Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب جواسيس في مهام سرية 7 /فوشي وامخابرات

فوشي والمخابرات  

و في السادس من فبراير 1794، أصدر "فوشيه" أمرا بوقف عمليات الإعدام الجماعي بالرصاص و لكن ذلك لم يوقف الإرهاب فقد لقي عدد من الناس حتفهم بعد ذلك على المقصلة. أدرك فوشيه أن عمليات الإعدام لم تعد تحقق الهدف المطلوب إذ خلقت جوا من الاتهام و العداء الذي قضى على المذنب و البريء معا. و كان لهذا الدرس أثره العميق على سيرته في وقت لاحق. أصبح يرى أنه من الأفضل من جميع النواحي أن يعدم زعيم أو اثنان ثم يترك أتباعهما يتأملون مصائرهم. و مما له مغزاه أن آخر من شهر فبراير سنة 1794 أمر فوشيه في ليون بإعدام الجلاد و مساعده. و لكن المجلس الوطني لم يقنع بذلك بل طلب عودة فوشيه إلى باريس لتفسير اعتداله. كانت التهمة الخطيرة الموجهة إليه هي إلحاده الصارم، لأن إلحاده يخالف إلحاد قادة الثورة في باريس فقد أعلن "روبسيبيير" عندئذ إلحاده الخاص القائم على مبدأ الكائن الأسمى، مشيرا بذلك إلى عصمته، ثم دعا فوشيه لشرح مواقفه أمام لجنة السلامة العامة الرهيبة، و هي دعوى تعادل الحكم بالإعدام.

 

وجد فوشيه نفسه في وضع حرج للغاية. و بصفته مندوبا عن المجلس الوطني طلب أن يرفع تقريره أمام المجلس لا أمام الهيئة التي اختارها "روبسبيير". لم يكن فوشيه يبقى أكثر من ليلة أو ليلتين في بيت واحد تجنبا لاعتقاله ثم عمل على زعزعة مركز منافسه الخطر ببث روح الشجاعة و الوحدة بين الأعضاء حتى أنه انتخب رئيسا لنادي اليعاقبة، مما أغاظ "روبسبيير" أشد الإغاظة.

و الواقع أن الكثيرين من أنصار هذا الرجل المعصوم كانوا قد أخذوا يبدون استياء متزايدا من عجرفته و استبداده. حتى أن المقاعد الفارغة في المجلس كانت دليلا بليغا على هذه الأشياء و عن ضعف بلاغة فوشيه الخطابية. و جاءت نهاية "روبسبيير" سريعة و أكيدة. فشل في إقناع أعضاء المؤتمر بسلامة اتهاماته، فهتفوا بسقوطه، ثم اعتقل و اعدم.

بذلك انتهى عهد الإرهاب لكن فوشيه، نفسه، و هو الإرهابي السابق، واجه خطر النفي و الموت في مستعمرات "غيانا" و أصر على إلقاء اللوم على الآخرين، بمن فيهم زميله "كولو"، و أنكر أن يكون مسؤولا عن أعمال الإرهاب، فاستطاع أن ينجو من الموت. لكنه كان قد فقد كل شيء : منصبه، ثروته و سمعته، إلا حياته و زوجته الوفية.

 

 فالمعلوملت عن تحركات فوشيه بين 1793و  1797 هي قليلة فقد وجد نفسه مضطرا بأن يحيا حياة بائسة في غرفة مزرية. و الظاهر أنه تورط في هذه الفترة بأعمال مصرفية مشبوهة وبالتهريب قبل أن يعمل جاسوسا في خدمة "باراس" أحد رجال الإدارة الخمسة الذين كانوا يحكمون فرنسا آنذاك. و الظاهر أنه بدأ عمله ذاك في المناطق النائية ثم عاد إلى باريس لمساعدة "باراس" على القضاء على ثورة "بابيف" التي توخت المحافظة على طهر الثورة و نقاوتها، ليعمل بعد ذلك في الإعداد لانقلاب استهدف هيئة المديرين بالذات. و كان "باراس" يود أن يكافئ هذا الرجل الذي خدمه اعترافا له بجميله. و لكن فوشيه، كما يقول بنفسه، ثابر على رفض المكافئات الصغيرة التي كانت تعرض عليه " كنت مصمما على القبول بالمهمات الكبيرة فقط، المهمات التي تدفعني إلى طريق الأعمال السياسية الكبيرة. تحليت بالصبر، صبرت طويلا و لم يذهب صبري سدى".

 

 و في وقت لاحق عين سفيرا في جمهورية سفوح الألب التي أنشأها نابليون في شمالي إيطاليا سنة 1797، ثم إلى هولندا. و في المنصبين حققت سياساته الليبرالية المستنيرة نجاحا ملحوظا مما ترك انطباعا جيدا على "باراس" الذي كان يواجه وضعا قلقا في فرنسا، فاستدعاه إلى باريس و عينه مديرا للشرطة ؟

 

كانت إدارة الشرطة التي تسلمها فوشيه موبوءة بالفساد و العجز في مجتمع منشغل بمضاربات و بالحياة المترفة. و لكنه سرعان ما نجح في تركيز السلطة بيديه ثم عمد لتأمين تمويل شبكة الجواسيس الآخذة في الإتساع، إلى فرض الضرائب على القمار و البغاء، و هما مصدران لا ينفذان. كانت الخزينة فارغة، بدون المال يستحيل قيام أي شرطة. و سرعان ما توفر المال في الخزينة إذ جعلت الموبقات و الرذائل الملازمة للمدن الكبيرة، موردا لتمويل الشرطة. و لتوفير حرية أوسع للعمل و لتجنب نقد الرأي العام، أوقف عددا من الصحف، ثم قام بنفسه بإغلاق أبواب نادي اليعاقبة-المعروفين بتطرفهم و تطهرهم- الذي يدين إليه بالكثير، و واصل مراقبة النشاطات الملكية باستمرار، لكنه سمح للكثيرين من صغار النبلاء المهاجرين بأن يعودوا إلى البلاد و حجته في ذلك أن اعتماد سياسة التساهل أكثر جدوى و فعالية إذ يجعل الكثيرين من النبلاء مدينين له، و قد استطاع أن يبرر إنشاء شبكة التجسس الواسعة، و حفظ الملفات الضخمة عن ألاف المواطنين بقوله أن فرنسا ستعرف بنتيجة ذلك استقرارا داخليا لم تعرفه من قبل. و الواقع أن ذلك تحقق بحدوث انقلاب  18سبتمبر الذي أوصل نابليون إلى السلطة.

 

بصفته مديرا للشرطة كان فوشيه على علم بأن هناك انقلابا آخر يعده نابليون نفسه في وجه "باراس" المتواطئ و رجال الإدارة. كان "باراس" قد عين فوشيه في هذا المنصب بغية الحيلولة دون نجاح هذه المؤامرة و لكن فوشيه كان يخلص للجهة التي تبدو مضمونة النجاح. و بواسطة "جوزفين" التي قدم لها رشوة كبيرة، عرف فوشيه بعودة نابليون الباكرة من مصر و بمخططاته للمستقبل، و تصرف بالتالي على هذا الأساس. و حين وجه المتآمرون ضربتهم، كان "باراس" محجوزا في حمامه على يدي "مدام تاليان"، في وضع محرج في كل حال، بينما كان الانقلاب يأخذ مجراه في سانت كلود، على مسافة قصيرة من العاصمة. كان فوشيه قد حمل المجلسين التشريعيين لعقد الاجتماع بحجة الأمن، ثم عمد إلى سد جميع المداخل إلى باريس بعدد من رجال الفرق الخاصة لتأمين مزيد من السيطرة و السلامة. من  فشل الانقلاب، و هو الأمر الذي كاد أن يحدث بسبب تصرفات نابليون الحمقاء، نظم فوشيه جيشا من المخبرين ينقلون إليه تطورات الوضع كل نصف ساعة. هكذا أصبح في وسع "وزير الشرطة" أن يرحب بالانقلاب إذا نجح أو ينقض عليه إذا فشل. فقد تعلم دون شك درسا من مغامري سباق الجياد بضرورة  الرهان على كل الجياد لئلا يفلت واحد منه !

 

هكذا قام تحالف مصلحي و رخيص و لكنه لم ينته إلا بانتهاء سلطة نابليون السياسية بعد  15سنة، و كان في أحد طرفي ذلك الرجل نابليون الذي وسم نفسه بالعبقرية و انطلق إلى الأعمال و المغامرات البطولية و المزاجية و العاطفية، و كان في طرفه الآخر فوشيه رجل الشرطة و الأمن الذي لا يستسلم للعاطفة، بل يجمع بجد و نشاط معلومات عن جميع الناس و الأمور، بتحفظ و حذر، و لو أنه كسيده راغب كل الرغبة في ممارسة السلطة. و لولا كفاءة فوشيه و معرفته الدائمة لجميع الأحداث في فرنسا، لكان من المشكوك فيه أن يستطيع نابليون التغيب تلك الفترات الطويلة لشن حروبه في الخارج. و الواقع أن وجود فوشيه، على رغم العداء الشخصي بينهما، كان عاملا حيويا في تنفيذ سياسات نابليون في الداخل و الخارج على السواء.

 

و لو أن القنصل الأول، ثم الإمبراطور بعد ذلك، اكتفى بالاعتماد على وزير شرطته للحصول على المعلومات السرية، لكان بالإمكان، على ما يظن، تجنب الكثير من الأخطاء اللاحقة. و لكن فوشيه وجد نفسه في صراع مع مجموعات أخرى من الجواسيس، منها من يعمل لنابليون مباشرة، و منها من يعمل لتاليران أو للوسيان بونابرت، بالإضافة إلى جواسيس آخرين للعسكريين و للوزراء. ثم أن الكثيرين من هؤلاء الجواسيس و المخبرين كانوا يعملون في خدمة أكثر من سيد واحد. كما أن الكثيرين من الموظفين الكبار كانوا يؤمنون مداخيل إضافية لهم بإفشاء بعض المعلومات. و قد اعترف فوشيه فيما بعد أنه كان يدفع إلى "ديروك"، السكرتير الشخصي لنابليون مبلغ  25000فرنك شهريا للتجسس له على سيده. و لقاء مبلغ آخر محترم كان طباخ لويس الثامن عشر في إنجلترايتلقاه جزاء غمله لحساب وزير الشرطة. مثل هذه الشبكة الواسعة من أجهزة المخابرات المتنافسة كانت مصدر أربعة تقارير مستقلة و متناقضة أحيانا، و غير دقيقة، يتلقاها نابليون صباح كل يوم !