Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب جواسيس في مهام سرية/العملاء المزدوجين19

 

العملاء المزدوجين

في نوفمبر 1939، أي بعد شهرين من اندلاع الحرب العالمية الثانية، ثم اختطاف الضابطين الكبيرين في المخابرات (SIS)، الكابتن سيغيسيموند بايسئ بست و الميجور ريتشارد ستيفنز، و نقلا على جناح السرعة إلى ألمانيا.

 

السجلات البريطانية حول هذا الحادث ستبقى مغلقة لمدة 100 عام، و الملفات الألمانية حوله دمرت، لكن الحقائق الأساسية المتوافرة لا تقبل الجدل.

" قصة هذين الضابطين بسيطة للغاية: فقد ظنا أنهما أقاما، عبر عميل آخر للمخابرات البريطانية في هولندا يدعى الدكتور فرانز فيشر، صلات مع مجموعة ألمانية معارضة كانت متحمسة للإطاحة بهتلر و إنهاء الحرب. و لم يدرك الضابطان أن فيشر نفسه كان عميلا مزدوجا لصالح المخابرات الألمانية (الغوستابو)

 

و قد تم اعتقال ستيفنزوبست على الحدود الهولندية - الألمانية بعد أن طلبا من فيشر ترتيب لقاء لهما مع جنرال الألماني كبير يفترض أنه كان قائد المجموعة التي تحضر للانقلاب، على هتلر. لكن الجنرال لم بحضر، بل جاءت مكانه سيارات عسكرية ألمانية تعج بالجنود، وكان هذا الحدث كارثة حقيقية على المخابرات البريطانية لأن الضابطين انهارا تحت ضغط استجوابات و باحا بكل ما لديها من أسرار.

 

غير أن الكارثة لم تتوقف هنا فقط، بل طالت كذلك أبعاد أساسية هائلة تتعلق بالجهود التي بذلتها المخابرات البريطانية و بعض السياسيين النافذين في لندن لإبرام صفقة سلام منفصل مع هتلر، تكون مقدمة لتشكيل جبهة بريطانية ألمانية موحدة ضد الاتحاد السوفياتي سابقا.

 

بدأت المخابرات البريطانية، فور اندلاع الحرب، بإغراق وزير الخارجية اللورد هاليفاكس، بسيل من التقارير التي تتحدث عن حدوث انشقاقات في ألمانيا. ففي 11 سبتمبر1939، على سبيل المثال، أبلغ هاليفاكس وزارة الحرب بأن لديه معلومات سرية تؤكد بأنه يمكن التوصل إلى نتائج إيجابية إذا ما وجهت بريطانيا نداءا مباشرا إلى الجيش الألماني (عبر بعض الخطوط). و في 23 أكتوبر عاد هاليفاكس إلى إبلاغ الحكومة بأنه ثمة الكثير من الصراعات الداخلية في ألمانيا، و بخاصة بين هتلر و الجيش الألماني.

 

و استنادا إلى معلومات المخابرات هذه، تحركت السياسة البريطانية " لمنع ستالين من الإفادة من حرب في القارة الأوروبية ". لا بل أن كل الوقائع تشير إلى أن الضابطين ستيفنز وبست  توصلا بالفعل، في لاهاي، في 20 أكتوبر إلى نوع من الاتفاق على بنود السلام مع المخابرات الألمانية، يبقى بمقتضاها هتلر على رأس الحكومة الألمانية، و يعيد ما احتله من أراض في النمسا و تشيكوسلوفاكيا و بولندا، ثم يصار إلى تشكيل جبهة موحدة ضد السوفيات. كما تم الاتفاق أيضا على عقد اجتماع آخر في لندن لوضع اللمسات الأخيرة على هذا الاتفاق.

 

رئيس الوزراء البريطاني تشامبرلين كان علم بهذه الاجتماعات الخطيرة، و كذلك رئيس "الغوستابو" هيملر و من وراءه بالطبع هتلر الذي كان قد عرض بالفعل على بريطانيا تسوية سلام.

 

لكن في أواسط نوفمبر بدأ هتلر يغير رأيه، بعد أن اكتملت خططه لغزو فرنسا و بريطانيا، و بدا واضحا له أن أي صفقة مع بريطانيا لن تعني سوى اتهامه بالاستسلام، و قد علم هيملر بهذه التغييرات و قرر إنهاء عملية الاتصال بالضابطين البريطانيين و من ثم أعطى أوامره باعتقالهما.

