نفسه كل يوم سبت على المستودع نفسه. فأبلغ الرجل المتسكع صاحب الشركة التي تضم المستودع، بأن هناك رجل يأتي كل يوم سبت و يدخل إلى المستودع و يقوم بشحن صناديق في سيارته الخاصة.

 

و عندما علم رؤساء الشركة ذلك الخبر الغامض، قرروا البحث في الموضوع و كلف رجلان بمراقبة المستودع و انتظروا يوم السبت صباحا في الأمر و في صباح يوم السبت أوقفا سيارتهما على مبعدة من المستودع و كان اندهاش الرجلين عندما تحققا من أن الرجل الغريب هو »هانس شتريكر«  المخلص الذي عمل لديهم سنة تقريبا، ثم شاهداه يضع الصناديق في صندوق سيارته، و ما أن رآهما قادمين نحوه حتى وثب إلى السيارة و انطلق بها بأقصى سرعة. و دخل الرجلان المستودع و لم يجدا به إلا صندوقا واحدا تركه وراءه و قرر الرجلان فتح الصندوق، و كانت أول عبارة مكتوبة داخل الصندوق هي       »سري  للغاية ملك للدائرة العسكرية السويسرية«  

 

اتصل الرجلان مباشرة بأقرب مركز للشرطة و ماهي إلا ساعات معدودة حتى عم خبر »هانس شتريكر« في أنحاء البلاد و أصدر أمر بالقبض عليه. لكن بعد مدة قصيرة كان هانس قد حلق فوق جبال الألب على متن طائرة سيسنا الصغيرة. و منذ ذلك الحين لم يعثر أحد على شخص اسمه »هانس شتريكر« .

 

بدأت التحقيقات في كيفية وصول مخططات الميراج السرية إلى أيدي هانس بعد نزعها من المحرقة. و كيف وصلت إلى مستودع الشركة. و استغرق البحث أيام معدودة قبل أن توجه أصابع الاتهام إلى ألفرد فراونكنشت. و سمع فراونكنشت خبر هانس الذي انكشف أمره لكن فراونكنشت بقي يعمل كالعادة، دون أن يتأثر و تحقق رجال الاستخبارات السويسرية من أن فراونكنشت كانت له اليد في إيصال مخططات الميراج إلى هانس و بذلك تم القبض عليه و هو في العمل بإحدى المطارات العسكرية السويسرية، و لما بدأ التحقيق معه هدد فراونكنشت رجال المباحث بأن يخبر الحكومة الفرنسية عن ضياع مخططات الميراج إذا لم يطلقوا سراحه. و لم يتراجع فراونكنشت عن موقفه هذا حتى بعد اعترافه بمساعدة إسرائيل للحصول على تلك المخططات بقي مصرا على تهديد رجال المباحث بأنه سيطلع الحكومة الفرنسية عن هذه الفضيحة و سوف تتخذ الحكومة الفرنسية عقوبات قاسية ضد سويسرا.

 

لكن رجال الاستخبارات قرروا تقديمه للمحكمة. و هناك اعترف فراونكنشت بأنه ارتكب جريمة من الناحية القانونية لكن من الناحية الأخلاقية و الأدبية فلا جناح عليه، لأنه لم يلحق أي ضرر بسويسرا. و هو قام بهذه الخدمة لصالح إسرائيل التي يرى فيها الشعب القليل المضطهد من طرف شعوب العالم. و بقي فراونكنشت في السجن لمدة 18 شهرا قبل أن يصدر في حقه الحكم النهائي و عومل خلال هذه المدة على انه ليس بمجرم فيسرت له مهمة التنظيم و الإشراف على المكتبة في السجن. و بعد المحاكمة كان الحكم أربع سنوات و نصف سنة مع الأشغال الشاقة و ذلك في 23 أبريل 1971. حيث اتهم بجريمة التجسس الصناعي و إفشاء الأسرار العسكرية السويسرية.

و قضى فراونكنشت حكمه في سجن "بازل" فواصل فيه إعادة تنظيم مكتبة السجن و قرأ فيها قدرا كبيرا من المطبوعات.

 

و في أكتوبر أي بعد حوالي سبعة أشهر من بدء تنفيذ حكم السجن ، لاحظ خبرا صغيرا في الجريدة، يتحدث عن أول طيران تجريبي تقوم به طائرة إسرا