Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب جواسيس في مهام سرية /عملية العصفور الازرق

 

عملية "العصفور الأزرق" أول مواجهة بين المخابرات

 الجزائرية و الفرنسية أثناء الحرب التحريرية الجزائرية

 

 

لقد قررت المخابرات الفرنسية تشكيل جيش عميل من الجزائريين لمحاربة جيش التحرير الوطني، فكانت المحاولة هي تجنيد عملاء جزائريين من سكان منطقة القبائل لصد المجاهدين حيث تم إسناد المهمة إلى عناصر المنطقة العسكرية العاشرة للجيش الفرنسي بالتعاون مع بعض الأفراد العاملين في جهاز المخابرات الفرنسية و في مقدمتهم المدعو "الطاهر حشيش" عنصر ذكي صديق حميم لقائد جهاز مراقبة التراب الفرنسي بباريس DST.

 

التحق الطاهر حشيش بمدينة عزازقة حيث قصد مطعم أحد أصدقاؤه المدعو زايديد الذي كان مناضلا و مسؤولا في صفوف الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية، و نظرا لظروفه الاجتماعية و الخاصة كان قد ابتعد عن الحركة الوطنية من غير ما ينفصل عنها تماما، و لعل ابتعاده هذا عن النضال و منذ عام 1950هو الذي جلب إليه انتباه الطاهر حشيش الذي قرر زيارته في مطعمه.

 

التقى الرجلان و جرى الحديث بينهما حول أحداث الثورة المسلحة و المجاهدين و تواجد كريم بلقاسم و ما يشكله المجاهدون من قوة ضاربة في المنطقة، و قد تواصل الحديث من غير ما يكتشف زايديد نوايا الطاهر حشيش. إلى أن وصف هذا الأخير ما يقوم به جيش التحرير بالقتلة للأطفال و بالمجرمين في حق النساء. تبين لزايديد موقف صديقه الحميم من الثورة فلم يشأ أن يخالفه في موقفه و آرائه، بل أيده و أكد له ما أنعت به المجاهدين و أضاف له أوصاف ما يعانيه الشعب منهم، فوثق حشيش بصاحبه و باح له بما عزم على الإقدام عليه.

 

لم يبد زايديد أية معارضة و لم تظهر عليه علامات القلق و الخوف بل أبدى ما يشجع صديقه بعدما اهتدى في قرارة نفسه إلى ما قد يفيد به الثورة و يكفي أن يلعب فيها الدور الأساسي تعويضا لما فاته من نضال.

عرض عليه حشيش أن يقوما بعمل ما، خدمة لفرنسا حتى تكرمهما بما يليق بعملهما.. لم يعلق زايديد على عرض صديقه و إنما استفسره عن نوع العمل و أسلوبه، و قد اندهش زايديد لما رد عليه صديقه بقوله : "أن نقاوم الفلاقة بالأسلوب الاستخباري الذي يطوق شملهم و أن يتم ذلك بالدخول في وسطهم و اختراق صفوفهم".

أظهر زايديد حيرته وعلى أنها حيرة المستصغر قبوله بالعرض حتى و إن كان ما يريده من صديقه غير واضح و غير مفهوم، و عقد الاثنان اتفاق لقاء ثاني بينهما.

لقد سبق و ذكرنا بأن زايديد كان مناضلا في صفوف الحركة من أجل انتصار الحريات و الديمقراطية، و ترقى في إطارها إلى مستوى المسؤولية، وهذا ما يؤكد ما كان عليه من روح وطنية عالية، إلا إن ظروف الحياة و ما حدث في صفوف الحركة فيما بعد جعله يبقى حياديا مهتما بشؤون عائلته، و مع اندلاع الثورة عاد إلى نشاطه الوطني مكن جديد و انبعثت فيه روح الوطنية، فاتصل برجالات الثورة و على رأسهم كريم بلقاسم.

 

فلم يترك زايديد الوقت يضيع منه، فما أن افترق بصديقه حشيش حتى اتصل بكريم بلقاسم و استعرض عليه تفاصيل قصة لقاءه مح حشيش و ما ينوي هذا الأخير القيام به ضد الثورة و ضد المجاهدين.

لم يندهش كريم بلقاسم و لم يعقب في بداية الأمر، بل فكر طويلا، ثم قال لزايديد ما عزم عليه و رتب له.

و طلب منه أن يبقى على اتصال دائم مع حشيش و أن يظهر له المودة و الإخلاص و أن يحثه على أن يحقق ما يريده، و قبل أن يودع كريم بلقاسم زايديد قدمه إلى المدعو محمد بازوران قائد ناحية عزازقة، ثم ودعهما في الأخير على أمل اللقاء.

 

التقى زايديد بحشيش الذي كان عائدا من العاصمة يحمل معه إلى زايديد خبر حصوله على أسلحة و ذخيرة و مال، و يبقى الحصول على العناصر من مهمة زايديد الذي أكد لصديقه أنه في صدد البحث عنهم و قادر على استمالتهم و تجنيدهم، لكن يجهل عدد العناصر المطلوبة، إلا أن حشيش رد عليه بأنه بحاجة إلى العشرات و المهم في الأمر أن لا يلفتوا الانتباه إليهم و يلتزمون بأشغالهم العادية نهارا، أما المهمة المطلوبة منهم فيتم تنفيذها ليلا فقط و عليهم بالإخلاص لفرنسا.

 

تواصلت اللقاءات بين زايديد و حشيش من أجل التحضير و الإعداد، و في نفس الوقت كانت تجري لقاءات بين زايديد و كريم بلقاسم الذي أشعر العقيد محمدي سعيد بما نوى القيام به لاستغلال مخطط العميل حشيش عن طريق زايديد، لكن العقيد محمدي سعيد لم يبد ارتياحه لهذه العملية لما تشكله من خطورة على حياة المناضل زايديد و باقي الوطنيين من أبناء المنطقة الذين تم الاتصال بهم للتجنيد كعملاء تحت قيادة حشيش و ضمن جهاز مخابراتي ليس من السهل الإفلات منه، كما أن تجربة العقيد محمدي سعيد مع "الجستابو" الألماني تركه يفكر طويلا، لكن إصرار كريم بلقاسم على تنفيذ خطته أصبح في نفسه عزيمة و إرادة، لأنه كان يعلم أن الوطني زايديد يمتاز بذكائه الحاد و شدة رزانته و هدوءه و هو الذي سيقود "فيلق العملاء" و ريثما يقوم حشيش بتسليحهم.

 

سارعت مخابرات الثورة، بالتحضيرات و الاستعدادات اللازمة و كذلك أهمية الاعتناء بهذا الملف السري، تم كل شيء دون أن يعلم ذكاء عناصر الأجهزة الفرنسية، رغم أنها كانت الناشطة بدون منافس في الساحة الجزائرية.

و هكذا سقط جهاز المخابرات الفرنسية في الفخ بسقوط " عصفوره الأزرق" بناه له وطني قروي بسيط اسمه زايديد دون سابق إنذار إلى جهاز المخابرات لجزائر الثورة، و هي العملية التي أطلق عليها و على منفذها قوة كا. FORCE K نسبة للحرف الأول من كلمة القبائل جند فيها زايديد رجالا من خيرة المناضلين الوطنيين الذين كانوا يشكلون جهاز اتصال، و الذي تحول فيما بعد إلى ما يسمى بجهاز الثورة للمخابرات.

 

و تلك العملية كانت الأولى من نوعها التي نجح فيها هذا الجهاز، مما رفعه إلى مستوى أجهزة الاستخبارات العالمية ليتطور مع مرور السنين و قد روى لنا المرحوم قاصدي مرباح كيف كان جهاز المخابرات مسيطرا على الأوضاع داخل الوطن و داخل فرنسا

 

لقد شارك في اختيار و تجنيد الرجال القائـد كريم بلقاسم، حتى يضمن التفوق و النجاح على جهاز المكتب الثاني، حيث تمكن زايديد أن يوهم حشيش العميل إلى أن وفر له المال و السلاح بمختلف أنواعه. و تم تسليح في الدفعة الأولى ثلاثين رجلا، و حصول على مبلغ من المال، و الذي وزع على المجندين.

 

دخلت "قوة كا " في تنفيذ العمليات العسكرية ليلا، و هي عمليات كان كريم بلقاسم يعدها و يحضرها بنفسه حتى يسيطر على الوضع، حيث كانت الاشتباكات تجري بطرق وهمية يعود بعدها المجندون إلى حياتهم العادية. و حتى الخسائر المادية و البشرية التي كان يتم الإعلان عنها. في الواقع كانت في صفوف الخونة و الحركة و العملاء الذين كانت قيادة الثورة تأتي بهم من مناطق أخرى، ليعدموا في ساحة المعركة حتى يتأكد لفرنسا وفاء المجندين " العملاء" و زاد " حماس" المخابرات الفرنسية فزادت في التجنيد و التسليح، و ما زال زايديد هو قائدهم، و صاحب القرار في الاختيار، حتى وصل عدد المجندين في "قوة كا" إلى 1500 رجل، و هو ما دفع كريم بلقاسم أن يعين المدعو محمد مخلوف من آيت وانيش مساعدا لزايديد الذي أصبح يتمتع بثقة الفرنسيين و صاحبه حشيش.

 

و لما تولى محمد مخلوف هذا المنصب أصبح التمويل بالأسلحة و الذخيرة، مباشرة من طرف أحد الضباط من جهاز الاستخبارات على مستوى المنطقة العسكرية بتيزي وزو، و كان هذا الضابط هو الذي ينقلها إلى قرية آيت وانيش ليستلمها منه محمد مخلوف في سرية تامة.

و ذات يوم وصلت تعليمات إلى زايديد تحثه عل جمع كل المعلومات عن صديقه حشيش، و كل ما يمكن معرفته عن شخص بلونيس  فأخبره بأنه عميل خطير يعمل مع ضابط المخابرات الموجودة بمدينة "غتراليس".

 

في الوقت الذي كان حشيش يخطط إلى بلوغ ما كان يطمح الوصول إلى تحقيقه، تمت الإجراءات لانعقاد مؤتمر الصومام، فأمر كريم بلقاسم بسحب المجاهدين من عملية العصفور الأزرق و تحويلها إلى قوة جهاد ظاهرة تتكلف بحماية المنطقة و الدفاع عنها في حالة شن أي هجوم فرنسي على المنطقة، و صادف هدا القرار لجوء الجنرال الفرنسي "أوكي" إلى التفكير جيدا في "قوة كا" مباشرة بعد تعيينه لتسيير هذه القوة فبدأ يراوده الشك. إلا أن "جاك سوستال" عارض هذا التعيين، و عين بدله النقيب "هنتيك"- الذي أول خطوة قام بها تمثلت في فتح تحقيق لمعرفة كل فرد من أفراد قوة كا-

 

طالب النقيب "هنتيك" تدعيمه بعناصر فرنسية من الفيلق الخاص للمظليين، و المعروف باسم " الصدمة 11" (11e CHOC)  حيث لبى طلبه الكولونيل ديكروس- و مده بثلاثين عسكريا، من بينهم سبعة عشر مظليا، و اثني عشر ضابط صف من ذوي الكفاءة العسكرية عالية، تحت قيادة الملازم - داكسل- ثم قدم "جون سرفيي" في مهمة سرية، لأنه يحسن التحدث بالعربية و القبائلية و الشاوية، و يعرف حسن المعرفة منطقة القبائل الكبرى و الصغرى. و أكد للنقيب بأن رجال "قوة كا" ليسوا كلهم من القبائل و لا ينتمون لناحية تيزي وزو و عزازقة. و بذلك تأكدت شكوك "هنتيك" و لكن ! !

 

سارع أسد الجبال كريم بلقاسم بإعطاء أوامر عاجلة لأفراد" قوة كا" للاتحاق بصفوف جيش التحرير الوطني، و بالتالي وضع حدا للمهمة و الانسحاب من غابة "تمغوت" جنوب بورفيدون- في حين التقى زايديد بصديقه الطاهر حشيش لإخباره بما حصل متجاهلا أمامه بانتماء بعض من عناصر "قوة كا" إلى المخابرات الجزائرية.

 

 و بعد فترة ظهر حشيش بوحشية يريد الانتقام لفشله من صديقه زايديد. لكن هذا الأخير كان أسرع منه فأخرج مسدسه 9 مم وصوبه في صدر حشيش حيث أطلق ثلاث عيارات سقط على إثرها حشيش ميتا من أجل فرنسا.

في نفس الوقت أعلنت القوات الفرنسية حالة طوارئ من منطقة القبائل، بعدما أصيبت مخابراتها بالجنون و انقلب كل شيء في باريس، فأمرت قيادة المخابرات الفرنسية و كذلك "جاك سوستال" بإبادة كل المجندين في "قوة كا" الشيء الذي حول المنطقة إلى جحيم من النار و الدمار.

و من جانب الطرف الجزائري فقد أعلن كريم بلقاسم عن التحاق 600 عنصرا من" قوة كا " بصفوف جيش التحرير. بينما العناصر الأخرى، منها من تسللت داخل المدن، و منها من دخلت في اشتباكات مع المظليين الفرنسيين.

 

لم يتناول الإعلام الفرنسي هذه الواقعة المتمثلة في انهزام مخابراتها، إلا بعد مرور عشرة أشهر، و لم يكن وقع الفضيحة على المخابرات الفرنسية فحسب، و إنما على فرنسا بقوتها العسكرية و الصناعية، و ما يليها من علم وثقافة.. و تلك هذه قصة العصفور الأزرق الذي تربى في عش فرنسا ثم طار ليرفرف و يحط في قمم جبال الجزائر الشامخة و ذلك هو الانتصار الذي حققه جهاز المخابرات الجزائرية و هو في عز تأسيسه.. لازال في مهده و تغلب على أقوى جهاز في أوروبا. و لأن الانتصار لا يعود في أصله إلى قوة عسكرية، و إنما يعود أصلا إلى الإيمان بقضية مالما كانت قضية إيمان الجزائريين هي تحرير الجزائر من بطش الاستعمار. وليس لدينا ما نقوله أكتر من قولنا انه كان استعمارا خبيثا و خبيثا جدا.

عمر 28/10/2016 22:41

رائع

maria 01/11/2016 23:48

شكرا اخي عمر لقد نقلنا مثل هده الاحداث ووثقناها عبر الانترنت حتى لا يتم نسيانها مع مرور الوقت وحتى يعرف الراي العالم العالمي ان الشعب الجزائري له تاريخ دهبي في المقاومة والثورة