Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

23كتاب جواسيس في مهام سرية /سر ألترا

 

سر ألترا

سنة 1974، نشر الكوماندور "وينتر بوتام"، رئيس القسم الجوي في المخابرات البريطانية (SIS) الذي لعب دورا مثيرا في ألمانيا قبيل نشوب الحرب، كتابا بعنوان : سر ألترا(Ultra Secret)  .

فقد كسر جدار الصمت الذي استمر جيلا كاملا حول أهم أسرار الحرب العالمية الثانية، و هو أن الحلفاء نجحوا في فك رموز الجيوش الألمانية و تنصتوا طوال الحرب على محادثات الألمان حول القضايا العسكرية و السياسية و الاقتصادية و الحيوية.

و اعتبر ذلك أنه غزو لم يسبق له مثيل في تاريخ الحروب، لعقل العدو.

 

و بعد نشر الكتاب بدأ المؤرخون العسكريون المذهولون يدركون بأنه إذا كانت معلومات "وينتر بوتام" صحيحة- و بما أن الكتاب حاز على رضى الحكومة البريطانية- فيتعين عليهم إعادة النظر في كل أعمالهم. على سبيل المثال، إذا كان جنرالات الحلفاء الذين اعتبروا أبطالا و عباقرة أحيانا يعلمون سلفا بنوايا العدو الألماني و خططه، ألا يعني ذلك أنهم لم يكونوا ما وصفوا به ؟ ألا يتعين إعادة كتابة تاريخ المعارك لنعرف ماذا كان يعرف هؤلاء الجنرالات ؟

 

بالفعل، ظهرت سلسلة متصلة من الكتب، بعد صدور كتاب "وينتر بوتام"، اعترف مؤلفوها جميعا بأن مؤلفاتهم السابقة التي كانت تحتوي على "معلومات مضللة و غير مناسبة و قديمة". و يصف المؤرخ البريطاني "رونالد لوين" هذا الحادث بقوله : لقد بدا أن "ألترا" (و هي الاسم الذي أطلق على عملية و جهاز فك الرموز) هي السلطة الجديدة التي تملي إعادة النظر في كل المؤلفات السابقة.

 

و قد تجاوبت الحكومة البريطانية في سرعة متميزة مع هذه الحمى الجديدة و زودت لوين ببعض الوثائق المتعلقة بـالألترا، الأمر الذي مكنه من كتابة مؤلفه : "الألترا تذهب إلى الحرب : أول تقرير عن أضخم أسرار الحرب العالمية الثانية استنادا إلى وثائق رسمية"، الذي أشار فيه أن الجنرال مكارثر "علق أهمية قصوى على الألترا" و بأن "تشرشل  اعتمد كليا عليها"، و أيضا بأن ألترا هي "التي ربحت الحرب، و لولاها لاستمر القتال حتى 1949، و لواصل الأمريكيون القتال في الفليبين و ليس على أبواب اليابان".

 

بعد عشر سنوات من نشر كتاب "وينتر بوتام"، تحولت ألترا إلى أكثر من نصر، أصبحت أسطورة " تمجد العظمة البريطانية" و نمط الحياة الإنجليزي               !  

غير أن كل هذا الفرح الغامر، أغفل جوانب و أسئلة في غاية الأهمية : هل كانت الألترا عاملا حاسما حقا في كسب المعركة كما زعموا ؟ ألم يشن الألمان عملية مماثلة ضد الحلفاء ؟ ألم يدرك الألمان أبدا بأن رموزهم تفكك و تقرأ ؟

بداية الوكالة كانت متواضعة للغاية، تأسست على أيدي حفنة من الأشخاص في منطقة "بلتشلي بارك" في إنجلترا، لكنها لم تلبث أن توسعت بسرعة لتضم عشرة آلاف شخص عشية الحرب بهدف كشف كل التفاصيل عن العدو و نشاطاته.

و قد غزا موظفو الوكالة و مفككو الرموز فيها الأسرار الألمانية بفضل الحظ و أخطاء الألمان، كحصولهم (عبر ألماني منشق) على دفتر رموز المخابرات الألمانية و اكتشاف دفتر رموز البحرية من غواصة ألمانية غارقة .. الخ. لكن الوكالة في الحقيقة، لم تحقق البتة ما زعمت الكتب الأخيرة أنها حققته، بل تشير أحسن التقديرات إلى أن ما بين خمسة و عشرة بالمائة فقط من معلومات "الألترا"، قد استخدمت فعلا في الجبهات.

هذا إضافة إلى أن ثمة خطرا بأن الدفق الهائل من معلومات الألترا يمكن أن يكون سلبيا، فقد كتب ضابط ارتباط خاص بأن الألترا تجعل القادة العسكريين كسالى لأنها تحفزهم على التخلي عن التحليل و تقدير مصادر المعلومات الأخرى.

 

باختصار، ليس في وسع الألترا تحويل قائد عسكري متواضع إلى عبقرية عسكرية، إذ لا يزال يتعين عليه أن يخطط لحملته و بث الثقة بين ضباطه و جنوده، و التكيف مع الظروف المتغيرة حالما تبدأ الحرب. لا بل أن الألترا قد تعيق القادة لأنهم يعلمون بأن زعمائهم السياسيين يتلقون الأسرار نفسها و بالتالي قد يقيلونهم في حال حدوث أي خطأ يتعلق بتنفيذ معلومات الألترا، كما حدث مع "تشرشل" الذي أطاح بالجنرالين البارزين "وافيل" و "اوكلنك".

 

و وصفت الألترا بأنها تتنصت إلى ما يرفعه العدو من تقارير لنفسه و عن نفسه. لكن القادة العسكريين عرضة لكل الأخطاء الإنسانية : فهم يكذبون و يبالغون و يخفون المعلومات و يفاخرون و يخدعون حتى أنفسهم. و بات معلوما الآن أن القادة الألمان تعمدوا أحيانا المبالغة في تقديراتهم لقوة العدو و لنقص الأعتدة لديهم، في تقاريرهم إلى برلين، ليحملوا القيادة العليا بأن تأخذ تهديدات العدو على محمل الجد. فحين كتب" رومل" تقارير (من الصحراء) اعتمد أسلوب المبالغة للتأكد من حصوله على بعض الأعتدة التي احتاجها.

 

كذلك اعتاد "رومل" مخالفة الأوامر و كان يبلغ برلين شيئا و ينفذ شيئا آخر. كان قائدا يعتمد على الحدس و لا يتورع عن تغيير خططه في آخر لحظة إذا ما وجد ذلك مناسبا، و غالبا من دون أن يبلغ أحدا بذلك. و الواقع أن أحد أسباب كارثة معركة قصرين التي تكبدها البريطانيون، في فبراير 1943، هو أن الألترا أشارت إلى أن الهجوم سيقع في اتجاه محدد (استنادا إلى فك رموز رسائل القيادة العامة الألمانية)، لكن "رومل" تمرد على الأمر الآتي من إيطاليا و هاجم في اتجاه آخر. و الأمريكيون الذين اعتمدوا على معلومات الألترا خسروا في معركة واحدة نصف فرقة مدرعة، لأن قراءة مراسلات البشر شيء و قراءة عقولهم شيء آخر.