Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب جواسيس في مهام سرية /قصة متاهاري 16

هستيريا في ألمانيا

 

كيف كانت ردة الفعل الألمانية على هستيريا التجسس التي انطلقت من بريطانيا ؟

في أوائل عام 1912، نشر الجنرال فون بيرنهاردي كتابا بعنوان » ألمانيا و الحرب المقبلة« نظر فيه إلى ألمانيا من الزاوية نفسها التي نظر فيها لي لوكس إلى بريطانيا : أنها الدولة الشريفة و لكن الساذجة التي لا تدرك المخاطر المحيقة بها من قبل بريطانيا و فرنسا و روسيا. و قد شدد الجنرال على أن أهم هذه المخاطر كانت شبكات التجسس البريطانية التي اكتسحت سواحل ألمانيا.

لقد أصيب الرأي العام الألماني بهوس الجواسيس، كما الأمر في بريطانيا، و كان يصدق أغرب الشائعات مهما بدت غير منطقية. فقد قيل في تلك الفترة أن البريطانيين أطلقوا وابلا من الحمام الزاجل الذي يحمل في ساحته كاميرات دقيقة تقوم بالتقاط الصور على مدار الساعة. و قيل أن السيارات البريطانية تعبر إلى ألمانيا و هي محملة بالذهب لدفع رواتب و نفقات العملاء و الجواسيس.

 

لا بل أن السلطات الألمانية أحدثت ضجة هائلة حول خادمة امرأة قالت أنها كانت تخفي شيفرة سرية في عجيزتها. و قد عمدت السلطات إلى تصوير هذه » الشيفرة  « و إرسالها إلى المختبرات العسكرية المختصة. لكننا نعلم الآن أن هذه الخادمة كانت  بريئة، إذ تبين أنها دخلت حمام القطار و وضعت على مقعد التواليت صحيفة » فرانكفورتر زيتونغ « لأسباب صحية. و بالتالي لم تكن الكتابة على عجيزتها سوى فقرات من حبر تلك الصحيفة!

هل تعني كل هذه التطورات في بريطانيا و ألمانيا و غيرها، أن أجهزة المخابرات لم تحقق نجاحات في خلال الحرب العالمية الأولى.

 

الأمر ليس كذلك تماما، فجهاز " أن- دي" الألماني حصل على تقارير مهمة من الأمريكي "ولبرت ستراتون" حول عمليات التعبئة العسكرية في روسيا كانت لها أهمية بارزة خلال العمليات الحربية، و المخابرات الفرنسية وضعت يدها على تفاصيل» خطة شلايفن « (خطة الغزو الألمانية لفرنسا عير بلجيكا) من ضابط في هيئة الأركان العامة الألمانية.

 

كما تلقت المخابرات الفرنسية تقارير أخرى تثبت صحة المعلومات حول خطة شلايفن، و على أي حال، كانت هذه الخطة سرا مفتوحا سنة 1909 بعد أن نشرت صحيفة دويتشر ريفيو مقالا ينتقد تفاصيل هذه الخطة !

 

لكن هيئة الأركان العامة الفرنسية رفضت تصديق الخطة، و اعتبرت حتى النهاية أنها سيناريو سربته المخابرات الألمانية لحرف نظرها عن خط الهجوم الحقيقي. لكن هيئة الأركان كانت مخطئة، فالطريق الذي سلكه الألمان عام 1914 كان تماما هو الطريق الذي ذكرته خطة شلايفن. و حين حاول الماريشال بيتان إجراء تحقيق بعد الحرب، اكتشف أن الوثائق التي سربها الضابط الألماني حول خطة شلايفن قد أحرقت.

 

في المقابل، حصلت المخابرات الألمانية على خطة هجوم الحلفاء في معركة "سوم" من أسير فرنسي، كما حصلت على معلومات حول الدبابات الأولى في العالم من أسير بريطاني، لكن هيئة الأركان الألمانية (و كذلك و كالة المخابرات الألمانية نفسها) رفضت تصديق هذه المعلومات.

