Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب جواسيس في مهام سرية 6 /الفرنسي فوشي اب المخابرات الحديثة

 

 

الفرنسي فوشي اب المخابرات الحديثة   

 

المخابرات الحديثة بدأت بالديكتاتوريات الحديثة، و نابليون أحد أوائل الحكام الديكتاتوريين بالمعنى الحديث للكلمة. و فوشيه، وزير شرطته، هو أول من أدار جهاز مخابرات شامل و واسع  و أخطبوطي و الذي أصبح نموذجا لأجهزة المخابرات بعد ذلك، و يمكن القول أنه مؤسس صناعة المخابرات بمفاهيمها و أشكالها الحديثة.  

 

يروى أن نابليون شكا إلى أخيه بمرارة، و هو في نوبة غضب شديد، من وزير الشرطة الذي كان يستطيع أن يكون حاضرا في كل مكان، بقوله: "اليوم يدس أنفه في سريري، و في اليوم التالي يتجسس على أوراقي الخاصة". التهمتان صحيحتان والواقع أن "جوزيف فوشيه"، و دوق اوترانتو، وزير الشرطة، كان يعلم من شؤون نابليون المالية و الغرامية مالا يعرفه الإمبراطور نفسه. و في إحدى المناسبات وجه نابليون خطئا بعض التأنيب إلى فوشيه على ما اعتبره تقصيرا منه في التيقظ و الرقابة و لكن قائد شرطته سرعان ما بادر إلى عرض وصف مفصل للزيارات الليلية التي كان يقوم بها "رجل قوي، بدين الجسم، لمغنية الأوبرا الإيطالية الشهيرة، "غراسيني" الحسناء. و لم يكن ذلك الرجل الصغير غيرك أنت. أما تلك المغنية المتقلبة الأطوار فكانت غير مخلصة لك.  كانت تفضل عازف الكمان "رود" عليك «  و لم يعش "فوشيه" ليروي هذه الحكاية فحسب، و لكنه عين في المنصب المهم ذاته في وقت لاحق أثناء الأيام المائة التي عاد فيها نابليون إلى تولي السلطة بعد منفاه الأول. لقد كان "فوشيه" محتقرا و مرهوبا في حياته، و قد أخذ على نفسه أن يكون ضروريا لأية حكومة، و لا مجال لها للاستغناء عنه." أنه و لا ريب أبرع الجميع و أكثرهم مكرا". هكذا وصفه نابليون قبل أن يعينه قائدا للشرطة و الأمن للمرة الثالثة. و ليس لنا أن نغالط نابليون في رأيه بفوشيه ومدحه له حتى بالمقارنة مع مواهب وزير خارجيته الداهية "تاليران"، منافسه و خصمه الأول.

 

و كالكثيرين من الرجال الذين يملكون السلطة و النفوذ في زمن التغيرات العميقة كان فوشيه يفضل العمل في الظل بدلا من وضح النهارفكان باحثا و خبيرا ينقب في أكداس المعلومات التي يأتيه من أفراد شبكته التجسسية الواسعة، و يرفض مظاهر السلطة الخارجية في سبيل السلطة الحقيقية الدائمة. و فيما كان معاصروه يسعون لجمع أمجاد القنصلية و الإمبراطورية و امتيازاتها ، كان هم فوشيه الوحيد أن يجمع المعلومات التفصيلية التي تمكنه من لعب الدور البارز في الدولة. صحيح أنه لم يكن غير كثير الألقاب و الثروة، ولكن ذلك كان عرضيا إذا قيس بالرضى الذي يناله من السيطرة على حياة الملايين. كان تبريره لأعماله بسيطا "كل حكومة تتطلب شرطة يقظة خاضعة لرؤساء حازمين، أصحاب رؤية واضحة ونافذة كضمانة رئيسية لسلامتها". و قد قال الشاعر "هايني" بسخرية إن فوشيه "بلغ به الخداع و التضليل إلى حد نشر مذكرات مزورة بعد موته" تلك عملية مدهشة حتى بالنسبة لفوشيه. غير أن ملاحظة "تاليران" الجارحة جاءت أكثر دقة إذ قال "أن مدير الشرطة رجل يهتم بشؤونه، ولا يعمل على الاهتمام بشؤون الآخرين". و لكن ما بالنا نتحدث عنه و هو في الذروة، و قد كانت بداياته متواضعة جدا ؟

 

ولد جوزيف فوشيه بجوار ميناء "نانت" على المحيط الأطلسي سنة 1759، في قول، هذا و في سنة 1760في قول آخر. و سرعان ما اتضح أن هذا الشاب النحيل البنية لم يتحمل حياة البحر، و لذلك عهد بتربيته إلى جماعة دينية معنية بالتعليم بالدرجة الأولى معروفة  "بالخطباء". و في المدرسة في باريس تلقن جوزيف أصول التنظيم العقلي و ضبط النفس، متحاشيا الانغماس في اللهو و الرذيلة. و قد بقيت معه هذه الخصائص طيلة حياته، و أضاف إليها شعورا داخليا عميقا بالحذر و الشك. على أن "فوشيه" لم ينتسب إلى هذه الجماعة الدينية و لم ينذر نفسه لها و لو أنه ظل معها يدرس العلوم و الرياضيات في أراس. هناك تعرف إلى "كارنو" الذي أصبح جنرالا فيما بعد، و إلى المحامي الناشئ "ماكسيميليان روبيسبيير" أحد قادة الثورة الفرنسية الرهيبين فيما بعد أيضا، حتى أنه أعاره مبلغا من المال كفاه لرحلته إلى باريس بعد أن صادق شقيقته لفترة قصيرة غير أن هذه المغامرة لم تسفر عن شيء. و بعد اندلاع الثورة الفرنسية بوقت قصير، عاد فوشيه إلى بلدته.

 

كانت جماعة الخطباء الدينية مؤيدة للإصلاح. و لكن فوشيه استطاع في فبراير، أي بعد الثورة الفرنسية بسنتين سنة الثورة الغربية، أن يضمن انتخابه رئيسا لجمعية أصدقاء الدستور المحلية. ثم نجح بنشاطه و اعتداله، و هو ليس بالخطيب المفوه، أن يقنع مواطنيه في "نانت" المؤيدين للملكية بأن ينتخبوه عضوا في "المجلس الوطني" ( أي البرلمان أيامها) في باريس. و هنا التقى "بون جان كواكند"، التي أصبحت زوجته فيما بعد، ثم ظل وفيا و مخلصا لها مدى حياته و لو أنها لم تكن تلك المرأة الجميلة اللبقة.

كان فوشيه ليبراليا بشكل عام و لكنه لم يلتزم بتنظيم أي حزب و لكنه مال إلى التعاون مع إحدى الفئات السياسية في تلك الفترة و هي "الجيرونديون" أو الجناح المعتدل منهم بكلمة أدق.

و راح يعمل بنشاط و جهد من وراء الستار في مختلف اللجان و القيام ببعض المهمات الخاصة. غير أن مثل هذه السرية لم تكن لتدوم إلى ما لا نهاية في زمن كان الاستقطاب و العنف الثوري و التعصب يتزايد و يشتد. و كان إصرار "روبيسبيير" على الاستفتاء العام بشأن الملك لويس السادس عشر الذي كانت تحتجزه الثورة وكانت الآراء في مصيره متضاربة مما يجعل مواصلة التهرب مستحيلة. و لعل فوشيه كان يفضل التصويت للإبقاء على حياة الملك و لكنه لاحظ الحماس الراديكالي المتزايد فأيد إعدام الملك. و كان هذا الانقلاب غير المبدئي في موقفه كافيا لتأمين الصوت الواحد للأكثرية المطلوبة. و بعد ذلك ظل "فوشيه" حتى مماته يوسم بأنه : "قاتل الملك".

 

بعد نجاته من المصير الذي انتهى إليه "الجيرونديرون" الذين صفتهم إحدى التطورات الرهيبة، أدرك فوشيه أن صديقه السابق "روبيسبيير" ينظر إلى تقلباته بحذر و ريبة. و حين أرسله المجلس الوطني إلى "نانت' لتنظيم المليشيا لضرب الانتفاضة الملكية في منطقة "الفانديه" سر فوشيه بهذه المناسبة التي أتاحت له الفرار من الإرهاب و في هذه الآونة كان هذا المدرس الذي تربى على أيدي جماعة "الخطباء" الدينية قد أصبح ملحدا متحمسا و اشتراكيا ثوريا. و في "نيفير" و "ترويس" معا صادر الأملاك الخاصة و استولى على الذهب و الفضة في الكنائس لدعم الوضع المالي للحكومة في باريس و لفت انتباه ذوي السلطة إليه. و بمبادرة منه حث رجال الدين على الزواج أو تبني الأبناء، و أنكر في الوقت ذاته وجود حياة أخرى معلنا" أن الموت نوم أبدي". و في فرنسا الثورة، مثل هذا الحماس الثوري يستحق

المكافأة. و لما ثارت "ليون" كما فعلت مدن أخرى كثيرة، على سلطة حكومة باريس، كان لابد من يد حديدية لإخضاع الثورة. و بعد استسلام المدينة التي سميت بالمدينة المحررة ، أرسل "فوشيه" و "كولو ديربوا"، الممثل السابق، من قبل المجلس الوطني لتدمير المدينة، لتلقينها درسا و جعلها مثلا لبقية المدن، و لعدام جميع المواطنين الذين اشتركوا في الانتفاضة. و في بضعة أسابيع لقي على الأقل 1600شخص من معارضي الثورة، حتفهم على أيدي فوشيه و دفنوا في مدفن جماعي و البعض ألقوا في نهر الرون.

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :