Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب جواسيس في مهام سرية /سر الترا تابع 24

سر الترا تابع

و حملة "رومل" في إفريقيا دليل على ذلك. فقد أمر "رومل" بشن الهجوم في ماي و قد علمت الألترا بهذا الأمر، لكن "رومل" غير رأيه فجأة و قرر الهجوم في مارس. و بما أنه لم يبلغ أحدا بهذا التغيير في الخطط، فإن الألترا لم تستطع مساعدة قادة الحلفاء بالجبهة.

 

و الحال أن هناك قطاعات واسعة من الحرب العالمية الثانية يتضح فيها تماما أن الألترا لم تترك أية تأثيرات على الأحداث، أو أن فائدتها كانت مدار نزاع، في حين أن دورها الحاسم كان محدودا في بعض الحالات القليلة.

فالألترا لم تكن قيادة عامة ألمانية في الظل، كما وصفها "وينتر بوتام"، فهي لم تكن تعمل إلا حين يستخدم الألمان أجهزة اللاسلكي لبث رسائلهم، و من دون اللاسلكي لم يكن ثمة شيء يلتقطه الحلفاء. و في العديد من الحالات، تمسك الجيش الألماني بالتقاليد القديمة: ففي بداية الحرب كانت معظم رسائله تبث ببريد التلغراف الذي لا يمكن اعتراضه في بريطانيا، لا بل هو استخدم أيضا الحمام الزاجل و كلاب البريد، في حين أن الأوامر المكتوبة كانت تنقل بالسيارات أو الدراجات النارية أو الدراجات الهوائية أو حتى على ظهور الخيل. و بديهي أن أيدي الألترا و أجهزة تنصتها لم تكن لتصل إلى مثل هذه الوسائل.

 

يضاف إلى ذلك أن الألترا لم تكن قادرة على فك ألغاز كل الرسائل التي كانت تلتقطها، بخاصة مع تعقد الشيفرة بعد تقدم مراحل الحرب، بما يتضمن ذلك من ضرورة فك الرمز و الترجمة و غير ذلك، و بالتالي إضاعة وقت طويل قبل أن تصل المعلومات إلى القائد في الجبهة.

 

و معضلة الوقت الضائع تضمنت على الدوام حوادث تبدو مضحكة لكنها كانت منهكة لمفككي الرموز، فعلى سبيل المثال -لا الحصر- التقطت الألترا رسالة بعثت بها المخابرات الألمانية إلى محطتها في ألجيسراس بإسبانيا قالت فيها : "احذر اكسيل يا سيزار. إنه يعض" هل كانت هذه شيفرة ضمن شيفرة ؟ لا، كل ما هنالك أن الرسالة كانت تشير إلى وصول كلب حراسة إلى محطة إسبانيا، و هي نظرية تأكدت بعد أيام حين بعثت هذه الأخيرة برسالة قالت فيها : "سيزار في المستشفى، لقد عضه أكسيل !"

 

و هناك وجه آخر من مشكلة الوقت الضائع. فالألترا كانت تقدم معلومات مؤكدة عن غارات جوية وشيكة على إنجلترا، لكنها كانت عاجزة عن تحديد المواعيد. و حين كانت الغارات تقع، لم يكن في وسع الألترا منع الألمان من إلحاق أضرار فادحة بالمدن البريطانية. إذ ليس مفيدا مغرفة المكان الذي ستتعرض فيه إلى هجوم إذا لم تكن دفاعاتك قوية لمنعه.                   

 

و إلى كل هذه العوامل التي تثير كثيرا من الشكوك حول أسطورة الألترا، يجب عدم إغفال الحقيقة بأن الألمان كانوا يعملون بنشاط أيضا في مجال فك الشيفرة.

فقد كان لألمانيا العديد من وكالات فك الشيفرة في البحرية و الجيش و سلاح الجو، و كذلك الأمر بالنسبة للقيادة العامة و كل فروع أجهزة الاستخبارات . و برغم أن هذه الوكالات كانت تعاني من نقص و من صراعاتها الداخلية، إلا أنها حققت بعض الإنجازات المهمة.

