Lundi 19 mai 2008

أول نوفمبر 1954 و 19 مارس 1962

في الصحافة الاستعمارية بالجزائر بين الاعلام والتضليل.

 

كانت الصحافة الاستعمارية تلبي حاجات المعمرين إلى الإعلام، وتسعى إلىىالتعبير عن آراءهم ومواقفهم ولا يمكن لأحد أن ينكر ما للمعمرين من وزن وتأثير في صياغة سياسة (المتروبول) وهذا بفعل عددهم الذي بلغ 1/6 من مجموع سكان الجزائر في سنة 1954، وايضا لموقعهم الانتاجي في الجزائر.

كانت هذه الصحافة توجه رسالتها الاعلامية على فئة الجزائريين التي نالت قسطا من التعليم وتستطيع قراءة الصحف والمجالات وقد ادركت هذا الأمر جيدا بعد ان اصبحت مصدرا وملاحقة صحافة أجزاب الحركة الوطنية، خاصة بعد اول من نوفمبر سنة 1954، كما يشهد على ذلك كلود كولوا (Clau – de Collot) في بحثه الخاص بالنظام القانوني للصحافة الجزائرية المسلمة .

إن الصحف التي درسناها لم تظهر إلى الوجود في سنة 1954 فيوجد منها من يملك تقاليد كبيرة في مجال الاعلام (يمكن ذكر "صدى الجزائر" التي اصدرت اول عدد في مارس سنة 1912) وهذا ما يجعلها لا تعلم في فراغ بل تستند إلى إرث من العمل الصحفي، وإلى بعض العقلاقة المكتسبة مع القراء.

لم تذكر الصحف الصادرة في اول نوفمبر الاحداث التي شهدتها الجزائر ليلة ذاك اليوم وربما يمكن تفسير هذا الامر بكون الاخبار لم تصل إلى القاعات التحرير قبل نزول الصحف جزءا كبيرا من صفحاتها في اليوم الثاني من نوفمبر وظلت تولي لها الاهتمام المتزايد طيلة الاسبوع الاول من الشهر ولمعرفة ذلك يمكن، الاطلاع على بعض العناوين البارزة التي كشفت عما جرى خلال اليومين الاولين.

الاغتيال الارهابي في الجزائر

"8 قتلى"، "ارسال ثلاث فرق من المظلمين وقوات اضافية من الشرطة إلى الجزائر"، "التدخل لقمع النشاط الاجرامي". هذه العناوين التي تضمنها عدد "صدى الجزائر" الصادر في 02 نوفمبر اما البرقية اليومية الصادرة في نفس اليوم فقدت اصدرت العناوين التالية: "في نفس الساعة (الواحد والرابع) من ليلة الاحد قامك الارهابيون بعدو اعمال في نقاط من التراب الجزائري ثلاثة كتائب من الشرطة (ثلاثة فيالق من المظلمين ارسلوا من البروتكول)، اعمال تخريبية عديدة في منطقة القبائل وقسنطينة".


الصحافة الاستعمارية بين الاعلام والتضليل

لقد بلغت الرسالة الاستعمارية من القوة ومن تعدد الانظمة التي تفرض بها لجعلها حقيقة، درجة جعلت المستعمر لا يملك في كثير من الاحيان لافناعته الداخلية التي لا تقاس ليواجه بها الهجوم الصادم للصحافة الفرنسية والمظاهرة الستعراضية     في السلطة العسكرية والبوليس). بهذه الفقرة بين فرانز فانون قوة الاعلام، واستعماله كالسلاح في المعركة ونحن نعتقد بان قوة الصحافة الاستعمارية في الجزائر في بداية الثورة، تعود إلى:

1 – الضغط والعنف العسكري والبوليسي الذي رافق الخطاب الصحفي.

ب – الاساليب التي استخدمتها في التعبير عن مواقفها والتي في زوع الرعب في النفوس.

لقد عملت الصحافة الاستعمارية، على اعادة انتاج الخطابالرسمي الذي وصف المجاهدين، بـ: (إرهابيين)، (مخربين)، (قطاع الطرق)، "الخارجين عن القانون "ولم تكتف بتكرار مثل هذه النعوت وهي عالمة بمنفعة التكرار في مجال الاعلام لكنها سعت إلى نحت صورة ملموسة لهؤلاء في الوعي الاجتماعي، لانها تدرك بأن التجريد يقلل الاقناع، ففي هذا الصدد حرصت الصحافة الاستعمارية على اظهار المجاهدين بأنهم أشخاص بدون قيم ولا مبادئ يقومون بالنهب وبالسرقة لهذا اطلق عليهم اسم قطاع الطرق – فلنقرا ما كتبته الجريدة المسائية" أخر ساعة" الصادرة يوم 9 نوفمبر تحت عنوان بارز: (كيف نهب 30 فلاقة خمس فيلات في نادور قرب قالمة، واستولوا على الأسلحة ومليون فرنك). (لقد رافقت الهجوم الارهابي، الذي لحسن الحظ لم تسل فيه الدماء، عملية سطو جريئة إذ صح قول  ذلك، لان الفلاقة غنمو السلاح والذخيرة، واستولوا على مبلغ من المال قدرة مليون فرنك قديم ... كانت الساعة العاشرة والنصف من ليلة الأحد، وكان الناس نياما وفجأة دخل 30 فلاقة إلى إحدى الفيلات الخمس التي سسكنها مستخدموا المناجم (...) فقام بعضهم بهدم ونهب كل ما يوجد في داخل السكن، وقام آخرون بافراغ ادراج الخزانات الواحدة تلوا الاخرى، واستولوا على الذهب والمال).

تخاطب الصحف الاستعمارية فراءها قائلة أن الخارجين عن القاون لا يفكرون في البناء، بل يتعمدون والتخريب والتدمير، هذا ما وجدناه في معظم الصحف التي أطلعنا عليها، حيث تبرز مثل هذا النشاط بعناوين كبيرة وبشكل ملفت للنظر: (تنفيذ مخطط للتخريب والتحريض في الجزائر هذه الليلة قتل الاشخاص اشعا الحريق المقصود قطع خطوط الهاتف إلخ...).

إن "قطاع الطرق" هم الذين يقومون بقتل الابرياء بسبب هذا ما تقله جريدة "صدى الجزائر" في اليوم الرابع من نوفمبر: "لقد تلقت السيدة مونيرو وزوجها قرار التعيين في التعليم بمدرسة صغيرة في "تفلفل" قرب آريس لم يمض على زواجهما شهران عندما حلا بالمنطقة يوم الاثنين صباحا، قادمين من المتروبول، لقد ركبا إحدى الحافلات المتجهة نحو آيس لكن فجأة اوقفت مجموعة من قطاع الطرق الحافلة وطقوتها وخاطب أحدهم السائق قائلا: "إنني أعرف ان القائد بن الحاج والمعلمين الفرنسيين ويوجدون في هذه الحافلة بسجاعة فاين هم ؟ فرد القائد وهو نقيب قديم على المعتدين لماذا تريدون الاساءة إلى الشابين الفرنسيين وصرخ في وجوههم قائلا: "ايها الكلاب" فسقط بطلقة من الرشاش وطلب قطاع الطرق من الفرنسيين تسليمهم ما يملكون من المال (عشرات الالاف من الفرنكات الفرنسية)، وابتعدوا عن الحافلة وفي الوقت الذي هم فيه الروجان بالعودة إلى مقعد هما في الحافلة، انطلق رصاص الرشاش يمزق ظهريهما، فسقط كلاهما على الأخر .. لقد مات السيد مونيرو بعد وقت قصير بين ذراعي زوجته، لقد كان عمره 23 عاما) واستمرت الصحافة في التبع الدقيقة لاخبار هذه السيدة مؤكدة بالحاج على راءتها ةالغرض من هذا في اعتقادنا، لا يتمثل في مخاطبة الوجدان العاطفي الرافض لاي شكل من الاعتداء على الابرياء بل للبرهان على أن الاحداث التي عرفتها الجزائر في ذلك تستهدف الابرياء وهذا إن لم يخلف حالة من الرعب الدائم في نفوس فانة يدفع على الاقل إلى طلب الحماية من السلطات العسكرية والبوليسية، ولكل من يتردد في طلبها تقول الصحافة الاستعمارية وتخبر الرأي العام العالمي بان الكثيرين قد طلبوها وما تقوم به قواتها الاستجابة لهذا الطلب.

كتبت "صدى الجزائر" يوم 4 نوفمبر واصغة في الاوراس: "إن السكانالمسلمين المحاصرين من طرف الخارجين عنالقانون قد عبروا عن فرحتهم بعودة الفرق العسكرية الفرنسية". نفس الشيء تردده "جريدة الجزائر" لكن بقدر كبير من الوضوح: في القبائل السشكان يطلبون الحماية من الارهابيين بالفرق العسكرية وبرجال الدرك: أين هم الجنود ؟ من يحمينا ؟ هذه الاسئلة المقلقة التي سمعناها في كل المناطق التي ظهر فيها الاهابيون خلال ليلتي الاحد والاثنين .

ومن اراد الاستفسار عن سبب القوة العسكرية الاستعماريةالتي تزايدت في المناطق التي تنبئ بتصعيد العنف، فالجواب بسيط ويمكن ان تسمعه من المواطنين أنفسهم، هذا ما كتبه نف الجريدة وعددها الصادمر يوم 4 نوفمبر: "يجب الاتتركونا هذا ما قاله رجال القرية الطيبون".

عندها تؤمن الصحافة "فرق تسد"

عندما تؤمن الصحافة بهذه المقولة، فغنها توظفها في كل مناسبة، وباشكال عديدة ما دام الهدف الأساسي هو عزل الشعب عن الثورة التحريرية وهكذا علمت على مستويين اساسيين هما: وحدة الشعب الجزائري: فخوفا من رؤية هذا الشعب متحدا وراء هدف واحد، لم تكتف الصحافة الاستعمارية بالتاكيد التالية "القبائلي"، "الشاوي" بل ذهبت إلى ابعد من هذا في بحثهما عن النقاط التي يمكن أن تخلق الانقسام والاقتتال حتى في المنطقة الواحدة: للضحك على ذقون الشاوية "الفلاقة يأججون جصوصيات مختلفة القبائل لقد إنتقل الوطنيون من (دوار إلى دوار) ومن واد إلى آخر ليؤلبوا هذه القبيلة على الأخرى.

فقد قالوا للطوابة: (انتم المحاربون الأكثر شجاعة)، فبنى بوسليمان تصفر وجوهيم أمامكم وفي نفس الوقت يأكدون لبني بوسليمان: "أن الطوابة يكرهون قوتكم، ويغامرون منكم، لقد بدأ الحديث عنكم في قسنطينة وفي تونس وحتى في الجزائر لقد أصبح الكل يخشاكم ويهايكم ويحتمكم غننا متأكدون بانه يمكن الاعتماد عليكم".

صدى الجزائر6 نوفمبر

 تشويه صورة القائدة من المجاهدين لدى الراي العام، وهذا قصد دفع المواطنين إلى عدم ثقتهم في مثل هؤلاء فماهي جريدة الجزائر (تعرف) القراء بقرين بلاسم يوم 6 نوفمبر: "أن قارين بالقاسم يوم 6 نوفمبر: "أن قرين بلقاسم من الوافدين على السجون، لقد قام بسلسلة من الوافدين على السجون، لقد قام بسلسلة من الاعتداءات والاغتيالات فحكم عليه بالاعدام عدة "مرات". ففي سنة 1951 تحدي قوات الامن (...) لقد قام قرين وعصابته المدججة بالاسلحة وبتوقيف أحدى الحافلات وانزلوا سائقها عاشو لحضر وخاطبة قرين قائلا: "إنني قرين بالقاسم أحد قطاع المشورين وأنني أعرف إنك كنت سائق السيارة التي قدم فيها رجال الدرك لاعداد الاستصقاء والتحرير لاجل هذا حكمت عليك بالموت" وهم قرين بقتل عاشو لخضر لو لا تدخل والد هذا الاخير الذي كان ضمن ركاب الحافلة، ففدى ولده بـ: 100،000 فرنك، فاخلى قرين سبيل الحافلة وسائقها.

الخوف من سقوط صورة فرنسا الاستعمارية

لقد عملت الصحافة الاستعمارية على أبعاد كل ما من شانه أن يهز صورة الدولة الاستعمارية ويضعفها امام اعين المواطنين، فيجب التأكيد على امتلاك الوسائل اللازمة لاخماد (التمرد) و (الارهاب): "ارسال ثلاثة فيالق من المظليين والشرطة".

"ارسال ثلاث سفن حربية إلى موانئ مناطق قسنطينة "الطاءرات تدعم اليوم نشاط الفرق العسكرية في خنشلة" الهجوم الأول باطيران هذا الصباح في فم الطوب" "تحضير الهجوم الواسع في الأوراس، الطيران يبدا في الرش بالنبالم".

الححنا في التساؤل عن سبب التأخر فانها تنسبه إلى العوامل الثلاثة التالية: الأثر الفجائي للأحداث والنظر إليها من زاوية ضيقة والمتمثلة في التقدير بأن حرب البوليس وحدها كافية لتسوية الوضع، والعامل الأخير فانه يتحلى في نقص عدد رجال الامن والدرك في الجزائر.

ودائما خوفا من ان يتسلل الشك إلى النفوس ويتحول إلى قناعة بعجز القوات الاستعمارية في حسم الصراع لصالحها تخبرنا الصحف بالانتصارات المتحققة والانهزام الذي لحق (بالارهابيين) "القاء القبض على 130 شخص في الجزائر"، "القضاء على مسؤولي الحريق في بوفاريك"، "القاء القبض على 196 شخصا في الجزائر خلال 48 ساعة، مع مصادرة الاسلحة والقنابل" المدرعة التي احتلت فم الطوب يوم الاربعاء مساء"، "قطع رأس المنظمة الارهابية".

الا يمكن لهذه الاخبار أن تؤثر على من ينتظر خيرا في احداث اول نوفمبر؟. للاجابة على السؤال لابد من العودة إلى الهياكل والمؤسسات التي تتكفل باشاعة مثل هذه الأخبار والحث على تصديقها هكذا، المزارع ليعلموهم بأن هذه (الشرذمة من المتمردين) غير المعروفة في المنطقة، قد قتلت في الأوراس، وفي منطقة القبائل ان يهدون إلى الخدم زجاجة (لمونادا) او قطعة من الحلوى بمناسبة إعدام بعض المشبوهين على بعد بضع كلومترات من المزرعة. احساسا منها بفاعلية مثل هذه الطرق حرصت السلطات الاستعمارية على منع أي تسرب للمعلومات المتعلقة بالخسائر في قواتها، إلى درجة يمكن فيها الاعتقاد بعدم وجود صراح بين طرفين هذا ما يستنتجه كل قارئ عنه جريدة "نيويورك تايمس"، من الظاهر أن البلاغات الرسمية لا تعطي صورة صادقة عن الحالة الراهنة في الجزائر التي لا تشك في انها ارد مما تفصح عنه التصريحات الرسمية تسلط المدينة والعسكرية مراقبة غير مباشرة إذ تسكت عن جميع الاخبار السيئة التي لا تصلح لان تشيعها الصحف وبصفة عامة لا يصدر أي نبأ عن نشاط الثوار الا عندما تقع عملية عسكرية، ان ما يجري يكون على مراى ومسمع من الناس فيصبح كتمانه مستحيلا. فنرى السلطة مثلا تسكت عن عمليات تدمير جبال تابلاط على بعد 30 كلومتر جنوب شرقي العاصمة وتكتم الهزائم العسكرية بقدر الامكان كما تقلل الخسائر الفرنسية بانتظام .

وقف اطلاق النار في الصحافة الاستعمارية

رغم قيام الصحافة الاستعمارية الصادرة في الجزائر بمتابعة مجرى تطورات مفاوضات ايفيان الا انها منحتها مساحة اقل من تلك التي حصصتها لحوادث اول نوفمبر ومهما حاولنا تقديم التفسيرات لهذا العمل، فانها تبقى مجرد احتمالات لان كمية الكتابات قليلة لادلالة ما لم نقرنها بالنوعية فلنرى ما كتب. لا شك وان مفاوضات ايفيان قد عرفت عدة صعوبات وعاشت لحضات حارجة والصحف التي درسناها لا تتردد في الاشارة إلى ذلك وتشير ايضا إلى الاختلاف في النفسيات وليس في المواقف فهاهي جريدة "الجزائر" تؤكد لنا ذلك يوم 13 مارس: "بغض النظر عن للتفاصيل وعن النفسيات المختلفة رغم هذه العوامل التي اطالت في الندوة فاننا هنا في ايفيان نرى بان وقف النار شيئ مؤكد". وخشية من ان توجه اصابع الاتهام إلى رغبة الاستعمار في الاحتفاظ بقواعده فإن نفس الصحيفة تؤكد في نفس العدد على ما يلي: "يتجلى لنا بكل وضوح بان الوفد الفرنسي قد تلقى التوصيات التي تامره بالابعاد النهائي لكل الصعوبات التي يمكن أن تعطل وقف اطلاق النار". إذ من هو المسؤول المباشر على الصعوبات التي وجهتها ندوة ايفيان؟ هل هو اختلاف حول تشكيلة المجلس الوطني وصلاحياته خلال المرحلة الانتقالية والتي تمتد من الاعلان عن نتائج الاستفتاء؟ هل هي طبيعة العلاقات المستبلية بين الدولتين المستقلتين؟ أنه بكل بساطة هذا العامل البسكولوجي والذي تشرحه لنا نفس الجريدة في نفس العدد: "فلنتساءل: حول ماذا يسطدم الوفدان عمليا ؟ انهما يسطدمان بعامل بسيكولوجي دائم والمتمثل في تردد وفد جبهة التحرير الوطني في تبني ارضية العمل التي تقدمت بها فرنسا". فالانطباع الذي يوجد لدى جبهة التحرير الوطني عن خطأ او صواب هو انه يعطي لها كل شيئ لكن يحرم عليها انتزاع أي شيئ". لقد حاولت الصحافة تبرز الهجوم العسكري الذي قام به جيش التحرير الوطني في الجهة الشرقية من البلاد واثناء مفاوضات ايفيان حيث كتبت "برقية الجزائر" في صفحتها الاولى يوم 10 مارس 1962 بعنوان كبير "جيش التحرير الوطني يواصل قصفه المدفعي من تونس الطيران الفرنسي يرد على القصف بحدة اقل": "السلطات الفرنسية تخلى عدة قرى من السكان ومن لم يفهم هذا فعلية بقراءة التفاصيل: "إن البرقيات الواردة من الحدود التونسية تحمل قدرا كبيرا من الخطورة حيث تؤكد على الهجوم المفاجئ الذي قامت به العصابات المتمردة على الحاجز الذي وضعناه في الناحية الشرقية (...) يدل هذا الهجوم على الأقل بان جبهة التحرير الوطني لم تتخل على التفاوض من موقع قوة (لو استطاعت ذلك) .... ماهي طريقة غريبة لا تتناسب وتوفير الجو الملائم لوقف القتال". الكل يعرف بان المنظمة العسكرية السرية (O.A.S) قد كثفت من نشاطها في التراب الجزائري ابتداء من شهر مارس من سنة 1961. واستمرت فيه حتى إلى ما بعد الاعلان عن وقف اطلاق النار الصحافة الاستعمارية لم تشر بشكل ظاهر او ضمني موقف معين من المفاوضات وان تعبر عن موقف معين من المفاوضات وان تصعيدها سيؤثر بهذا القدر أو ذاك على سيرها وعلى نتائجها كما ان هذه الصحافة لم تقم "بالتهويل" و "تضخيم" لنشاطات المنظمة العسكرية السرية بل لقد بخلتها حتى في الاوصاف التي اعتادت ان تطلقها في الماضي على مثل هذه الاعمال والنشاطات فلم توصف بالارهاب ولا بالوحشية ولا بالاجرام ولم تقل عنها حتى انها دموية. هل هو التزام بمقتضيات الموضوعية ؟ ام ان كثرة مثل هذه النشاطات واستمرارها خلال سنة قد جعلها افعالا "عادية" لقيمتها الاخبارية ولجانب الاثارة ولم تعد تصلح الا لاثراء صفحة الاخبار المتنوعة ؟ والا كيف نفسر الصيغة التي كتب بها هذا الخبر ونشر في الصفحات الداخلية في جريدة الجزائر يوم 21 مارس: "الخميس على الساعة الثامنة والنصف صباحا القيت طلاقات رشاش على موقف الحافلة بحي "لاقلاسيار" وقد خلفت احدى عشر قتيلا وستة جرحى كلهم مسلمون". أن البحث عن الجواب على الاسئلة التي طرحناها اعتلاه لا يطول بل نجده في ما نشرته نفس الجريدة من تضخيم للاضراب الذي نظمته المنظمة العسكرية السرية في نفس العدد، فتحت عنوان بعد الاعلان عن الاضراب العام، الشلل يصيب وهران والجزائر طيلة 24 يوم الاعلان عن وقف اطلاق النار يوما ملبدا وداكنا نتيجة للطقس والظلام والظلام وزادا المطر الذي ضل يتساقط بشكل متواصل من السماء المنخفضة ... لقد انزوى الناس في بيوتهم إلى غاية اليوم الموالي ... فاعلان وقف القتال الذي كررت امواج الاذاعة الفرنسية (القناة 5) قد انتشرت بسرعة في العاصمة والطرقات اصبحت منذ الصباح مهجورة، ولم يبق فيها الا بعض السيارات القليلة فالناس يتعجلون الدخول إلى بيوتهم ووجوههم قاتمة كئيبة. فيغلقون النوافذ ويتركون الطرقات العسكر والرجال الدرك". من الصعب جدا، الاعتقاد بانه يقصد بهذه الفقرة، ابراز قوة المنظمة العسكرية وسيطرتها على المدينة فقط بل يقصد من خلالها وصف الحزن الذي خيم على وجوه السكان بعد الاعلان عن وقف النار. فإذا سمعتم من مصار اخرى بان الشعب الجزائري قد رفع العلم الوطني في هذا اليوم، ورفع صور شهداء وهتف بالانتصار وأن الفرحة عمت الوطن في هذا اليوم. فلا تصدق أحدا ولنقرأ ما كتبته "بقرية الجزائر" في عددها الصادر في 19، 20 و 21 مارس بعنوان "الجزائر ترتدي معطف الظلام": "أنه اليوم – يقصد به يوم وقف القتال – الاكثر قتامة، واكثر حزنا. والذي يرزح بتقله على هذه المينةالصامتة، صمت المقابر، لقد كانت تستمع منخفظة إلى درجة اتنها تمس السقوف..." كان الشارع مجورا وميتا يتلألأ رذاد المطر. لقد فارقت الحياة مدينة الجزائر وطارت الروح مع هظير العربات الضخمة في مفترق الطرق الخاوية. لقد توقف القلب عن انخفقان .. لا يوجد لا هو اكثر مأساة من المدينة التي تختبئ لتبكي ... هذا هو حال مدينة الجزائر في اليوم الذي تلى وقف اطلاق النار". مايلفت الانتباه أكثر في هذه الصحافة خلال المفاوضات أو بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار، هو العناوين البارزة لأحداث السطو التي ارتكبت، والاهتمام الكبير الذي نالته في صفحات هذه الصحف "السطو بالجملة في مدينة الجزائر، ستة رجال من الكمندوس يستلون على 32 مليون فرنك قديم" " ثلاث عمليات سطو في الجزائر: النتيجة أكثر من عشرة ملايين فرنك فرنسي قديم". " الجزائر: ست عمليات سطو: لصوص مسلحون يستولون على 24 مليون" لقد استمرت الصحافة الاستعمارية في التعبير عن موقفها بطرق تظليلية مجحفة منذ أول نوفمبر إلى غاية وقف إطلاق النار فلم تتعامل مع الأحداث بتلقائية وعفوية فالتحاليل الصحفية كانت مدروسة وهادفة إلى زعزعة ثقة الشعب في الإيمان بمصداقية الثورة وقد ردت الثورة على هذا الإعلام المزيف بإنشاء إذاعات وجرائد لتقوية عزيمة الشعب الجزائري.

Par maria
Ecrire un commentaire - Voir les commentaires - Recommander
Lundi 19 mai 2008

20 أوت 1955 بداية شمولية الثورة

       

في حياة الثورات لحظات حاسمة تشكل منعطفات تاريخية بارزة ومن هذه المنعطفات في تاريخ ثورتنا التحريرية، عمليات 20 أوت 1955 أو ما يسمى بهجوم الشمال القسنطيني ويوم 20 أوت 1955 يشكل أعظم حدث في تاريخ ثورتنا الكبرى، أعطاها  دفعا جديدا ونفخ فيها دفعا من الحياة التي دفعها إلى الأمام بخطى عملاقة أرست قواعدها وثبتت أركانها، ودعمت الإيمان بمبادئها وأهدافها وأكدت أنها ثورة مستمرة وشاملة لأرجاء الوطن هدفها طرد الغزاة وتحرير البلاد من الاستعمار والظلم والطغيان وبذلك أبطلت فكرة قطاع الطرق وعصابات من الخارجين عن القانون هدفهم العصيان والسلب والنهب بال أرست هذه العمليات قواعد ثورة أثبتت بان الشعب ملتف حول الثورة وهو صانعها وقائدها  ومخططها وهو بطلها وشهيدها حتى يثبت الحق ويزول الظلم ويهزم العدو-ويبزغ فجر الاستقلال والحرية.

        وهكذا فبعد الحصار الذي ضرب على الثوار في منبعهم الأول أوراس النمامشة نقطة الانطلاقة لثورة نوفمبر 1954 بهدف القضاء على الثورة وخنقها وعزلها عن الشعب نتجت أوضاع تكاد تكون مزرية نتيجة العدد والعدة والمخططات الجهنمية التي استعملها المستعمر في هذه المناطق من حرق للمداشر والقرى وقنبلة الجبال وحرق الغابات ارتأت قيادة المنطقة  آنذاك أن تفك هذا الحصار وبأي طريقة وبأي وسيلة كانت ونهجت في ذلك العديد من الطرق وأهمها أن اتصلت بقيادة منطقة الشمال القسنطيني حتى تفك عنها الحصار فكان الأمر والطلب مجاب وبذلك  خطط لهجوم الشمال القسنطيني.

        وقد كان هذا الهجوم شاملا لمعظم المنطقة بالرغم من تفاوت شدته وعنفه من ناحية إلى أخرى وستناول وبإيجاز ثلاث نواحي من الشمال القسنطيني هي مدينة رمضان جمال ووادي الزناتي والركنة بضواحي قالمة.

واختيارنا لهذه النواحي يرجع إلى كونها عاشت هجومات عنيفة كبدت العدو خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.

1-الهجوم على مدينة رمضان جمال

        في يوم السبت 20 أوت 1955 الساعة منتصف النهار بدا الهجوم الشامل الذي شمل أكثر من 39 نقطة من مناطق الشمال القسنطيني وتحولت مدينة سكيكدة ومدن سمندو(زيغود يوسف حاليا) والحروش والقل، وعين عبيد وسيدي  مزغيش، وعزابة ووادي الزناتي ورمضان جمال، تحولت هذه المدن كلها وغيرها من المدن الاخرى إلى لهيب بل أصبحت هدفا لضربات المجاهدين ودوت بنادقهم  ووسائلهم الخاصة كل المنطقة وسنتناول مدينة جمال نظرا لتوفير المعللومات لدينا عن هذه العملية.

التحضير للهجوم

        تم قبيل عملية الهجوم وعلى  وجه التحديد ليلة 19 أوت 1955 الاجتماع بسكان الجهة لتوعيتهم بما هم مقبلون على القيام بعه وهكذا فقد كلفت فرقة من المدنيين بقطع جذور الأشجار وعرضها في الطريق من أجل تعطيل حركة المرور بها وكذا وضعها كحواجز أمام آليات وشاحنات العدو بينما كلفت فرقة أخرى بقطع خطوط وأعمدة الهاتف وكذا التيار الكهربائي معا لحرمان قوات العدو أثناء مباشرة عملية الهجوم، من أية اتصالات خارجية عندما يحدق بها الخطر.وهكذا انطلقت العملية في حدود منتصف النهار من يوم السبت 20 أوت 1955 بقيادة أربعة مجاهدين هم المدعو كشيرد (شهيد)، ابن شاوس مصطفى (شهيد)        الشارف علي (شهيد) والشل الضيف، هذا مع مشاركة سكان الجهة كل بما يملك من وسائل.

تطويق المدينة

        تم حصار المدينة من أربع جهات ودخلت الفرق الأربعة كل فرقة سلكت طريق معين وكانت هذه الطرق هي :

-                               دخول فرقة عن طريق الشهداء

-                               دخول فرقة ثانية عن طريق السطحية

-                               دخول فرقة ثالثة عن طريق الحروش

-                               دخول فرقة رابعة عن طريق عنابة

وهكذا حصرت المدينة من جهاتها الأربع وكان بها أربعة من رجال الدرك قتل منهم اثنان وقتل أيضا 6 عساكر العدو ودام الاشتباك ما يقارب الساعة والنصف وبعد وقت قليل وصلت النجدات الضخمة من قوات العدو معززة بالأسلحة الثقيلة وكذا الدبابات.

        وهكذا وعند وصول هذه النجدات المعادية الضخمة إلى أماكن تواجد المجاهدين بدا الاشتباك من جيدي وأبى المجاهدين بلاء حسنا ولكن فرق العد والعدة جعلهم يسلكون طريق الانسحاب بعد أن أعطوا درسا للعدو لن ينساه أبدا واثناء عملية الانسحاب هذه كان للعوامل الطبيعية دورها حيث حصر المجاهدون أمام وادي السد "الباراج"  والذي يشغل مساحة واسعة مغمورة بالمياه، وهنا طرأ  موقف جديد في ساحة المعركة بل فرض نفسه على المجاهدين وأصبحوا بين خيارين لثالث لهما إما أن يواجهوا رشاشات العدو والذي يفوقهم عددا وعدة وإما المجازفة وعبور الوادي الذي قد يهلكهم غرقا، وهكذا حاول المجاهدون اختيار الحل الثاني وهو عبور الوادي مما أدى بغرق بعضهم.

        وهكذا وبعد العملية الجبارة التي زعزعت أركان العدو فما كان من هذا الأخير إلا أن يصب جم غضبه على السكان المدينة العزل ولم ينج لأحد من وحشيته حيث حرقتا البيوت وتم قتل  الأولاد والنساء والأطفال وارتكبت في حق سكان المنطقة المجازر الجماعية انتقاما من المجاهدين. وبذلك سقط العديد من أبناء المنطقة شهداء الواجب الوطني في ذلك اليوم التاريخي.

2-الهجوم على وادي الزناتي

-ومن أهم المناطق والمدن التي شملتها هجومات الشمال القسنطيني كذلك مدينة وادي الزناتي ونواحيها. حيث قسمت الهجمة كما يلي :

1-ناحية عين عبيد ويهاجم سكانها قرية عين عبيد نفسها يتوجهون نحو مدينة وادي الزناتي.

2-أما بقية النواحي الأخرى فهدف هجوماتها كانت مدينة وادي الزناتي وكانت هذه النواحي كالتالي: ناحية تاملوكة وعين التراب تهاجم المدينة من الجهة الجنوبية.

3-ناحية عين مخلوف ورأس العقبة تهاجم مركز (الجندرمة) من ناحيةة الشرق.

4-ناحية السواحلية تهاجم السجن وحامية المدينة، والمحكمة ودار البلدية ودار الشرطة.

وهكذا وضع مشروع الهجوم ووزعت المهام على المجاهديتن والسكان وعرفت كل فرقة مهمتها بالضبط.

        وبما أن أشارت عقارب الساعة منتصف النهار من يوم السبت 20 أوت 1955 حتى بدأ تنفيذ عمليات الهجوم، وبذلك وصلت أولى الطلائع المهاجمة وتضم حوالي 2000 شخص من مسبلين ومجاهدين وسكان القرى المجاورة، وعند مدخل المدينة اصطدمت هذه الجموع البشرية بأربع سيارات (جيب) كانت تغادر المدينة لقنص المهاجمين وحينما وقع اشتباك عنيف بين المهاجمين والقوات المعادية وأدى بالمجاهدين إلى حرق هذه السيارات والقضاء على من كان على متنها وهكذا غنم المجاهدون عدد لا بأس به من الأسلحة والألبسة وكذا صناديق من الذخيرة.

        وهكذا بدأت جموع سكان المناطق المجاورة بالزحف نحو المدينة وكانت تحرق كل الضيع التابعة للمعمرين وتأخذ كل ما فيها، وهذا مما أدى إلى ان يدب رعب كبير في أوساط الأعداد وقادتهم.

        هنا أعطى قادة العدو أمرا بخروج الحامية إلى خارج المدينة حيث تمركزت للدفاع، أما الجنود السنغاليون فقد فروا من الساحة قبل اتصالهم بالأمر ولكن سرعان ما سمع هؤلاء أن المهاجمين مسلحون بهراوي وقطع حديدية فقط، مما جعل الأعداء يتشجعون أكثر وبذلك تصدوا لهذه الجموع وكانت الملحمة جد قاصية. أضف إلى ذلك أن المركز العسكري بالمدينة لم يكن هنيا بحيث كان مدجج بالأسلحة والجنود والمدافع التي أخذت تصب حممها على المهاجمين، لكن حماس الشعب كان عظيما وكانت الأناشيد وأصوات المجاهدين تعلوا منادية إلى الجهاد، وهكذا  دخلت هذه الجموع المدينة في شكل مظاهرة عظمى ارتفعت على إثرها زغاريد النساء من الشرفات وسطوح المنازل.

لكن سيطرة المهاجمين  على المدينة لم تدم إلا قليل  رغم أن الاشتباكات كانت عنيفة ودام الاشتباك  طوال اليوم، واتنم بعض الفدائيين المسلحين الفرصة والتجؤوا إلى بعض الأماكن الحصينة ومنها بدأ إطلاق النار على الغزاة  وهكذا أبلى هؤلاء الأبطال البلاء الحسن فقضوا على العديد من رجالات العدو وشرطته.

        وبعد أن خيم ظلام الليل وبعد أن استشهد معظم الجنود والفدائيين انسحب الباقون. وهكذا وصلت النجدات الاستعمارية إلى عين المكان وأخذت وادي الزناتي أخذا شديدا وبدأت المجازر الرهيبة من طرف المعمرين الذين كانوا يقتحمون بيوت السكان ويقتلونهم تحت حماية وبمساعدة قوات الجيش وكادت شوارع المدينة أن تصبح مكدسة بجثث السكان الأبرياء الذين سقطوا شهداء لأعظم ثورة شعبية قاومت الاحتلال والطغاة ودفعت بخيرة أبنائها قربانا وفداء للحرية والاستقلال.

3-الهجوم على مدينة الركنية

        منذ انطلاق الشرارة الأولى لثورة نوفمبر العظيمة، شكلت الأفواج والخلايا الثورية على مستوى تراب بلدية الركينة وبذلك استطاعت هذه الأفواج من المناضلين  بذل مجهودات جبارة في توسيع قواعد الثورة وضبطها عبر الناحية بالرغم من الصعوبات الجمة التي كانت تواجه هذا العمل حتى جاء اليوم الموعود وهي يوم 20 اوت 1955 والذي توضحت فيه كل الأمور.

        ولقد سبق يوم 20 أوت 1955 عدة اجتماعات كان الغرض منها  تحضير الخطة وتوزيع المهام على المجاهدين حتى يتم تنفيذ هذه العملية بكل نجاح وبأقل الخسائر وبذلك كان آخر اجتماع في جبل قلعة النمر يوم 19 أوت 1955 وكان هذا الاجتماع اجتماعا عاما وأشرف عليه سي رابح بو الرغدة بصفته المسؤول المعين على العملية من طرف قيادة المنطقة الثانية وبذلك قام هذا الأخير بتوزيع المهام على أعضاء القوة وتم تقسيم هذه الأخيرة  إلى ثلاثة أفواج هي :

1-                                الفوج الأول بقيادة المدعو عبد الحميد ويساعده الشهيد شواردية رابح.

2-                                الفوج الثاني: بقيادة المدعو عبد الباقي ويساعده حداد بوزيان.

3-                                الفوج الثالث: بقيادة عمار بو الرغدة ويساعده لعراف أحمد.

وحددت أهداف العملية على النحو التالي :

-                               يقوم الفوج الأول بالهجوم على مقر الجندرمة

-                               يقوم الفوج الثاني بمهاجمة مطحنة احد المعمرين

-                               ويقوم الفوج الثالث بمهاجمة الحانة الموجودة في المدينة والتي يتردد عليها المعمرين بكثرة.

وكان كل فوج يضم 11 مناضلا تسليحهم جد بسيط يتمثل فيالعصي والسكاكين وقطع حديدية، غير أن رؤساء الأفواج كان لديهم بعض الأسلحة نصف آلية وبنادق فردية ومسدسات.

وكانت نقطة انطلاق الأفواج تقع غرب القرية.

بداية العملية : بعد توزيع الأفواج وتحديد مهام كل فوج بدأت الأفواج في الانطلاق من أماكنها قبل منتصف نهار يوم السبت 20 أوت 1955، وكان الموعد الأخيرة ونقطة التجميع حددت في وادي غربال الجدرة. وفي حدود الساعة الحادية عشر والنسف وصلت الأفواج إلى النقطة المحددة، وعند منتصف النهار من ذلك اليوم كانت الطلائع الأولى للمهاجمين تقرع باب القرية، وهكذا تم الزحف المفاجئ على القرية، كل فوج حسب الهدف المعد له، وبدأ إطلاق النار وخرجت كل الأهداف وبقي صوت الرصاص المتبادل بين المجاهدين وقوات العدو بمساعدة المعمرين، واختلط الأمر على الأعداء أصابهم الخوف والذعر نتيجة المباغتة وشجاعة المجاهدين وتهافتم على الشهادة.

        وبقي الوضع هكذا حوالي نصف ساعة والمدينة تحت سيطرة المجاهدين ولم يهدأ الوضع حتى انسحب المجاهدون بعد أن ألحقوا اكبر لخسائر للعدو وانزلوا به أشد الضربات.

والتحقت أفواج المجاهدين بعد انسحابها من القرية باتجاه مركز يدعى أولاد حبابة حيث المقر العام لقائد هذه العملية الشهيد رابح بو الرغدة.

Par maria
Ecrire un commentaire - Voir les commentaires - Recommander
Lundi 19 mai 2008

صدى 20 أوت 1955 على مسارالثورة الجزائرية

       

بعد اندلاع ثورة أول نوفمبر المجيدة في غرة نوفمبر 1954 توالت الإمدادات تصل تباعا إلى القوات الفرنسية بالجزائر وقد وصل تعداد هذا الجيش في أوائل سنة 1955 إلى ثمانين ألف جندي تشكل من بينهم القوات الخاصة من كومندوس ومظليين، التي شاركت في حرب الهند الصينية والمدربة على حرب العصابات والجبال النسبة الكبيرة، وكل ذلك لإخماد الثورة في مناطق الأوراس الجبلية الوعرة.

        وفي مقابل هذه القوات المججة بالأسلحة الهائلة، كان عدد المجاهدين لا يتعدى أربعة آلاف جندي، علاوة على قلة تدريبهم وعتادهم الحربي وعلى الرغم من الرجحان الكبير لميزان القوة إلا أن الجيش الفرنسي لم يستطع القضاء على الثورة ولا الحد من انتشارها ويرجع ذلك إلى اختلاف العقيدة القتالية والهدف وإلى أسلوب القتال بين الجيشين الفرنسي وجيش التحرير الوطني.

        فمن ناحية العقيدة القتالية والهدف كان هدف جيش التحرير الوطني يتمثل في تحقيق الاستقلالى الوطني وعقيدته النصر أو الاستشهاد، أما عقيدة الجيش الفرنسي فهي عقيدة المحتل الغصب وهدفه الاحتلال والاستيطان.

        أما من ناحية أسلوب القتال فلقد اتبع الفرنسيون  أسلوب الحرب الكلاسيكية وهذا ما ظهر من وحشودهم وتكتيكهم في العمليات أما المجاهدون فقد اتبعوا أسلوب حرب العصابات المتطور والمتغير في آن واحد، ولهذا جاءت  نتائج معظم المعارك لمصالح جيش التحرير الوطني على الرغم من قلة إمكانياته وقدراته العسكرية أمام الحشود الفرنسية كما وكيفا.   

        وفي نطاق مقاومة الثورة والقضاء عليها قامت القوات الفرنسية بعدة عمليات اشتركت فيها الطائرات بأول قصف جوي للأوراس في 15 نوفمبر 1954، وتبعه تدمير للقرى والمداشر للقضاء على نفس الثورة في منطقة الأوراس الملتهبة، حيث لجأت السلطات الاستعمارية إلى فرض حالة طوارئ للسلطات المدنية حرية ممارسة الحكم التقليدي وتقويته وتمركزه لجعله قادرا على التكيف مع الأوضاع الجديدة التي فرضها المجاهدون والتي جعلت النظام العام الذي يرتبط به الوجود الفرنسي في خطر. ومع فشل قانون الطوارئ المطبق في الأوراس لقمع الثورة أعلنت سلطات الاحتلال تطبيقه على كامل البلاد ليتسنى لها السيطرة مراقبة البلاد كلها وقطع الاتصالات والمؤن بين المناطق.

        وأمام هذا التصعيد الخطير في موقف المستعمر وخططه الهادفة إلى سحق الثورة والقضاء عليها وعلى الشعب الجزائري، وكانت الثورة الفقية تلاقي صعوبات داخلية كثيرة عانت منها ولكنها لم تقف حجر عثرة في تقدمها لتحقيق أهدافها.

        فعلاوة على الحملات  الوحشية التي يشنها المستعمرون للقضاء على الثورة وحملات الاعتقالات والزج بالمواطنين داخل سجون التعذيب كانت الثورة تعاني من مشاكل نقص السلاح والعتاد الحربي وكثرة المؤامرات الاستعمارية في محاولة سحقها. ففي 14 فبراير 1955 ألقي القبض على الشهيد مصطفى بن بولعيد قائد الولاية الأولى وتبعه حادث مفجع آخر تمثل في استشهاد أحد أركانها القوية وهو الشهيد ديدوش مراد، قائد الولاية الثانية (ولاية الشمال القسنطيني)   ، وخلفه في المنصب ذاته الشهيد زيغود يوسف.

وأمام هذه الوضعية السيئة كان لزاما على الثورة أن تثبت وجودها وتعلن شموليتها وتكسر الحصار المفروض عليها، وتفند ادعاءات العدو وتحبط خططه وتفشل مشاريعه الرامية إلى سحق الثورة ودمج البلاد وترسيخ الاستعمار.

أهداف هجوم20 أوت 1955

أمام الأوضاع السياسية المتريدة، كان على قيادة جيش وجبهة التحرير الوطني أن تحسم الأمر وتبادر باتخاذ خطط وأساليب جديدة واستراتيجية تتماشى والوضع السائد وبإيعاز من الشهيد زيغود يوسف قائد الولاية الثانية،(الشمال القسنطيني)، قررت قيادة الولاية لجبهة وجيش التحرير الوطني القيام بعمليات 20 أوت بعد أن رسمت الأهداف وحددت الغايات  من هذه العمليات التي تتمحور حول:

1-         فك الحصار المفروض على الولاية الأولى (الاوراس)، بعد أن نقل الاستعمار قواته إليها في محاولة منه لتطويق الثورة والقضاء عليها في المهد،وقد أضحت المنطقة بمقتضى ذلك في عزلة تكاد تكون تامة، فكان لزاما على جيش التحرير أن يشن بالمقابل هجمات مضادة لفك الحصار على الأوراس والولاية الثانية وإعادة الاتصالات التي باتت شبه مقطوعة في المنطقة.

وذلك بشن هجمات منسقة شاملة لتشتيت القوى الاستعمارية، وفك القيود عن الثورة وتثبيت وجودها الراسخ.

2-         تأكيد استمرارية وشمولية الثورة المسلحة التي فجرتها طلائع جبهة التحرير الوطني في أول نوفمبر 1954، ثم شمولها لمختلف أنحاء البلاد لتثبيت خطأ العدو عندما اعتقد بمحدودية مواقع الثورة وعدد الثوار.

3-         إثبات عكس ما يدعيه الاستعمار بأن الثورة ما هي إلا عملية إرهابية دبرها الخارجين عن القانون من اللصوص وقطاع الطرق. وتأكيد الطابع الشعبي والشمولي للثورة، وتنفيذ كل ادعاءات الاستعمار التي نشطت أبواقها في الداخل والخارج للتبشير بالقضاء على الثورة واستعادة التحكم في الوضع.

4-          تعميم الثورة وترسيخها وتغلغلها في الأوساط الشعبية بواسطة لإمداد جيش التحرير الوطني بعناصر قوية تدعم الكفاح والنضال من اجل الاستقلال.

5-         كسب انضمام كل تيارات الحركة الوطنية، والشخصيات السياسية الجزائرية المرتبطة بالأحزاب في صفوف جبهة التحرير الوطني، لتوحيد صفوف وجهود الحركة الوطنية الجزائرية من اجل الاستقلال.

6-         رفع معنويات المجاهدين وتحطيم أسطورة الاستعمار وجيشه الذي لا يقهر، وإعادة الثقة وتعزيز الروح القتالية للمجاهدين والشعب على السواء، وبث الرعب وعدم الاطمئنان في نفوس المعمرين.

7-         الرد عل عمليات الإبادة والتقتيل الجماعي والسلب والنهب التي ممارستها قوات جيش الاستعمار ضد المواطنين العزل في القرى والمداشر والمدن، لمساندتهم للثورة.

8-          صادف 20 أوت ذكرى نفي الاستعمار لملك المغرب محمد الخامس إلى مدغشقر. وهذا ما أعطى للهجوم الكاسح بعدا للتضامن والاحساس بالمصير المشترك ووحدة النضال والأهداف لشعوب المغرب العربي.

9-         لفت الأنظار الدولية للقضية الجزائرية،وكفاح شعبها ضد الفرنسيين وإدراجها ضمن أعمال ومناقشات الجمعية العامة للأمم المتحدة السياسي والمعنوي للشعب الجزائري في كفاحه لتحقيق الاستقلال الوطني وحتى تقرير المصير.

وانطلاقا من هذه الأهداف والغايات المرسومة. شرع في ترجمتها إلى عمليات عسكرية لتحقيق الأهداف المرجوة، فجاء دور العمل السياسي المتمثل في الاجتماعات واللقاءات التحضيرية والاعدادية.

الإعداد للهجوم

عقد الاجتماع الأول الذي دعا إليه الشهيد زيغود يوسف في الفترة من 25 جوان إلى 1 جويلية 1955 في ضواحي سكيكدة وحضره جمع من المجاهدين أعضاء الولاية الثانية منهم: الأخضر  بن طوبال، مصطفى عمار بن عودة، علي كافي، محمد الصالح ميهوبي، وبوضرسة عمار. وتم في هذا الاجتماع رسم الخطوط العريضة للعمليات، وتحديد توقيتها وأماكنها وتنظيم العمل السياسي، وتوعية الفئات الشعبية والإلحاح على إشراك أعداد كبيرة من المواطنين في العمليات لتكون حركة عسكرية شعبية. فمن ناحية التوقيت حدد السب 20 أوت 1955 الذي يوافق الذكرى الثانية لنفي ملك المغرب محمد الخامس إلى مدغشقر.للبرهان على وحدة وتلاحم شعوب المغرب العربي في كفاحها ضد الاستعمار. وهناك أسباب أخرى، منها فرض مسألة استقلال الجزائر على الصعيد العالمي، وخاصة الأمم المتحدة التي عقدت دورة جمعيتها في سبتمبر من تلك السنة. كما روعي في الهجوم عنصر المفاجأة والمبادرة بأخذ زمام المعركة فقد وافق 20 أوت 1955 يوم السبت وهو نهاية الأسبوع  وبداية العطل والإجازات بالنسبة لعساكر جيش الاحتلال، وكذلك يوم سوق سكيكدة التي تنشط فيها الحركة وتتوافد عليه أعداد كبيرة من مواطني الجهات المجاورة. فيسهل على أفراد جيش التحرير الوطني التستر والتنكر والدخول مع الوافدين إلى السوق.

وحددت الثانية عشر ظهرا كساعة الصفر لبدء العمليات، لأن الجو حار وفيه يخرج الأوروبيون من أعمالهم لتناول الغذاء. فيشكلون تجمعا يسهل على مجموعات المجاهدين الدخول إلى أماكن العمليات دون توجيه الأنظار لهم، والإحساس بهم من طرف قوات العدو التي تتبادل الحراسة على الثكنات في هذه اللحظة. وبهذا يتحقق عنصر المفاجأة والمباغتة، وضمان نجاح العملية بأكبر خسائر ممكنة في صفوف العدو وأقلها بالنسبة لمجاهدي جيش التحرير الوطني.

تم في هذا الاجتماع تحديد أماكن وأهداف العمليات. فاختير 39 هدفا في قطاع الشمال القسنطيني مسرحا للعمليات وبصفة خاصة المدن والأماكن التالية: قسنطينة، الخروب، سكيكدة، القل، عين عبيد، وادي الزناتي، السمندو، (زيغود يوسف حاليا)، الحروش، رمضان جمال، قالمىة، عزابة، الميلية وغيرها مناماكن الشمال القسنطيني.

واختيار هذه الأماكن جاء نتيجة لدراسة مسبقة من طرف جيش التحرير الوطني لتوفر هذه الأماكن على الأهداف الاقتصادية والعسكرية الاستعمارية.

كما نوقش في هذا الاجتماع التحضيري مشاكل تزويد المجاهدين والمشاركين في العمليات بالسلاح، وخاصة بعدما شددت الرقابة وعمليات التفتيش الواسعة من قبل سلطات الاحتلال بحثا عن السلاح لدى المواطنين، وإنزال أشد العقوبات على حامليه. ونظرا لاعتماد أفراد جيش التحرير الوطني على حرب العصابات فقد روعي في الاجتماع التحضيري طبيعة أماكن العمليات التي اختيرت مسرحا للأحداث كالجبال والغابات، وكذلك القرى التي يمكن للمجاهدين الاحتماء بها بعد إتمام العمليات لإيوائهم وتأمينهم دون أن تطولهم يد العدو التي ستسارع للرد والانتقام.


الاستعداد للهجوم

        بعد الاجتماع التحضيري، عقدت عدة اجتماعات سياسية وتوجيهية أخرى في إطار اللقاءات والإعداد للعمليات في مختلف الجهات وقد ضمت مسؤولي المناطق والقسمات والجهات وخصصت  لتحديد المهام وجمع الأسلحة، وتنظيم العمل العسكري والسياسي ، وتجنيد الشعب وتوعية الفئات المشاركة في العمليات للقيام بها على أحسن وجه.

        وتواصلت الاجتماعات في شتى المناطق حتى ليلة تنفيذ العمليات وقد وزعت الأفواج وحددت مهام كل منها كما نظمت عمليات قطع الاتصالات الهاتفية والبرقية وقطع خطوط مواصلات وتموين العدو.

        وعشية يوم الجمعة 19 أوت عقد الاجتماع الأخير للقيادات المسؤولة في جيش التحرير الوطني، ترأسه الشهيد زيغود يوسف لوضع اللمسات الأخيرة وقد انصرف على إثره المجتمعون من قادة  وجنود جيش التحرير الوطني للالتحاق بوحداتهم وتواجد في أماكن عملياتهم.

        ومما جعل هذه الاجتماعات والتحضيرات ناجحة، هو المحافظة على السر من طرف الجميع وهذا ما جعل السلطة الاستعمارية في غفلة من أمرها وعدم التنبه إلى العمليات في معظم المناطق حتى الساعة التي شن فيها جيش التحرير هجومه الكاسح على جميع قواعد  الاستعمار في المناطق المحددة، تساند فيها جماهير المسبلين، ولقد كان للتكوين السياسي الذي سبق الهجوم فضل كبير في تهيئة المناخ المناسب، وتسهيل المهام للقيام بالهجومات الساحقة.

الهجوم الكاسح

        حسب الخطط المرسومة، وصل معظم أفراد جيش التحرير الوطني صباح يوم السبت 20 أوت 195 متنكرين في الزي المدني متجهين إلى الأسواق أو مختبئين  في المنازل، أو متمركزين في الغابات والهضاب القريبة من مسرح العمليات حتى لا ينكشف أمرهم. وما إن أشارت عقارب الساعة منتصف النهار حتى انطلقت جميع العمليات مدوية واختلطت أصوات الرصاص بصرخات وفزع جنود جيش الاحتلال الفارين المذعورين من هول المفاجأة غير المنتظرة. وبدأت الأفواج القتالية تساندها جموع الشعب المسبلين في شن الهجمات وتفجير القنابل، كل حسب ما انيط له من مهام حسب ما سبق التخطيط له واستهدفت هجمات جيش التحرير الوطني وجماهير المسبلين، الثكنات العسكرية ومراكز الشرطة والدرك والمعمرين والخونة من المتعاونين مع العدو. وقد عم الهجوم جميع مناطق الشمال القسنطيني في الوقت واحد واحترام القتال بحدة وعنف فاهتز كيان المستعمر وأعوانه. ففي سكيكدة التي كانت ميناء حيويا وكدينة كبرى، يجتمع فيها الكثير من المعمرين علاوة على نشاطها الصناعي والتجاري ومركزها العسكري الاستراتيجي، قام فوج من المجاهدين بالهجوم على مطار المدينة فدمروا عددا من الطائرات الحربية والمباني العسكرية وقتلوا وأصابوا عددا كبيرا من الجنود، كما تم الهجوم على ميناء سكيكدة وعلى مراكز المخابرات العامة بداخله نتجت عنه خسائر كبيرة أدت إلى شل الحركة داخل الميناء.

        كما استهدفت العمليات نواحي الميلية والقل، والحروش فهوجمت مراكز الدرك وقطعت أسلاك الهاتف ودمرت أنابيب المياه وشبكات الكهرباء لسد الطرقات ومداخل بعض المدن لعرقلة الإمدادات التي قد يبعث بها العدو لنجدة قواته.

        وفي قسنطينة ونواحيها هاجم المجاهدون مراكز الدرك والشركة ومؤسسة (برنادرد) لبيع الأسلحة والذخائر واستولى الثوار على ىما بها.

        وبعد أن حقق المجاهدون أهدافهم بنجاح، أخذ معظمهم بالانسحاب إلى الغابات المجاورة الجبال للالتحاق بنقط التجمع قبل أن يبدأ العدو عملياته الانتقامية.

رد فعل السلطات الاستعمارية

        نتيجة للفشل الذريع والخسائر التي مني بها جيش الاحتلال قامت قواته بمجازر انتقامية رهيبة واسعة النطاق، اتسمت بالهمجية  والوحشية وحشدت القيادة الفرنسية قوات هائلة لتنفيذ عمليات الانتقام فوصلت التعزيزات العسكرية من مشاة ودبابات وآليات إلى المناطق التي هاجمت المجاهدون، وقامت هذه القوات بأقسى أنواع التعذيب والتنكيل والإبادة الجماعية لسكان المدن والقرى.

        ففي سكيكدة شهد الملعب البلدي للمدينة عمليات القتل والدفن الجماعي التي ذهب ضحيتها الآلاف من السكان العزل، وقامت الجرافات التابعة للجيش الفرنسي بحفر وتسوية المقبرة الجماعية التي دفن فيها عشرات المئات من المواطنين الأبرياء. وألقي بجثث المئات منهم في الأماكن الخاصة التي استخدمها العدو الاستعماري كمقابر جماعية وسط حملته الانتقامية.

        وتوافدت الإمدادات العسكرية على كامل الشمال القسنطيني وانتشرت حملات الاعتقال الجماعي، والسلب والنهب وهتك الأعراض، وأخذت الدوريات المسلحة تجوب شوارع المدن والقرى للبحث عن المجاهدين والسلاح، ونفذ الإعدام في الآلاف منهم. كما قامت الطائرات بحرق وإتلاف المزارع وإلقاء القنابل على القرى وملاحقة المجاهدين في الجبال والغابات.

        واعترفت صحف  جيش الاحتلال ببشاعة وهمجية الانتقام، فصحيفة "لاديباش" الصادرة بتاريخ 23 أوت 1955 كتبت تقول (هدمت قوات الأمن مشاتي ومخابئ الإرهابيين في معسكرات وادي الزناتي وجهات عزابة، وفي عين عبيد أصبحت الحياة لا معنى لها  والموت لا زال يحوم حول هذه القرية، وإنذار العسكريين الأهالي بالخروج من منازلهم حيث فصل الرجال عن النساء والأطفال، وقام الجنود الفرنسيون بقتل الرجال).

        أما التصريحات الرسمية فكان أول بيان صدر عن حكومة الاحتلال بالجزائر تعترف فيه بقيام قواتها بعمليات القمع والإرهاب وتدمير القرى والمشاتي صدر عن جريدة "لوموند"  بتاريخ 23 أوت 1955 رقم 3290 فيه (بلاغ صادر عن الحكومة العامة بتهديم وتحطيم مشاتي الإرهابيين التالية: مشته مبروك بن هاشمي العشعاشية الحاج مبروك التابعة لبلدية وادي الزناتي، ومشته كرمات التابعة لبلدية عزابة، ومن بلدية رأس الماء مشاتي العولة، والمايل وفرادية ورأس الماء. واعترف بيان قوات الاحتلال بتحطيم هذه المشاتي نهائيا من طرف قوات الأمن ولكنه لم يعط أي تفاصيل عن مصير سكانها.

ومن خلال رد فعل الاستعمار وأعماله العدوانية التي اتسمت بالانتقام والوحشية إثر عمليات الهجوم، وكذلك البيانات والتصريحات الرسمية يتبين لنا أن عمليات الهجوم الشامل قد حققت أهدافها وغاياتها المرسومة بنجاح واستطاعت أن توجه للاستعمار ضربات قوية محكمة نتج عنها الكثير من الخسائر الباهظة رغم فرض حالة طوارئ.

نتائج هجوم الشمال القسنطيني

        علاوة على ما حققته عمليات هجوم الشمال القسنطيني من خسائر بشرية ومادية باهظة في صفوف العدو. فإن التخطيط لهذا اليوم كان ناجحا وقد حقق أهدافه وغاياته المرسومة وأتت العمليات بثمارها عل الصعيدين الداخلي والخارجي وأثبتت وجود الحرب التحريرية المفروضة على الاستعمار كوسيلة لتحقيق الاستقلال المنشود. بالرغم من التقليل الجماعي الذي قام به الاستعمار عقب أحداث الهجوم.

النتائج التي تمخضت عن أحداث 20 أوت 1955

·        من ناحية جيش التحرير الوطني حطمت نهائيا أسطورة الاستعمار وجيشه الذي لا يقهر وعادت الثقة لنفوس المجاهدين والشعب. وتعززت الروح القتالية للمجاهدين، وأثبتت الهجمات قدرة جيش التحرير على التخطيط والتنسيق وعدم صمود دفاع العدو أمام هجمات المجاهدين التي أخذت على حين غرة.

·        فك الحصار العسكري والسياسي على الثورة وتحرير العديد من المناطق التي أصبحت خاضعة تماما للسلطة وإشراف جبهة التحرير الوطني.

·        من ناحية العدو شلت هذه العمليات قواه وبددت طاقته التي تمركزها على الأوراس والقبائل، وفتحت أمامه جبهات أخرى مما جعله يضطرب وتفشل خطته العسكرية. وأجبر قادته على تغيير استراتيجية العسكرية للتحكم في تطور الثورة.

·        محو الصفات الدنيئة التي ألصقها المستعمر بالمجاهدين عن طريق أبواق الدعائية كاللصوصية وقطاع الطرق. وقد تناقلت أجهزة الإعلام ووكالات الأنباء الداخلية والخارجية أخبار جيش التحرير الوطني وتلاحم الشعب معه.

·        وضعت عمليات 20 أوت الناجحة حدا نهائيا للذين ترددوا في الإنظمام والالتحاق بصفوف الثورة، وخاصة من الشخصيات السياسية التقليدية الجزائرية.

·         أفقدت عمليات 20 أوت ثقة المعمرين في حماية الجيش الفرنسي لهم. وبدأت حركة الهجرة المضادة من الجزائر نحو وطنهم فرنسا.

·        أعطت هجومات الشمال القسنطيني دفعا جديدا للقضية الجزائرية في المجال الدولي.

كما وجدت القضية الجزائرية من شقيقاتها العربيات دعما ماديا ومعنويا وذلك في إطار جامعة الدول العربية.

·                                فندت عمليات الهجوم أقاويل الاستعمار على أن الثورة عملية مسيرة من الخارج، وبرهنت على وجودها الداخلي وأصلها الوطني.

وبهذا اتضح للعدو أن أحداث 20 أوت قد أظهرت للعالم التفاف الشعب الجزائري حول الثورة، وانه لا يمكن له فصله عنها مهما استخدم من أساليب القمع والتقتيل الجماعي، وأن الثورة ليست أعمالا طائفية من صنع قطاع الطرق كما كانت تصورها أجهزة الإعلام الاستعمارية وان العالم أصبح يدرك أن الشعب الجزائري شعب ثائر أراد تقرير مصيره وتحرير أرضه خلافا للدعاية الفرنسية القائلة بالجزائر الفرنسية وبذلك تأكدت شرعية الثورة وشعبيتها.

         ولقد مهدت عمليات 20 أوت الخطوات لعمل عسكري وسياسي ذو أهمية تنظيمية وهو ما وقع يوم 20 أوت 1956، أي بعد مرور سنة واحدة عن تلك الأحداث ألا وهو مؤتمر الصومام المحطة الأخرى والأهم في تاريخ الكفاح المسلح

Par maria
Ecrire un commentaire - Voir les commentaires - Recommander
Lundi 19 mai 2008

سلاح الطيران خلال الثورة التحريرية

كانت الأسلحة في البداية تمر خاصة عبر الحدود الشرقية والغربية والجنوبية ذلك عن طريق قوافل دوريات من المجاهدين، التي كانت تذهب من الداخل إلى تونس والمغرب إلى الرجوع إلى، كذلك تكوين كثائف في تونس والمغرب تعمل على نقل الأسلحة إلى الداخل.

وإذا كانت الدجوريات لعبت دورا مهما في بدايتها إلا أنها في النهاية كانت وراء موت آلاف المجاهدين، حيث أصبح الجيش الفرنسي يتتبع خطواتها ذهابا وإيابا فيترصدها بقوات كبرى وكانت هذه الدوريات  عندما تذهب إلى الحدود لا تأخذ معها أسلحة، وهذا يعرض أغلب أفرادها إلى الاستشهاد في حالة إشتباك مع العدو، وقد تضاعفت هذ1ه الصعوبة بعد إنشاء خط موريس، لأنه أصبح مكن الصعب جدا المرور عبر هذا السلك المكهرب.

وكان عدد أفراد الدوريات يبلغ أحيانا حتى 232 مجاهدا و34 بغلا وتبلغ الأسلحة كمية الأسلحة التي تجلبها 400 بندثية و4 مورتيات 45 مام، و20 مدفع رشاش و52.000 خرطوشة، وحمولة بغلين من الأدوية، وقد تدوم المسيرة من تونس إلى الولاية الثالثة مثلا 24 يوما وهذا في الضروف العادية.

أما نوعية الأسلحة التي كانت تأتي من الخارج في هذه المرحلة فإن الأسلحة الخفيفة، هناك المدافع الرشاشة، والبازوكة، والمورتيات 45، ووسائل الإتصال اللاسلكية.

وكان قد تقرر في مؤتمر الصومام، أن تتزود الولايات الأولى والثانية والثالثة من الحدود الشرقية، والولايات: الرابعة والخامسة والسادسة من الحدود الغربية وكذلك ادخلت الأسلحة بطرق أخرى مثل إخفائها مع أشياء أخرى، كما كانت هناك شبكة لإرسال البلاستسك من تونس إلى الجزائر في صناديق الحوت، وكانت القنابل التي انفجرت في العاصمة (مثل ملك بار)، صنعت من هذا البلاستسك، وان السلكات الفرنسية اكتشفت التونسيين الذين كان يتم عن طريقهم جلب البلاستك وقبصت عليهم.

بعد إنشاء الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، بدأت الأسلحة تأتي من عدة بلدان، خاصة من الدول الاشتراكية. وأنشأت وزارة خاصة بالتسليح تعمل على الحصول على الأسلحة وإدخالها إلى الجزائر بكل الطرق. واصبحت هناك علاقات مباشرة بين الحكومة الجزائرية والحكومات الأخرى فيما يخص الحصول على الأسلحة، كما بدأت تستغني عن الأسلحة الآتية من السوق السوداء. وإذا كانت الأسلحة بالنسبة للجبهة الشؤقية تنول بمرسى مطروح حيث كان هناك 160 جزائريا مكلفين بشحن الأسلحة، ونقلها إلى مزرعة بليبيا، ليتم بعد ذلك نقلها ثانية إلى تونس قالجزائر، أو إدخالها مباشرة عبر الحدود الليبية الجزائرية. فإن الأسلحة التي تأتي للجبهة الغربية تأتي في سفن تشحن على الحدود الغربية، ثم يتم نقل الأسلحة عبر الحدود، كما كانت بعض الأسلحة تأتي عن طريق الطائرالت، على شكل (طرود) وكذلك عبر السفن. وبصفة عامة فإن دخول الأسلحة كان يتم بطريقة سرية حتى عن الوزراء في الحكومة المؤقتة باسثناء الوزير المختص. وبعد تشديد الحرلسة على الحدود الشرقية والغربية، فإن الجبهة عمدت إلى أساليب أخرى فأدخلت الأسلحة داخل السيارات والحافلات وبراميل الزيت إلى الجزائر العاصمة ووهران. أما نوعية الأسلحة التي كانت تأتي من الخارج في ه1ه المرحلة فهي ذات أنواع مختلفة، أنما الأسلحة الثقيلة مثل مدفعية الميدان فبقيت بالحدود الشرقية والغربية.

إن الجبهة أقامت مراكز لصناعة الأسلحة وهي تجربة رائدة خاصة في تلك الظروف الصعبة، وكان الهدف من محاولة صنع الأسلحة هو الإستغناء عن جلب الأسلحة من الخارج وما يخضع له من مناورات وضغوط سياسية، بالاضافة إلى الاعتمادات المالية الضخمة التي تخصص لهذا الغرض. وقد تم صنع مسدس رشاش، القنابل اليدوية، والمورتيان 50،  60 و80 وذخيرة هذه الأسلحة. كما أرسلت الجبهة عدة دفعات من الطلبة إلى البلدان العربية والاشتراكية للتدريب على مختلف الأسلحة، وكذلك الطيران والبحرية وهذا لتلبية حاجات الثورة المتزايدة وكذلك التحضير لما بعد الحرب.

إن بداية التفكير في إنشاء سلاح الطيران لم يأت منفردا أو من طرف شخص معين، بل جاء ضمن دراسة شاملة واستراتيجية كاملة تهدف لتطوير أساليب الكفاح في جيش التحرير الوطني. وهذا التفكير رواد قادة الثورة منذ البداية، ولكن تجسيده في الواقع يحتاج إلى وقت وإمكانيات ورؤية واضحة وهكذا وبعد مرور سنتين من اندلاع الكفاح المسلح جاء مؤتمر الصومام وجاءت مقرراته الداعية لوضع خطة كاملة بعيدة المدى تستهدف خلق جيش عصري متكامل. وعلى ضوء هذه المقررات كان نداء الثورة موجها للطلبة الجزائريين بتوقيف الدراسة والالتحاق بصفوف المجاهدين، من أجل تكوينهم في جميع المجالات العسكرية والمدنية.

إن الهدف من تكوين الإطارات في مختلف الأسلحة (طيران، مدفعية، بحرية...) هو تكوين جيش متكامل يتقن أداء الحرب الحديثة مع احتمال استعمالها أثناء الثورة ولو بشكل محدود، وفي نفس الوقت فإن إعداد هذه الإطارات يمكن من بناء جيش عصري مباشرة بعد الاستقلال الذي أصبح شيئا أكيدا.

كانت هناك بعثات طلابية للتكوين في فروع علمية بموازة التخصصات العسكرية، إلا أن سلاح الطيران حظي باهتمام خاص لدى قيادة الثورة لما يمثله من بعد استراتيجي في مشروع إقامة الدولة العصرية وتحدي الاستعمار في آن واحد.

ومن اجل عصرنة أسلوب الكفاح، أثناء الثورة ونتيجة لتنفيذ هذه الاستراتيجية التي تمخضت عن قرارات مؤتمر الصزومام التاريخي شكلت هيأة تحت إشراف وزير الدفاع آنذاك (كريم بلقاسم) رحمه الله للبحث عن البلدان الشقيقة والصديقة التي توافق على تكوين هؤلاء الطلبة سيما منهم العسكريون. ومن بعده أسندت المهمة إلى العقيد أوعمران رحمه الله واستخلفه في وقت لاحق الرائد رباح نوار الذي استمر إشرافه على جميع التخصصات التقنية إلى غاية دخوله مع الطلبة عشية الاستقلال، والذي يعد الشخصية الأساسية التي لعبت دورا بارزا غفي وضع النواة الأولى لجميع الاسلحة لجيش التحرير من مهندسين وطيارين، ورجال ضفادع...

لقد كانت أول دفعتين في سلاح الطيران عام 1957، حيث توجهت أحدهما إلى سوريا والأخرى إلى مصر، الأولى تتكون من (06)ستة طيارين ومن العديد من التقنيين. وبعد هذا التاريخ توالت دفعات أخرى إلى سوريا ومصر والعراق. وهذه قائمة بأسماء الطيارين الأوائل الذين تم إرسالهم إلى سوريا ومصر.

 

 

 

أسماء الطلبة الطيارون خلا الثورة التحريرية

 

 

سوريا

مصر

الطيارون

-محمد الطاهر بوزغبوب

-إسماعيل أويحي

-بوداود الوناس

-رابح سلاح

الطيارون

-                               محمد بن شرشالي

-                               دواجي مصطفى

-                               سنوسي حسين

-                               بن خوشة نور الدين

-                               بلمشري محمد

التقنيون

-                               شيخي كمال

-                               هادفي  رحال

-                               قينيفي عبد الله

-                               عز الدين ملاح

-                               الصغير عبد الرحان

التقنيون

-                               الأمين زروال

-                               عبد المجيد حفيان

-                               مشري عمر

-                               بلعباس رمضان

-                               مغني محمد

-                               أعراب محمد خوجة

-                               حمودي عمر

-                               محمود التونسي

-                               حسن مسعود

-                               طواهرية أرزقي

-                               أوشيع الشريف

-                               سلاطنية علي

 


بعد اعتراف الصين الشعبية بالحكومة المؤقتة، وهي الدولة الأولى غير العربية التي اعترفت بالحكومة المؤقتة، توجهت دفعة سوريا من الطيارين والتقنيين إلى الصين، وكان يرأس المجموعة السيد آيت مسعودان، وهذا ابتداء من عام 1959 لينتهي التربص عام 1960، وقد تكونت ثلاث فرق هي فرقة المقاتلات وفرقة القاذفات وفرقة المهندسين.

أما دفعة مصر فقد توجهت إلى العراق في نفس السنة وتخرجت عام 1960 وتخصصت على الطائرات المقاتلة وطائرات النقل، وكان على رأس المجموعة السيد محي الدين الأخضري، وقد أنهت هذه الدفعة تربصها التخصيصي هي الأخرى عام 1960.

بعد اعتراف الاتحاد السوفياتي  بالحكومة المؤقتة في نهاية عام 1960، قررت قيادة الثورة إيفاد بعثة من الطيارين والتقنين الأوائل للتربص في الاتحاد السوفياتي وكان ذلك في بداية عام 1961 برئاسة السيد السعيد آيت مسعودان، وهذه البعثة من الطيارين والتقنيني تخصصت على المقاتلات ميغ 19 والمقاتلات والطائرات المروحية والرادار، وانتهى تربص الدفعة الأولى في مارس 1962 أما الدفعة الثانية فقد أنهت تربصها في جويلية 1962.

ورغم أن سلاح الطيران لثورة نوفمبر لم يدخل الاستعمال الفعلي في حرب التحرير خاصة في السنوات الأخيرة من الثورة حين أضحت الحاجة إليه ملحة بعد إقامة خطي موريس وشال على الحدود الشرقية والغربية، إذ بهذه الحواجز أصبح إمداد جيش التحرير بالمؤونة والسلاح من الصعوبة بمكان،وعليه فكرت القيادة في استعمال الطائرات المروحية انطلاقا من القاعدة  السرية الموجودة بإحدى الدول الشقيقة لإمداد جيش التحرير بما يحتاجه من سلاح وعتاد. وفعلا تحولت هذه الفكرة إلى حقيقة حين اشترت الثورة طائرات مروحية تم تمركزها بصفة سرية بهذه البلاد وقد لعب العقيد بوصوف رحمه الله بمساعدة بودواد منصور دورا هاما في عملية شراء وتمركز الطائرات المروحية كما كان التفكير في اقتناء المقاتلات والمقنبلات لإعطاء المستعمر دروسا أخرى في القتال من الجو غير أنه في هذه الفترة بالذات من عام 1961 تزامن التحضير لإرسال دفعة الطيارين إلى القاعدة السرية لدخول الطائرات المروحية حيز العمل الفعلي في الثورة، مع مفاوضات ايفيان التي شهدت تقدما إيجابيا بين الطرفين وعليها تجمدت إرسال الطيارين إلى القاعدة السرية لاستعمال ما في حوزة الثورة طائرات لصالح الكفاح المسلح، لكن كانت على أهبة التدخل في حالة فشل المفاوضات وهذه المرة بوسائل متطورة والذهاب بعيدا لدحض العدو.

لقد كان حماس وإيمان الطيارين قويا للدخول مع العدو في معركة جديدة ذات أسلوب مفاجئ، كانت رغبتهم أن يقوموا بقنبلة الجيش الفرنسي بواسطة المقنبلات والطائرات المروحية، وكلهم عزم على إعطاء العدو دروس أخرى في فن القتال بوسائل جرى الاعتقاد على أنها حكرا على قواته.

بعد إيقاف القتال أضحى للجيش الوطني الشعبي، سليل جيش التحرير، إطارات  كفأة متخصصة كل في مجاله، وقد التقت الدفعات التي تكونت أثناء الثورة من طيارين وتقنيين لتكريس سلاح الطيران كواقع في منظوماتنا الدفاعية وهذا ابتداء من سبتمبر 1962، وكان على رأس هذه النواة لسلاح الطيران النقيب السعيد آيت مسعودان الذي استهل هذه المهمة بتكوين أول سربين من الطائرات، سرب من الطائرات المقاتلة، وهو عبارة عن مساعدة تقدمت بها جمهورية مصر الشقيقة إلى الثورة. ذهب عدد من الطيارين لإحضاره إلى الجزائر في أكتوبر 1962 قصد المشاركة في الاحتفال بالذكرى الثامنة لاندلاع  الثورة لكن الظروف الجوية  حالت دون وصول السرب في الوقت المحدد واكتفت الاستعراضات بالطائرات المروحية، وفي 2 نوفمبر وصلت الطائرات المقاتلة (ميج 17) إلى مطار الدار البيضاء، وأبى طياروها إلا أن يحلقوا بها فوق أجواء العاصمة، وقد صفق لهم الشعب طويلا وبذلك اكتملت فرحة الشعب والجيش بهذا النصر العظيم.

كانت قاعدة لسلاح الطيران هي قاعدة الدار البيضاء ثم بعد ذلك تم استلام قواعد البليدة بوفاريك الشراقة، وتبعتها قواعد أخرى وآخر قاعدة استلمها الجيش الوطني الشعبي هي قاعدة بوسفر عام 1969. التي استكمل بها أحكامه على الهياكل القاعدية الخاصة بسلاح الطيران، ومن يومها وهو يشهد نهضة عميقة لا تضاهيها سوى تلك التي تشهدها مختلف التشكيلات الأخرى للجيش الوطني الشعبي.

Par maria
Ecrire un commentaire - Voir les commentaires - Recommander
Lundi 19 mai 2008

صناعة لأسلحة محليا

تتمثل هذه الأسلحة في السكاكين و السيوف و السواطير التي صنعت من قبل الحدادين، صناعة القنابل المحرقة و المتفجرة و الموقوتة و الأنغام ، واستعمال البارود من صنع محلى أو استغلال قنابل الطائرات والقذائف المدفعية التي استعملها العدو ولم تنفجر، والتي توجد بها كمية كبيرة من البارود، وقد استعملها المجاهدون للمرة الثانية بطريقتهم الخاصة. لقد عرف جيش التحرير الوطني كيف يوظف الجبال كسلاح طبيعي في المعركة، فكانت حصونة المنيعة، وكان يستدرج قوات العدو إلى الجبال حيث ينازلها، ذلك أن في الجبال تتكافأ القوات، حيث الدبابات والأسلحة الثقيلة تبقى في السهول، كما أن الجبال تثقل كثيرا القوات الفرنسية الثقيلة بأسلحتها، مما يجعل القوات الفرنسية تكره أحيانا متابعة المجاهدين، بل أن الانسحاب المجاهدين السالمين من المعارك بدون تتبع القوات الفرنسية لها يدل على تعب القوات الفرنسية ماديا ومعنويا وعدم سيطرتها على الجبال. وكانت خفة المجاهد  تساوي ضعف خفة الجندي الفرنسي، فإذا كان المجاهد يقطع ستين الكلمترات في الليلة، فإن الجندي الفرنسي يقطع نصف هذه المسافة في أحسن الظروف. ولهذا كان يشترط في المتجند أن بكون عارفا بالمنطقة التي سيعمل بها، لأن معرفة الأرض ضرورية لحرب العصابات، واستعمال الأرض كان من أهم العوامل التي خلقت التكافؤ بين القوات الفرنسية الكبيرة، وقوات جيش التحرير الوطني الصغير وبصفة عامة فإن استراتيجية جيش التحرير كانت امتلاك الأرض دون التمركز في مكان معين، أي حرب العصابات.   

الحصول على الأسلحة من الخارج

 

  مرت الثورة التحريرية في مجال جلب الأسلحة من الخارج في ثلاث مراحل هي :

المرحلة الأولى: وتمتد من  أول نوفمبر إلى 20 أوت 1956.

وكان الوفد الخارجي يتكلف بعملية الحصول على الأسلحة من الخارج سواء عن طريق الشراء أو المساعدة من الدول العربية، ويرسل بها إلى الحدود  الشرقية أو الغربية.

والحصول على الأسلحة من الخارج كان يتم عن طريق عمليات  مخططة مثل الباخرة "دينا" التي تم شحنها بمختلف الأسلحة انطلاقا من الإسكندرية من مصر في ليبيا فالناظور بالمغرب الأقصى وذلك في 18 مارس 1955.    

ويذكر احد المجاهدين دخول شحنتين من الأسلحة، الشحنة الأولى تم انزالها بمرسى كبودياوي بالمغرب الاسباني في شهر فيفري عام 1955 والتي استعملت لأغراض التدريب والهجوم على العدو.

كما تحصلت المنطقة الخامسة على الشحنة الأولى من الأسلحة في شهر جوان 1955 ودخلت من المرسى المذكور، ويبدو أنها قسمت على مجاهدي ندرومة وتلمسان وجبال سيدي بلعباس.

وبصفة عامة فقد وزعت هذه الأسلحة على ناحية الغرب باستثناء نواحي تيهرت وسعيدة لعدم سماح الوقت بإرسال الأسلحة إليها.

أما نوعية الأسلحة التي كانت تأتي في هذه المرحلة، فهي أسلحة خفيفة، بنادق فردية ومسدسات، قنابل، ومدافع رشاشة مثل رشاش 24/ 29 فرنسي.

المرحلة الثانية:وهي تمتد من 20 أوت  إلى 19 سبتمبر 1958 وفي هذه المرحلة تولت مسؤولية الحصول على الأسلحة وإدخالها إلى الجزائر.

لجنة التنسيق والتنفيذ. وكان هدف اللجنة الرئيسي هو الحصول على الأسلحة، فاتصلت بكل الدول التقدمية طلبا للمعونة العسكرية والسياسية. أعطت أوامر لمثل الجبهة في الخارج للحصول على عدد أكبر من الأسلحة، فحصل لمين دباغين من جمال عبد الناص، على شحنة من البنادق رشاشة مدافع بران، وكذلك بنادق 303 إنجليزية كما حصل على شحنة من يوغسلافيا تتكون من 25 ألف قطعة سلاح، منها ألف مدفع رشاشة (F.M.M.G.34 et M.G.42) والتي سلمت على الجيش التحرير بالحدود التونسية. إلا أن ما يميز هذه المرحلة، هو تعامل الثورة مع تجار الأسلحة للحصول على حاجتها من الأسلحة. ففي عام 1957، تم اتفاق مع نقيب أمريكي في القاعدة النووية الأمريكية بملعة للحصول على 142 بندقية طومسون مقابل 1500 ليفريلبي، أي أن ثمن البندقية كان 50 دولار، وكان تجار الأسلحة يبيعونها بحوالي ضعف هذا المبلغ.

استغلت الجبهة النزاعات بين ممولي الحلف الأطلسي، فقد يشتري الحلف الأسلحة من فرنسا مما يجعل الممول الآخر يبيع الأسلحة للثورة .

وكان التجار يستفيدون كثيرا من بيع الأسلحة وخاصة الذخيرة التي كانت تكلف غاليا. فمثلا البازوكة كانت تباع في سوكادينافيا ب 300 دولار، والمرثي 120 ملم ويباع ب 5000 دولار، ولكن الكرتوشة الواحدة تباع ب 60 دولار، وللجبهة ب30 دولار،  أي عشر الآلة. هذا بالإضافة إلى مصاريف النقل الباهظة،  ففي إحدى عمليات شراء الأسلحة تم الاتفاق على نقل كمية من البازوكات في ثلاث طائرات من ستوكهولم إلى الرباط بمبلغ 60 ألف دولار والمشكل أن هذه المبالغ وهذه الأتعاب أحيانا تسقط في يد السلطات الفرنسية مثلما وقع لهذه العملية حيث تم تحويل هذه الطائرات من طرف الطيران الفرنسي، وإجبارها على النزول في مطار السانية بوهران وهكذا حصل الجيش الفرنسي على أسلحة حديثة على حساب الثورة.       

كان المغرب لا يستطيع أن يحتج لأنه مقيد اتفاقية الاستقلال التي تقضي بأن يتزود في سنوات الاستقلال الأولى من فرنسا. وكانت طلبات جبهة التحرير الوطني من الأسلحة تقدر أحيانا بمليار ونصف من الفرنكات. وكان يشتمل الطلب مليونين من الخراطيش عيار 7.22 مم و 2.000 مسدس رشاش (PM) مع 3 ملايين من الخراطيش و20.000 مسدس (PA) ومليونين من الخراطيش عيار 9 ملم، بالإضافة إلى 200 طن من المتفجرات (بلاستسك أوت.ن.ت) وكانت فاتورة مثل هذا الطلب تفوق مليار ونصف، وكان الربح الصافي الذي يتلقاه تاجر أسلحة من وراء عملية كهذه يبلغ حوالي 500 مليون.

كانت كرابين موزار عيار 7.92نموذج ك 98 أكثر استعمالا في الثورة، خاصة في  1957 و 1958 ، كما كانت أكثر استعمالا لدى الثوار في مختلف مناطق العالم وهذا لأنها قوية وسهلة الاستعمال ودقيقة، كما ان ذخيرتها كانت متوفرة في مختلف مناطق العالم، وهي بندقية المانية (ولكي يبيع صانع السلاح سلاحه لا بد له من تقديم عدة معلومات والحصول على تريح رسمي، فمثلا في فرنسا قبل بيع مورتي لدولة ما، فإن الصانع يجب أن يطلب التصريح من اللجنة الوزارية للعتاد الحربي (C.I.M.G) وهذه اللجنة لا تعطي هذا التصريخ إلا بشرط أن لا يضر بيع هذا السلاح بالمصالح السياسية والعسكرية لفرنسا.

وتشترط اللجنة من الصانع أيضا استظهار شهادة (CERTIFICATE EN USER) التي يقدمها المشتري، وهذه الشهادة تتضمن التعاريف التقنية للعتاد، وتضمن توجديه هذا العتاد للقوات المسلحة للبلد الممضي اهذه الشهادة الذي يتعهد بعدم إعادة تصدير هذه الأسلحة. وبعد ذلك تاتي المسألة المالية التي تأخذ بشأنها عدة احتياطات، فالمشتري يفتخ في بنك ما اعتمادا  لصالح الممون، والبنك لا يسلم هذا المبلغ إلا مقابل تقديم الوثائق التالية: فاتورات مفصلة وشهادات ضمان من طرف الصانع، وشهادة استيلام من طرف تقني الزبون، نيخة تأمين وسند أو تذكرة الشحن للباخرة أو الطائرة الحاملة للعتاد، وشهادة(END USER CERETIFICATE)، وتعهد من طرف الحامل الذي، يأخذ العتاد تحت مسؤوليته.

كل هذه الوثائق يجب أن تقدم للبنك حسب الحالات، في 21 أو 30 أو 60 يوما ابتداءا من تاريخ وضع المبلغ في البنك، وبعد مرور هذا الوقت المحدد معناه أن المبلغ يبقى مجمد في البنك فلا يرجع لصاحبه ولا يسلم للبائع. وهكذا لا يبقى أمام المشترين الذين لا تتوقر فيهم عهذه الشروط غلا أن يمروا على بائعي السوق السوداء للأسلحة،  والواقع أن الباعة الذين كانوا يتعاملون مع جبهة التحرير الوطني ماهم إلا سماسرة ووسطاء،  بين العميل البائع الذي له مخزن أسلسحة وبين المشتري الذي لا يملك التسريح. وكان العميل نفسه لا يريد يعريص نفسه للخطر ( ومن هنا تظهر صعوبة الحصول على الأسلحة) لأن الحاصل على تصريح بالتجارة في الأسلحة من كطرف السلطة في البلد الذه يقيم فيه، يمكن أن يسحب منه إذا لم يقدم في كل عملية بيع شهادة (END USER CERTIFICATE)  اذا فإن عمل المتاجرين المهربين هو الحصول على شهادة مزورة وكذلك إيجاد عملاء لا يهمهم الوجهة الحقيقية للاسلحة، أي لا يسأبون كثيرا على المشتري لحقيقي لهذه الأسلحة. وفي سنوات  1957 - 1960  كان السماسرة أو الوسطاء يشترون شهادة(END USER CERTIFICATE)  من بعض الشخصيات السياسيقة في الدول الصغيرة (وزير الدفاع أو وزير الداخلية)، يبيعونها لهم 20.000 دولار (10 ملايين فرنك قديم). وكانت جبهة التحرير الزطني، تحصل على هذه الشهادات من طرف الدول الصديقة او المؤيدة لحركتها مثل يوغسلافيا، مصر، العراق، وبعض البلدان العربية الأخرى.

بعد التغلب على صعوبات الحصول على شهادات الشراء فإن التاجر أو المهرب يتدخل مرة أخرى أثناء الدفع أو تسديد المبلغ. فالمشتري يضع في بنك ما مبلغ بالدولارات الحرة  تسلم مقابل تعهد العبوري، إلا أن هذه العملية قد تتضمن أحيانا عدة أخطار، فالدفع يقع من اليد لليد أي بضاعة تسلم في مناء الإنوال وأحيانا بطريقة (FOB)  أي بضاعة تسلم على ظهر السفينة. وهذه الطريقة الثانية المفضلة عند المهربين حيث لا يتعرضون للتفتيش قي أعالي البحار.

وتتراوح فائدة التجار بين 40 و 55 بالمئة وهذا في سفقات تقدر بمئات الملايين وكتن مسدس رشاش من نوع (FV Mark 4 Favor)  من صنع سويسري تحت ترخيص اسباني يشتري ب 45 جولار ويعاد بيعه ب 75 و 80 دولار. كانت الذخيرة في الشوق العالمية تعتبر غير صالحة بعد 15 سنة، فكانت ألف خرطوشة عيار 7.62 (عيار بندقية ناتو) يخفض ثمنها على 45 دولار، إذا كان عمر المخزون 10 سنوات إلا أن التجار يعيدون بيعه كالخرطوش الجديد أي ب 75 دولار مع زيادة تقدر ب 40% إذا كان الطلب كبيرا (مثلا يبلغ 800.000 خرطوشة).

كانت المصالح السرية الفرنسية تلاحق تجار الأسلحة الذين يتعاملون مع الثورة مما جعل بعض هؤلاء التجار يذهب ضحية هذه الملاحقات، وجعل البعض الآخر منه يقدمون معلومات للمخابرات الفرنسية عن مبيعاتهم للجبهة وأماكن إنزال هذه الأسلحة، مما يساعد السلطات  الفرنسية على الاستيلاء على هذه الأسلحة وحجزها في بعض الاحيان، وهي ل تتورع في استعمال أساليب التخريب لتوقف أي إمداد بالسلاح للثورة كقيام  المصالح السرية الفرنسية بتفجير سفينتي (Sorcière  Rouge و Sirocco) ) وإغراقهما بمناء طنجة، وهما سفسنتان تابعتان للسيد جورج بوخرت الذي كان يدعى (فيليب موريس) وهو أحد تجار الأسلحة الالمان الذين تعاملوا مع الثورة والهدف من عملية التفجير هذه هو تخويف العملاء الآخرين من التعامل مع الثورة الجزائرية وأحيانا تلجأ إلى القضاء الجسدي على التجار الذين يتعاملون مع الثورة  مثل إغتيال جورج بوخرت في 03 مارس 1959 . ومن المصالح التي كانت مكلفة بمحاربة شبكات تصليح الثورة نذكر مصلحتي الوثائق الخارجية والجوسسة المضادة (SDE.C.E) وكانت هذه المصلحة من مهامها مراقبة تحركات رجال الثورة في الخارج.

أما مصلحة الاستعلامات (S.R) التابعة للمصلحة الاولى فكانت مهمتها بالخصوص التعرف على الأشخاص والطرق التي تسمح بالثورة بالحصول على الأسلحة. كما كان المكتب 24 وهو مصلحة الجوسسة المضادة- الذي تتجمع عنده كل المعلومات حول عمليات بيع الاسلحة لمختالف أنحاء العالم، ثم معالجتها واستغلال هذا المكتب يقوم بتعيين الأهداف التي يجب تخريبها وضربها، ثم يقوم المكتب 29 ويسمى مصلحة العمل (S.A)  لتعيين الأشخاص الذين  يقومون بتنفيذ عمليات التخريب ضد مصالح جبهة التحرير  في الخارج. وكان اكثر ما يهم المصالح السرية الفرنسية هو حصول الثورة على الاسلحة ذلك ان قتل أحد قادة الجبهة شيء سهل، ولكنه لا يحل المشكل. ولذلك فإن عمل المصالح السرية الفرنسية كان يهدف خاصة إلى ضرب شبكات تسليح الثورة ومزوديها بالأسلحة ، ومن الوسائل التي اتبعتها أيضا دخولها كطرف في عمليات بيع الأسلحة للجبهة وعندما يتم الإتفاق وتضع الجبهة المبلغ المتفق عليه في البنك فإن فرنسا لا تسلم الأسلحة للجبهة مما يجمد الأموال في البنك، فرنسا لجأت إلى هذه العمليات لأنها كانت تعي حاجة الجبهة لأموال واحيانا يمضي المهرب العقد ولكنه لا يستطيع إحضار السلاح وكثيرا ما يعرض ممثلوا الجبلهة إلى العمليات إبتزار. 

وفي مواجهة ذلك قامت الجبهة بظبط قائمة المكافين بشراء الأشلحة، وكذلك قائمة باعة الأسلحة. وبصفة عامة فإن الحصول على الأسلحة من الخارج كان من النشاكل التي تغلبت عليها الجبهة، ولو أن هذه العملية معقدة جدا.  وحسب أحد المجاهدين فإن الولايات المتحدة طلبت من الثورة قبول بعض الأشخاص لتزويد الثورة بالأسلحة إلا أن لالثورة رفضت.

ويبدو أن امريكا كانت مستعدة لتزويد الثورة بالأسلحة ولكن بشروط تبدعها عن منهجها الثوري إذ كانت نتظر إلى الجزائر على أنها كالفيتنام، فكانت تتمنى استخلاف فرنسا في الجزائر، وخاصة بعد ظهور البترول. وكانت أمريكا أيضاتعمل على إبعاد شمال إفريقيا عن تأثير شيوعي وإستفادته من ثوراته كانت فرنسا تاخص بهذه المنافسة غير المعلن عنها، مما جعل ديغول يهدد بالإنسحاب من الحلف الأطلسي. والواقع أن المشكل الذي كان مطروحا بالنسبة لأسلحة ليس الحصول عليها، ولكن إدخالها إلى الجزائر، إذ كانت فرنسا ضاربة حاصرا من حديد على الجزائر وحندت أسطولا كاملا لمراقبة الجزء الغربي من البحر الأبيض المتوسط والأطلسي حتى لا تدخل الأسلحة إلى الجزائر، ومع هذه أستعاطت الجبهة إدخال عدة سفن محملة بالأسلحة وشحنها بالشواطئ الغربية.


أسعار الأسلحة والذخيرة بالكتلة الشرقية

 

الصنف

العدد المطلوب

ثمن الوحدة

بالدولار

الثمن الاجمالي

بالدولار

الثمن النهائي

بعد التخفيض

رشاش م 42

رشاش م 24

هاون 82 مم

رشاش قصير 9 ملم

قنابل يدوية

بنادق 7.92

طبنجة 9 ملم

500

600

100

3.000

30.000

6.000

500

1.6

80

420

17

1.0

18

12

53.000

48.000

42.000

51.000

33.000

168.000

6.000

 

الثمن الإجمالي 401.000

                                 30% تخفيض 120.000                280.700  دولار

وبالنسبة للذخيرة، فإن الأسعار كما يلي:

الصنف

العدد المطلوب

ثمن الوحدة بالدولار

الثمن الإجمالي

الثمن الإجمالي بعد التخفيض

طلقات 7.92 ملم

دانات للهاون

82 ملم

عشرة ملايين طلقة 42 دولار للألف

20.000 دانة 11 دولار للدانة

5 ملايين طلقة 30 دولار للألف

420.000

220.000

150.000

 

 

20 % خصم

790.000

158.000

632.000

فيكون المبلغ الإجمالي النهائي للصفقة                                     912.000   دولار

 

Par maria
Ecrire un commentaire - Voir les commentaires - Recommander
Lundi 19 mai 2008

مصادر تسليح ثورة التحرير الجزائرية

 

انتبه حزب الشعب الجزائري إلى اهمية الأسلحة حيث كان يقوم بجمعا منذ الحرب العالمية الثانيةوقد جاءت أحداث 8 ماي 1945 أكدت للمناضلين الثوريين أن الكطفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير الجزائر وهو ما ادى إلى غنشاء منظمة شبه عسكرية أطلق عليها اسم المنظمة الخاصة والتي أسندت لها التحضير المادي والبشري والمعنوي لقيام الثورة.

 كان لهذه المنظمة دورا كبيرا في التحضير لثورة نوفمبر، وقد أدركت مبكرا أهمية جمع السلاح، إذ ورد في تقرير قدم من طرف هذه المنظمة لاجتماع حركة انتصار الحريات الديمقراطية (ينقصنا السلاح والمال، لا سلاح لنا ولامال، ونحن نواجه قوة عسكرية تتوفر على الأسلحة الحديثة لقواتها البرية والجوية والبحرية وتتكون من جيش يتمتع بتقاليده وتجاربه).

ولمواجهة هذا الموقف قامت المنظمة بعدة عمليات للحصول على المال بقصد شراء الأسلحة، منها عملية بريد وهران.

في عام 1948، اشترت المنظمة الخاصة 600 بندقية من صحراء قبض أولاد عمر زريبة الوادي.

كما ذهبت قافلة إلى تونس للإتيان بالأسلحة، وقد تكلف بهذه العملية الشهيد مصطفى بن بولعيد وخزنت هذه الأسلحة بنواحي باتنة.

كذلك اشترى (النظام) 50 رشاشا عامي 1949 و 1946، وأخفيت حتى قامت الثورة، ويلاحظ أن هذه الأسلحة كانت تستعمل للدعاية فقط، لأنها في الحقيقة أصبحت غير صالحة للاستعمال لما أصابها من صدأ في المخابئ، ولكنها كانت تشجع الشعب الجزائري وحتى المجاهد.

كما كانت الأسلحة تشترى من الأسواق السوداء. وكان سعر رشاشة ستان يساوي 15.000 ف،ق، وثمن موسوكوطو (أرباعي) نحو 1.700 ف،ق.

وحسب أحد المجاهدين فان الشهيد سويداني بوجمعة مع مجموعة المناضلين قاموا بعملية سطو علو محجرة فلفلة بالقرب من سكيكدة شرقا عام 1948 للحصول على المتفجرات (5).

ويذكر مجاهد أخر ان المناضلين في الونزرة كانوا يتدربون قبل اندلاع الثورة على بنادق من نوع الكرابين، وان المناضلين كلما كلمهم أحد عن الثورة قالوا له: أين السلاح؟ وانهم لم يعودوا يثقون في الكتابات والمناشير وما تقوله الصحف، وقد ملوا من كل ذلك...

ويذكر أنه في سنة 1954 جاءتهم الأوامر لجمع الأسلحة بكل الوسائل وصنع القنابل، واستطاعوا جمع عدة بنادق وتكوين حوالي 20 جنديا.

اما فيما يخص صنع القنابل فاحضر الثوار نموذجا وتحصلوا على القنابل والديناميت من منجم الونزة.  

كما تم شراء الأسلحة التي كطانت بحوزة بعض الجزائريين، ويذكر انهم استعملوا 03 بنادق صيد ومسدس وستاتي وذهبوا من الونزة إلى ملوزة بجهة مسكيانة حيث تحصلوا على  03 بنادق أخرى. كما أخذوا سلاح أحد حراس الغابة عنوة بالونزة.

وفي المنطقة الخامسة، بدأت التدريبات في 15 أوت 1954، حيث بدئ في صنع القنابل، بعد الاستيلاء على جهاز التلحيم منمعمل الاسمنت بزهانة (كادو)، وعلى انابيب من مدينة وهران بعد ان تم شراء المواد الكيمياوية والاستلاء على المتفجرات من شركة جاتمان بالمرسى الكبير، وقد نقلت هذه الأشياء إلى دوار مساعد يمدينة حاسي الغلة وقام بصنع القنابل الشهيد أحمد زبانة، كما أجريت تدريبات تحضيرا لتفجير الثورة.

وابتداءا من عام 1951 اتسع نطاق النظام العسكري وبدئ في شراء الأسلحة واللباس العسكري من الأسواق السوداء، وتم منع الشعب الجزائري من استهلاك البارود والذخيرة في الأعراس.

وفي صيف 1954 أعطيت أوامر لإخراج الأسلحة من المخابئ وإعدادها للتوزيع مع الشروع في صنع القنابل.

وعندما أخرجت الأسلحة من مخابئها كانت تضرب بالمطارق حتى يفتح المغلاق، وكانت الخراطيش لا تنطلق نظرا لطول مدة تخزينها تحت الأرض.

وقد عملت اللجنة الثورية للوحدة والعمل على جمع الأسلحة، وذهب أحد أعضائها إلى القاهرة، واتصل بأعضاء المنظمة الخاصة المقيمين بها، فأكدوا له أنظامهم إلى اللجنة الثورية للوحدة والعمل، واطلعوا على أهم مخابئ الأسلحة بالجزائر.

إلا أن بعض مخابئ الأسلحة التي كانت تابعة للجنة المركزية لم تسلم للجنة الثورية للوحدة والعمل، وبقيت حتى اكتشفها الاستعمار واستولى عليها بعد قيام الثورة، وهذا نظرا للخلاف الذي كان قائما بين اللجنة المركزية واللجنة الثورية للوحدة والعمل حول البدء فبي الكفاح المسلح كضمان وحيد لتحرير الجزائر.

لقد بدأت التحضيرات للثورة في الأوراس تحت قيادة الشهيد بن بولعيد منذ بداية سنة 1954، حيث أمر رؤساء الأقسام بالإحتفاظ بمداخيل الاشتراكات والقيام بانتقاء المناضلين في الصفوف لشراء الأسلحة والتدرب عليها والمحافظة على الذخيرة.

والجدير بالذكر أن كل دار في الأوراس كانت تملك بندقية عسكرية وكان الناس ينتظرون الأمر بتفجير الثورة.

الحصول على الأسلحة بعد أول نوفمبر 1954

 

تواصلت عملية جمع الأسلحة التي بدأت قبل أول نوفمبر 1954، وكان الجزائريون معروفون بحبهم لامتلاك السلاح، فكل عائلة كانت تملك على الأقل بندقية صيد، وكان امتلاك هذه البندقية نوعا من الشرف، وكانت هذه البندقية وسيلة أيضا للمحافظة على هذا الشرف، ويمكن القول أن بنادق الصيد هذه، يعود إليها الفضل في انطلاق الثورة بل وبقيت تقوم بدورها حتى عام 1962.

إن بنادق الصيد شجعت كثيرا من الجزائريين في صفوف الثورة لأنه من شروط التجنيد أحيانا الحصول على السلاح.

وحسب تقارير الملتقيات الجهوية لكتابة تاريخ الثورة فأن الأسلحة التي كانت لدى الثورة بعد انطلاقها تتمثل فيما يلي:

بنادق صيد مختلفة، الستاتي إيطالية، موسوكوطو، خماسي مصرية، المقرون (صنصرة-كايستون) ، السباعي 86، مسدسات بولانق، طامسون، روضة رولو، بروحي ومسدسات عيار 35، 6، و65،7مم، قاران أمريكية، موزار اسبانية، خماسي أمريكية، خماسي بلجيكية، خماسي إيطاليا، السباعي أمريكية، مدفع رشاش (T.M BART) امريكي، العشاري انجليزي، موزار ألمانية، مدفع رشاش فرنسي 24/29، مسدس رشاش ماط 49 الفرنسية، رشاش متوسط (ستان) الانجليزي، بندقية 303 الإنجليزية، قنابل محروقة ومتفجرة وموقوتة، وألغام مصنوعة محليا، وكذلك استعمال البارود من الصنع المحلي، السلاح الأبيض: السكاكين، السيوف، السواطر، الخناجر والحراب، المعاول والمجارف، الشاقور، البايونات.

وقد استخدمت في هجومات 20 اوت 1955 الأسلحة التالية: عصي، بالإضافة إلى بنادق الصيد و أسلحة حربية.

وحسب محضر جلسات مؤتمر الصومام 1956 فإن السلاح المتوفر بالمناطق كان كما يلي:

1)المنطقة الأولى: لم يحضر قادتها المؤتمر، بسبب استشهاد بن بولعيد قائد المنطقة.

2)المنطقة الثانية: 13 بندقية حربية و3750 بندقية صيد.

3)المنطقة الثالثة: 404 بندقية حربية و 106 رشاش، 8 مدافع رشاش، 4 بنادق رشاشة 12/2، و4425 بندقية صيد.

4)المنطقة الرابعة:5 بنادق رشاش، بندقية واحدة بار، و200 بندقية حربية، 80 رشاشة، 300 مسدس، 1500 بندقية صيد.

5)المنطقة الخامسة : حتى أول ماي 1956: 50 مسدس رشاش، 165 رشاشة و 1400 بندقية حربية، 100 مسدس و 1000 بندقية صيد.

6)المنطقة السادية:100 بندقية حربية، ورشاش واحد، 10 رشاشات، 50 مسدس، 100 بندقية صيد.

وقد استمد جيش التحرير الوطني أسلحته في الداخل من عدة مصادر مختلفة أهمها:

حيث قدم الشعب للثورة ما لديه من بنادق الصيد وبنادق حربية يرجع تاريخها إلى الحرب العالمية الثانية. ومن الأسباب التي جعلت الجزائريين وخاصة في جهات الأوراس والصحراء يجمعون الأسلحة المتبقية من الحرب العالمية الثانية، أنهم كانوا أصحاب مواشي، وكانوا يسوقون ماشيتهم من سوق إلى سوق ولهذا كانوا يهتمون بالأسلحة واقتنائها لتوفير الحماية للمواشي غير أن هذه الأسلحة نظرا لعدم الصيانة أصبحت غير صالحة للاستعمال في معظمها. ولكنها كانت تلعب دورا تشجيعيا وخاصة بالنسبة للشعب

كما تحصل الثورة أيضا على الأسلحة عن طريق بعض المتعاونين مع الثورة، جزائريين وفرنسيين ممن كانوا يعملون في صفوف وقوات الأمن الفرنسية، وهذا إما بمقابل أو مساندة للثورة .

فالمعارك التي كان يخوضها جيش التحرير مع الجيش الفرنسي كانت تعتبر كمصدر للتموين بالأسلحة والذخيرة، حيث كان يحرس كل مجاهد على أخذ أسلحة الجندي الفرنسي الذي يقتله، وفي المعارك التي ينتصر فيها جيش التحرير فانه لا يغادر ميدان المعركة إلا بعد جمع الأسلحة والذخيرة التي كانت مع جنود الاستعمار، أو التي تركها بعد انسحابه، أو فراره.

والحصول على الأسلحة من الاستعمار نفسه مبدأ ثوري من مبادئ المناضلين الأوائل، فقد قال ديدوش مراد ردا على طرح مشكلة الوسائل المادية أثناء اجتماع ال22: (إذا كنت تملك رصاصتين لبندقيتك فهما كافيتان لتستولي على سلاح عدوك. يجب أن نعطي الانطلاقة وإذا استشهدنا فسيخلفنا آخرون يواصلون  السير بالثورة قدما نحو الاستقلال، يجب أن نشعل الفتيل، ومن أجل هذا فلسنا في حاجة إلى وسائل ضخمة) ولا شك أنه يشير بقوله (رصاصتين) إلى بندقية صيد.

لقد أعطيت أوامر إلى المجاهد لافتكاك أسلحة العدو فكان كل مجاهد يقتل جنديا فرنسيا يقوم بأخذ سلاحه. كثير من الجزائريون فروا من الجيش الفرنسي بأسلحتهم والتحقوا بالثورة مثل عملية الهروب من مركز لبطيحة سنة 1956 والتي ذكرها الدكتور علي زغدود والتي نورد فيها قوله (الثورة أمرت في بدايتها بعض الجزائريين بالانضمام إلى صفوف الجيش الفرنسي ليتسلحوا ثم يعودون إلى صفوف المجتهدون وهم كثيرون، غير أننا لا يمكن أن نذكرهم جميعا وإنما سنذكر بعضهم من الذين لبوا نداء الثورة وفروا من الجيش الفرنسي سنة 1956 من مركز لبطيحة بكميات هائلة  من الأسلحة وأخص بالذكر أربعة من جماعة كبيرة، على سبيل المثال، هم: الشهيد محمد عواشرية والمرحوم الرائد عبد الرحمان ين سالم.

وكذلك اندساس رجال الجبهة في صفوف العدو وتظاهرهم بالولاء له ثم الفرار بالأسلحة.

وكان يتم الحصول على الأسلحة أيضا بواسطة المجندين إجباريا في سلك العدو (الخدمة العسكرية) حيث نظمت عدة عمليات فرار بالأسلحة، ويمكن القول أن مصادر الأسلحة المتطورة معظمها آت عن طريق الكمائن والهجمات على الثكنات العسكرية ومراكز التخزين، يضاف إلى ذلك الأسلحة المهربة من قبل العناصر  الوطنية التي كانت تعمل في الجيش الفرنسي وكذلك الأسلحة التي أفتكها الجيش التحرير من القوات الفرنسية أثناء العمليات العسكرية والأعمال الفدائية. وكانت نوعية الأسلحة التي يغنمها جيش التحرير تتطور حسب تطور الأسلحة لدى  الجيش الفرنسي،  وبصفة عامة فهي أسلحة الحلف الأطلسي والى جانب الأسلحة والذخيرة بغنم جيش التحرير أشياء أخرى (نظارات الميدان وأجهزة الإرسال والاتصالات اللاسلكية.)

Par maria
Ecrire un commentaire - Voir les commentaires - Recommander
Lundi 19 mai 2008

 

الاستراتيجية العسكرية في حرب التحرير الجزائرية

 

إن الإستراتيجية  العسكرية هي فن القيادة العسكرية، وموضوعها هو الحرب، وهدفها  هو تحقيق النصر العسكري في عملية تصارع أرادت متباينة.

والمعارك العسكرية عبر التاريخ تتشابك فيها عوامل مختلفة ومعقدة، اقتصادية، مالية، سياسية، إيديولوجية، حضارية، تقنية... ولذا فإن الإستراتيجية في الحقيقة ليست سوى فن السيطرة على جميع موارد الأمة بما فيها القوات المسلحة واستخدام هذه الموارد أفضل استخدام، وإلى أقصى حد ممكن لتحقيق النصر. وفرض إرادة الأمة.

واجتهادات منظري الفن الإستراتيجي الذين زخر بهم النصف الثاني من القرن الماضي، تمخضت عنها ظهور الإستراتيجيتين عسكريتين وضعتا موضع التطبيق منذ بداية هذا القرن، وهاتان الإستراتيجيتان هما:

-الإستراتيجية المباشرة، أو "إستراتيجية إفناء " التي تؤمن بالعنف والصدام، وترى بأن الدماء هي ثمن النصر، وبأن القوة هي وسيلته. ومن مظاهر هذه الإستراتيجية قيام الصراع   بين جيوش جرارة، مع الاعتماد على حرب نفسية واسعة لكسب هدف الحرب.

-الإستراتيجية غير المباشر، "إستراتيجية إجهاد"، وقد كانت المبدأ الحاسم للدول الاشتراكية، وأيضا في الحروب الثورية والتحريرية، ومن مظاهرها أنها حرب طويلة الأمد، تعتمد على قوى الجماهير العريضة في بلوغ هدفها الإستراتيجي.

ولقد كانت هاتان الإستراتيجيتان الأساس الذي انبثقت عنه جميع الإستراتيجيات المعاصرة التي وإن اختلفت من حيث طرائق العمل والسبل تحقيق الغايات، إلا أنها تتفق على أن الحرب عمل وطني تشارك فيه الأمة بكل ما أوتيت من قوة ومواهب وموارد وقدرات مادية ومعنوية لا دحض الخصم وبلوغ هدف الحرب...ولا يعنينا هنا تتبع المسالك التي تدرجت فيها هذه الإستراتيجيات وعوامل تطورها ومحمياتها، بقدر ما يهمنا الحديث عن مسائل ثلاثة لما لها من أهمية في توضيح معالم إستراتيجية جبهة وجيش التحرير الوطنيين.

الأولى، وهي أن حرب التحرير الوطني بحكم الظروف المعشية اتئد، اختارت النهج الثوري في كفاحها المسلح، والابتعاد ما أمكن عن المواجهة المباشرة مع العدو، وهو ما تجلى واضحا منذ أول وهلة حين لاذ مفجرو الثورة للاحتماء بالجبال، واعتمادات (أي الجبال) كمركزه في تنفيذ عملياتهم الخاطفة التي أعقبت ليلة التفجير.

الثانية، وهي أن علماء الإستراتيجية على الرغم من أنهم يقرون بالصفة المتبدلة للحرب التي تجعل من الصعوبة بمكان إدراج فن الإستراتيجية العسكرية ضمن قوالب، أو حصره ضمن نماذج معينة، إلا أنهم مع ذلك حاولوا كل بطريقته،     إيجاد نماذج إستراتيجية، وقالوا أنها تحقق الهدف الإستراتيجي رغم الظروف و المواقف المتغيرة للحرب، وهذه النماذج التي تعرض لها أكثر من إستراتيجي، نجدها أكثر تنسيقا ووضوحا في كتاب الجنرال (بوفر) السالف الذكرى، حيث أورد خمسة نماذج الإسترتيجيا هي:

1-               إذا كان سبب النزاع صغيرا وكانت الإمكانيات المتوفرة قوية جدا، فإن مجرد التلويح بهذه الوسائل كاف لإخضاع الخصم  وحمله على القبول  الشروط المفرودة والانقياد للإدارة الوطنية.

2-               إذا كان سبب النزاع صغيرا، وكانت الإمكانيات محدودة لا تكفي لتحقيق تهديد حاسم، فإن البحث عن النتيجة الحاسمة يكون عبر أعمال خداعية مناورات سياسية واقتصادية.

3-               إذا كانت الوسائل المتاحة محدودة، ولكن الهدف كبير، فإن بلوغ النتيجة المرجوة يكون بسلسلة  من الأعمال المتعاقبة بقوات محدودة تحقق الهدف بصورة متدرجة.

4-               إذا كان حقل حرية العمل العسكري واسعا، ولكن الوسائل المتوفرة لا تكفي للوصول إلى نتيجة عسكرية حاسمة، أمكن اللجوء إلى الإستراتيجية  صراع طويلة الأمد تنهك العدو ماديا ومعنويا، وقد تكون الوسائل المستخدمة في هذه الإستراتيجية بدائية للغاية(كالحجارة في فلسطين) إلا أن حسن استخدامها يجعل العدو يبذل جهدا أكبر من أن يتحمله إلى ملا نهاية.

5-               إذا كانت الوسائل العسكرية المتوفرة قوية ومجال حرية العمل العنيف كاف، فإن تحقيق النتيجة الحاسمة يكون عن طريق صراع عنيف قصير الأمد، وقد يكفي ذلك لإرضاخ الخصم إن كان سبب الصراع  غير حيوي بالنسبة إليه، وإلا فإن احتلال جزء من أرضه كاف لتجسيد هذه الهزيمة وإخضاعه للإرادة القومية.

وما تجدر الإشارة إليه، هو أن هذه النماذج الخمس (بوفر) ليست كل أنواع الإستراتيجية، وإنما هي أمثلة واقعية لأهم هذه الأنواع.

واختيار الإستراتيجية النموذجية عملية تتطلب دراسة منهجية لجميع العوامل العسكرية، الجغرافية الاقتصادية، النفسية، الحضارية، وبعد ذلك القيام بعملية تركيبه لتحديد الحل المناسب لبلوغ الهدف من الحرب.

الثالثة، وهي الحديث عن مفهوم جديد للإستراتيجية ظهر في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وكان نتاج تطور الوعي الإستراتيجي من جهة، وتعاظم آلة الدمار من جهة أخرى وهذا المفهوم يتمثل فيما يعرف باسم "الإستراتيجية العليا"، وهو على عكس كلمة "الإستراتيجية" التي ينحصر مداها في الحرب فقط، يتعدى هذا المدى إلى مرحلة السلم التي تعقب الحرب، ويعمل لتلافي كل ما يؤدي هذه المرحلة التي يجب أن تكون ثابتة وتضمن السلم والازدهار.

وهدفنا من إيراد هذه المسائل الثلاث هو، وضع ثورة التحرير في سياقها الإستراتيجي، وفي صورة التي أرادها  لها مخططيها وقادتها، حيث أن الجيش التحرير الذي انتهج منذ البدء أسلوب  المواجهة غير المباشرة وتبني الإستراتيجية طويلة الأمد بفعل المحدودية وسائله المادية  وطاقته البشرية..، هذا الجيش بقيادة جبهة التحرير الوطني، وقف قبل انقضاء حولين عن بداية كفاحه المسلح، لا لان يحدد فحسب المكانيزمات الفاعلة لتحقيق هدف الحرب، وإنما أعطى أيضا تصوره الأولي للمجتمع الجزائري في مرحلة ما بعد الحرب، وقد حددت وثيقة الصومام وإن كان ذلك بغير تحليل علمي معمق نظام الحكم في البلاد، وعلاقة الجزائر بالمجتمع الفرنسي، ووضعها الإقليمي في إطار المغرب العربي وفي الإطار القومي العام.

ولا أريد أن يفهم مما وردته، بأن الثورة الجزائرية خطط لها أناس من ذوي الاختصاص في الميدان الإستراتيجي، أو أن عمليات غرة نوفمبر قادها (ضباط) تخرجوا من كليات الفنون الحربية، لأن الثابت هو أن هذه الثورة اندلعت من غير تعليم مسبق. لمفجريها ورجالها في المدارس الحربية ولا في معاهد الدراسات الإستراتيجية...،غير أن هذا الوضع لا يسمح بحال من الأحوال التبجح بالقول على أن الثورة كانت عملا اعتباطيا، وأنها تفتقر لاستراتيجية واضحة المعالم محددة الوسائل والأهداف، لأن القراءة المتأنية ووقائع ثورة التحرير، تدل بما لا يدع مجالا للشك، على الشروع في تطبيق خطة إست راجية، موضوعها كفاح المستعمر، وهدفها تحرير البلاد، ووسائلها كل أدوات وأشكال الصراع، وقاعدة ارتكازها جماهير الشعب العريضة.

إستراتيجيتا " إجهاد" و"إفناء"  في حلبة ثورة التحرير

إن الدراسات الإستراتيجية، تقول بأن الصراع، أي صراع مسلح، لا يكون بين كتل جامدة، وإنما يجري بين كائنات حية ترد على الفعل العسكري، أو غير العسكري بفعل معاكس مثله أو أشد منه قوة وتأثيرا..،لذا فإن علماء الإستراتيجية يجمعون على أنه من الأولويات علم الإستراتيجية دراسة كيفية الوصول بالعدو إلى وضع نفسي وحالة ذهنية تجعلانه يقتنع بعدم جدوى الاشتباك أو مواصلته، وذلك بالاستخدام الجيد لمختلف وسائل القوة والتأثير المتوفرة...،وبعبارة أخرى فإن علماء الإستراتيجية يتفقون على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم على أن التفتيت المادي والمعنوي، هو هدف الخطة الإستراتيجية، لأن التفتيت بنوعيه يؤدي إلى ثني إرادة الخصم، وبالتالي إلى سهولة تحطيمه، ولقد كان هذا الهدف هو نفسه الذي توخته الخطط الإستراتيجية لكل من الجيش التحرير وجيش الاستعمار الفرنسي إبان الثورة، وحول هذا الهدف تمحورت خطط الخصمين واجتهادات الفريقين لإحداث التفتيت في الطرق الأخر حتى يسهل دحضه في الميدان...،وقد اعتمد الخصمان في ذلك شتى الوسائل العسكرية والدعائية والنفسية، وحاول كل طرف الاستفادة القصوى من مزايا مجتمعه البشرية والحضارية والمعنوية والفنية لا لحاق الهزيمة بالطرف الأخر..،ويطول بنا المقام لو حاولنا تتبع هذه الخطط عند الجانبين في محيط ثورة نوفمبر 1954، لأن ذلك أكبر من أن تتسع له هذه الصفحات. ومع ذلك فإننا نحاول استجلاء ملامح هذه الخطط المتضادة في خطوطها العريضة حتى تكتمل الصورة.

 فثورة التحرير، كما هو معروف، اندلعت بزمر وجماعات صغيرة، تقول بعض التقديرات إنها لم تتعد 400 مجاهدا ساعة التفجير...،ومع ذلك فإن قيادة الأركان العامة ومخططي الحرب الفرنسيين فرضت عليهم إحداث غرة نوفمبر أخذ جميع الاحتياطات والتدابير اللازمة لمواجهة الموقف،وليس ذلك بسبب شدة هذه الأحداث وقوتها، بقدر ما كان السبب في تزامنا وشمولها لجل مناطق البلاد.

وكما هو واضح فإن ميزان القوى غداة اندلاع الثورة، كان مائة بالمائة لصالح جيش الاستعماري، سيما إذا عرفنا بأن العدد الضئيل للمجاهدين كان في أغلبه مسلم بقضبان من الحديد والحجارة وفي أحسن أحواله ببعض بنادق الصيد القديمة وبمواد التفجير صنعت محليا للمناسبة.

وإذا قادة الثورة في بداية الكفاح المسلح، لم يعبأ بعامل التفوق في القوى وفي الوسائل الثابت لدى الطرف الأخر إلا أنهم من جهة أخرى وضعوا نصب أعينهم هدفا أساسيا يتمثل في تحاشيهم الهزيمة العسكرية، لأن الهزيمة في مثل تلك الظروف قد تكون لها انعكاساتها السلبية العميقة على جميع الأصعدة، ومن اجل تحقيق هذا الهدف التكتيكي والإستراتيجي في أن، كان تقديرهم للموقف القتالي انطلاقا من هذه المعطيات :

·        إزاء عدم جدوى المواجهة المباشرة مع العدو، أصبح الحل يتمثل في استنزاف قدراته المادية والمعنوية في زعزعة توازنه الاجتماعي والنفسي، ثم الاقتراب منه في الاتجاهات لا يتوقعها، وضرب مؤسساته الاقتصادية والإدارية، وتحطيم المنشآت مواطنه إتلاف ممتلكاتهم.

·        عدم الاستسلام لظروف التاريخ التي حرمت المجتمع الجزائري من أسباب التصنيع والتقديم العلمي، وبالتالي من الوسائل المادية اللازمة للنضال الثوري، وهو ما أدى إلى استنفار كل القوى الوطنية ووسائلها المتاحة لمجابهة الموقف وإلى اعتماد أسلوب حرب العصابات في القتال،وهذا عن طريق المقاومة الشعبية المتواصلة، وانتهاج أساليب الخداع والقتال الليلي ونصب الكمائن  و...و...

·         الاستفادة من جغرافية البلاد لتحقيق سلامة الجند وتوفير مجال حرية الحركة، وقد كان التركيز على المعالم التضاريسية التي لا تسمح بالانتشار السريع للقوات الحديثة مثل القوات الفرنسية، فوق الاختيار منذ البداية على " الأوراس" كعاصمة للثورة لما يوفره من فرص الاحتماء والتمويه والاختفاء، وأيضا لما يقدمه من حماية طبيعية ضد تأثير مختلف الأسلحة.

وعلى أساس هذه العوامل، بنيت في البدء إستراتيجية جيش التحرير الوطني المعروفة باسم "الإستراتيجية غير المباشر" أو " إستراتيجية إجهاد" التي راهن  عليها المجاهدون الأوائل لمواجهة " إستراتيجية إفناء" أو "إستراتيجية المباشرة" التي هي في الحقيقة الخيار العسكري الوحيد لجيش الاستعمار الفرنسي في محاولته تحطيم إرادة المقاومة الوطنية الجزائرية. وهذا ما جدا بقيادة ثورة  التحرير إلى بذل المزيد من الجهد لإعطاء الثورة مضمونها الشعبي  الذي دعا له بيان أول نوفمبر، والذي يعد من أهم عوامل الإستراتيجيات غير المباشرة.

أما عن الجانب الأخر، فإن إدارة الاستعمار، وأن روعتها أحداث غرة نوفمبر، إلا أنها لم تضع في حسبانها أن هذه الأحداث هي بداية لثورة عاصفة تفرض عليها في مقبل الأيام حوارا قاسيا ومريرا في المعترك الصراع. ومع ذلك فإنها لم تدع الحدث يمر هكذا دون إجراءات أمنية مشددة، وقد حاولت بجميع وسائلها العسكرية الأمنية والإعلامية محاصرة النتائج المترتبة عن الحدث وتفكيك الفريق الذي كان وراءه، غير أن الأحداث التي تلت عمليات أول نوفمبر جعلت المستعمر يدرك حقيقة وأبعاد الزلزال الأعظم التي كانت أحداث غرة نوفمبر بدايته. وقد عمل في التوصل على اتخاذ التدابير اللازمة لمنع حدوث هذا الزلزال، حيث تم الإعلان عن حالة الطوارئ وفرضت حالة الحصار على البلاد، وشرع في تطبيق مبدأ المسؤولية الجماعية عن كل نشاط ثوري ضد القوات الفرنسية ومصالح الفرنسيين، كما تم تنفيذ سياسة تجميع وحشد سكان الريف الجزائري ضمن محتشدات حتى تسهل مراقبته...،وأكثر من ذلك فقد بدأ التفكير لإعداد حملة واسعة النطاق لمحاصرة منطقة الأوراس (عاصمة الثورة) لجسم المعركة في الميدان.

وبعبارة أخرى فإن الأجداث الأولى لثورة التحرير، قد فرضت على قيادة الجيش الاستعماري وضع عدة خطط تكتيكية لتحقيق هدفها الإستراتيجي، ولم  تكن هذه الخطط عسكرية فقط، وإنما هناك أيضا خطط إعلامية وخطة سياسية لبلوغ هدف الحرب، حيث عملت أجهزة الإعلام والدعاية كل ما في وسعها لتضليل الرأي العام الداخلي والخارجي عن معرفة المقاصد الحقيقية لثورة التحرير، وتصويرها له على أنها أعمال تخريب وإجرام لقطاع الطرق والمجرمين.

كما أنه بالإضافة إلى عمليات الإبادة وتطبيق الأحكام العرفية لعزل الثورة عن محيطها الشعبي، فقد جرت أكثر من محاولة لتفجير جهاز الثورة من الداخل وفي هذا الإطار عمد(سوستيل) مثلا فور توليه مسؤولية الولاية العامة في عام1955 إلى تسليح بعض الجزائريين في بعض مناطق البلاد، وكانت خطته في ذلك تقتضي أن يمثل هؤلاء دور المؤيد للثورة والمشارك فيها حتى إذا ما سمحت الفرصة، وإلى حين إصدار الأوامر للأنقاض على جيش التحرير، غير أن العناصر المختارة لأداء هذه المهمة كانت من مناضلي جبهة التحرير الوطني، وقد استمرت في تمثيل هذه المسرحية إلى أن أتيحت لها الفرصة غداة انعقاد  مؤتمر الصومام فانضمت إلى صفوف جيش التحرير الوطني.

وباختصار، فإن قادة الجيش الفرنسي في أحداث أول نوفمبر حاولوا بكل ما أوتوا من قوة مادية ومعنوية وسياسية، تحقيق هدف الحرب،  كما جندوا إمكانيات عسكرية ضخمة لاكتساح منطقة الأوراس باعتبارها رأس الحرية في العمل الثوري في الجزائر، وعلى أساس أن سقوط الأوراس يعني موت الثورة المحتوم.

أحداث 20 أوت 55 تغير الحساب الإستراتيجي

الجيش الفرنسي الذي نفذ عملية حصار "الأوراس" للقيام بعمل عسكري يكون حاسما ويحقق الهدف الإستراتيجي للحرب ضد الثورة الجزائرية وتفنن جنده في التنكيل بالأهالي وفي تطبيق مبدأ المسؤولية الجماعية في إطار المحتشدات  والتجمعات السكانية بالمدن، حتى يقطع كل أواصر الجيش التحرير بقاعدته الشعبية...،وقد عانت الثورة وفق هذه الخطة المحكمة والقاسية الكثير من المصاعب، لو لا طابعها الشعبي الشمولي لا نقضي أمرها وهي دون عامها الأول، غير أن هذا العمق الذي حرصت عليه قيادة الثورة منذ الانطلاقة الأولي، كان من أهم العوامل التي فكت الحصار على المنطقة، وجعلت الهدف الإستراتيجي المزمع إنجازه في هذه العملية، سرابا يبعد عن كل خطوة في اتجاهه عدة خطوات...

لقد تجسدت إحدى روائع تلاحم الشعب مع جيش التحرير، في التضحية الشعبية اللامشروطة لمؤازرة سكان المنطقة هذا الجيش في ظروفه العصيب 

وإمداده بالمؤن وبالمعلومات عن العدو، وأيضا فيما كان يجري بالشمال القسنطيني من تحضير وإعداد لخطة هجومية تكتيكية تجبر العدو على قواه لتخفيف العبء على الأوراس المحاصر...،وقد تظافر هذان العاملان إلى عامل إستماته جيش التحرير، لتخرج الثورة من هذا الامتحان القاسي أكثر تصميما على مواصلة درب الكفاح.

هجومات الشمال القسنطيني عشية 20 أوت 1955  استهدفت كل ما يشكل أداة القمع من الجيش، درك، شرطة، قضاء...،وأيضا كل ما يشكل دواعي وجود المستعمر ومؤسسات وممتلكات وذلك في كامل منطقة الشمال القسنطيني.

ونستطيع القول بأن هذه العملية التي أعدها وقادها الشهيد زيغود يوسف، قد أعطت النتائج العسكرية المرجوة منها على الرغم من ضخامة الخسائر في الأرواح(700 شهيدا)،حيث اضطرت إدارة الاستعمار إلى أن تسقط من حسابها الإستراتيجي الكثير من المعطيات، وتضيف لها أخرى أكثر تعقيدا لمواجهة ثورة ليس موطنها(الأوراس) فحسب، وإنما كل التراب الوطني، وليس جيشا هو جيش التحرير فقط، وإنما كل الشعب الجزائري.

ووفق هذه القناعة الجديدة تشعبت مهمات الجيش الفرنسي وتعقدت أدواره فأضحى في حاجة إلى إسناد إضافي وإلى طرق جديدة لمواجهة الموقف وحسم الصراع، ولا نتكلم هنا عن الإمدادات الضخمة التي تم إرسالها من باريس إلى الجزائر لإنقاذ (الشرف الفرنسي)،ولا عن أساليب الإبادة وانتهاج سياسة الأرض المحروقة للسيطرة على الوضع، ولاعن الحرب الإعلامية والسياسية التي مارستها السلطات الفرنسية في تعاملها مع الحرب الثورية في الجزائر...،وإنما نشير إلى الحرب النفسية التي أولاها المستعمر عنايته بهدف أحداث التفتيت الداخلي في صفوف الثورة، ولقد خص لهذا النمط من الحرب جيشا جرارا بلغ تعداده عام1959 حوالي 27073 ما بين ضابط وجندي، وقد مارس هذا الجيش الضخم كل أنواع العمل النفسي لتحييد الثورة عن مسارها أو تفجيرها من الداخل، ونذكر من أنواع هذه الحرب كلا من العمل الداعم، والدعاية الموجهة ضد تشكيلات جيش التحرير.

فالعمل الداعم، هو لون من ألوان الحرب النفسية يستهدف المدنيين في مناطق العمليات العسكرية، وذلك طبقا لسياسة التجميع وإقامة المحتشدات لسكان الأرياف التي بدأت سلطات الاستعمار تطبيقها منذ بداية عام 1955، وقد أصبح الريف الجزائري وفق هذه السياسة عبارة عن مجموعة كبيرة من المحتشدات الواقعة تحت حكم الإدارة العسكرية لجيش الاستعمار، وتخضع لأحكام حالة الطوارئ وقانون المسؤولية الجماعية، ومنطق(فرق تسد)،  (جوع تطاع) و.. و...

أما النوع الثاني من الحرب النفسية، فهو الدعاية الموجهة ضد تشكيلات جيش التحرير بغرض عزل المجاهدين عن محيطها الشعبي، وإقناعهم بعدم جدوى مواصلة الكفاح المسلح، وبأن آمال الثورة هو النهاية المحتومة...،وقد استعملت إدارة الاستعمار في ذلك شتى الوسائل للتأثير على العمل الثوري الذي يزداد شدة يوما، كإثارة النعرات وإلصاق والتهم بقيادة الثورة، وتلفيق أخبار المعارك و...و...

ومن جهتها فإن الثورة بعد أحداث الشمال القسنطيني كان لزاما عليها أن تطور إجراءاتها التكتيكية بحسب المسجدات والظروف المفروضة، وأن تجد الحلول المناسبة لمختلف المشاكل والنواقص العالقة بالتنظيم والتأطير والتسليح وأن تواجه أيضا كل أشكال السلاح التي شهرها المستعمر في وجهها من دعاية وتضليل للرأيين العالمي والفرنسي...،وبعبارة أخرى فإن قوة رد الفعل المعادي ونوعه بعد أحداث الشمال القسنطيني، أوجد الحاجة لدراسة الموقف القتالي، وإيجاد صيغ جديدة من العمل والتنظيم والتأطير تتلاءم ومقتضيات التصدي الفعال للخطط المعادية التي تستهدف بأشكالها المتعددة إجهاض العمل الثوري لجبهة التحرير الوطني.

وهكذا نستطيع القول بأن أحداث 20 أوت1955 كانت مدعاة لتغيير عميق في الحساب الإستراتيجي لكلا الطرفيين المتنازعين، ففي الوقت الذي عمدت فيه القوات الفرنسية إلى إبعاد كل السبل المشروعة وغير المشروعة لتشديد قبضها على المجتمع الجزائري كانت قناعة قيادة ثورة التحرير بضرورة إعادة هيكلة الثورة وعلى النحو الذي يضمن تكريس جميع طاقاتها الشعب الجزائري لصالح العمل المسلح لبلوغ الهدف الإستراتيجي للحرب التحريرية.

مؤتمر الصومام وبداية العد العسكري:

وقفة الصومام التاريخية في أوت 1956، كانت ببساطة لقاء بين قيادة الكفاح المسلح لدراسة الموقف القتالي وإيجاد خطة استراتيجية تكون في مستوى مواجهة الخطة المعادية التي أبدع في صنعها منظورا الاستراتيجية الفرنسيين، وأوكل أمر تنفيذها لجنرالات غلاظ شداد، ووفرت لنجتحها الشروط المادية والتكنولوجية ووسائل الحرب.

وما تجدر الإشارة إليه، هو أن قبل مؤتمر الصومام، لم تكن هناك قيادة عكسية عليها تشرف على التنسيق بين العمليات العسكرية  في المناطق بمساعدة  أعوانه يجتهد إعتمادا على خبرته الشخصية لمواجهة المخاطر والصعاب، وغالبا ما كان ذلك بأفواج قليلة العدد من المجاهدين يسهل تموينها وإعدادها و تحركها، وتستطيع مفاجأة العدو وإخلاء مكان المعركة في الوقت المناسب، وتنفيذ العمليات في الزمن وفي المكان الملائمين للإنتصار ...،غير أنه بتطور الأحداث وبتطور وسائل الحربية الفرنسية وخططها التكتيتكية، أصبح لزاما على قيادة الثورة أن تلتقي لتقيم الماضي والتحخطيط للمستقبل بأقامة وتنظيم حالمؤسسات السياسية والعسكرية لجبهة وجيش التحرير الوطني الموكول لها مهمة إنجاز الهدف الإستراتيجي للحرب.

وهكذا، فبعد هذا اللقاء خرج المؤتمرون بقرارات غيرت بعمق مجري الأحداث، وقد أدى تطبيقها الصارم إلى بداية العد العكسي بين الإستراتيجيتين، ففي حين أخذت إستراتيجية جيش الاستعمار تتراجع تدريجيا، كانت إستراتيجية جيش التحرير تشق طريقها بكل حزم لأن تغدو سيدة الميدان.

ومن هذه القرارات، المصادقة على :

- الوثيقة السياسية للثورة التحريرية، وهي قاعدة أيديولوجية تحدد منهجية الثورة المسلحة لجميع الميادين، كما تحدد أفاق مستقبل الجزائر ما بعد الحرب .

-                                 إعادة تقسيم القطر الجزائري  إلى ست ولايات، في كل ولاية عدة مناطق ، وفي كل منطقة عدة نواحي، وفي كل ناحية عدة أقسام، وفي كل قسم عدة فروع.

-                                 تنظيم الجيش تنظيما عصريا برتبه العسكرية وتشطيلاته الحربية ومصالحه الفنية كالتموين والقضاء والاستخبار والصحة .

-                                 تعيين قيادة عامة وموحدة للثورة المسلحة بتكوين المجلس الوطني للثورة المتكون من 34 عضوا(ما بين أساسي و إضافي)،ثم تعيين لجنة التنسيق التنفيذ متكونة من خمسة أعضاء، والتي هي مسؤولة أمام المجلس الوطني للثورة باعتباره السلطة العليا في هرم ثورة التحرير .

وكما هو واضح فإن المؤتمر الوطني للثورة هو الهيئة الدستورية العليا لجبهة التحرير الوطني وهو يحدد المذهب والسياسة العامة للجبهة ويتمتع بكل السلطات الخاصة لإصدار القرارات ومراقبة منظمات جبهة التحرير الوطني.

والمجلس الوطني للثورة المنبثق عن المؤتمر والمسؤول أمامه، يعد الهيئة العليا للجبهة في الفترات الواقعة بين دورات المؤتمر، وله صلاحية  تكوين وتعيين لجان التأديب أو المراقبة الإدارية والمالية، وأي لجنة أخرى للتحقيق .

والمجلس الوطني تنبثق عنه لجنة التنسيق والتنفيذ التي تسهر على التنسيق بين أجهزة جبهة التحرير الوطني، وتعمل على تموين الجيش الوطني الشعبي بالأسلحة والذخيرة والرجال ، وهي مطالبة بتقديم تقرير عن نشاطها العسكري السياسي أثناء اجتماع  لمجلس الوطني للثورة.

        كما سهرت القيادة الثورية على إقامة مختلف أجهزة جبهة وجيش التحرير الوطني السياسي والعسكرية وتطويرها لتتلاءم مع تطور الكفاح الوطني على الصعيدين الداخلي والخارجي، ومن هذه الأجهزة من القاعدة إلى القمة نذكر:

المجالس الشعبية، القسم الناحية، المنطقة، الولاية وأخيرا القيادة العامة للثورة.

        فالمجلس، أو اللجان الشعبية تتكون من المناضلين الدائمين في جبهة التحرير الوطني في الحي أو الدشرة أو القرية أو المدينة... ويقوم العمل في هذه المجالس على مبدأ القيادة الجماعية التي لا ترضى باستئثار فرد واحد بالسلطة لتفادي الانحراف والخطيئة، وعليها فإن المجلس يتكون من الرئيس ومن أربع مسؤولين عن والمالية، والتموين، والأخبار والدعاية، والأمن والعدالة. وبعد المجالس الشعبية يأتي القسم، وقائده من أعضاء جيش التحرير الوطني برتبة مساعد وهو يجمع التوازي بين السلطة السياسي، والإدارية والسلطة العسكرية ومن أجل ذلك كان له نائبان، أحدهما سياسي والآخر عسكري، علاوة على نائب للأخبار والاتصال.

        وهكذا نجد أن القسم هو قاعدة  النظام العسكري بينما المجالس  الشعبية هي قاعدة النظام اللسياسي. والقسم ينقسم إلى عدة فروع تزيد أو تنقص بحسب اتساع رقعة القسم وعدد السكان به والظروف التي يعيشها، كما ينقسم في التنظيم على أعراش وكل عرش إلى (دواوير) وكل دوار إلى (فرقة) وكل فرقة إلى (دشرة)، وعلى كل دشرة لجنة ثلاثية قائدها مدني من المناضلين الأكفاء الملتزمين، تتبعه عدة فصائل مكونة من عدة خلايا.

        بعد القسم تاتي الناحية وتضم عدة أقسام يزيد عددها أو ينقص بحسبل اتساع الناحية وكثافتها السكانية. تدار الناحية بواسطة مجلس يتكون من رئيس الناحية برتبة ملازم ثاني يجمع بين السلطتين السياسية والعسكريةن ويساعده ثلاث نواب برتبة ملازم للشؤون السياسية، والعسكرية، ثم الاتصال والأخبار ولرئيس الناحية كل الصلاحيات لإصدار القرارات والأوامر على مستوى ناحية بعد اطلاع قلائد المنطقة.

        وتأتي بعد الناحية المنطقة، وهي تضم عددا من النواحي يتسع عددها أو يضيق تبعا لعدد المناطق بالولاية او عدد السكان بها. ويجمع قائد المنطقة وهو برتبة ضابط ثاني بين السلطتين السياسية والعسكرية وله نواب ثلاثة هو النائب السياسي (المحافظ السياسي)، النائب العسكري، النائب للأخبار والاتصال ولكل واحد مهام خاصة به.