 

لكن عدا هذه النجاحات المحدودة، لا يبدو أن »  قبيلة « المخابرات حققت الكثير إبان الحرب العالمية الأولى، و كذلك الأمر بالنسبة للجواسيس الذين حيكت حولهم الأساطير الضخمة. و إذا كان الأمر كذلك، كيف يمكننا إذن تفسير الأساطير التي لا تزال حية حول جواسيس مثل ماتاهاري، تلك الراقصة الفاتنة التي عينها الألمان (كما تقول الروايات) رئيسة لشبكة جواسيسهم في ألمانيا و التي أصبحت عشيقة وزير فرنسي و قضت نحبها أمام فرقة إعدام فرنسية ؟

 

فعلى مدى السنين، أصبحت ماتاهاري نموذجا للجاسوس المتفاني، و ملحمة يونانية عن تلك الفتاة الجميلة التي نجحت، بدافع من حبها للمال و المغامرات، بنسج شباكها لجذب العشاق المهمين بهدف الحصول على أهم أسرار الدولة الفرنسية.

للوهلة الأولى، يبدو أن قصتها تتضمن كل العوامل الكلاسيكية المرتبطة بالتجسس: الخداع، الإثارة، مستوى المعيشة المرتفع، المال و الشجاعة. و لكي تكتمل شعائر هذه القصة، تتقدم الأسطورة لتعلن بان ماتاهاري كانت ترقص في زنزانتها أمام الحرس، و بأنها كشفت عن صدرها أمام فرقة الإعدام الفرنسية مراهنة منها على أن الجنود لن يتمكنوا من التصويب بدقة إذا ما رأوا دقائق جسدها الفتان.

و لكن القصة الحقيقية أقل إثارة و ربما أكثر إيلاما.

 

الاسم الحقيقي لماتاهاري هو مرغريتا جيروترودا ذيل، ولدت في عام 1876 في ليغاردن بهولندا، و بعد زواج فاشل من ضابط في القوات الاستعمارية الهولندية، أمضت خلاله ست سنوات في جاوا (إندونيسيا حاليا) برزت مرغريتا في باريس سنة 1905 تحت اسم ماتاهاري (أي عين الصباح) لتؤدي رقصات هندية مثيرة و هي عارية أحيانا.

 

حققت مرغريتا نجاحا سريعا، و أدت وصلاتها في سنوات ما قبل الحرب في باريس و برلين و لندن و روما، كما أنها مومسا من الدرجة الراقية التي تجتذب كبار المسؤولين و الموظفين الرسميين.

 

كانت مرغريتا في برلين حين اندلعت الحرب، و بوصفها مواطنة من دولة محايدة، كان في وسعها التنقل بحرية بين ألمانيا و فرنسا و إيطاليا و بريطانيا و إسبانيا. و قد اشتبه بها كل من المخابرات الألمانية و الفرنسية و البريطانية بأنها جاسوس لطرف ما، لكن أحدا لم يستطع العثور على دليل يثبت ذلك، عدا الحقيقة بـأنها ذهبت إلى السرير مع ضباط و وزراء فرنسيين .. و بأنها جاءت إلى لندن للتجسس لحساب الفرنسيين ! كما ادعى رئيس سكوتلانديارد السير بازل تومسون الذي حقق معها.

 

اعتقلت مرغريتا في باريس سنة 1917، و تمت محاكمتها أمام محكمة عرفية، 24-25 جويلية من ذلك العام. و ذلك الدليل الأساسي الذي سيق ضدها كان لائحة بمبالغ قبضتها من الألمان خلال عامي 1916 و 1917. و قد اكتشفت السلطات الفرنسية هذه المبالغ عبر البرقيات التي كانت ترسل من الملحق العسكري الألماني في إسبانيا إلى مدريد. كيف يمكن لها تفسير ذلك ؟

 

قالت ماتاهاري، أن المبالغ التي استلمتها من الملحق العسكري كانت هدايا لأنها كانت عشيقته. و بأنه إذا كان الملحق قد سرق هذه الأموال من صندوق المخابرات الألماني، فهذا ليس شأنها و لا تؤاخذ عليه. و اعترفت ماتاهاري بأنها تلقت مبلغين من المال في باريس من عشيقها في هولندا البارون فان در كابلن الذي لا علاقة له بالمخابرات الألمانية، حتى و لو كانت أمواله موجودة في ألمانيا.