Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب جواسيس في مهام سرية 8/فوشي والمخابرات

فوشي وزيرا لشرطة في عهد نابيلون    

أما أوضاع المسرح و الصحافة فلم تكن أفضل، و كثيرا ما نشرت صحيفة "المونيتير" مقالات موضوعة و مؤلفة و أنباء مشوهة و تقارير مضخمة عن حملات نابليون، و الروايات المسرحية و الروايات الطويلة كانت خاضعة للمراقبة أيضا. حتى الأوبرا لم تكن بمنجى من التزوير أو الخداع. و أثناء عرض أوبرا "هوراتي" اصطنع فوشيه نقدا و هجوما على نابليون في الصالة.

و قد اعترف بذلك صراحة حين قال : " أن كل حكومة تستغل في بداية قيامها خطرا من صنعها، إما لترسيخ سلطتها أو لتوسيعها. و أية مؤامرة ننجو منها هي فرصة للحصول على المزيد من السلطة و النفوذ".

 

و في سنته الأولى كوزير للشرطة في ظل نابليون واجه فوشيه أزمتين صعبتين. بعد الاطمئنان إلى أن كل شيء في الداخل على ما يرام، انطلق القنصل الأول باعتباره القائد العسكري عبر ممر "سانت برنارد" لضرب النمسا التي استعادت شمالي إيطاليا. كانت باريس تنتظر أنباء المعركة الحاسمة ساعة فساعة. و كانت التقارير الأولى تشير إلى أن الفرنسيين لاقوا هزيمة ستؤدي بالتالي إلى القضاء على مطامح نابليون السياسية. تردد فوشيه و تريث، هل يبقى على ولائه لنابليون أم يقفز إلى عربة المعارضة، فهو لا يعرف حقيقة الموقف العسكري، في الجبهة، و لم يتخذ موقفه النهائي و لم يعد إلى تولي مقاليد السلطة إلا حين اتضح له أن معركة "مارينغو" كانت نصرا رائعا لنابليون. غير أن القنصل الأول لم يعد بعد ذلك يثق بمدير شرطته. و قد أقر فوشيه بنفسه أن معركة "مارينغو" كانت نصرا للقنصل الأول على فرنسا، لأنه بعد ذلك صار حاكمها الفرد الذي لا ينازع.

 

و تناولت الأزمة الثانية محاولة اغتيال جادة عشية الميلاد سنة 1800، فيما كان نابليون و جوزفين في عربتهما إلى حضور عرض لهايدن. كانت الشائعات حول المحاولة قد راجت في اليوم السابق، و لكن رجال الشرطة الخاصة للقنصل الأول، لا شرطة فوشيه، أكدوا له أنه تم الكشف عن الطريق و المسرح و تبين لهم أنهما خاليان مما يريب و أنه ليس هنالك ما يخشى منه، و لكن.. ما أن انعطفت عربة نابليون إلى شارع "سانت نيكيز" الضيق حتى انفجرت آلة جهنمية-عربة محشوة بالبارود أو فلنقل مفخخة بلغة اليوم- و نجا نابليون بأعجوبة بدون أي أذى، لأن سائـق عربة القنصل الأول اندفع بسرعة تجاوزت المألوف و هو في حالة سكر. و سمع فوشيه تعنيفا شديدا، و أهين بقوة في وجهه و قيل له أنه كان عليه أن يراقب أصدقاءه اليعاقبة الذين اتهموا بالمحاولة. و لكن فوشيه رد بكل هدوء يطلب مهلة أسبوعين ليثبت أن الاعتداء من صنع الملكيين. و بعد التدقيق و المتابعة و جمع كل الأدلة واحدا بعد الآخر و نتفة بعد نتفة، عثر فوشيه على الحداد الذي صنع حدوة الجواد الذي استخدم في المحاولة و اعترف بأنها من صنعه. ثم أدى ذلك إلى اعتقال المتآمرين الملكيين الذين اعترفوا بأنهم قاموا بالمحاولة قبل إعدامهم. صحيح أن نابليون أعجب بمقدرة وزير الشرطة لكنه لم يفوت المناسبة لترحيل عدد من اليعاقبة الأبرياء إلى إفريقيا.

 

و كان نابليون و فوشيه على خلاف حول قضايا عديدة لكنهما كانا يدركان أن جماهير الشعب قد سئمت الفساد و الرشوة و ملت الادعاءات الفارغة عن الحرية و الشعارات الكاذبة التي لا تعني شيئا و الكلام الضخم المنمق دون أي محتوى أو مضمون عن الثورة. إن الأمة تنشد النظام و الأمن و الاستقرار، بما في ذلك بعض حسنات النظام الملكي السابق. لذلك تميزت الأشهر الأولى من عهد القنصلية بالاعتدال و بالحكم المستنير مما أدى بالتالي إلى شعور عام بالاستقرار و الطمأنينة، حتى أن نابليون ساير اليمين السياسي و أعلن عفوا عاما عن أكثرية المهاجرين ولم يستثني منهم غير لويس الثامن عشر. و في 25 مارس سنة 1802 وقعت معاهدة "آميين" بين إنجلترا و فرنسا في أجواء من الحماس الشعبي بعد أن ملت البلاد عشر سنوات من الحرب الثورية. جاءت هذه الخطة تعكس معتقدات فوشيه أيضا الذي كان يعتقد بأن فرنسا تستطيع عندئذ أن تبدأ مشاريع تنمية  اجتماعية و اقتصادية. و في يوم عيد الفصح دقت أجراس "نوتردام" لأول مرة منذ سنوات إيذانا بالسلام، و دعوة لصلاة حضرها القنصل الأول نابليون نفسه بعد أن تحول على ما يبدو إلى مؤمن صالح.

 

و وقف فوشيه إلى جانب العديد من القادة العسكريين و السياسيين الجمهوريين الذين عارضوا اتفاقية "الكونكوردا" مع البابا و الكنيسة الكاثوليكية في السنة السابقة باعتبارها خطوة مشبوهة لتوحيد الشعب لأسباب سياسية. و الحقيقة أن صلح "آميين" و "الكونكوردا" كانا تدبيرين تمهيديين قام بهما نابليون لتأمين انتخابه قنصلا مدى الحياة، مما شكل الخطوة الأولى نحو إعلان نفسه إمبراطورا في وقت لاحق. آنذاك أعرب القيصر الجديد عن امتنانه بأن حرم مجلسي الشيوخ و النواب من أية صلاحيات، إذ لا يجوز للصغار و ذوي النظرة الضيقة أن يقفوا في وجه العباقرة. و استدار فوشيه إلى سيده عبثا. قائلا : "حقا أنني لم أرى في ذلك غير الخطورة و الفوضى، و قد عبرت عن ذلك بكل وضوح. قلت للقنصل الأول أن يعلن نفسه ملكا مدى الحياة و لكنه ليس لذلك في نظري أي أساس غير سيفه و انتصاراته". هنا كان نابليون قد بدأ يتضايق من تزايد شهرة فوشيه. و للمرة الأولى أخذ يعير أذنا صاغية للنقد الذي كان أشقاؤه و شقيقاته يوجهونه لوزير الشرطة و هو يعلم أنهم لم يجتمعوا إلا على العداء لفوشيه و جوزفين فقط. و في أوت 1802، أبلغه رئيس الدولة أنه قام بواجباته خير قيام إلى درجة أن منصبه لم يعد ضروريا. و تقديرا منه لخدماته منحه مكافأة تجاوزت مليون فرنك و عينه عضوا في مجلس الشيوخ للتأكيد له على عدم وجود أي استياء منه. لم يشأ نابليون أن يغامر في هذا المجال، فالرجل له مستودع أسرار، و رجاله السريون في كل مكان. و من يدري ؟ أن إنسانا بمقدرة فوشيه قد يكون لازما له في المستقبل.

 

و في ماي سنة 1803، نشبت الحرب في أوربا من جديد. و في أقل من عشر سنوات انتقل فوشيه من الحياة في منزل حقير إلى امتلاك مساكن فخمة في شارع "شيروتي" في فيريير بجوار باريس، و في إكس في جنوب فرنسا، غير أن حياته الهادئة نسبيا في هذه الفترة أزعجته و حملته على ترقب لاستعادة مركزه السابق. و تسنت له الفرصة حين دخلت باريس مجموعة من المتآمرين الملكيين من غير أن يعرف بهم رجال المباحث. و لكن هذه المؤامرة التي تورط فيها جنرالان من أشهر جنرالات فرنسا كشفت في اللحظة الأخيرة و بناء على معلومات غير دقيقة، و تأثرا بتربيته الكورسيكية، أقسم نابليون على الانتقام و أمر سرا باعتقال دوق دانجيان، الأمير الهارب و من المطالبين بالعرش و المقيم بألمانيا، ظنا منه بأنه الأمير الملكي الذي يقف وراء المؤامرة. و نقل الأمير الذي حل به غضب نابليون إلى قلعة بجوار باريس، و جرت محاكمة هذه الضحية البريئة على يدي عديل القنصل الأول، ثم أعدم رميا بالرصاص و كل ذلك خلال ساعات معدودة. تدخل فوشيه من غير جدوى،و نوه بالتأثيرات السياسية المؤذية التي ستنجم عن مثل هذا العمل غير المدروس، المهين للعدالة و الشرعية. وصفه بأنه "أسوأ من جريمة، إنه خطأ فاضح ". و الواقع أن هذا الخطأ وحد أعداء فرنسا و زج أوربا في حرب دامت إحدى عشر سنة. و في العاشر من جويلية، استدعي فوشيه لتسلم منصب مدير الشرطة مرة أخرى و من جديد.

 

كانت قضية دوق دانجيان حدا فاصلا نهائيا بين نابليون و عائلة البوربون الملكية. و إذا كان فوشيه ميالا للنظام الجمهوري في داخليته، فإنه أدرك أن الاستقرار الوطني يتجاوز المشاعر الفردية. و لذلك عمل في مجلس الشيوخ على تشجيع إعلان الإمبراطورية و جرى ذلك بالفعل في 18 ماي 1804. و في هذه الفترة أصبحت العلاقة بين السيد و الخام تزداد رسمية الشكلي حتى أن فوشيه كان يتردد في محادثة الإمبراطور بصراحته السابقة مع العلم أن نابليون ظل يواصل توجيه الإهانات لوزير شرطته في وجهه و وراء ظهره. و إن ذلك لم يمنع فوشيه من مواصلة الرقابة على المخدع الإمبراطوري، و الواقع أن فوشيه كان من أول الذين شككوا بأن جوزفين رغم أن لها ولدين من زوجها الأول، لا نابليون، هي التي تعجز عن إنجاب وريث. و في الوقت نفسه فإن مخبري نابليون الشخصيين لم يجدوا شيئا مثيرا أو أية إشاعات في حياة فوشيه ينقلونه إلى سيدهم لأن فوشيه لم يكن يدخن السجائر، و لا يبالغ في تناول المشروبات، و لا يخون زوجته. و باختصار أنه كان مثالا للفضائل النابليونية المفترضة. و لعل أقصى ما يمكن اتهامه به هو أنه يقوم بنشاطات "غير فرنسية".