 

لكن لماذا اعتقدت المخابرات البريطانية بأن الحكومة البريطانية قد تمضي قدما للتوصل إلى تسوية مع الألمان لا تتضمن بالضرورة الإطاحة بهتلر؟ الجواب هو أنه كان في داخل صفوف المخابرات و بعض أقسام المؤسسة البريطانية، مجموعة نافذة و قوية تؤيد وجهة النظر الألمانية بأن الحرب بين البلدين هي الحرب الخاطئة، و بأن الحرب "الصحيحة" هي تلك التي تتضمن وضع بريطانيا و ألمانيا في جبهة واحدة ضد الاتحاد السوفياتي سابقا.

 

و هكذا فإن الكارثة التي حلت بالمخابرات البريطانية مع اعتقال ضابطيها البارزين، هي فشل تتحمل مسؤوليته أيضا السياسة البريطانية.

و قد أثبتت زيارة رودلف هس، نائب هتلر، المفاجئة إلى لندن في ماي  1941بخصوص  هذه المسألة بالذات. إذ وصل هس و هو يحمل لائحة بأسماء شخصيات بريطانية بارزة اعتقد بأنها مهتمة بعقد اتفاق سلام منفصل و تحالف مع ألمانيا و خاصة  أن هتلر كان قد أعد العدة لغزو الاتحاد السوفياتي. فهل كان من المعقول أن يقوم هس بزيارته هذه بدون"دعوة" من جناح مؤيد لهتلر في بريطانيا؟ على أي حال كان هذا هو الاستنتاج الذي توصل إليه ستالين.

 

في هذه المرحلة، كان تشرشل يكتشف مدى الكوارث التي يمكن أن تحيق بالسياسة البريطانية من جراء معلومات و تحليلات المخابرات البريطانية حيال التقارب من ألمانيا، و يقرر وقف كل نشاطاتها في هذا المجال.

و هذا التطور مزق كليا الثقة بالمخابرات البريطانية التي بقيت طيلة الحرب تترنح في حالة من الصراعات الداخلية و من الانشغال بحربها مع جهاز العمليات الخاصة SOE.

فقد أصبحت مهووسة بعمليات الخداع الألمانية، و من احتمال تكرار كارثة هولندا، إلى درجة أنها كانت ترفض كليا تصديق معلومات من الدرجة الأولى كانت تتلقاها حول المجهود الحربي الألماني.

و أفضل دليل على ذلك كان بلا ريب » تقرير أوسلو « الذي يعتبر بحق أهم و أخطر تقرير في الحرب العالمية الثانية.

وصل هذا التقرير إلى السفارة البريطانية في أوسلو، في نوفمبر 1939، في شكل رزمة صغيرة أرسلها ضابط بارز في المخابرات الألمانية.

قرأ رئيس المخابرات البريطانية في أوسلو " ج. نيوويل" التقرير فورا و ذهل من محتوياته، فقد كان يتضمن تفاصيل جديدة للقذائف و القنابل و الطوربيدات الموجهة و الرادارات و القذائف الموجهة من بعيد و الطائرات القاذفة بعيدة المدى من طراز "جانكرز 88 " و الأهم أن التقرير تضمن إشارات إلى الصواريخ الألمانية "ف-1" و "ف-2".

 

أرسل نيوويل التقرير إلى لندن حيث استقر على مكتب رئيس المخابرات الجوية، ونيتر بوتام، الذي قرأه بشك و حوله إلى القسم الفني و التكنولوجي، و قد أكد هذا الأخير صحته و أهميته.

غير أن أحدا في المخابرات لم يصدق التقرير، و اعتبره الجميع خدعة زرعها الغوستابو لتضليل البريطانيين كما حد ث في هولندا. لكن التطورات أتبثت أن هذه التقديرات كانت خاطئة و بأن كل ما جاء في تقرير أوسلو كان صحيحا.

 

إن مثل هذا الفشل لم يكن بأي حال حدثا استثنائيا، إذ كانت المخابرات البريطانية قد تلقت أيضا معلومات جدية عن التحضيرات الألمانية لغزو بلجيكا و هولندا، لكنها اعتبرتها أيضا معلومات مزروعة و زائفة. وقد اتضح مدى فداحة هذا الخطأ الجديد، في 10 ماي حين تدفقت القوات الألمانية على هاتين الدولتين.

 

و ثمة معلومات عديدة أخرى كان يمكن أن تلعب تأثيرات مهمة على مجريات الحرب، و تتدفق بسهولة على مكاتب المخابرات، لكنها كانت تتبخر سريعا مع دخان السيجار الفاخر للضباط الذين غرقوا بدلا من ذلك في لجج و أفخاخ العملاء المزدوجين الذي كان تاريخ التجسس و لا يزال، يعج بهم.