Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب جواسيس في مهام سرية /صالح مختاري

رأفت الهجان جاسوس مزدوج

حقيقة أم مغالطة ؟

 

 

 

في كتابه "حرب إلى الأبد " يروي مشويه دايان أنه إثر لقاء عقده بالمغرب في 18 سبتمبر 1977 مع حسن التهامي الذي كان نائبا للرئيس المصري، قال له هذا الأخير أنه في حرب الأيام الستة كان لشبكة المخابرات المصرية عميل على مستوى إستراتيجي عمل في إسرائيل طيلة سنوات و كان يمدهم بتقارير تفيد بأن إسرائيل تنوي الهجوم على الجيش المصري بين الثالث و السادس جوان 1967.

 

و في اللقاء نفسه سأل التهامي ديان قائلا :"قل لي بصراحة، هل كان ناصر شريككم في تلك المؤامرة ؟ و إلا كيف أمكن لهزيمة كتلك أن تقع؟ و أضاف موشيه أن التهامي أكمل قوله  هو يرتجف غضبا و احتقارا" لقد دفع هذا الرجل المجنون مصر إلى حافة الهزيمة ؟

 

و لم يرد التهامي على أقوال دايان لأنه كان يعلم أن الهزيمة التي ألحقت بالجيش المصري عام 1967 قد تحققت فيما تحققت بفضل عملية معقدة خاصة استخدم فيها عميل مزدوج ضد المخابرات المصرية. و قد بدأت العملية قبل عشر سنوات من حرب الأيام الستة و استمرت سنوات طويلة، و في أعقاب حرب الأيام الستة وجدت وثائق مختلفة في مكاتب الاستخبارات العسكرية المصرية تثبت بأن العملية هي إحدى العمليات الكبيرة و الناجحة التي شهدها عالم التجسس حيث أعلنت مصر بعد سنوات من نهاية تلك الحرب عن بطل قومي جديد، عميل مصري، يدعى رفعت كان يعمل في إسرائيل طيلة عشرين سنة و تغلغل في قمة السلطة الإسرائيلية، و من خلال تصادقه مع كبار الضباط في الجيش الإسرائيلي تحصل على معلومات بالغة الأهمية عمل على نقلها إلى المخابرات المصرية.

 

و لم تتردد الصحافة المصرية في التوسع بوصف قصة و بطولة ذلك الجاسوس، كما صدر كتاب يحمل عنوان " كنت جاسوسا مصريا " و أخرج المسلسل التلفزيوني " رأفت الهجان " وقد قلبت وسائل الإعلام الإسرائيلي الموازين ووصفت البطل المصري بالجاسوس المزدوج الذي استغلته إسرائيل لخدمتها على مدى السنين إذ كان يمدها بمعلومات مهمة عن بلاده بعدما انكشف أمره لديها و نشرت صحيفة "معارف الإسرائيلية" مقالا مطولا ما ملخصه أن الجاسوس انهار بسرعة وروى قصة حياته التي بدأت في شهر ماي 1955، لما وصل يهودي يدعى جاك بيتون(رأفت الهجان) كمهاجر جديد من مصر إلى تل أبيب فحاول اثر قيامه هناك، وبعد مدة سنة، القيام بعدة مشاريع اقتصادية جلبت له الأموال فأخذ يسافر بين الوقت و الآخر إلى روما يجمع ما يريد إلى تل أبيب و هو في الوقت نفسه أو في الحقيقة يلاقي مسؤوليه المصريين حتى نخبرهم عن كل كبيرة و صغيرة، و في ليلة ماطرة، في شمال تل أبيب اقتحم مسكن بيتون و الساعة لم تشر بعد إلى منتصف الليل و بعدما أبلغ أنه معتقل اقتيد إلى لقاء مع محققيه الذين أكدوا أن التحقيق معه تم بسرعة أكبر مما كانوا يتوقعون إذ انهار جاك و روى لهم تفاصيل قصة حياته و خطة تسلسله إلى إسرائيل كعميل للاستخبارات المصرية.

 

ولد جاك بيتون عام 1927 في عائلة مسلمة مؤمنة في القاهرة و ما أن أتم دراسته الثانوية حتى قبل في كلية الضباط في الشرطة، لكنه ترك بعد عدة أشهر و أخذ يعمل في أعمال مختلفة، و كان رفعت، و هو اسمه المسلم، يعمل بين الآونة والأخرى في مقهى والده، حيث تصادق مع شخص من المباحث المصرية الذي كلفه مع الوقت بإبلاغه عن اليهود المشبهين بالصهيونية فتمكن بيتون من توسيع معارفه بين الطائفة اليهودية و مع استمرار العلاقة بينه و بين رجل المباحث المصرية كشف له هذا الأخير عن نيته و أخبره أنه اختير للعمل بشخصية أخرى كيهودي و أنه أعد له جواز سفر مصري باسم جاك بيتون.

 

 و سافر بيتون إلى إيطاليا بجواز سفره ذلك مع تأشيرة دخول إلى روما حيث أعدت له هناك سلسلة من اللقاءات مع المسؤول المصري، و حسب التعليمات التي تلقاها في روما توجه إلى القنصلية الإسرائيلية و طلب تأشيرة إسرائيلية لقاء تأشيرته المصرية و منذ تلك اللحظة حصل بيتون على مكانه كمهاجر جديد.. و أثناء فترة بقائه القصيرة في إيطاليا و كذا أثناء رحلته في الباخرة تمكن من مصادقة عدد من اليهود و إثر وصوله إلى تل أبيب استأجر شقة و شرع في أداء مهمته التجسسية إلى أن اعتقل فحول من جاسوس مصري إلى عميل مزدوج. و تضيف نفس الصحيفة أن جاك بيتون تعاون مع محققيه الإسرائيليين و ظهر في التحقيق كرجل حكيم سريع البديهية و ذو قدرة على عقد علاقات شخصية سريعة و ودية فكانت هذه فرصة ذهبية لتنظيم عمل درسه الخصم المصري خاصة و أنه يحظي بالثقة الكاملة من هؤلاء إلا أن مشاكل عديدة برزت فور تنظيمه نبعت أساسا من حقيقة وجود أقرباء له في مصر من شأنهم أن يكونوا رهائن في أيدي الاستخبارات المصرية إذا ما انكشفت حقيقته و كيفية الرقابة على اتصالاته مع المصريين إثر الذهاب للقاء مسؤوليه في أوروبا أو في مصر، بالإضافة إلى مشاكل شخصية، مالية و اجتماعية سببها طابعه المتقلب أو المشاكل النفسية التي نشأت عقب تنظيمه إلا أنه تمكن من أدواره و صمد أمام كل الضغوط فحظي في ختام اللقاءات و الاستجوابات بوسام و بحوافز مالية ضخمة من مسؤولية المصريين و عند عودته إلى إسرائيل اضطر إلى الدخول في دائرة ثانية من الاستجوابات المضنية فاجتاز المهمة بنجاح و تلقى حوافز ضخمة من الجانب الإسرائيلي أيضا.

 

و بعدما صالت به جريدة معاريف و جالت حيث نشرت أن "جاك بيتون" أو "رأفت الهجان" كان عميلا مزدوجا يعمل لحساب المخابرات الإسرائيلية مخادعا بذلك وطنه و أنه أفاد المخابرات الإسرائيلية بمعلومات ذات قيمة في حرب الأيام الستة.

 

 لقد كان لا بد على مصر أن ترد على الجريدة الإسرائيلية و تبطل مزاعمها و تكذب ادعاءاتها فجاءت التساؤلات التالية كيف تمكن من مد إسرائيل بمعلومات عن مصر و هو لا يعيش فيها ؟ و إذا كان حقيقة عميلا مزدوجا فلماذا يخبر مسئوليه المصريين بموعد 5 جوان 1967 و يمدهم بخرائط خط بارليف؟ و إثر تحقيق صحفي أجرته الصحيفة الإسرائيلية سماداربيري  عن رأفت الهجان في جريدة "يديعوت احرنوت" مع رجل مخابرات إسرائيل سألته عن صحة قصة رأفت الهجان، أنكر الرجل بشدة و قال :" أن كاتب القصة يقول أن رأفت الهجان عاش في إسرائيل عشرين عاما و هو شيء مستحيل لأن أي عميل لجهاز ما لا يستطيع الاستمرار في دولة معادية لأكثر من خمس سنوات فقط، يسقط بعدها تحت ضغط التوتر و القلق و الخوف معا.

 

و لم يذكر أن رأفت الهجان كان عميلا مزدوجا كذلك فجرت القصة نفسها مئات الأسئلة في إسرائيل و انتهى الأمر بطرح السؤال على أشهر من أدار الموساد، إبان عقد الستينات، و مواجهة " أيسر هارئيل" الذي قال : " نعم، كان موجودا هذا الجاسوس، و لقد نشطت إسرائيل، و وضعنا الإسرائيليين المنتمين إلى بلاد عربية، تحت رقابة صارمة، لكننا لم نستطع الكشف عنه !

 

نقطة ثانية لصالح مصر فإذا كان المسؤول عن الموساد في تلك الآونة لم يستطع الكشف عن الجاسوس فكيف يزعمون أنهم استخدموه لصالحهم. إذا كان الهجان قد كان لبعض الوقت مع  المخابرات المصرية كما قالت معاريف، فلا بد أن يكون هذا الوقت خلال حرب السويس عام 1956 عندما أرسل الهجان إلى مصر تقارير وافية عن العدوان الثلاثي و إذا كان قد أفاد إسرائيل في حرب الأيام الستة فالأمر غريب لو كان قد فعل ذلك ليتم ذلك على طريقتين هما : أولا : أنه كان يمد إسرائيل بمعلومات عن مصر و عن جيش مصر، و هذا في حد ذاته مستحيل، لأنه كان يعيش في تلك السنوات في إسرائيل فكيف يمدهم بمعلومات عن دولة و هو يعيش في دولة أخرى.

 

و ثانيا : إذا كان يرسل للمصريين معلومات خاطئة عن نوايا إسرائيل ؟ فما القول إذن عن التقرير الذي أرسله، قبل تلك الحرب، و الذي حدد فيه موعد الضربة الجوية في يوم الاثنين 5 جوان 1967.

و قبل نفس الحرب كان هناك سجل من المعلومات التي أمد بها الهجان وطنه، معلومات أفادت مصر و ثبت أنها جميعا صحيحة لا زيف فيها.

 

فما كان الهدف إسرائيل إذن في وصف الهجان بمثل تلك الصفة، هل كان حقا نفي البطولة عن الرجل؟ من المؤكد أن الهدف هو شيء آخر لأن الرجل أتم مهمته و انتهت حياته، فلم يستحملوا الصدمة التي كانت شديدة عليهم فحاولوا و عزموا تحطيم صورته في أذهان الأجيال القادمة حتى يثأروا ثأرتهم.