 

و أثناء الحملات الخارجية الكثيرة التي كان يقوم بها الإمبراطور، كان فوشيه هو الحاكم الفعلي في فرنسا. كانت طريقته تقوم على الإقناع لا على العقوبة، و مثل هذا الأسلوب يتطلب جهازا أمنيا واسعا. و كثيرا ما يتبجح فوشيه بأنه "كلما اجتمع ثلاثة معا، كان لي بينهم واحد يتنصت" هذه مبالغة و لا ريب، لكنها أفادته كثيرا في الحد من المؤامرات. غير أن خصومه وجدوا أنفسهم ملزمين بالاعتراف باعتداله و بسياسته المستنيرة، "مدام دي شتايل" و هي الخصم الدائم لنابليون، أقرت بأن وزير الشرطة "لم يرتكب أي خطأ لا تقتضيه الضرورة" و قد استطاعت في فترات إبعادها عن العاصمة، أن تدخل خلسة، فيما كان فوشيه يغض الطرف. و على هذا التغاضي تلقى فوشيه تعنيفا صريحا من نابليون الذي علم بذلك من رجال مخابراته السريين و هو في بولونيا.و بالمقابل كان فوشيه  يتلقى تقارير يومية عن غراميات الإمبراطور بالكونتيسة "ماري واليفسكا".

و بنتيجة إيقاف العديد من الصحف في فرنسا و إخضاع ما تبقى منها للرقابة، تمكن فوشيه من تخصيص قسم كبير من وقته لغربلة أنباء المنشورات الأجنبية، و هضمها و فهمها و انتقاء جوهرها، و هو العمل الذي شكل الجزء الأساسي من تقاريره اليومية لنابليون، و لا ريب أن الديبلوماسيين الأجانب كانوا خاضعين لرقابة صارمة، كما أن منح أذونات التنقل أو حجبها كانا من صلاحية فوشيه. و قد أدرك فوشيه تزايد صعوبة الفصل بين السياسة الداخلية و السياسة التوسعية الخارجية و التي لابد لها بالتالي، إذا لم تتوقف عند حد، أن تؤدي إلى القضاء على الإمبراطورية. و كان واضحا أن حروب نابليون تفرغ البلاد من شبابها و تقضي على ازدهارها، فيما كانت طموحاته تتسع مع كل حملة عسكرية جديدة.

و قد أدى غزو إسبانيا سنة 1808، و نبأ الهزائم الأولى في ميادين المعركة إلى اتحاد أدهش المجتمع الباريسي. فقد ظل تاليران، وزير الخارجية، و فوشيه وزير الشرطة و الأمن، على ما هنالك من تشابه في خلفياتها الدينية، خصمين على مدى سنوات، لا يتحدث أحدها للآخر، و هو وضع أرضى نابليون و أثار ارتياحه. غير أن رغبة مشتركة بالسلام دفعتهما إلى التفاهم العلني و إعداد المخططات للمستقبل. و اشتم نابليون رائحة انقلاب، فبادر من إسبانيا و بسرعة إلى عزل تاليران من منصبه بصورة علنية و مثيرة، أما فوشيه فاستطاع كعادته أن يتجنب العاصفة. و في السنة التالية حين كان الإمبراطور في النمسا، نشأ وضع أشد حرجا. و قد نزلت القوات الإنجليزية في "ولشيرين" في هولندا مما شكل تهديدا مباشرا لأنتورب (أنفرس) و لشمالي فرنسا و كان لابد من دحرها على الفور. و ببادرة منه جند فوشيه الحرس الوطني و عين الجنرال "برنادوت" قائدا للحرس، على الرغم من سخط الإمبراطور عليه. و في رسالة مليئة بالروح القومية أعلن فوشيه : "لنثبت لأوربا أنه إذا كانت عبقرية نابليون تضفي البريق و المجد على فرنسا، فإن حضوره ليس ضروريا لصد العدو". تصريح خال من الكياسة لكنه كان مصيبا كل الصواب، كما تبين عند نجاح الهجوم المعاكس، و اضطر الإمبراطور لكتم غضبه و بعد أسبوع منح فوشيه لقب دوق اوترانتو.