Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب جواسيس في مهام سرية /الجاسوس الإسرائيلي/صالح مختاري

الجاسوس الإسرائيلي

لوتس الذي خدع أجهزة

 الآمن المصرية

 

 

 

 

لقد جاء في أحد كتب مشاهير العلماء اليهود و هو "شارلز بورتيوس شتاينميتس" في بدايات هذا القرن قوله "سوف يشهد المستقبل طائفة من الأمم الصغيرة و المستقلة تكون المعرفة خط الدفاع الأول فيها" و قد صدقت نبوءة هذا اليهودي الألماني الذي برع في الهندسة الكهربائية حيث لخص بدقة مدهشة الوضع الذي وجدت فيه إسرائيل نفسها منذ أيامها الأولى.

 

لقد أخذت على عاتقها منذ البداية الأولى مهمة المعرفة الشاملة و الدقيقة لنشاطات أعداءها، و أعطت بذلك أهمية لا تقل عن الأهمية التي أولتها للمدافع و الطائرات و المراكب البحرية المقاتلة السريعة و لا غرو في هذا، فإسرائيل التي غرست قصرا في فلسطين محاطة بأمم معادية لها تملك من الوسائل و الإمكانيات البشرية و الطبيعية ما لا يمكن مقارنتها مع إمكاناتها فعدد سكان هذه الدول يساوي عشرين ضعف سكان إسرائيل و مساحتها تساوي خمسين مرة ضعف مساحة إسرائيل و هذه الدول هي ( مصر- سوريا- العراق- لبنان- الأردن). و أمام هذا التفوق العددي في القوى و الرقعة الجغرافية فإن مؤسسي دولة إسرائيل تنبئوا منذ الوهلة الأولى بحجم المخاطر التي سوف تعترض طريقهم، و قد كان الحل بالإضافة إلى محاولة تحقيق مبدأ (التفوق النوعي) يتمثل في إنشاء جهاز استخبارات يكون من اكتر أجهزة العالم فاعلية و تأثيرا و قد كان "دافيد بن غوريون " الرجل الأول الذي كان وراء تأسيس و تطوير هذا الجهاز الإسرائيلي.

 

إن الاستخبارات الإسرائيلية المتمثلة في الموساد عرفت انتصارات و انكسارات، خلال فترة حياتها التي تعتبر قصيرة إذا ما قورنت بالاستخبارات العالمية المشهورة. و يعتمد الموساد في تجنيد أعضائه على الأشخاص الذين يتحلون بروح وطنية عالية لأن غاية الموساد الوحيدة، هي توفير الحماية و الحفاظ على استمرار دولة "إسرائيل" و مهمة الموساد هو زرع عملائها في البلدان التي تشكل خطرا على كيان إسرائيل.

 

و تعتبر سوريا و مصر بعد منظمة التحرير الفلسطينية من الدول الأشد عداء لإسرائيل خاصة في بداية إنشاء الدولة الإسرائيلية و يأتي هذا بحكم الحدود الجغرافية التي تربط إسرائيل بالدولتين العربيتين المذكورتين، ناهيك عن الإمكانات العسكرية التي تتمتع بها كل من مصر و سوريا و عليه فإن إسرائيل تحرص كل الحرص على زرع احسن عملائها في هذين البلدين إن الجاسوس "لفغانغ لوتس" من هو لوتس هذا يا ترى ؟ إنه يهودي من مواليد 1921ببلدة "مانهايم" بألمانيا من أب ألماني و أم يهودية كانا يعملان كممثلين في المسرح، لقد تلقى لوتس تربية ألمانية في منشئ الأم ومع أن أمه كانت يهودية لكنها كانت غير متحمسة للسياسة اليهودية، الأمر الذي جعل والديه يتغاضيان عن ختانه. و ما أن بلغ لوتس العاشرة من العمر حتى انفصل والداه عن بعضهما و وقع الطلاق بينهما و في الثانية عشر من عمره  رحل  لوتس مع أمه إلى فلسطين على إثر هجرة اليهود من ألمانيا نتيجة الاضطهاد الذي لاقوه من طرف النازية الألمانية في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية. تلقى لوتس تعليمه في فلسطين بالقرب من تل أبيب، و قد أصبح بعد حين من الوقت خبيرا في ترويض الخيول و ركوبها.بعدها التحق بجيش "الهاغاناه" السري الذي أقامه المستوطنون اليهود في فلسطين و هو الجيش الذي انظم فيما بعد إلى الجيش النظامي الإسرائيلي. كانت وظيفة لوتس في جيش الهاغاناه" هو القيام بدوريات الاستطلاع  و الحراسة على ظهر حصانه بالقرب من المدرسة التي تعلم بها.

 

و من صفات هذا الجاسوس أن مظهره يوحي أنه أكبر من سنه، الشيء الذي سمح له أن يزيف أوراقه بكل سهولة. عند بداية الحرب العالمية الثانية انخرط في الجيش الإنجليزي، و كان يتقن اللغة العربية و العبرية و الألمانية  و الإنجليزية، و هو ما جعل منه رجلا ذا شأن سيما في استجواب الأسرى الألمان. قضى لوتس فترة الحرب العالمية الثانية كلها في مصر، و رقي إلى رتبة رقيب (كوارتر ماستر سارخبت) و لما وضعت الحرب أوزارها عاد لوتس إلى فلسطين و زاول في بادئ الأمر عملا إداريا في مصفاة الزيوت بحيفا إلا أنه لم يتأقلم مع هذا العمل الروتيني و هو الذي دأب على العمل الديناميكي المثير لذا فإنه سرعان ما اشتغل في تهريب الأسلحة إلى جيش "الهاغاناه" و ظل كذلك إلى أن كان الإعلان عن قيام دولة إسرائيل عام 1948.

 

و قد شارك لوتس في أهم معاركها و بعد نهاية الحرب بقي في الجيش و أصبح آمرا للواء المشاة في حملة السويس برتبة ماجور. و بعد مدة قصيرة اتصل به رجال الموساد فعرضوا عليه الانضواء تحت رايتهم.

و قد وقع الاختيار على لوتس لأنه يتميز بصفات جد إيجابية في حقل الاستخبارات منها إتقانه لعدة لغات و شجاعته و حبه للمجازفة و طبيعته المنبسطة و المتفتحة، كما أنه يتمتع على قدرة في التمثيل و تحويل الحقيقة إلى باطل، و هذا ليس صعبا على ابن كانت أمه تشتغل ممثلة في المسرح، كما أن صفاته الجسمية كانت تدل على أنه من العرق الجرماني، حيث أنه أزرق العينين و أشقر الشعر، و حين عرض عليه الانضمام إلى الموساد كان عمره 35 سنة و لم يكن يرغب في مواصلة العمل في الجيش لأن تدريب العسكريين عمل ممل بالنسبة إليه، و عليه فضل الانضمام إلى رجال الموساد و تقبل المهنة الجديدة مسرورا، و لما دخل لوتس حياة الجوسسة و بدأ في العمل الجاد و التدريب الشاق لعدة أشهر إلى أن تمكن من إتقان مختلف جوانب الجوسسة، و قد درس التاريخ، خاصة تاريخ مصر لأنه مهيئا للعمل فيها. و في سنة 1957 صدر القرار بإرساله إلى مصر في مهمة جمع المعلومات الخاصة بالأسلحة التي تمتلكها مصر و التي تأتيها من الاتحاد السوفييتي  سابقا، و الخاصة أيضا بالخبراء و المهندسين الألمان المتخصصين في مجال الطيران الذين وصلوا إلى مصر بدعوة من حكومة جمال عبد الناصر. و قد وجد الموساد في لوتس الرجل الأنسب للقيام بهذه المهمة باعتبار أن ما يتمتع به من مزايا و من صفات مكتسبة تتيح له فرص كسب أبناء بلده الألمان في مصر. و قبل أن يرسل بلوتس إلى مصر عمد الموساد بكل ما أوتي من وسائل إلى تمويه شخصية لوتس الحقيقية و قد اتفق رجالاته على أن يحتفظ الجاسوس باسمه الحقيقي، لكنه ألماني ولد في ألمانيا و بقي فيها، بل أنه كان في جيش "المارشال رومل" في إفريقيا حين بدأت الاستعدادات للحرب. بعد الحرب ذهب لوتس إلى أستراليا و بقي فيها أحد عشر عاما و هو يربي الخيول، بعدها عاد إلى بلده ألمانيا، و منها سافر إلى مصر، أما عمله في مصر فهو تربية الخيول بالطبع و هكذا كان لتعلم لوتس تربية الخيول في شبابه فضلا لم يتوقعه أحد.

 

إن أول خطوة قام بها لوتس قبل أن يبدأ العمل في مصر أنه سافر إلى ألمانيا، و هذا سنة 1959، و أقام في برلين، و تظاهر أمام السلطات الألمانية أنه سئم العيش في إسرائيل و أنه تواق للعودة إلى بلده الأصلي و مسقط رأسه، و لقي كل المساعدة من أجل الحصول على الأوراق الثبوتية اللازمة و انتقل بعد حين من برلين إلى ميونيخ. و بعد أن قضى سنة كاملة في ألمانيا رأى لوتس و رؤساءه في الموساد أن وقت سفره إلى مصر قد حان فاتجه رأسا إلى مصر في جانفي 1961 . الخطوة الثانية التي سعى إليها لوتس في مصر هو الوصول إلى أندية السباق و تربية الخيول، و من حسن حظه أن أول الأندية التي ذهب إليها كان نادي الفرسان الراقي بالجزيرة، الذي يعتبره ضباط الجيش المصري من أحسن أندية الخيول. و أول تعارف له هناك كان مع رئيس الشرطة المصرية "يوسف علي غراب" و قدم لوتس نفسه على أنه مربي الخيول و سرعان ما تصادق الرجلان. و لم تمض أيام فقط حتى ذاع صيت لوتس بين أندية الخيول و الرياضات المختلفة و في أوساط الأثرياء الهاوين لمختلف الرياضات، و بدأت الدعوات تتهاطل على عليه لحضور الحفلات و مآدب العشاء، وكان لوتس يرد على مضيفيه بدعوات مماثلة يحسن فيها ضيافتهم و يغدق عليهم الهدايا و يبالغ في إكرامهم، و هو في ذلك ينوي التعرف على الشخصيات الحكومية و على الضباط و الضباط السامين في الجيش و يترقب درجة رتبهم و ألقابهم العسكرية بكل حذر و استطاع بمساعدة صديقه غراب أن يشتري عددا من الخيول و أن يضعها في نادي الفرسان. بعد قضاء 6 اشهر عاد لوتس إلى ألمانيا ليقدم تقاريره إلى رؤساءه هناك. و ارتاح رؤساءه أيما ارتياح للنتائج التي أحرزها لوتس و اعتبر بعد ذلك عين تل أبيب في مصر. و بعد أيام فقط قفل لوتس راجعا إلى مصر، و كان قد تسلح بمبالغ مالية كبيرة و بجهاز إرسال لاسلكي. و استطاع لوتس أن يهرب هذا الجهاز في كعب حذاء لركوب الخيل اشتراه من ألمانيا. و أثناء تواجد لوتس بألمانيا التقى بفتاة شقراء فاتنة تدعى " ألترود مارتانويمان" و هي لاجئة من ألمانيا الشرقية، تقيم في أمريكا، و كانت آنذاك تقوم بزيارة لأهلها في ألمانيا، و سرعان ما وقع الاثنان في قصة حب انتهت بعد أسابيع قليلة بالزواج. و كانت هذه الحادثة مجهولة لدى رؤسائه في الموساد، و لكن لوتس أخبرهم بأنه متزوج و قد قرر أن لا يعود إلى مصر دون زوجته، و هذا أمر يقلق الموساد لأن مهمة لوتس في مصر تحتاج إلى أن يكون وحده، وزوجته تعرقله و تكون خطرا على اكتشاف حقيقته. لكن الموساد لم يجد بديلا للوتس الذي أقنع رؤساءه بأنه سيؤدي مهمته على أحسن وجه و لن تكون زوجته سببا معرقلا له. و وعد رجال الموساد بأن يفيدهم اكثر في المستقبل بتقاريره المحكمة و المفصلة عن الأوضاع السياسية و العسكرية في مصر و عاد لوتس إلى مصر في عام 1961 على متن السفينة الإيطالية "اوسونيا" و هي السفينة نفسها التي سافر عليها الجاسوس اليهودي "إيلي كوهين" من إيطاليا إلى بيروت بعد سبعة أشهر فقط. و عند وصول لوتس إلى ميناء الإسكندرية وجد في استقباله رئيس الشرطة المصرية " غراب" بسيارته ليقله إلى القاهرة حيث أقيم حفل مفرط السخاء لتكريمه. كان لوتس يتقاضى مرتبا شهريا قيمته 850 دولار، لكن نفقاته لم تكن محدودة فهو السائح الثري الذي يملك موارد مالية كبيرة. و قام لوتس باستئجار شقة واسعة ( 16، شارع إسماعيل محمد حي الزمالك المترف) و كانت الشقة على مقربة من نادي الفرسان كما قام باستئجار إسطبلا بالقرب من الأهرام لخيله و مباني لمدرسته .

 

و فور وصول لوتس إلى مصر رتب أموره كما ينبغي و استعد لوصول زوجته إلى القاهرة كان فرح زملاءه هناك يفوق سعادته بزوجته، إذ أقاموا له حفلا رائعا بمناسبة زواجه. و أصبح لوتس و زوجته يقضيان النهار في ركوب الخيول، أما الليل يقضيانه في السهرات و الحفلات، و ازدادت معارف لوتس و توسعت أكثر، و أصبح يعرف من العسكريين و السياسيين أعدادا كبيرة نذكر منهم على سبيل المثال العميد فؤاد عثمان و العقيد محسن سيد و كلاهما عضوان نشطان في الجيش المصري، فؤاد عثمان يشغل منصب رئيس أحد المصانع الحربية و محسن سيد رئيسا بقواعد الصواريخ، و هما المؤسستان اللتان بعمل لوتس جاهدا من أجل الحصول على معلومات دقيقة عنهما و ازداد اهتمام لوتس بالعميد فؤاد عثمان و بحسين الشافعي نائب رئيس الوزراء. و أحد مستشاري الرئيس جمال عبد الناصر، اللذان أصبحا يترددان على مآدب الغذاء و العشاء التي يقيمها لوتس خصيصا لهما، على الأمر الذي سمح له بالاطلاع على القرارات الخطيرة التي ستتخذها الدولة قبل أن يعرف موظفو الحكومة الرسميون شيئا فيها و لم يكتف لوتس بمصاحبة رجال الدولة المصرية فحسب بل كانت له معارف وطيدة بالخبراء و المهندسين الألمان المقيمين بالقاهرة. و قد حذر العميد عثمان فؤاد، لوتس من أحد الألمان العاملين في إحدى الشركات الصناعية و قال له أن أمره مشكوك فيه فهو يعمل هنا بصفته رجل صناعة لكننا مقتنعون بأنه جاسوس يعمل لحكومة بون، و نحن نتيح له التصرف بحرية، لآن الرئيس عبد الناصر يرغب في قيام علاقات طيبة مع الألمان، واعتذر فؤاد عثمان في النهاية إلى لوتس و قال له "لا تؤاخذني في هذا القول، أنت رجل بسيط لا دراية لك بعمل الجاسوسية القذر، و لكنني أحببت أن أنبهك إلى ما يدور حولك" و تقدم لوتس بالشكر الجزيل لفؤاد عثمان على النصيحة و وعده أن يأخذ حذره منه و أن يتجنبه بقدر الإمكان.

 

و هكذا كانت حياة لوتس تمضي بين تربية الخيول و إقامة الصداقات و الحفلات، و كان شديد الحرص على تقديم المعلومات اللازمة لرؤسائه بتل أبيب في الأوقات المحددة بالليل و قد كان اختيار هذا الوقت هو نقطة الضعف في أعمال لوتس إذ أن المكان الذي كان يبث منه رسائله إلى تل أبيب مليء بالسفارات الأجنبية، و بطبيعة الحال توجد لدى هذه السفارات أجهزة اتصالات لاسلكية مختلفة كانت تمارس في العادة بثها الهاتفي في أوقات النهار الأمر الذي لفت انتباه أجهزة الترصد اللاسلكي لدى المصريين للمكالمات غير المفهومة و التي تبث ليلا باستمرار و قد شددت أجهزة الترصد المصرية على هذا الجهاز الغريب و بدأت تحصره تدريجيا حتى أمكن تحديده في الشقة التي يسكنها لوتس. و وضع بعد ذلك لوتس تحت المراقبة السرية لعدة أيام، و بعد أن اقتنع رجال الاستخبارات المصرية بأن لوتس يملك أجهزة إرسال لاسلكية، اقتحمت منزله و هو داخلها و فوجئ لوتس و اضطرب لكنه حاول المراوغة و أنكر أنه يعلم بأي إرسال. و أمام الحجج الدامغة اعترف بوجود الجهاز، و دلهم على مكان وجوده  و عثر بعد ذلك على متفجرات  و على فيلم للصور المصغرة (ميكروفيلم) كما عثر على أوراق نقدية تصل قيمتها إلى 75 ألف دولار.

 

و أثناء الاستجواب تمسك لوتس بمقتضيات السيناريو الذي وضعه رؤساءه في الموساد فهو ألماني تلقى تعليمه في ألمانيا و أثناء الحرب العالمية الثانية التحق بالجيش و عمل في الجيش الألماني بإفريقيا، و هناك تعلم ركوب الخيل و ترويضها و بعد نهاية الحرب سافر إلى أستراليا حيث قضى الأحد عشر عاما فيها ثم عاد إلى ألمانيا أستاذا في تربية الخيول، و هناك عمل بإحدى أندية ركوب الخيول في برلين، و بعد قضاء عدة أشهر عرض عليه عرض مغري من طرف إحدى أعضاء النادي الأقرباء إن كان راغبا في إنشاء مؤسسة خاصة لتربية الخيول العربية الأصيلة،  وكان هذا هو الحلم الذي راوده منذ الأيام التي قضاها في إفريقيا. و قد وافق لوتس على ذلك العرض بكل سرور. و اختير له المكان الذي يقيم فيه مؤسسته على أن يكون مصر. و كانت كل النفقات و الأموال اللازمة قد تحملها هذا الشخص الثري الذي يدعى "إلياس غوردون" و قال : " لم أكن أعلم أني كنت مدفوع إلى المصيدة".

" بعد أن أقمت في مصر و أسست ناديا لركوب الخيل و تربيتها كشف لي عن حقيقته و تبين لي بعد ذلك أنه عميل لليهود في أوربا و يود أن أكون عميلا لليهود في مصر، و أنقل المعلومات إلى إسرائيل مقابل حصولي على مزرعة خاصة لتربية الخيول.. و وافقت على ذلك، أنا رجل ضعيف و أخاف من اليهود لأنهم قوم لا يرحمون من لا يمتثل لأوامرهم"

 

هكذا مثل لوتس لمستجوبيه على أنه جندي ألماني بسيط، و الغريب أنه استطاع أن يقنعهم، و ربما يعود السبب في ذلك أن سياسة جمال عبد الناصر كانت تحابي الألمان في هذه الأثناء كانت الصحف العربية في حالة استنفار تتكلم حول الجاسوس اليهودي "إيلي كوهين" الذي اكتشف أمره بعد أن استطاع أن يرتقي إلى أعلى الرتب في الجيش السوري و كاد أن يعين وزيرا للدفاع في سوريا. و لما كانت العلاقات المصرية السورية في تلك المرحلة تمر بحياة من التوتر نتيجة انفصال سوريا عن مصر سنة 1961، عمد المصريون إلى التكتم حتى تبقى سوريا و كأنها  المتورطة الوحيدة في الفضائح من هذا النوع. و في الاستجواب ألح المستجوبون على إجراء اختبار للتحقق من صحة أقوال و تصريحات المتهم، بإجراء فحص طبي عما إذا كان مختونا أم لا، و بعد الفحص تبين أنه غير مختون و هذا ما لم يدع أي مجال للشك في هوية و جنسية المتهم الذي يكون قد شكر والديه على ذلك الجميل الذي نجاه من حبل المشنقة. لقد ارتاح المستجوبون و تأكدوا من صدق كلام لوتس و قبل المحاكمة، وافق لوتس على توجيه حديث عبر التلفزيون إلى رفقاءه الألمان. و كانت زوجته تجلس بجواره و قد قال : "عملت في شبكة الجاسوسية الإسرائيلية في مصر منذ عام 1961، و قد أرسلت إلى الإسرائيليين معلومات تفصيلية عن الصواريخ السوفييتية في قواعدها بمنطقة قناة السويس، و قمت بمهمات تجسسية أخرى ..إنني نادم على ما فعلت، و لم أتحقق إلا الآن من نتيجة الأضرار التي اقترفتها، و قد عاملني المصريون معاملة إنسانية حسنة في السجن، و إذا أراد الإسرائيليون أن يبعثوا الجواسيس إلى مصر ليرسلوهم من بني قومهم في المستقبل، و لا يجندوا الألمان الشرفاء للقيام بالمهام الدنيئة، و أنا أنصح الألمان جميعا أن يعدلوا عن التفكير و العمل في مثل هذه المهنة الخسيسة"

 

و كان المصريون مرتاحين جدا للطريقة التي تكلم بها أسيرهم النادم كما أن رجال الموساد استقبلوا حديث لوتس المتلفز بنفس الارتياح و الابتهاج الذي حل بالمصريين، لقد برهن لوتس للموساد أن المصريين لا زالوا مقتنعين بصحة أقواله و أن حقيقته لا زالت في طي الكتمان. و جاء يوم المحاكمة في جويلية 1965، و كان في الدفاع محامي و مراقب من ألمانيا لحضور الحكم، و قد واصل لوتس روايته و دوره التمثيلي على أحسن وجه. و قد قال بخصوص زوجته : " لقد التقيت بها مصادفة في القطار و كانت تعلم أنني أبث الرسائل من الجهاز اللاسلكي الذي كان في غرفة النوم، قد كانت تشاهدني و أنا أقوم بذلك لكنها كانت تعتقد أني كنت أفعل ذلك لمصلحة الناتو (الحلف الأطلسي).

 

أما زوجته فقالت : " لقد صعقت لمعرفة حقيقة ما كان يقوم به زوجي من نشاطات و لكن  واجبي يقضي بأن أقف معه في أوقات المحن و الشدائد، و مهما يكن الأمر غريبا في نظركم، إنني أحب زوجي الآن أكثر من أي وقت مضى إن مصيره بين أيديكم و أنا التمس منكم ألا تقسوا عليه كثيرا". و انتهت المحكمة إلى القول أن لوتس جاسوس لكنه ألماني و ليس يهوديا. و تابعت عين تل أبيب في القاهرة جلسة المحاكمة لحظة بلحظة و كلمة بكلمة، كما تابع المصريون وقائع الدفاع و الاتهام و الاعتراف بكل كلمة. و انتهى الجميع إلى الاقتناع بما مثله لوتس و كانت الاستخبارات الإسرائيلية تظن أنها الوحيدة التي تعرف حقيقة عميلها لوتس. و جاءت اللحظة التي فصلت في الموضوع و كشفت حقيقة هذا الجاسوس، إنها لحظة وصول رسالة من ألمانيا، بعث بها محامي من ميونيخ اسمه "ألفرد زايدل " و كان هذا المحامي يمثل بعض عائلات ضحايا الرسائل الملغومة و قد أعلم هذا المحامي المتعطش للانتقام بالنيابة عن موكليه، أعلم في رسالته المحكمة المصرية أن لوتس مواطن إسرائيلي في واقع الأمر و ليس ألمانيا و ذكر المحامي السنة التي هاجر فيها لوتس إلى إسرائيل، و أشار إلى أن أمه يهودية. كما أنه كشف حقيقته و ذكر أنه عمل في الجيش الإسرائيلي بصفة ضابط، و أن الموساد هو الذي أرسله إلى ألمانيا ثم من هناك إلى مصر.

و لما سمع  لوتس هذا الكلام خانته شجاعته لحظة، ثم جمع قواه و قال : "هذا افتراء علي، يريدون به إعدامي شنقا..

