Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب جواسيس في مهام سرية / كيف ظهرت وكالة المخابرات الامريكية 27

 

كيف ظهرت

وكالة المخابرات المركزية

(CIA)

 

 

 

إن عملية جمع المعلومات السرية عن البلدان الصديقة و المعادية لأي بلد لم تكن وليدة الساعة و لا وليدة البارحة، بل هي عملية قديمة قدم الحضارة الإنسانية لكن نظرا لطبيعة هذا العمل المحاط بالسرية و الحيطة، لم يكن معروفا بالقدر الكافي لدى العامة من الناس و بقي هذا الميدان حكرا على أهله و العارفين به. و لو تناولنا التاريخ البشري في جانبه الاستخباري و التجسسي لوجدنا أن جميع الشعوب القديمة منها و المعاصرة كان لها جواسيس و مخبرون و قد تطور مفهوم ليستقر على الاسم المعروف حاليا باسم المخابرات. أما الدور الذي تلعبه هذه الأجهزة فلا يقدر بقيمة مادية بل بمدى استمرار أمن أي بلد و نجاحه في وضع سياسة عسكرية و اقتصادية و ثقافية ناجعة.

 

» الجاسوس الكفء يعادل عشرين ألف جندي في المعركة «

نابليون بونابرت

 

من هذا المنطلق اهتم رجال السياسة و الحكومات من عسكريين و مدنيين بهذا الجانب الحيوي أثناء الحرب و السلم. و قد استفادوا منها، و تعد الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الرائدة حاليا في امتلاك و كالة مخابرات قوية نظرا للاهتمام البالغ الذي توليه لهذا الميدان، و الأموال الكبيرة التي تمون بها جهازها الاستخباري. و نظرا للدور الهام الذي قامت به وكالة المخابرات المركزية الأمريكية و لازالت تقوم به في توجيه سياسات أمم بكاملها، حتى أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية اليوم تهيمن على الساحة الدولية بدون منازع .

 

ظهرت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في شكل مكتب رسمي معترف به و مقنن بمراسيم رئاسية و قوانين تشريعية واضحة عام 1947، و عدت الوكالة آنذاك كسلاح ملح فرض نفسه على الساحة العسكرية و السياسية للأمن الوطني و للحفاظ على المصالح القومية أينما كانت، خاصة و أن خيوط عالم ما بعد الحرب الكونية أصبحت تتعقد يوما بعد يوم.

 

و الحقيقة أن فكرة إنشاء وكالة المخابرات المركزية الأمريكية المعروفة بالاسم اللاتيني (Central Intelligence Agency)  هي من وحي التنظيم السري الأمريكي الذي ظهر أثناء الحرب العالمية الثانية تحت اسم المنظمة السرية للأمن ) O.S.S) التي كان يدير شؤونها » ويليام جي دونوفان« و لم تكن وظيفة (سي.آي .إ) في أول الأمر واضحة و محددة، بل كان هناك تداخل كبير بين الأعمال التي خلقت من أجلها، و بين الأعمال و المهام التي كانت تقوم بها كل من وزارتي الخارجية و الحرب.

 

كما أن عملها كان بعيدا عن الميدان العملياتي. و كانت الوزارتان السابقتان هما اللتان تقومان بتنفيذ مثل هذه العمليات ( التجسس و الانقلابات و الاغتيالات و) التي تخدم بطبيعة الحال الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية. و لم تمر إلا سنة واحدة عن تاريخ إنشاء وكالة  (سي. آي..إ) الأمريكية حتى شرع "دونوفان" في مباشرة أعمالها من خلال وضع خطط تنسيق بينها و بين التنظيمات السرية الثانوية الموجودة بموازاة هذه الوكالة التي أريد منها أن تصبح وكالة عظيمة ذات هيبة و نفوذ و هو ما كان بالفعل فقد حققت نجاحا فاق تصور مؤسسيها أنفسهم.

 

لقد كانت الخطوات الأولى و العامة في حياة هذه الوكالة، واضحة و بسيطة تتمثل في جمع المعلومات السرية بطرق مباشرة و غير مباشرة، لتضيفها إلى باقي المعلومات الأخرى التي تجمعها مصالح أخرى تعمل لنفس الغرض من خلال مؤسسات حكومية كبيرة كوزارات الخارجية و الحرب. لتجمع كل المعلومات المتحصل عليها و الاستفادة منها في وضع البرامج السياسية و العسكرية و الإستراتيجية و الاقتصادية المفيدة للأمن القومي الأمريكي، و أعطى "دونوفان" الرجل القوي في تاريخ المخابرات الأمريكية الضوء الأخضر لهذه الوكالة (سي.آي..إ) لتسرع في تنفيذ العمليات التخريبية و قلب الأنظمة السياسية في نقاط مختلقة من العالم. لكن هذه الوكالة تنفيذية و ليست تشريعية و ليس لها سلطة فرض القوانين سواء داخل البلاد أو خارجها. هكذا كان "دونوفان" يتصور الوكالة قبل و بعد نشوئها. لكن هذا التصور لم يرضي القادة العسكريين و لا رجال السياسة السامين. و راح كل واحد من تلك الفئات يسعى للانفراد بتولي إدارة العمليات السرية و الإشراف على كل المصالح و التنظيمات السرية الموجودة داخل و خارج البلاد.

