Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

كتاب جواسيس في مهام سرية 4

  إن "لي كوكس" قاد كل هذه المسيرة، غير أن دوره لم يقتصر على ذلك، فقد قدر له أن يلعب دورا آخر أكثر أهمية في تأسيس و تطوير أول جهاز مخابرات مدني في بريطانيا و من ثمة في العالم.

ولد "لي كوكس" في لندن

1864 )، مثلها مثل بريطانيا و فرنسا و روسيا و معظم الدول الأوروبية. غير أن هذه الخدمات كانت تتركز على مسائل الحرب وحدها. ناهيك عن أن دوائر هذه الخدمات كانت تعاني من نقص فادح من الاعتمادات في فترات السلم، و لذلك مضطرة إلى الاعتماد إلى حد بعيد على تقارير الملحقين العسكريين و الديبلوماسيين و القناصل و الصحافيين، للحصول على المعلومات. و بعد الحرب الروسية-اليابانية 1905، حاولت ألمانيا تحسين معلوماتها عن روسيا و عن فرنسا حليف روسيا، فدوائر المخابرات البريطانية لم تستطع الوصول لتحقيق هذا الغرض سوى على 1541914، حين أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا، ففي ذلك اليوم، أعلنت وزارة الداخلية البريطانية عن اعتقال 21 جاسوسا ألمانيا. و هذا الرقم بدا رقما قزما أمام إحصاءات "لي كوكس" التي تحدثت عن وجود 5000 عميل ألماني في البلاد و مع ذلك، لم تدن المحاكم البريطانية سوى واحدا فقط من هؤلاء الجواسيس المفترضين و تم إخلاء ساحة المتبقين لعدم توافر الأدلة الكافية.

 

و باختصار، اتضح سريعا أن الرعب من تغلغل الجواسيس الألمان في بريطانيا في السنوات التي سبقت الحرب، لم يكن

 

إن روايات الجواسيس التي وضعها "لي كوكس" و بوتشان و تشايلدرز و غيرهم، تشترك كلها في عقدة أساسية واجدة قديمة قدم الإنسان : التغلب على الوحش. فالقصة حول كيف أن البطل بمفرده يدرك المخاطر التي يفرضها الوحش على القبيلة و كيف يستعد للمواجهة و كيف يكتشف سر الوحش ثم يقتله، هي سيرة كررتها كل الروايات بوصفها خرافة غير ضارة حول الصراع بين الخير و الشر.

لكن "لي كوكس"، بشخصيته المضطربة، عكس خرافاته على الحياة الواقعية و خلق وحشا حقيقيا : ألمانيا الإمبريالية، و السلطات البريطانية، برغم رفضها لـ"لي كوكس" نفسه، سرعان ما أدركت القوة القومية الضخمة التي فجرها و استعملها فاستخدمتها هي لمآربها الخاصة.

و مضاعفات هذا التطور كانت ضخمة : إنشاء أول جهاز مخابرات بيروقراطي، خذت حذوه العديد من الدول لاحقا، و إدراك أولئك الذين تعين عليهم إدارة هذا الجهاز، بأن أفضل مناخ يمكن لهذا الأخير أن ينموا فيه و يترعرع، هو مناخ التوتر العالمي و التهديد الخارجي.   

 

 

 

له أي أساس من الصحة. لكن لماذا صدق البريطانيون (و الحكومة ؟) هذا الرعب ؟ أوت ألف جنيه إسترليني سنويا و على أربعة عملاء فقط.

 

فبريطانيا كانت غائبة غيابا شبه كلي عن النشاطات الألمانية الجديدة، و قد أنيط كل الأمر بمخابرات البحرية الألمانية، على اعتبار أن بريطانيا قوة بحرية.

و قد برزت هذه الحقيقة جلية، في

من أب فرنسي و أم إنجليزية، و أتقن التحدث بأربغ لغات الإنجليزية و الفرنسية و الإيطالية و الإسبانية، و عمل مراسلا حربيا للعديد من الصحف. و في خلال تسفاره عشق عمليات التجسس و بدأ يعمل جاسوسا، على حسابه الخاص، مستندا إلى مواهبه المتعددة التي السالفة الذكر.

 

و المشكلة في "لي كوكس" أنه كان مقتنعا تمام الاقتناع بأن كل الدول الأوروبية، و بخاصة ألمانيا، تحسد بريطانيا على طريقة حياتها و يسيل لعابها على ثروات إمبراطوريتها، في حين أن بريطانيا لم تكن برأيه، تفعل شيئا استعدادا لذلك "اليوم" الوشيك الذي سيغزوها فيه الأعداء. الطرف الوحيد الذي كان يعمل هو تلك المجموعة من الجواسيس التي تبذل جهودا خارقة لوقف الغزو، التي أفاض "لي كوكس" في شرح مواصفات شخصياتها "البطولية".

لم يكتف "لي كوكس" بالروايات، بل قصف وزارتي الخارجية و الحربية  بوابل من التقارير المتصلة حول نشاطات "الخطر الألماني" التي لم يعد هو نفسه يميز فيها بين الواقع و الخيال، و منها على سبيل المثال تقرير حول محضر اجتماع القيصر الألماني مع جنرالاته حول دور"جيش الجواسيس" الألمان العامل "الآن" في بريطانيا.

 

حين رفضت وزارة الحربية تصديق هذه الرواية، أقنع "لي كوكس" صحيفة "دايلي ميل" بإجراء تحقيق ميداني على الأرض حول الطرق التي سيسير فيها "الغزو الألماني لبريطانيا"، و أثار بذلك ضجة شعبية واسعة، و مالا وفيرا ثمن كتاباته، إلى الحد الذي دفع برئيس الوزراء آنذاك "السير ه. كامبل-بانرمان" إلى التشهير بـ "لي كوكس" في مجلس العموم، و إلى شن الحملات على كتابه "عملاء القيصر".

 

لم يأت تحرك "كامبل-بانرمان" عبثا، لأن هذا الكتاب أثار حمى تجسسية واسعة النطاق في البلاد و بدأت عشرات آلاف الرسائل تنهال على "لي كوكس" و تتحدث عن مسافرين ألمان و ضباط و حلاقين و حجاب و خدم يعملون لصالح المخابرات الألمانية.

و في هذه المرحلة، سارع "لي كوكس" لنقل الأنباء إلى الكولونيل "أدموندز" الذي كان بأمس الحاجة إليها لإقناع اللجنة الفرعية بوجود خطر ألماني حقيقي في بريطانيا.

 

بعد هذه التطورات، و في ظل هذه الضغوط الشعبية، وجدت اللجنة الفرعية نفسها مندفعة إلى تقديم توصياتها لمواجهة هذا التهديد، فاقترحت زيادة القيود على الأجانب و وضع برنامج لحماية المنشآت الحيوية ضد التخريب و زيادة صلاحيات الشرطة ضد الجواسيس.. و تأسيس مكتب منتظم لجهاز المخابرات يكون منفصلا تماما عن وزارات الدفاع  و الخارجية والداخلية.

 

هكذا بدأ أول جهاز مخابرات منظم في التاريخ يشق طريقه نحو الوجود. لكن هل كان لخطر "جيش الجواسيس الألماني" في بريطانيا أي أساس من الصحة ؟

 

بالطبع، كان لألمانيا جهاز مخابراتي عسكري (عرف باسم B.N.D

 

الأدباء و لكنهم جواسيس

 

نميل إلى الاعتقاد بأن روايات التجسس التي حولت الجاسوس إلى واحد من أهم شخصيات هذا العصر، قد شقت طريقها نحو البروز و النجاح في فترة الستينات. لكن قبل 70 عاما، كان "لي كوكس" قد دمج بشكل مشوق بين الأدب و روايات التجسس، و أفسح بذلك المجال أمام صعود جمهرة واسعة من الكتاب مثل جون بوتشان، سومرست موم، روديارد كبلنغ، ت.اي لورنس، و غيرهم. و المثير أن هؤلاء جميعا عملوا لفترة أولأخرى جواسيس لدى المخابرات البريطانية !