و أقسم لوتس في الجلسة الختامية المغلقة، أنه صادق فيما يقول و أنه ذهب إلى إسرائيل ذات مرة، بقي هناك ستة أيام بعد أن ألح عليه رؤساءه في أوربا للاجتماع مع الاستخبارات الإسرائيلية. و أن الكلمة الصحيحة الوحيدة التي وردت في الرسائل هي اسم المدينة التي ولدت فيها إنها بلدة "مانهايم".

و في 21 أوت 1965 أصدرت محكمة القاهرة أحكامها على لوتس و زوجته، حكم على لوتس بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة و بغرامة مالية قدرها 3253950 من الجنيهات المصرية كما حكم على زوجته بالسجن لمدة ثلاث سنوات و بغرامة مالية قدرها ألف جنيه مصري. أما العميد غراب فقد جرد من رتبته و أدخل السجن.

 

قضى لوتس عامين في سجن "ليمان طره" و كانت زوجته في سجن آخر، و لما نشبت حرب الأيام الستة 1967. أدخلت تغييرات على حياة لوتس، و كذلك الجواسيس السجناء الآخرين. حيث نقلوا إلى زنزانات سرية للغاية، ثم أعيدوا إلى أماكنهم فور انتهاء الحرب. و رغم كل التقلبات و الأحداث بقي لوتس يتمتع بمعنويات متماسكة لأنه كان متيقنا أن من مبادئ الموساد الأساسية، محاولة إطلاق سراح الأسرى من عملاءه بل استعادة أجساد من يموتون من الجواسيس. لكن قدرة الموساد تبقى مع ذلك محدودة لقد عجزت مثلا عن تخليص إيلي كوهين الذي أعدم في سوريا و كذلك جواسيس آخرين كانوا في السجن معه لقوا حتفهم بحبال المشنقة و لم يستطع الموساد أن يفعل أي شيء.

بيد أنه في المفاوضات حول تبادل الأسرى بين الحكومتين المصرية و الإسرائيلية بواسطة السكرتير العام للأمم المتحدة و هو "أوثانت" و ممثله في الشرق الأوسط "غورنار يارنغ" تحقق أمل لوتس حيث انتهى الطرفان على الاتفاق التالي : إطلاق سراح 5000 جندي مصري مقابل جماعة من رجال الضفادع و الطيارين الإسرائيليين. إطلاق عشرة من العمداء المصريين و عدد آخر من الضباط السامين، مقابل الإفراج عن الجواسيس العشرة الموجودين في سجون مصر.

 

و كان اسم لوتس يتصدر قائمة الجواسيس المطالب بالإفراج عنهم. و هكذا و لأول مرة كشفت إسرائيل النقاب عن حقيقة لوتس، و اتضح أنه إسرائيلي، و ليس ألمانيا و استمرت المفاوضات ثمانية أشهر كاملة. وافق جمال عبد الناصر على طلب إسرائيل شريطة أن تتم العملية بكل سرية. و أطلقت إسرائيل سراح عدد من العمداء المصريين قيل أن يطلق سراح جاسوس واحد. لكن في النهاية وفى عبد الناصر بوعده و أطلق سراح الجواسيس الإسرائيليين الذين كانوا يعانون من أمراض مستعصية الشفاء، كالسرطان و القلب و وصل الجواسيس إلى تل أبيب في سرية تامة دون إعلان عنهم.

و قد وصل لوتس و زوجته تل أبيب فعاشا في منزل متواضع بضواحي المدينة، و بعد سنوات قليلة توفيت زوجة لوتس و بقي لوحده و لا زال حيا يرزق، و قد جرب حظه لأن يكون أحد أصحاب رؤوس الأموال الكبار في الولايات المتحدة الأمريكية إلا أنه فشل، كما أراد أن يعود إلى ممارسة نشاطه المفضل في تربية و ترويض الخيول بإسرائيل، إلا انه فشل أيضا. و عندما زار السادات القدس و أبرمت معاهدة الصلح بين مصر و إسرائيل قال لوتس"لعلهم يسمحون لي بالعودة إلى مصر فبودي أن أقيم مدرسة لركوب الخيل على ضفة النيل لكنه تدارك فظاعة فعلته أيام زمان حين قال : "إنهم لا يسمحون لي بذلك، قد استغفلتهم كثيرا، و لا أظنهم يغفرون لي ذلك أبدا