 

و لقد كانت وزارة الخارجية تشرف على جميع العمليات المتعلقة بالعلاقات الخارجية أثناء السلم. بينما تتولى وزارة الحرب الجانب العسكري، و يقوم جهازها السري بتنفيذ مثل هذه الأعمال على نفس المنهج الذي تقوم به مصالح المخابرات العسكرية في جميع الجيوش العالمية و في الغالب تكون هذه المصالح السرية العسكرية لها السلطة المطلقة على مراقبة المصالح السرية المدنية.

 

و امتد الصراع بين المؤسسات الثلاث: وزارتي الخارجية و الحرب و وكالة المخابرات (سي.آي..إ) التي تعهد "دونوفان" بإنشائها من جهة ثانية، و لم تتوصل الأطراف المتصارعة إلى حل، إلا بتدخل الرئيس الأمريكي "هاري ترومان " شخصيا في جانفي 1946.

 

حيث أصدرت قرارا يتضمن إنشاء تنظيم مركزي للمصالح السرية مهمته جمع المعلومات الإضافية التي من شأنها أن تدعم و تكمل المعلومات التي تتحصل عليها  الدوائر السرية الأخرى المتواجدة لدى المؤسسات الحكومية العسكرية و المدنية. لكن الإشراف على تنسيق الأعمال التي تنجزها جميع المصالح السرية بما فيها وكالة "سي. آي. إ"  تكون تحت وصاية و سلطة البلاد، التي يمثلها ممثل رئيس الدولة و ممثلون عن وزارة الخارجية و الحرب و كذا ممثل عن القوات البحرية.

 

في سبتمبر من عام 1947 أصدر قرار إنشاء هيئتين وطنيتين هما مجلس الأمن الوطني ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية، و يتضمن القرار إسناد مهمة تنسيق نشاطات المصالح السرية للأمة لوكالة "سي. آي. إ." ونشر و معالجة المعلومات التي من شأنها أن تمس بأمن البلاد. بالإضافة إلى تكثيف جهود التعاون مع مجلس الأمن الوطني الهيئة العليا في البلاد و صاحبة السلطة في توجيه استراتيجية الأمن الوطني للأمة.

 

إلى جانب ذلك فإن مدير وكالة "سي. آي. إ" و نائبه يتم تعيينها من قبل رئيس الدولة و بموافقة مجلس الشيوخ، لكن قانون 1947 عدل في 4 أبريل 1953، و حدد بكيفية دقيقة طرق تجنيد موظفي وكالة "سي. آي. إ" بحيث فسح المجال للمدنيين و العسكريين سواء من العاملين أو المتقاعدين، شريطة أن يكونوا ممارسين لوظيفة واحدة فقط.

 

في عام 1949، أصدر الكونغرس الأمريكي مجموعة من القوانين الفرعية الخاصة بتدعيم قانون المصالح السرية و تأتي "سي. آي. إ." في مقدمة المعنيين بهذه القوانين التي تحدد طريقة دفع الضرائب المختلفة و كذا كيفية حصول وكالة "سي. آي. إ." على ميزانيتها من الحكومة الأمريكية و نظرا لأهمية و خطورة الأمر أعطى للوكالة صلاحيات الدفع غير المباشر أي دفع الضرائب إلى دوائر إدارية و سياسية مختلفة ثم تحويلها من تلك الدوائر إلى خزينة الدولة، أما الميزانية المخصصة للوكالة فإنها توجه إلى دوائر مختلفة و من تلك الدوائر تحول إلى وكالة "سي. آي. إ."  و هذه الطريقة يراد بها التمويه من أجل إخفاء الأموال التي تصل و تصرف في سبيل دعم هذه المؤسسة كما أن ذلك يؤمن و يحافظ على أسرار ميزانية الدولة، و للسلطة حق الحفاظ على ذلك.

 

و بعد أن اتضحت مهام الوكالة و قننت نشاطاتها بكيفية أكثر وضوحا جاء  دور العطاء و المردود الأولى، و بدأ رجال وكالة "سي. آي. إ." في جمع المعلومات و تحليلها، بموازاة نشاط مصالح سرية أخرى تابعة لمؤسسات مهددة أقدم من وكالة "سي. آي. إ." و الذي يتركز فيه عمل المخابرات على الجانب السياسي و البسيكولوجي أكثر من أي جانب أو ميدان آخر. و قد كانت فترة 1945-1948 التي أعقبت الحرب العالمية الثانية من أحرج الفترات التي عاشها القطب الغربي و الشرقي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية و الاتحاد السوفياتي لاقتناعهما بضرورة الإسراع في تأسيس جيوش قوية و أجهزة مخابرات تستطيع خرق قصور و مجالس الحكومات في كلا الكتلتين.

 

و يأتي تخوف الولايات المتحدة الأمريكية من الزحف الشيوعي الذي أخذ يزحف من الشرق نحو الغرب ملتهما في طريقه كل الشعوب الآسيوية و الشرقية، ليصل إلى اليونان و إيران و تركيا و إيطاليا و في هذا البلد الأخير بالذات كان الصراع على أشده بين الشيوعيين المدعمين من طرف الاتحاد السوفياتي و الديموقراطيين المدعمين من طرف الولايات المتحدة الأمريكية و نظرا لأهمية إيطاليا في حوض البحر الأبيض المتوسط و التي اعتبرت الورقة الأساسية و الاستراتيجية في التأثير على كامل دول البحر الأبيض المتوسط،و السد المنيع في وجه الزحف الشيوعي الآتي من أوروبا الشرقية و آسيا.

 

لكل هذا قامت الولايات المتحدة الأمريكية من خلال وكالة "سي. آي. إ." بالعمل النشيط لحرمان الشيوعيين من الوصول للحكم في إيطاليا.