        وبعد المنطقة تأتي الولاية، وقائدها برتبة صاغ ثاني، ونوابه الثلاثة برتبة صاغ أول، ويتولى أمر تسيير الولاية مجلس يضم قائد الولاية ونوابه ورؤساء المناطق وأحيانا النواحي، ويعر باسم (المجلس الموسع للولاية)، وفيه تتخذ القرارات الهامة، وقائد الولاية يجمع بين السلطتين السياسية والعسكرية وهو بحكم وظيفته عضوا في المجلس الوطني للثورة الجزائرية، وله الحق في اقتراح أو تعيين الأفراد في مسؤوليات قيادية بولايته.

        هذا وتجدر الإشارة إلى بعض المهام التي كان يقوم بها نواب قائد الولاية في حدود اختصاص كل واحد منهم، وهم: النائب السياسي، النائب العسكري، نائب الأخبار والاتصال.

        فالنائب السياسي من مهامه الإشراف على التنظيم السياسي لجبهة وجيش التحرير الوطني في المدن والأرياف التي تضمها الولاية، ويوصل صوت الثورة إلى كل مكان فيها، ويعمل على تكوين خلايا جبهة التحرير الوطني داخل كل مؤسسة أو منظمة، ويزود جيش التحرير بالرجال اللائقين، وينظم وحدات الفدائيين ويشرف على التربية السياسية والدينية، ويقوم بالدعاية المضادة بدعاية العدو كما يقم بتنظيم الإدارة المدنية ويرعى الأحوال الشخصية للمواطنين، ويشرف على جمع أملاك من هبات واشتراكيات وضرائب وغرامات، ويسهر على الشؤون الاجتماعية لضحايا الكفاح المسلح.

        والنائب العسكري لقائد الولاية يشرف على الوحدات العسكرية وكل ما يتعلق بالأمور العسكرية، فهو يدرس ميادين القتال ويقرر العمليات العسكرية ويوزعها على الوحدات لتنفيذها في المكان والزمان المحددين، ويتولى الإشراف على مراكز التدريب لإعداد وحدات القتال عسكريا، كما يتولى أمور تفقد السلاح في الوحدات العسكرية.

        أما النائب الثالث، فيقوم بتنظيم شبكات الاتصال بين المدن والأرياف في ولايته، ويربط بينهما وبين سائر التراب الوطني ومراكز القيادية للثورة، ويسهر على كشف أماكن تجمعات العدو ومراكز قياداته ونقاط مراقبته وخطة تحركاته.

        ومع هذه الهيكلة الجديدة لمجتمع الحرب في الجزائر، أصبح تشكيل وحدات جيش التحرير الوطني، كالآتي :

-                                 الفوج : ويتكومن من (11 )مجاهدا ، وجنديين أولين، وعريف وقائد الفوج يتسلح جميعهم بأسلحة خفيفة تعينهم على إنجاز العمليات العسكرية الخاطفة ضد العدو ومنشآته. وكان نظام الفوج الفدائي بالمدن والقرى.

-                                 الفصيلة أو الفرقة: وتضم (35) مجاهدا، أي  ثلاثة أفواج يختص فوج منها بالاستطلاع، والثاني يحمل الأسلحة الخفيفة، والثالث يحمل الأسلحة الثقيلة،  ويساعد قائد الفصيلة نائبان أحدهما يعرف بـ (المحافظ السياسي) الذي من مهامه جميع الأمور السياسية والاجتماعية والثقافية والصحية والإعلامية والدعائية والتوجيهية والثاني هو المساعد العسكري.

-                           &nbs

Par maria
Ecrire un commentaire - Voir les commentaires - Recommander
Lundi 19 mai 2008

        وتطورت هذه المصلحة بفضل توفر أجهزة الراديو المتنقلة لتصبح موجودة حتى على مستوى القيالق بالإضافة إلى المحطات الأخرى الموجودة خارج الوطن في الدول عربية وإفريقية، وابتداء من هذا التاريخ (1958) أصبحت هذه المصلحة تعمل بدون هوادة تغطي في نشاطها كامل التراب الوطني وعلى اتصال بالمحطات المختلفة خارج الوطن ويدير هذه الشبكة إطارات جزائرية مختصة وبوسائل وإمكانيات تابعة لجيش التحرير الوطني، وقد برهن هؤلاء المجاهدون أكثر من مرة على تلقين العدو ودروسا بليغة في فنون حرب الأمواج المعاصرة، التي كرس لها العدو رجالا تخرجوا من الأكاديمية والمعاهد العسكرية العليا وجهزهم بوسائل وعتاد متطور جدا واستعمل كل الحيل والخداع التي توصل لها خبراء الحلف الأطلسي في ذلك الوقت. لكن عبقرية المجاهد وإيمانه العميق وحبه واخلاصه لشعبه وبلاده جعله يتفوق على دهاء المستعمر،  فوضعوا أنماطا من الشيفرة عجز العدو ومن ورائه الحلف الأطلسي.

        وبعد هذه المرحلة بدأ التفكير في تكوين تقنيين كختصين في تصليح هذه الأجهزة  الموجودة بحوزة جيش التحرير، بعد أن سجلت أعطال  كثيرة على مستوى  كل محطة، وكانت الدفعة الأولى، مكونة من مجاهدين فقط هما (... غربي محمد المدعو بوب، وملوك محمد المدعو صبري)  وقد تم تكوينهم بالمدرسة الغربية لجيش التحرير لمصلحة المواصلات وكونهم السيد صدار سنوسي ثم توالت دفعات أخرى من التقنين لإصلاح وتصليح أجهزة الراديو السلكية واللاسلكية، والتي كانت تحتاج إلى مستوى وتدريب أكثر تركيزا ومؤهلات علمية عالية في ذلك الميدان.

        أما عن ردود  الفعل الاستعمارية فقد سجلت محاولات عديد ومستمرة للعثور على مصدر هذه الأجهزة وأفرادها والأماكن التي تكون فيه هؤلاء الفنيون مما حدا بالجنرال الفرنسي "كريبة"  إلى القول وبالحرف الواحد : "إذ وجد تم كتيبة مشاة وكتيبة إشارة فاتركوا الأولى واقضوا على الثانية" وقد حاول الاستعمار تجسيد هذا الكلام أكثر من مرة، وتمكن في بعض الحالات من بلوغ هدفه أي أسر بعض الإطارات رفقة أجهزة لكن ذلك لم يؤثر على عمل هذه المصلحة لأنها كانت منتشرة في كل مكان كما أن قادتها كانوا محنكين يعرفون جيدا تحركات العدو فيختفون في الوقت المناسب. وكان أول سجين من هذه المصلحة هو السيد نعاس الحبيب المدعو حمزة، على إثر كمين نصب له ولجماعته في المنطقة السادسة بالولاية الخامسة. وقد لجأ العدو مرارا إلى تعقب موجات الإشارة لإلقاء القبض على رموز الثورة انطلاقا من تعقب مصلحة المواصلات ولكنه لم يفلح ومن ذلك ما وقع في الولاية الثالثة حينما عجز عن كشف مقر قيادة هذه الولاية بقيادة الشهيد عميروش، مما دفع بمجموعة من رجال القوات الخاصة الفرنسية إلى تمشيط منطقة جبلية بهذه الولاية لمدة أيام لكن بدون جدوى.

        ومما تذكر به المناسبة أن تلك القوات الخاصة حينما غادرت المكان تركت ضمن بقايا العلب والقارورات المرمية بطاريات صغيرة تستعمل في أجهزة الراديو اللاسلكية، ولما وقعت تلك البطاريات في يد المجاهد حملوها إلى مصلحة الإشارة لاستعمالها من قبل رجال المواصلات السلكية واللاسلكية، ولما حاول هؤلاء تجربتها انفجرت وذهب ضحيتها ثلاثة  مجاهدين من نفس المصلحة وهم الشهداء "آيت حمي الطيب العجاج المدعو لحبيب وسعيدي عبد الله".

        وفي نهاية عام 1958 أصبح لمصلحة المواصلات السلكية واللاسلكية قيادة مركزية تديرها جماعة من ذوي الخبرة الواسعة في هذا الميدان بإشراف السيد تليجي على المدعو عمار، وهو المسؤول الأول إلى جانب بوزيد عبد القادر، حساني عبد الكريم، لغواطي عبد الرحمن، صدار سنوسي، بلقاسمي علي، كما كانت توجد قيادة على مستوى القاعدة الشرقية وأخرى على مستوى القاعدة الغربية.الأولى يرأسها حجاج مصطفى والثانية بن ميلود نور الدين.

        ابتداء من عام 1961 شرعت المصلحة في تكوين الضباط خارج الوطن من أجل الحصول على شهادات عليا في مجال الاتصال السلكي واللاسلكي، وكانت أول دفعة متكونة من ضباط توجهت إلى روسيا من اجل  الحصول على شهادة مهندس في هذا التخصص ضمت الطلبة، الضباط (حجاج، بغدادي، حكيكي، بن برنو، قرموش)، مدة التكوين كانت خمس سنوات.

        إن لمصلحة المواصلات  السلكية واللاسلكية سجلا من البطولات والمفاخر التي يعتز بها كل جزائري، فهذه المصلحة التي انطلقت من لا شيء استطاعت وفي مدة وجيزة أن تكون أثناء الثورة 19 دفعة من الإطارات وهو ما يعادل 600 ضابط وإطار في مجال المواصلات السلكية واللاسلكية وتحدث شفيرة جزائرية مائة بالمائة دون الاستعانة بأي أجنبي كما أنشأت مدارس على الحدود لبشرقية والغربية وإذاعة ومحطات في عدد من الدول العربية والإفريقية كما كونت إطارات في هذا التخصص.

        أما في المجال العملياتي (الحربي)   فقد  تمكن هؤلاء الضباط من تغليط قوات العدو أكثر من مرة، دخلوا في شبكاته وأعطوا معلومات خاطئة للطيران الفرنسي الذي ضرب مواقعه ودمرها أحيانا أخرى مثل ما حدث في معركة "الزانة" أين تمكن أحد الضباط العاملين على جهاز الراديو من الدخول في شبكة العدو وأعطى معلومات خاطئة للطيارين وبالتالي تحول قصف الطائرات من جبهة المجاهدين إلى جبهة العدو، بعدما أكد الضابط للطيار أن المجاهدين يحملون الخوذة فوق رؤوسهم للتمويه. فكانت ضربات الطيران موجعة لقوات المشاة الفرنسية، وهناك أعمال كثيرة أخرى موجعة من هذا النوع، لكن في المقابل قم هؤلاء المجاهدون أعز ما لديهم من الرفقاء في الجهاد قارب عددهم المائة ضابط.

Par maria
Ecrire un commentaire - Voir les commentaires - Recommander
Lundi 19 mai 2008

كيف طبق الاستعمار الحرب النفسية في الجزائر؟

       

الحرب النفسية أثناء حرب التحرير، هي تلك السياسة الشاملة، اقتصادية، سياسية إيديولوجية وعسكرية التي حاول الاستعمار أن يواجه بها، حركة التحرر الوطنية. لقد كان الهدف الأساسي للحرب الشاملة، بقاء الاستعمار وكانت كل الوسائل مجندة لتحقيق هذا الهدف، وجربت كلها: من المكتب الخامس والحركة... إلى القتل الجماعي، والإبادة الكلية. إذن هذه هي الحرب النفسية التي عرفها الشعب الجزائري خلال هذه الفترة:

بعد سنة واحدة فقط من اندلاع الثورة بدأ تعداد الجيش يرتفع بسرعة إذ استجيب لطلب الجنرالات لرفع تعداد الجيش، وبلغت هذه الزيادة سنة 1956، حسب تقدير المجاهد (شهر ماي 1956) 250 ألف عسكري وهو ما لا تعترف به المصادر الرسمية الفرنسية، ويقدر نفس المصدر القوات الفرنسية، ويقدر نفس المصدر القوات الفرنسية العاملة في الجزائر في تلك الفترة ب 500 ألف عسكري في مختلف الأسلحة. وإذا أضفنا لهذا العدد عدد الحركة والقومية، والمخزن والرصاص. فان تعداد القوات يصبح ما بين 735 ألف-800 ألف فرد ويمكن أن نقول أن الجيش كان في أعلى نسبته العددية في هذه السنة. إذ وصل عدد الضباط المؤطرين إلى 60 جنرالا، ومن 600 إلى 700 عقيد ومقدم، ومن 1300 الى 1500 رائد.

كل هذه الأعداد لا تجد معناها إلا بالمقارنة مع قيادة وقوات جيش التحرير الوطني مقسما إلى ست ولايات ويبلغ عدد رواده 18 رائد فقط، وكان من الصعب على الولايات الداخلية أن تحافظ على أفراد جيش التحرير تكونوا في الميدان، بينما في المقابل لهم قوة يتخرج أفرادها من المدارس والمعاهد العسكرية المشهورة والمعروفة. من هنا نستشف أن أول خطوة في السياسة الفرنسية كانت البحث عن الحسم العسكري، وبالتالي استعمال القوة ضد الجزائريين للتأثير على عقولهم وسلب إرادتهم ومنعهم من الحصول على مطلبهم المتمثل في الاستقلال الوطني.

وبالإضافة إلى أفراد الجيش الفرنسي، فإن المستعمرين  عملوا على إيجاد قوات محلية تعمل لصالحهم وتقوم بمهام لصالح الإستراتيجية الكولونيالية، وتكلف بهذا العمل أخصائيو النشاط النفسي، وتمكنوا عن طريق التعذيب، أو عن طريق القيام بأعمال قذرة، من أن يكسبوا لصالحهم بعض الأفراد من (الأهالي) الذين كونوا بهم جيوشا مضادة لجيش التحرير الوطني (لضرب العرب بالعرب) حسب نظريات جنرالات الحرب النفسية.


حرب الموجات الصوتي بين جيش التحرير الوطني

 والاستعمار الفرنسي

 

تعود فكرة إنشاء مصلحة المواصلات السلكية واللاسلكية  إبان الثورة التحريرية إلى تلك المحاولات الأولى التي سجلت قبل بداية الثورة أيام إنشاء المنظمة السرية وهذا لاقتناع أعضاء المنظمة بضرورة استعمال  أجهزة راديوسلكية ولا سلكية لتعقب العدو في كل تحركاته واكتشافه قبل أن يدرك الثور، والقيام بعمليات التنصت لمعرفة أكبر عدد ممكن في المعلومات عن العدو وعن المحيط الذي يتحرك فيه وحتى يتسنى ضربه بفعالية أكثر وبطريقة مبنية على أساس تخطيط محسوب ومدروس، وقد قيمت المنظمة السرية مسيرة كل الثورات الشعبية والحروب ابتداء من عام 1930 إلى غاية 1947 فأرجعت سبب فشلها إلى كونها لم تكن ثورات شاملة ولا تتوفر على وسائل الحرب الحديثة وعليه أدركت ضرورة إدخال جملة من الوسائل والأسلحة المتطورة وكانت أجهزة الإشارة في صدارة هذه الوسائل.

وقد أعطي الضوء  الأخضر للبحث عن هذه الوسائل والأجهزة بأي ثمن كان ابتداء من مؤتمر زدين بضواحي العطاف وهذا في ديسمبر 1948، ففي هذه المؤتمر طالب المؤتمرون بشراء أجهزة راديو لا سلكية من القوات الأمريكية المرابطة بالجزائر والتي كان مقر قيادة أركانها بفندق سان جورج (فندق الجزائر حاليا)، بالإضافة إلى شراء أسلحة أخرى.

لقد أسندت مهمة شراء الأسلحة وأجهزة الإرسال والاستقبال إلى السادة (رباح لخضر، بناي محمد، يوسفي محمد، آيت أحمد) وبعد أن تم شراء مجموعة من الأسلحة وأجهزة الراديوا اللاسلكية المختلفة نقلت إلى بيت السيد زرقاوي، ونشير هنا إلى أن الشهيد بلوزداد كان قد اشترى في نفس الفترة أسلحة من الحدود الجنوبية الشرقية للبلاد.

بعد تحويل تلك الأجهزة إلى بيتت صهر سويداني بوجمعة تم كشفها من طرف العدو وهكذا تم القضاء على هذه الفكرة في مهدها قبل أن تصل إلى المرحوم بوقارة وجماعته من الإخوان الذين كانوا ينتظرون وصولها لاستعمالها في جبال الوسط الجزائري.

عشية اندلاع ثورة التحرير المظفرة أصبحت الفكرة المتعلقة بتكوين مصلحة المواصلات  السلكية واللاسلكية قد نضجت أكثر، لكن الظروف الصعبة التي  رافقت بداية الثورة، حالت دون تمكين جيش التحرير من إنشاء هذه المصلحة التي كانت تحتاج إلى إطار متخصصين ووسائل من أجهزة  راديو وغيرها، ولكن رغم كل الصعاب بقيت الجهود منصبة ومستمرة، بل وبإلحاح اكثر على غاية مؤتمر الصومام اذي قرر بصفة نهائية الشروع في البحث عن أجهزة راديو سلكية ولاسلكية، أما الطرق التي سلكها المجاهدون لكسب هذه الأجهزة فهي عمليات الإغارة والكمائن التي كان يقوم بها المجاهدون إضافة إلى عمليات السطو على البيوت التي نصبها العدو بالغابات لحراساتها وإلى جانب هذا تم شراء كما أمكن من أجهزة الراديو السلكية واللاسلكية من القوات الأمريكية المرابطة في المغرب ودول أخرى. وهكذا وبعد مرور شهور قليلة وصلت أولى الأجهزة إلى جيش التحرير عن طريق المغرب اشترتها اللجنة المكلفة بتموين الثورة بالعتاد والأسلحة. والتي كان يرأسها في تلك الفترة المرحوم محمد بوضياف، وكانت الولاية الخامسة بقيادة الشهيد بن مهيدي وبوصوف والحاج عبد الله وهواري بومدين رحمهم الله، هي أولى الولايات التي وصلتها مثل هذه الأجهزة التي ساهمت في تشكيل النوات الأولى لمصلحة المواصلات السلكية واللاسلكية لثورة التحرير في هذه المنطقة للنشر بعد سنة فقط عبر كامل التراب الوطني كما سنرى بعد قليل.

فقد وصلت الولاية الخامس ثلاثة أجهزة من نوع (SCR-284) وهي اجهزة إرسال واستقبال من صنع أمريكي، والجدير بالذكر أن دخول الأجهزة تزامن مع دخول أربعة متخصصين جزائريين يعملون على هذه الأجهزة وهم (بوغرارة يوسف، سدايرية علي، علي البسكري، بولحرايق) الثلاثة الأخيرون نالوا الشهادة وقد عرفت المصلحة تدعيما للأفراد ابتداء من ماي 1956 وهو التاريخ الذي أضرب فيه الطلبة الجزائريون، والتحق عدد كبير منهم بصفوف جيش التحرير، وكان ذلك فرصة سائحة لتجنيدهم وتكوينهم في مختلف الأسلحة خاصة منها التقنية التي تحتاج إلى قاعدة علمية.

هذا زيادة على التحاق جماعة اخرى من العارفين بميدان المواصلات السلكية واللاسلكية بعد فرارهم من الجيش الفرنسي والتحاقهم بصفوف الثورة وهم: (ديب بومدين المدعو عبد المؤمن، تليجي علي، دكار بوعلام، حساني عبد الكريم، صدر سنوسي، خروبي عبد القادر) وهؤلاء كانوا بمثابة الإطارات الأولى لمصلحة المواصلات السلكية واللاسلكية بالناحية الغربية من الوطن (الولاية الخامسة)، وعلى أيديهم تخرجت الدفعات الأولى التي توزعت على كامل التراب الوطني بالإضافة إلى الدفعات التي تكونت فيما بعد الجهة الشرقية ابتداء من عام 1958.

لقد كانت مهمة مصلحة المواصلات السلكية واللاسلكية ةفي بداية ظهورها تقتصر على عمليات التصنت وجمع المعلومات المتاحة عبر شبكات العدو وفي الثامن من أوت 1956 دشنت أول مدرسة على الحدود الغربية لتكوين إطارات المواصلات السلكية واللاسلكية، بعدما أصبح لدى جيش التحرير بعض من أجهزة الإرسال والاستقبال. وكانت أول دفعت باشرت تربصها بالمدرسة متكونة من 26 طالب. وتخرجت بعد 45 يوما من التكوين. وسميت هذه الدفعة باسم الشهيد "أحمد زبانا" وقد تلقت تكوينا تقنيا للعمل على أجهزة الراديو في عملية التصنت ثم توالت دفعات أخرى في الناحية الغربية دائما، وابتداء من أواخر عام 1957 أصبحت لجيش التحرير على الحدود الشرقية محطات ومصلحة المواصلات السلكية واللاسلكية وهذا بعد وصول بعض من أجهزة الارسال والاستقبال والتحاق عاملين عليها بهذه القاعدة.

في أواخر عام 1956 تحصل جيش التحرير على 10 أجهزة من نوع (RCA/M) وهي أجهزة صممت خصيصا لبواخر الصيد، ونظرا لمردودها المحدود في الجيش أدخلت عليها تعديلات وأضيفت لها تقنيات أصبحت بموجبها أكثر فعالية على المناورة، ثم وزعت هذه الأجهزة على أماني مناطق تابعة للولاية الخامسة. 

  تبعد هذه المرحلة تم شراء ثلاثة أجهزة إرسال واستقبال نوع (ART/13) أمريكية الصنع، لكنها صممت لأغراض الطائرات العسكرية، والثورة حولتها لأغراض قوات المشاة واستعملتها كمحطات أرضية ثابتة بالقرب من مقر قيادة الولاية الخامسة وعلى الحدود الغربية، لتدعيم المحطات الأخرى لتشكل بالتالي شبكة اتصال هامة وقادرة على ربط جميع الوحدات القتالية لجيش التحرير بالقيادة العليا في الداخل والخارج، ومما زاد في نجاح هذه المحطات الأولى قلة مردوديتها هو غرور العدو واستصغاره لقدرات جيش التحرير، فلم يكن يتوقع أن جيش التحرير بإمكانه استعمال أجهزة استقبال سلكية ولاسلكية واستمر غروره إلى أن تكبل أكثر من مرة الخسائر المعتبرة في الأرواح والعتاد، مما جعله يعاود حسابه ويراجع الأطروحات التي كان قد وضعها من قبل.

بدأ العدو يبحث عن مراكز المحطات ويجند لها وسائل بشرية وتقنية هامة مثل طائرات مروحية ورجال المخابرات، ووسائل أخرى عسى أن يتوصل إلى أدنى المعلومات بكيفية تحصل جيش التحرير عن هذه الأجهزة ثم من يقوم باستغلالها وأين تدربوا؟

في أواخر عام 1957 وبداية 1958  وصلت مجموعة متن أجهزة الراديو اللاسلكية المتطورة من نوع (HAMARLUND-SP 600) لها من الخصائص الفنية ما يجعلها تحتل الصدارة في تلك الفترة وتضاهي أجهزة مصلحة الإشارة للعدو وابتداء من هذا التاريخ اصبح لدى جيش التحرير سلاح للإشارة بأتم معنى الكلمة، وقد لعبت هذه الأجهزة دورا رياديا أثناء الثورة، وللتذكير ان المرحوم زقار مسعود هو الذي قام بشراء هذه الأجهزة بالإضافة إلى جهازين آخرين للإرسال من نوع (ANGRC-38) قوتها 400 واط تشتغل بالبطاريات وهذان الجهازان هما اللذان فتحت بهما إذاعة الجزائر الحرة المكافحة صوت جبهة التحرير وجيش التحرير يخاطبكم من قلب الجزائر وهي الإذاعة التي بقيت تشتغل طيلة بقية سنوات الثورة، رغم أن العدو عمل كل ما في وسعه لتدميرها أكثر من مرة وقنبل مقرها ثلاث مرات باستمرار الأمر الذي صعب من ككشفها وأبطال عملها، وقد كانت تشتغل بثلاث لغت (عربية، أمازيغية، فرنسية). أما التقنيون العاملون عليها فهم إطارات جيش التحرير تابعين لمصلحة المواصلات السلكية واللاسلكية.

في القاعدة الشرقية ابتداء من أفريل 1957 وصلت أول محطة لفائءدة مصلحة المواصلات السلكية واللاسليكة هناك، رفقة جماعة من الإطارات العاملين على هذه المحطة نذكر منهم (شكيري عبد العزيز، زرقان محمد الصالح، السعودي... وآخرون)    هؤلاء يعودون النواة الأولى لهذه المصلحة في الناحية الشرقية، وقد وصل هؤلاء المجاهدون رفقة جهازي المحطة إلى مقر القاعدة الشرقية قادمين إليها من مصر.

وأقيمت محطة "قارة" على الحدود الشرقية للتنسيق والاتصال الدائم بالقاعدة الغربية، الأمر الذي سيعطي للاستراتيجية العسكرية الشامل بعد آخر مكنها من تحقيق العديد من الأهداف.

وفي الوقت الذي بدأت مصلحة المواصلات السلكية واللاسلكية تنتشر في القاعدة الشرقية كانت القاعدة الغربية قد أصبحت لها شبكة واسعة تغطي كل الولايات التاريخية التابعة لها وهذا بفضل الدفعات التي تخرجت من مدرسة التدريب والعدد الهائل من الأجهزة السلكية واللاسلكية بالإضافة إلى الإذاعة وخاصة بعد وصول جهاز الإرسال والاستقبال (ANGRC-9) الأكثر تطورا في ذلك الوقت سواء بالنسبة للأجهزة التي كانت بحوزة قوات المستعمر، إذ كان هذا الجهاز مستعملا بشكل واسع لدى قوات الحلف الأطلسي، ويعتبر جهازا عمليا لأنه صمم خصيصا لقوات المشاة، ويشتغل بالحركة لتوليد الكهرباء، ويمكن نقله بسهولة بواسطة ثلاثة أفراد، الأول يحمل الجهاز على الظهر والثاني يحمل المولد، والثالث الهوائيات وله مدى عملي هام يصل حتى 2000كم بطاقة تقدر بـ: 15 واط، وهو يعمل بالصوت والرموز المورس، وقد تمكنت قيادة الثورة الحصول على 50 جهاز من أوروبا، وبفضل هذا الجهاز تمكن المجاهدون بمصر من الاتصال بالقاعدة الغربية في الجزائر. وهذه خطوة حاسمة في تاريخ مصلحة المواصلات السلكية واللاسلكية أثناء ثورة التحرير ونظرا لأهمية هذا الجهاز العظيم الذي قدمه لثورة التحرير فقد أطلق عليه المجاهدون اسم "المجاهد الأكبر".

مع مطلع عام 1958 أصبحت الولايات الست مجهزة على الأقل بجهازين وفنيين عاملين على هذه الأجهزة لأن تكون الإطارات لم يتوقف في القاعدة الغربية وفي هذا التاريخ كانت أربع دفعات قد تخرجت من القاعدة الغربية ودفعة  أولى تخرجت من القاعدة الشرقية التي أنشأت هي الأخرى مركز تدريب لإطارات المواصلات السلكية واللاسلكية في تلك السنة وهذا مخطط للمصلحة على مستوى القاعدة الغربية عام 1957، 1958، 1959 ونفس المخطط يوجد بالقاعدة الشرقية.

Par maria
Ecrire un commentaire - Voir les commentaires - Recommander
Lundi 19 mai 2008

مبادئ الحرب النفسية الكولونيالية

 

انطلقت هذه المبادئ أولا من مفهومها للحرب الثورية، ويعتبر التقرير البرلماني المقدم إلى لجنة الدفاع الوطني (أفريل 1959) الذي يقول . "أن الحرب الثورية هي قبل كل شيء حرب نفسية، لأن هدفها ليس الاستيلاء على الأرض ولكن السيطرة على المعتقدات الخاصة للسكان ، وتعتمد في تحقيق هدفها على كل أنواع النشاطات المدنية والعسكرية" ويضيف التقرير: "أن نشاط الحرب النفسية يرتكز على نقطتين أساسيتين وبغيرهما لا يكون للعملية أي نجاح"

1-     إن الجزائر فرنسية ولا يمكن التخلي عنها أبدا.

2-     باستطاعتنا أن نحسم الوضع عسكريا لصالحنا.       

وبمعنى آخر إننا آخر إننا نريد أن يكون الحق والقوة من جهتنا ويضيف التقرير الميداني فيقول "في كل مرة حققنا فيها انتصارا عسكريا فإن السكان المحرومين من الخوف يأتون إلينا".

كما يضيف التقرير في تحليله للوضع العسكري. قائلا : إن الزمرة (جبهة التحرير الوطني)، والمنظمة السياسية الإدارية هما العنصران الرئيسيان للتمرد وتربطهما علاقة عضوية وبدون المنظمة "ج.ب.و" فإن الزمرة العسكرية مصيرها الاختناق، ودون الزمرة المسلحة فإن المنظمة "ج.ت.و" لا تستطيع أن تفرض نفسها على السكان.

وضمن هذا المنظور دائما يتعرض التقرير إلى الوضع الذي يعيشه السكان(الأهالي) ومنها حالات الضعف الإداري... وسنرى فيما بعد حالات الضعف الكولونيالية التي تكمن في المحتشدات والتجمعات... والتعذيب والقتل.

أما الرائد هوقار فيعتمد في وجهة نظره على ان السلاح النفسي هو وسيلة للرعب. "وأكثر  تأثير من السلاح النووي، وهو يتمثل في الدعية الشعبية والتهيج وغسل الدماغ" والمحاكمة الشعبية والتسميم بواسطة الإعجاب والنقد الذاتي... ويقول أيضا إن القاهرة  هي السبب الرئيسي للتمرد كما يرى (هوقار) ضرورة استعمال السكان الجزائريين لمواجهة المتمردين والقيام بعمليات ضدهم ليلا ونهارا بفضل المعلومات التي يتم الحصول عليها، "هكذا يتزعزع إحساسهم بالأمن لأن معنوياتهم ضعيفة، فالمحاصرة الاقتصادية تقلق المتمردين ويجب أن نضيف لها المناطق  المحرمة " ويقدم شروط النجاح في ثلاث نقاط هي:

1-     القضاء على وحدات العدو

2-     تحطيم المنظمة السياسية العسكرية

3-     ربح المعركة النفسية للسكان

أما المجلة العسكرية رقم 281 لشهر مارس وفيفري، والتي يكتب فيها عدد من العسكريين المتخصصين، فقد كتبت تقول "نتحدث عن استعمال الجماهير، عن الإرهاب الشامل، عن ضعف معنويات الوسائل السياسية العسكرية للعدو، وهذا بتفادي الحديث عن انتصاراتهم وخسائرهم (ج.ت.و). والتشكيك في نية قادتهم وتسميم المحايدين، وقتل العناصر النشيطة وكل العناصر القيادية والخطباء ورجال الدعاية والمتخصصون في قضايا معينة. يجب إدخال عناصر موالية، ثم مراقبة كل الأوساط الاجتماعية، ووضع شعارات تتماشى مع المرحلة، والإعادة المستمرة للتصريحات وإعادة أيضا نفس الموضوعات عن طريق المناشير ووسائل النشر، مع استقطاب الإعلام. ويوضع كل هذا على حساب العدو(أي جبهة التحرير الوطني) ".

ويتابع صاحب الموضوع قائلا إن مواجهة الحرب الثورية، يتم عن طريق القمع البوليسي والإداري والعسكري... والتدخل بواسطة بعض الميليشيات للدفاع الذاتي، والوحدات الإقليمية، ثم تجميع الاحتياطي الذكي والمتحرك لضمان الضربات القاضية وفي الأخير نمارس حرب الإبادة، وتجميع أغلبية السكان.

وذهب بعض المنظرين إلى الاستدلال بابن خلدون (دخلت هذه الطريق في التقاليد الكولونيالية منذ زمن بعيد) ليخرج من جعبته هذه المقولة العنصرية : "إذا لكم يكن العربي (الجزائري) على أربعة أرجل أمامك، فهو خلفك بسكين".

وأدى هذا التفكير (البحث فس كيفيات القضاء على الثورة، وما دامت ثورة شعب، فالقضاء على الشعب بأكمله إذا أمكن)، إلى بروز وتسويق أبشع النظريات في القتل والإبادة والقضاء على الثورة، وخرجة من أمخاخ المتخصصين هذه الطرق المتمثلة في "الدوب" و "الصاص" والتي كانت تعمل الأولى لإرهاب المواطن الجزائري والثانية لتدجينه وترويضه فكريا. هذان الجهازان يعملان بالتكامل: يعمل الصاص ، على التأثير العقائدي والأيديولوجي، بغرس الأفكار الكولونيالية، وفي  حال وجود عناصر غير قابلة أو صعبة التقبل للعمل العقائدي فإنها  تحال على (الدوب) على أساس أنها موالية لجيش أو لجبهة التحرير الوطني، لتمارس عليهم كل أنواع التعذيب للحصول على المعلومات، مهما كان الثمن، وكان الحصول على المعلومات هو أساس نشاط هذه المحتشدات إلى جانب العمل الدعائي أو الحرب النفسية.

فالعمل الدعائي يهدف إلى السيطرة على "عقول وأرواح" الجزائريين، وتقوم بهذه المهمة (مكبرات الصوت، الدعاية، والمناشير).(H.P.T) وهي وحدات متحركة تذهب إلى مراكز التجميع، أو السمن أو استدعاء السكان في البراري لإسماعهم "الكلمة الجميلة" وكانت مخابرات هذه الوحدات المتخصصة هي السجون التي مورست فيها عمليات "غسل الدماغ" وعمليات "الإقناع" والتعذيب والإعدام الاستعراضي وانتهاء  بخلق "ثورات مضادة" مسلحة كانت (الحركة والقومية، والدفاع الذاتي قوات معروفة وغير سرية وتعد  قوات إضافية للجيش الفرنسي).

ومن هذا العرض لمختلف الكتابات، والنظريات في مجال الحرب النفسية للسيطرة على العقل والإرادة، ومحاولة تحجيم العمل الثوري، نستطيع أن نستشف المبادئ الأساسية التي اعتمد عليها الاستعمار في إدارة الحرب النفسية. وقبل أن نتطرق إليها نلاحظ  بأن المنطلقات النظرية للاستعمار في إدارة الحرب النفسية. وقبل أن نتطرق إليها نلاحظ بأن المنطلقات النظرية للاستعمار تنطلق أساسا من عدم فهم عميق للثورة المسلحة. كل التحاليل ترى أن جيش التحرير يمارس ضغطا على هذا الشعب، وحسب منطق الاستعمار يؤدي حقا إلى القضاء على ثورة شعب، والجيش طليعة الشعب والجبهة هي أداته السياسية الإدارية.

المنطق الثاني : هو إبقاء الجزائر فرنسية مهما كلف ذلك.

وقد اعتمدت الحرب النفسية التي قام بها الاستعمار الفرنسي في الجزائر بالدرجة الأولى على العمل المعلوماتي وكانت لها الأسس التالية:

1-         إخلاء الريف من السكان بالترحيل الجماعي للفلاحين.

2-         الانتقام الدموي ممن يفرض الخضوع لهذه الإجراءات أو يتباطأ في التنفيذ.

3-         إنشاء الحصار بواسطة مراكز عسكرية، والمحتشدات والتجمعات.

4-         استعمال وسائل عديدة للدعاية والإقناع وغسل الدماغ الذي طال حتى القوات الفرنسية.

5-         عزل الجزائر أقصى ما يمكن، وغلقها، وتركها في يد المتخصصين النفسانيين وخادميهم.

6-          إدخال عملاء في صفوف جيش وجبهة التحرير الوطني، للقيام بمهام معلوماتية أو تخريبه (كسلم الأبطال، الانهزامية وغيرها).

7-         استعمال التزوير، الصحف، الرسائل، المناشير، والتقارير.

ونذكر من بين هذه الأعمال الثورة المضادة، كجيش بلحاج الملقب بكوبوس. الذي كان يجند الجزائريين على أساس أنه جيش التحرير الحقيقي، وبعد انكشاف حقيقته قتله أحد أفراد جيشه، قبل أن يلتحق كل أفراده بجيش التحرير الوطني ومعهم أسلحتهم التي منحهم إياها الجيش الفرنسي. وهناك تجارب أخرى (كجيش بلونيس) والتي انتهت كلها نهاية مأساوية. ولو ينجح الاستعمار في هذه المهمة ولم ينجح منظورو الحرب النفسية وأصحاب المكتب الثاني والمكتب الخامس.

هذه السياسة هي في الحقيقة، سياسة قامعة شاملة، في جوانبها العسكرية و السياسية والاقتصادية وكانت الإدارة الاستعمارية تعرض أما الرأي العام هذه الأعمال وكأنها محاولة لتغطية عجزها في المجال الإداري باعتبار أن مناطق كثيرة لا زالت دون المستوى الإداري المرغوب فيه. ولكنها في الحقيقة إحدى أوجه القمع التي لغت أوجهها خلال حرب التحرير وشارك فيها العسكريون والمدنيون على حد سواء. فالتعذيب أصبح نظاما قتاليا، بقوانينه، ونظمه ومنظريه وأخصائية الممارسين...

لقد دمرت القرى بكاملها، بسكانها، بأطفالها، ولم يبق لها أثر على الخريطة بعد قنبلتها بالنابالم، وبقيت أماكن طمر المئات من الشهداء غير المعروفة حتى الآن، ومقابر جماعية مجهولة أيضا، إلى جانب تهجير السكان ونقلهم من مكان إلى آخر. وتكديسهم في تجمعات سكانية وراء الأسلاك الشائكة، وحضر التجول في كل المدن، بعدما أصبحت الجزائر تعيش تحت أوامر السلطات الخاصة منذ 12 مارس 1956، وبعد تحصل (روبار لاكوست) الوزير القيم في الجزائر آنذاك على الممارسة السلطات الخاصة.

ويقول أحد المظللين من الذين عملوا بالجزائر إبان حرب التحرير: "إننا نطلق النار وسط الجماهير، حسب ما نرى نحن. وكلما نتقدم نكتشف الجثث..قائد الكتيبة أعطى الأمر في آخر الأمر، على أن نطلق النار على أي عربي نلتقي به بعد السابعة مساء. وفي السادسة صباحا من اليوم التالي، نجد أمامنا المئات من المسجونين(...) الذين كنا نضع كل الأسلحة أمامه، فكانوا يبدو ان في الصراخ فنطلق النار عليهم وبعد عشرة دقائق ينتهي كل شيء...إنه عدد كاف لدفنهم بالجرافة.

من العاشر ماي 1956 إلى جوان 1956 تمت قنبلة 18 قرية في منطقة الصومام، كما هو الأمر في العديد من مناطق القطر الجزائري.

في المحتشدات كالصاص، يقول أحد الضباط "في أحد الأيام فقعنا كبد أحد المسجونين، ثم تأكدنا من براءته، وهناك مثل آخر يأتي في قودار.Godar منظر الحرب الثورية المضادة، وعرض الجثث في الشوارع. ولقد وصل إلى حد قتل أحد أفراد العائلة ثم تسمير جثته على باب بيت العائلة. حصل هذا إبان "معركة الجزائر". وتوصلت السلطات الاستعمارية في تعالمها مع الثوار إلى إرغامهم بعد سلسلة من التعذيب على إفشاء الأسرار، مع تهديدهم في حالة رفضهم بالانتقام من عائلاتهم...الكثير من الثوار أخذوا سرهم معهم إلى القبر، بعد سلسلة التعذيب، والبعض استطاع أن يعبر الامتحان بشجاعة قلما نشاهد مثلها في التاريخ.

هذه هي سياسة المكاتب الصاص الذي ينعته التقرير كالتالي"الصاص موجه ولمدة طويلة، ليجسد في البلاد الواقع الملموس، لفرنسا ونؤكد أن هذه المكاتب تظهر لأول مرة في الكثير من المناطق".

ويأمل التقرير أن تعمم هذه العملية حتى تشمل كل حي من أحياء المدن والقرى وعن ذلك يضيف التقرير، (هو الشكل المستقبلي ويمكن أن يضمن في المستقبل الانتقال من الشكل العسكري الإداري إلى الشكل الذي تصبح فيه الجزائر تدار كمقاطعة فرنسية حديثة، والذي نتمنى أن يكون قريبا).

كل هذه الأعمال تهدف إلى وضع الشعب وراء الأسلاك الشائكة وعزله عن الثوار ومراقبته والتحكم فيه. مع القيام بالعمل الدعائي للسيطرة على عقول الناس. بعدما تمت السيطرة على الأجساد.

فالمناطق المحرمة، والصاص، والصاوو، والدوب، ومراكز التعذيب والاستخبارات، ليست لتدارك نقص التأطير الإداري بل هدفه النيل  من إرادة هذا الشعب وتدجينه وقد أنجزت المناطق المحرمة بطريقتين: إما بعد عمليات عسكرية واسعة، يكون لها تأثير كبير لجيش وجبهة التحرير فيتم إخلاء المنطقة في الحين دون سابق إنذار إداري أو إشعار للمواطنين.

الطريقة الثانية تتمثل في تحضير المناطق المحرمة في المكاتب الأركان العامة للجيش الفرنسي في مكاتب الأركان العامة للجيش الفرنسي بعد تفحص للوضعية على اثر العمليات العسكرية، التي كان يقوم بها جيش التحرير الوطني وتعلن هذه المناطق محرمة، بعد إنذار غير كاف للسكان بمغادرتها، وعادة ما كان يعلن الجيش الفرنسي هذه المناطق محرمة بعد صعوبات السيطرة والحسم العسكري مع جيش التحرير الوطني وهذه العملية تسهل عليه التنقل في الجبال و المناطق الصعبة. وتوسعت العملية حتى شملت  تقريبا كل الأماكن الجبلية والهضاب العليا. وقلصت من نشاط الرحل في هذه المناطق، وبقيت آثارها حتى بعد الاستقلال.

أدى إنشاء المناطق المحرمة على تهجير آلاف العائلات باتجاه أربع مناطق: مراكز التجميع، المدن، المناطق الحدودية (الشرقية والغربية). وتقع مراكز التجميع بالقرب من مركز عسكري، وتحيط بها الأسلاك الشائكة، أو تكون داخل الخطوط المكهربة على امتداد الحدود بالقرب من مركز عسكري. وعلى إثر هذه السياسة ترك الفلاحون أراضيهم وماشيتهم، يأخذها المستعمر، ليعيش من الصدقة التي تقدمها الغدارة الفرنسية وقد كان لهذه المراكز تأثير مدمر على صحة الجزائريين مما أدى إلى ارتفاع عدد المرضى والوفيات.

وصل عدد الجزائريين في مراكز التجميع سنة 1960إلى 2.175.000 أي ما يعادل ربع ¼ السكان، 3 ملايين مهاجرين من أراضيهم نحو مناطق أخرى.أي ½ السكان تم ترحيلهم..إنه اكبر تنقل بشري عرفه التاريخ !! .

الحواجز الحدودية والخطوط المكهربة

بناء الخطوط المكهربة كخط شارل وموريس. وتدخل هذه العملية ضمن إطار عول الثورة عن الخارج واثر هجومات جيش التحرير سنوات 1955 –1956 ، بدا الاستعمار يحس بالخطر و أدرك أهمية تمويل جيش التحرير بالسلاح والأفراد المدربين المتسللين عبر الحدود. وبدأ أول خط في شهر أوت 1956 على امتداد 200 كلم قام بإنجازه الوزير أندري موريس صاحب شركة إنتاج الأسلاك  الشائكة. 

وفي شهر ديسمبر 1956، بعد أن زار (سالان )الخط جاءته فكرة إنشاء خط مماثل في الحدود الشرقية وشرع فيه سنة 1957 وانتهت أشغال الخطين سنة 1959.

الهدف من إنجاز الخطين.

1-                                       مراقبة كل مرور الأشخاص أو السلاح ومنعهما في حالة حدوث ذلك.

2-                                       حماية السكك الحديدية التي تسير موازاة  مع الحدود وفي بعض المناطق التي تنقل المواد الخام أو السلام.

ففي الغرب يحمي الخط المكهرب الملغم، الخط الحديدي الذي يربط بين مشرية وبشار القادم من وهران.

 والخطوط المجهزة بمراكز مراقبة ورادارات وأضواء كاشفة فوق الآليات المجنرة والطائرات.

وقد أطلق أحد الاختصاصيين النفسانيين على هذه الخطوط اسم "سدود الموت" .

طول الخط الشرقي حوالي 460 كلم، لقرب المناطق الصحراوية من العتاد، خاصة لحراسة الحدود. وصل عدد الجيش بالخطوط 80 ألف عسكري بضعة دائمة. وهي من "وحدات النخبة" ورغم هذا فإن جيش التحرير طور أساليبه وأصبح يخترق هذه الخطوط رغم  كل الأخطار والصعوبات.

   جندت كل الوسائل، عسكرية، سياسية، إدارية، اقتصادية، وأنشأت الجيوش الموازية وخلقت الثورات المضادة وأنتجت النزريات العسكرية، النفسية وحاصرت كل البلاد بالأسلاك الشائكة (مع أننا لم نتطرق للقوات البحرية وتطويرها لحراسة المخارج البحرية ولم نتحدث عن الصحراء ومعاركها) ورغم كل هذا العدد الهائل من القوات الفرنسية ومن العتاد المتطور جدا. لم تدخل الآلة النفسية إلى نفوس الفلاحين الجزائريين، ولم تنل من عزيمة الثوار بل إلى تحقيق طموحاته و أهدافه، فهم أن ما أخذ بالقوة لا يستعاد إلا بالقوة وكانت الملحمة الكبرى في التاريخ المعاصر.


Par maria
Ecrire un commentaire - Voir les commentaires - Recommander

Présentation

  • : Le blog de mokhtari
  • mokhtari
  • : Actualité
  • : . إلى نواة القاعدة في شمال إفريقيا ؟gspc.لمادا تحولت. الجماعات الإسلامية في بلدان المغرب تدربت في الجزائر عناصر اللون الافريقي للقاعدة،ولغز الفرنسي ريشارد روبار الملقب بالأمير ذو العيون الزرقاء الأزمة الا منية التي عاشتها الجزائر مند بداية عام 1990 جعلت منها محطة انطار الكثير من التنظيمات الإسلامية المخترقة من طرف اجهزة المخابرات الغربية وعلى رأسها السي أي جماعات مسلحة تبنت العمل المسلح للإسقاط ا انطمة الحكم في البلدان العربية و الإسلامية حيث اصبحت منطقة المغرب العربي بعد
  • Recommander ce blog
  • Retour à la page d'accueil
  • Contact

Créer un Blog

Recherche

Calendrier

Novembre 2009
L M M J V S D
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30            
<< < > >>
Créer un blog sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus - Articles les plus commentés