Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب جواسيس في مهام سرية /كوارث المخابرات البريطانية تابع26

من كوارث المخابرات البريطانية
تابع

في الحرب العالمية الثانية

و هنا قد يكون مفيدا استعراض نتائج نشاطات جهاز العمليات الخاصة، لأن الروايات الخرافية حولت أفراده إلى أبطال خارقين.

على الرغم أن هذا الجهاز لم يكن يقوم بجمع المعلومات إلا أن نشاطاته اندمجت بأجهزة المخابرات الأخرى التي كانت تمر بأضخم و أمة الصراعات الداخلية في تاريخ المخابرات، وفق ما يقوله الجاسوس هنري كيربي.

إن معضلة مكتب العمليات الخاصة SOE  الأساسية كانت في أنه تأسس على سلسلة من القواعد الخاطئة و المزيفة، أهمها الاعتقاد بأن مجموعة من عمليات التخريب و الحصار و القصف الاستراتيجي قد يجعل بريطانيا تربح الحرب من دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة مع الجيش الألماني. ووفقا لهذا السيناريو كانت البحرية الملكية ستقوم بفرض الحصار، و يهتم سلاح الجو بالقصف الاستراتيجي، أما عمليات التخريب فستكون من مهمة جهاز العمليات الخاصة.

 

و الواقع أن هذا السيناريو كان من تصورات تشرشل الذي كان يرغب في شن حرب عصابات هائلة يقوم بها الكوماندوس يمكن أن تدمر كل المجهود الحربي الألماني.

لكن السيناريو عانى سلسلة من الشوائب. فبريطانيا أولا، لم تكن تملك ببساطة الإمكانيات للقيام بهذه المهمات الضخمة و المكلفة، كانت في خط الدفاع و تعوزها الأسلحة و الذخائر و الإمدادات.

و بريطانيا، ثانيا، و لكونها لم تعش طيلة ألف سنة متصلة تحت أي احتلال اجنبي، فشلت كليا في فهم موقف المواطن الأوروبي العادي من سيطرة الألمان عليه. فقد اعتقد تشرشل، و من منطلق رومانسي، بأن كل رجل و امرأة و طفل في الأراضي المحتلة في أوروبا ينتظر فقط اللحظة السانحة للانتفاض على الألمان، و لم يفهم مناخ الاستسلام التاريخي الذي كان يعيش فيه الأوروبيين في ظل الاحتلال الألماني، و مدى تصميمهم على قطف أفضل ثمار الهزيمة عبر التعاون مع المحتل.

 

و الواقع أن معظم الأوروبيين تعاونوا مع ألمانيا النازية معظم الوقت، فبعد شهر واحد من اتفاق الهدنة الفرنسي - الألماني، كان رجال الأعمال الفرنسيون يبرمون الصفقات التجارية مع زملائهم الألمان، و كان الدنمركيون يقدمون تسهيلات العمل للنازيين. و في أواخر 1941، كان نحو مليون بولندي يعملون طوعا في ألمانيا.

و أكثر من ذلك، فقد اعتقد تشرشل و قادة جهاز العمليات الخاصة، بأن الشعب الألماني نفسه لن ينتظر طويلا قبل أن يعلن ثورته المدمرة. و قد صدق تشرشل تقريرا بعث به غلاودين غب، أحد مسئولي م. ع .خ. SOE وجاء فيه : " أن كل مخابرين يتفقون على القول بأن سكان ألمانيا ككل لم يفرحوا بالانتصارات العسكرية الأخيرة، بل شعروا بالكآبة". في حين كانت تقارير أخرى تتحدث عن مجاعة و ثورة وشيكتين في ألمانيا.

استنادا إلى مثل هذه التقارير التي كانت أشبه برمال متحركة خطيرة، بدأت م. ع. خ.SOE  عملياتها.

بالطبع كان ثمة حركات مقاومة واسعة في أوروبا ضد النازيين، لكن المشكلة أن معظم هذه الحركات كانت شيوعية، و هي تقاتل ليس لإعادة أوروبا إلى أوضاع ما قبل الحرب، بل لضم الدول الأوروبية إلى القوة السوفياتية الناشئة، و هذه المعطيات عقدت عمل جهاز م. ع. خ. إلى درجة كبيرة.

 

على أي حال، فإن رجال م. ع. خ. لم يكونوا ليهتموا كثيرا بمعرفة شعوب أوروبا، بخاصة إذا ما صدقنا وصف هنري كيربي لهم بأنهم "حفنة من القتلة و المخربين الموهوبين". و بخاصة أيضا إذا ما تذكرنا بأن هدفهم الوحيد كان تنفيذ شعار تشرشل بـ"إحراق أوروبا ".

و هم في خضم عملياتهم لتنفيذ هذا الشعار، قتلوا ليس الألمان فحسب، بل المدنيين الأبرياء أيضا، بما في ذلك الأنصار المخلصين لقضية الحلفاء.

فحين نسف فريق من م. ع. خ. قطارا في فرنسا لعرقلة الإمدادات الألمانية، كانوا يعلمون بأن القطار آهل بالمدنيين الفرنسيين. كما أن قادة م. ع. خ. كانوا يدركون تماما بأن الألمان سيقومون بعمليات انتقامية رهيبة ضد السكان المحليين لمنع جهاز العمليات الخاصة من تنفيذ مهمته.

إن عملية اغتيال راينهارد هايدريتش، حاكم تشيكوسلوفاكيا أثناء الحرب، كانت نموذجا فاقعا على ذلك. فهذه العملية التي نفذت في ماي 1942، بإشراف الكولونيل فرانك سبونر، اقتضت قيام مواطنين تشيكيين بمهاجمة سيارة هايدريتش بالأسلحة الرشاشة و القنابل. و قد نجحت عملية الاغتيال، و لكن الألمان ردوا بقتل مائة رهينة كل مساء إلى أن قضى هايدريتش نحبه متأثرا بجروحه بعد أسبوع من الهجوم، ثم أعدموا كل سكان قرية ليديس التي هبط  فيها مظليو م. ع. خ. و أزالوا القرية برمتها من الوجود.

 

هذه الوحشية أدت إلى شل المقامة التشيكية، و مكنت الألمان من توظيف 350 ألف مواطن تشيكي في المجهود الحربي بإشراف 750 جنديا ألمانيا فقط.

و لا ريب أن بعض عمليات م. ع. خ. كانت ناجحة خصوصا في مجال رفع المعنويات، لكن إذا ما تمت الموازنة بين نجاحاتها و الفشل، فإن النتائج تبدو مأساة.

بعد دخول الاتحاد السوفياتي و الولايات المتحدة الحرب ضد ألمانيا كان تشرشل يسارع إلى إزهاق روح م. ع. خ. و معها سيناريو نسف ألمانيا من الداخل.

 

لكن مكتب العمليات الخاصة كاد يشهد عمليات إحياء جديدة، حين كانت واشنطن و لندن تدرسان احتمال شن الحرب ضد الحليف السابق الاتحاد السوفياتي. فقد أمر المكتب بالاستعداد لتشكيل حركات مقاومة في الدول التي قد يحتلها الروس في مثل هذه الحرب. لكن شيئا من هذا لم يحدث، و في 1946، استعادت رئاسة المخابرات السيطرة على كل النشاطات و الأجهزة الأخرى، و في 30 جوان من العام نفسه، تم حل م. ع. خ. بعد أن فاقت إخفاقاتها أساطير نجاحها و ثبت أن قيمتها العسكرية كانت صفرا تقريبا، و بأن الحلفاء ربما أبلوا بلاء أفضل من دونها.

و إذا ما زال هناك من يتذكر مكتب العمليات الخاصة فإن ذلك يعود إلى نحو 200 كتاب أو أكثر وضعه ضباط هذا الجهاز أنفسهم !