فالحلفاء كانوا لا يعرفون بأن الألمان يقرؤون بسهولة شيفرة الجيش الفرنسي التي كانت تكشف قوة و نوايا الوحدات الفرنسية و البريطانية خلال الأيام العصيبة، من سنة 1940. و إذا كانت بعض انتصارات الحلفاء في وقت لاحق من الحرب قد عزيت إلى الألترا، ألا يجب أن تحظى أجهزة فك الشيفرة  الألمانية ببعض الإشادة لانتصارات الجيش الألماني ؟ إن الألترا ساعدت البريطانيين في شمال إفريقيا، لكن "رومل" استفاد أيضا من مفككي الرموز الألمان.

 

ففي 1941-1942، بعث الملحق العسكري الأمريكي في القاهرة، الكولونيل "بونر فيلرز" ببرقية مرمزة إلى البنتاغون شرح فيها كل ما يجري في شمالي إفريقيا، كاشفا بذلك خطط البريطانيين و قوتهم. و قد التقط الألمان الرسالة و حللوها ثم نقلوها إلى الجنرال "رومل"، الذي أفاد منها أن جل الإفادة و طارد البريطانيين 300 ميل عبر الصحراء و اقترب من الإسكندرية.

لا بل نجح الألمان أيضا في التنصت على أجهزة راديو الهاتف بين لندن و واشنطن، أي بين تشرشل و روزفلت، لكن هذا لم يفدهم بشيء لأن الزعيمين كانا حريصين على ألا يمكنوا الألمان من زيادة معلوماتهم.

 

و نصل الآن إلى السؤال الأهم : هل صحيح أن التشديد على أسطورة الألترا التي ساعدت الحلفاء على كسب الحرب في وقت مبكر، أخفى طابعها السياسي الأهم ؟ بكلمات أوضح : هل ساهمت الألترا في الحرب الباردة ؟

 

إن ثلثي المجهود الحربي الألماني كان مركزا على الجبهة الشرقية، و مع ذلك فإن دور الألترا في هذه الجبهة لا يزال غامضا. فهل ساعد الحلفاء حلفائهم السوفيات بتقديم "هذه المعلومات التي لا تقدر بثمن ؟ " هل من المحتمل أن يكون الروس قد فكوا بدورهم رموز الشيفرة الإنجليزية ؟ إن التبريرات التي قدمت حتى الآن تقول بأن الروس كنوا لا يثقون البتة بحلفائهم الغربيين، مما يجعل تشرشل مقتنعا بأنه من غير المفيد نقل معلومات الألترا إليهم بالوسائل العادية، لأن ستالين سيشتبه حينذاك بأن تشرشل ينوي خداعه و تضليله.

 

و على أي حال فإن كل الدلائل تشير إلى أن الاتحاد السوفييتي كان يعلم بكل نشاطات الألترا و بأن الحلفاء فككوا بعض رموز الشيفرة الألمانية على الأقل، كما علم أيضا بأن الحلفاء حجبوا هذه المعلومات عنه. لا، بل يمكن أن يكون الروس قد بذلوا ضغوطا لإجبار الحلفاء على كشف أسرار الألترا.

 

و نحن نعلم الآن أن ستالين كان يشك من اللحظة الأخيرة بمدى إصرار و حرص الحلفاء على هزيمة ألمانيا، و قد ساهم إحجام الحلفاء عن كشف أسرار الألترا له في مضاعفة مخاوفه هذه، إلى درجة أنه كان يتجاهل معلومات الألترا التي كان الحلفاء يتعمدون تسريبها سرا له لاعتقاده بأنهم يلعبون لعبة خطيرة ضده.

و إذا نظرنا إلى الأمر من هذه الزاوية، فإن فشل الحلفاء في مشاطرة معلومات الألترا مع حليف تحمل العبء الأكبر من الحرب ضد ألمانيا، عمق من لا ثقة روسيا بالغرب، و بالتالي ساهم في نشوء الحرب الباردة.

 

يتضح من كل ذلك أن الألترا ساهمت بالمجهود الحربي في حقول ضئيلة، و هي لم تكسب الحرب و من المشكوك فيه كثيرا أن تكون قد قلصت أمدها. إنها قدمت مساهمات سلبية للعلاقات الغربية-السوفياتية، و كل هذه الحقائق تجعل الألترا لا تستحق كل تلك الأمجاد و الأساطير التي تحاك حولها..

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :