Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

/الجزء الاول/ المخططات السرية الفرنسية لغزو الجزائر/خلفيات الصراع الجزائري أوروبي الأمريكي في البحر الأبيض المتوسط /30 دولة أوروبية تتبنت خطة القضاء على " دولة الجزائر /مخابرات الثورة اخترقت حكومة ديغول وجندت وزارء ه

 

 

روح المقاومة عقيدة جزائرية مند الآلاف السنين   

المخططات السرية  الفرنسية  لغزو الجزائر

عام  1571 ،عام 1664 ، عام 1802،عام 1808،عام1809   

خلفيات الصراع الجزائري أوروبي الأمريكي في البحر الأبيض المتوسط

30 دولة أوروبية  تتبنت  خطة   القضاء على " دولة الجزائر

مشاة الموت و الطوابير الجهنمية وراء إبادة ملايين الجزائريين

 المؤرخ الفرنسي جاك جوركي ّ ان فرنسا أبادت 10 مليون جزائريّ

مخابرات الثورة اخترقت حكومة ديغول وجندت وزارء ه

 اول بازوكا جزائرية صنعت في معاقل الثورة

جنرال في الحلف الأطلسي عميل جنده بوصوف  لصالح الثورة

عبد الحفيظ  جمع 8 مليارات  فرنك لصالح الثورة

عبد الحفيظ بوصوف هواري بومدين رشيد كازا عبد العزيز بوتفليقة

في مهام مستحيلة ضد أجهزة مخابرات الاستعمار

عبد الحفيظ بوصوف   قال عن بوتفليقة   "هدا الشاب سيكون له شان عظيم"

 

7360مليار فرنك فرنسي  خسائر الاستعمار الفرنسي الأوروبي في الجزائر

بين 1954 و1962

36 عقيد جزائري في مواجهة 60 جنرال و700 عقيد فرنسي

الثورة الجزائرية  أسقطت ثماني  حكومات فرنسية   

  

مقدمة

الجزائر في مواجهة الاستعمارات الخارجية

روح المقاومة عقيدة جزائرية مند الآلاف السنين   

تاريخ مقاومة الشعب الجزائري  ضد محاولات  غزو بلاده تمتد الى الالاف السنين  فمند  عهد الاستعمار الروماني  وصولا الى  فترة  الاحتلال الأوربي الفرنسي الصليبي  لم يرضخ ابناء المحروسة لشتى انواع الهيمنة الخارجية فخلال 132 سنة خاض الجزائريون اكثر من 19 ثورة   لاقتلاع  جدور  الاستعمار الفرنسي الأوروبي  من أرضهم أخرها كانت ثورة أول نوفمبر العظيمة

ثورة كان لها الفضل في  التصدي     لسياسة الأرض المحروقة والإبادة الجماعية ، التى تبنها المستوطنون الأوربيون  بقيادة فرنسة الاستعمارية طيلة   مائة واثنين وثلاثون عاما  .  ورغم قلة الإمكانيات الحربية  وقوة المستعمر الا   ان عبقرية  ابطال نوفمبر  تمكنوا من  بناء   جيش تحرير ي   استطاع  في ظرف سبعة سنوات ونصف  الانتصار على الاستعمار الفرنسي المدعم من طرف دول اوروبا والحلف الأطلسي.

أرض الجزائر كانت  قبل الاحتلال الأوروبي الفرنسي  ،محل أطماع الكثير من الدول وعلى رأسهم فرنسا ،اسبانيا ،أمريكا ، وبريطانيا ، حيث كانت هده الدول  طيلة ثلاثة قرون   تعد  الخطط  السرية للقضاء على الدولة الجزائرية ،التي كانت أقوى دولة في البحر الأبيض المتوسط بفضل أسطولها البحري،  أسطول كان له الفضل في إحباط محاولات الغزو التي قامت بها  فرنسا  ومعها دول اروروبا وأمريكا ..

 قبل نجاح فرنسا في احتلال الجزائر كانت هده الاخيرة قد  تعرضت  في بداية القرن ال 16 م  للعديد من الحملات العسكرية   الازروبية    كحملات بيدرونا فاروا على المرسى الكبير  سنة  1505 م ومسرغين   عام1507 م  ووهران  سنة  1509 م  وبجاية  سنة 1510 م  وعنابة  سنة  1510 م .    كما   تعرضت مدينة الجزائر لوحدها لعدة حملات     كحملة ديبقود وفيرا   عام 1516 م.  و حملة دون هوغور ومونكار   عام 1519 م.  و حملة شرلكان الكبرى الفاشلة   عام 1541 م، التي باركها وأيدها البابا بول الثالث واشترك فيها قراصنة إيطاليا وصقلية وفرسان مالطة.   حملة البابا بيوس الرابع الصليبية   عام 1555 م و 1560 م التي اشترك فيها فرسان مالطة و نائب ملك نابلي، وقادها نائب ملك صقلية الدوق دومدنيا  و حملة أندري دوريا على مدينة شرشال عام 1531 م     غارة خوان قسكون الإسباني ضد مدينة الجزائر عام 1567 م بمساعدة وتأييد ملك إسبانيا. ،  الحملة الصليبية الضخمة ضد الجزائر العاصمة عام 1601 م التي اشتركت فيها قوات البابا، وجنوده، ونابلي والطوسكانة.

 

  الجزائر شكلت أكبر هدف لمعظم الحملات العسكرية التي قادها أباطرة وملوك وأمراء وقراصنة الأوروبيين من أمثال شارلكان الإسباني،  الكاردينال كزيمنس الطليطلي،  وأندري دوريا الجنوي، وقد  تزعم هذه الحركة البرتغال وإسبانيا، تحت  شعار ضرب المسلمين في شمال غرب أفريقيا وهي الجزائر ، منعا للقرصنة التي كان يقوم بها المسلمون حسب ادعاءاتهم على الشواطئ الأطلسية والمتوسط. ويظهر من خلال هذا الشعار، قوة الدافع الديني إلى جانب الدافع الاقتصادي، وقد سيطرت  الروح الصليبية على حاكم أرغون  المسمى فرديناند  وحاكمة قشتالة  المدعوة  إيزابيلا  حيث بديا أكثر تعصبا و تأججا من صليبية القرن ال 11 م ،  ولإنجاح الغزوات الصليبية على الجزائر قام البابوات بتقديم وعودا للبحارة الذين يشاركون  فيها  بالفوز بالجنة، هؤلاء  كانوا  يمضون  بمرافقة رجال الدين  لنشر الكاثوليكية  في الاماكن التى يتم استبطانها  ،في هدا الشأن صدرت خلال  السنوات 1447 م 1455 م، 1456 م، 1493 م ،عدة مراسيم  من  من بينها مرسوم  البابا نيقولا ال 5، كالسين ال 3، اسكندر ال 6   كلها  تشجع على المضي قدما لغزو الجزائر وبلاد شمال إفريقيا    وقد اصدر   البابا نيقولا ال 5  أمرا الى الأمير  هنري يمنحه الحق في السيطرة على جميع البلاد التي تخضع للمسلمين  قائلا له (إن سرورنا لعظيم أن نعلم أن ولدنا العزيز هنري أمير البرتغال قد سار في خطى أبيه الملك جون بوصفه جنديا قديرا من جنود المسيح ليقضي على أعداء الله وأعداء المسيح من المسلمين والكفرة.) ،  

 الجزائر التى حاولت فرنسا الاستعمارية محو تاريخها الحضاري من الوجود كتب عنها  ألبرت فرحات  في مذكرة صغيرة   جاء فيها "ان  « اسم «الجزائر» بالفرنسية «Alger» والذي ينطق "ألجي" مشتق من الكتالانية «Alguère» وهو بدوره مشتق من «الجزاير» (جزاير بني مزغنة) وهو الاسم الذي أطلقه عليها بولوغين ابن زيري مؤسس الدولة الزيرية عند بنائها سنة 960 ميلادية على أنقاض المدينة الرومانية القديمة التي كانت تحمل اسم إكوزيوم «Icosium» ويشير الاسم إلى الجزر التي كانت قبالة ميناء الجزائر في تلك الحقبة والتي تم دمجها فيما بعد بالرصيف الحالي للميناء.

مصطلح جزيرة وفقا لجغرافيي المسلمين العصور الوسطى يمكن أن يشير إلى الساحل الخصب للجزائر الحالية  الواقع بين الصحراء الكبرى والبحر الأبيض المتوسط.

من أوائل من أشار إليها باسم جزائر بني مزغنة الجغرافي المسلم أبو القاسم إبراهيم محمد الكرخي وذلك في أوائل القرن الرابع الهجري، فقال :« وجزائر بني مزغنة مدينة عامرة يحف بها طوائف من البربر، وهي من الخصب والسعة على غاية ما تكون المدن». 

 وقد وصفها أبو القاسم محمد بن حوقل عندما زارها في عهد بلكين  حوالي سنة 337 هـ فقال :« وجزائر بني مزغنة مدينة عليها سور في نحو البحر، وفيها أسواق كثيرة ولها عيون على البحر طيبة، وشربهم منها، ولها بادية كبيرة، وجبال فيها قبائل من البربر كبيرة، وأكثر المواشي من البقر والغنم سائمة في الجبال ولهم من العسل ما يجهز عنهم والسمن والتين ما يقع به وبغيره، من هذه الأسباب الجهاز إلى القيروان وغيرها، ولهم جزيرة تحاذيها في البحر إذا نزل بهم عدو لجأوا إليها، فكانوا بها في منعة وأمن» في ذات السياق ذكر الجغرافي الأندلسي الشهير أبو عبيد البكري في كتابه المسالك والممالك  الذي وصف فيه  شمال أفريقيا  في الفصل الذي يتحدث عن الطريق بين آشير وجزاير بني مزغنة حوالي 1068م  أي حوالي ستة قرون قبل وصول الأتراك «....وهي مدينة جليلة قديمة البنيان، فيها آثار للأول وأزاج محكمة تدل على أنها كانت دار ملك لسالف الأمم».  

في عام 202 قبل الميلاد أ وقعت الجزائر  تحت الهيمنة الرومانية   اثر حلف  وقغ بين سكيبيو الإفريقي وماسينيسا ضد قرطاج ، وغير اسمها من ايكوسيم بالفينيقية إلى اللاتينية ليصبح اٍيكوسيوم  « جزيرة النورس »  تحت حكم يوبا الأول وبطليموس. حاول بطليموس الموريطني أن يسيطر على قبائل مغراوة الأمازيغية المتواجدة بكثرة في محيط إكوسيوم فقام بنقل جزء منهم إلى الشلف  وحارب المقاومين البربر الذين أثارهم تاكفاريناس.  

بعد تاكفاريناس قام البربري فيرموس  خلال  القرن الرابع الميلادي بتحطيم إكوسيوم بمساعدة جميع القبائل البربرية التي  كانت تعيش في الجبال المحيطة  بالمدينة .

حوالى القرن الخامس الميلادي تم إدخال المسيحية إلى إكوسيوم، و في عام 429 م سقطت المدينة تحت سيطرة الوندال أثناء غزوهم لشمال أفريقيا وظلوا فيها حتى عام 442 م حيث ثم عقد معاهدة سمحت لروما باسترجاع اِيكوسيوم وهذا لمدة 100 سنة التي ظل فيها الونذال بالجزائر ،و بعد عام  533 م   سيطر عليها البيزنطيون  الدين هوجموا من قبل قبائل البربر.

أدخلت الفتوحات الإسلامية الإسلام إلى شمال أفريقيا خلال عام 710م ، في ذلك الوقت كانت المدينة خاضعة لحكم سلالة المغراويون الزناتة ، وقتها   كان زيري بن مناد الصنهاجي موالياً للفاطميين وقد أثبت شجاعته لهم عندما فاز على بربر الزناتة الخوارج  مغراوة، بنو يفرن...  ، بعد وفات أبو يزيد استولى زيري بن مناد على المنطقة الوسطى وأسس آشير عاصمة للزيريين.

بحسب ابن خلدون فان  منطقة الجزائر كان يسكنها صنهاجة مع حكم سلالة الزيريين  و هم من أوائل الصنهاجيين الدين  احتلوا مناطق المسيلة، المدية والجزائر   ، بولوغين بن زيري وبتصريح من أبيه زيري بن مناد قام بتأسيس ثلاث مدن هي جزاير بني مزغنة، المدية ومليانة   بعد طرد الزناتة ، حيث قام بولوغين بن زيري بإعادة بناء إكوسيوم في منتصف القرن العاشر  وذلك من خلال تحصين وتوسيع الموقع الذي كانت تحتله قبائل بني مزغنة وسماها جزاير بني مزغنة سنة 960م.  

في وقت مبكر من عام  1302م  كانت أسبانيا تحتل جزيرة الصخرة أمام ميناء الجزائر ،   ورغم دلك  كان هناك قدرا كبيرا من التجارة التي بدأت في التدفق بين الجزائر وأسبانيا  التى كانت تعتبر  الجزائر ، ذات أهمية ضئيلة نسبيا حتى بعد طرد الموريسكيين من إسبانيا  خلال عام 1492 م .

خلال  عام 1510 حاصر الأسبان مدينة  الجزائر وبنوا حصنا على جزيرة صغيرة تقع  في خليجها وهي  جزيرة بينون  فقصفوها  ومنعوا الإمدادات عنها ، فقام خلال عام 1516 سالم بن تومي قائد بني مزغنة  بطلب   المساعدة من الأتراك . 

عندما كانت المدينة تحت المظلة  العثمانية كانت محاطة بسور من جميع الأطراف و على طول الواجهة البحرية و كان يوجد في هذا السور خمسة أبواب تسمح بولوج المدينة وخمسة طرق واحد من من كل باب تعبر المدينة حتى تلتقي أمام مسجد كتشاوة ، الطريق الرئيسي بالمدينة يمتد من الشمال إلى الجنوب ليقسمها إلى قسمين ،  المدينة العليا (آل-جبل، أو 'الجبل') و تتألف من حوالي خمسين حارة صغيرة من الأندلسيين، اليهود، المور والقبائل.  المدينة المنخفضة (الوطاء، أو 'الأرض المنبسطة')  وهي المركز الإداري والعسكري والتجاري للمدينة، يسكنها غالبية من الشخصيات التركية وغيرها من أسر الطبقة العليا. في  عام 1556 شيدت قلعة في أعلى مكان من السور    

 ان  ظهور الإنسان الجزائري يعود الى 600 ألف سنة كما دلت عليه     الرسوم التي اكتشفت بنواحي تاسليي  ،الهقار  ، كسور ومناطق أخرى ،حيث كان   سكّان شمال  افريقيا   يلقبون بالبربر ،  توزعوا  على بلاد المغرب الكبير ، وأول  تنظيم دولي لهم، وإن كانت دولة عابرة، كان في أيام الحروب البونيقية  بين قرطاجة والرومان وذلك في القرن الثالث قبل الميلاد.

 بعدها  تمكن  الفينيقيون  من السيطرة  على التجارة الداخلية والخارجية لسواحل البحر المتوسط، و  أنشئوا محطات تجارية، كان  من أبرزها قرطاجنة في  عام 814 ق.م  التي أقيمت على  الساحل التونسي. وقد امتد نفوذ قرطاجنة ليصل إلى غاية السواحل الجزائرية، فأسسوا بها مدناً ساحلية  ، كبجاية وتنس وشرشال وهيبون (عنابه)، جيجل ووهران.

الفينيقيون هم أمة سامية من ولد كنعان بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام كانوا مستقرين بجزيرة العرب وارتحلوا بعد ذلك إلى الشام مع إخوانهم ليستقروا بفينيقيا، أرض لبنان الحالية وجزء من سوريا وفلسطين،  فأصبحت  الشام يطلق عليها أرض كنعان وهم العرب في نسبهم ووطنهم.     

 

بعد انتهاء الاحتلال الروماني لبلاد المغرب العربي ، خلفه الاحتلال الوندالي الدي  دام من  عام 429 م إلى غاية عام 534 م، حيث دخلوا من الجهة الغربية للمغرب عبر مضيق جبل طارق، وزحفوا حتى وصلوا إلى قرطاجة  فاستقروا هناك  ، قاموا بإعمال تخريبية كبيرة و استولواعلى  الأراضي الخصبة ، وعاملوا المغاربة بوحشية كبيرة .

 تمكن المغاربة في ظل الحكم الوندالي من إنشاء إمارات ، كمملكة التافنة  التى امتدت من الشلف إلى ملوية، مملكة الحضنة  شملت منطقة التيطري، مملكة الاوراس شملت الشمال الشرقي من الجزائر  ،وانتهى الحكم الوندالي بالمغرب سنة 534 م على يد البيزنطيين لتبقى الجزائر تحت حكم الاحتلال البيزنطي  الى غاية  عصر الفتوحات الإسلامية.

 

خلفيات الصراع الجزائري أوروبي الأمريكي في البحر الأبيض المتوسط

  أن الوضع الجغرافي للجزائر ودول شمال إفريقيا  و دول جنوب أوروبا في غرب البحر الأبيض ، جعل من المحتم أن تدخل هذه المنطقة في صراع عنيف من أجل السيطرة والنفوذ ، في مضايق جبل طارق وصقلية     ومع منتصف القرن الخامس أصبح واضحا أن ميزان القوي، أصبح يرجح نحو جهة جديدة  ففي غرب البحر الأبيض رجح لصالح أسبانيا والبرتغال ضد الأندلسيين (المور)، وفي شرقه رجح لصالح العثمانيين ضد النمساويين. 

  مع نهاية القرن 15 نجح الأسبانيون مع  البرتغاليون في طرد الأندلسيين من شبه جزيرة إيبيريا،  مما اضطروهم  لنزوح إلى الجزائر ودول  إفريقيا الشمالية.  الأسبانيين لم يتوقفوا عند ذلك، بل إستهدفوا إحتلال إفريقيا الشمالية  ،   فأصبحت  مواني ومدن سبتة،  وهران،  الجزائر،  تونس، وطرابلس  كلها مهددة بالتوسع الأسباني ، الأسبان لم يكونوا وحدهم في هذا الصراع ،  بل تلقوا التأييد من طرف البرتغاليين، وأهالي جنوا، ونابولي، وسردينيا، و فرق  أخرى من الأمبراطوية المقدسة ،لذلك كان الوضع يبدو ميؤوسا منه في نظر أهالي إفريقية الشمالية الدين  طلبوا من الدولة العثمانية أن تتحالف معهم لطرد الأجانب من بلادهم فتحالفت الجزائر سنة 1516 مع الدولة العثمانية ،ا لتلتحق بعدها كل من تونس وطرابلس ، أما المغرب  فلم تدخل في تحالف رسمي  ولكنها تعاونت  بدلا من ذلك  مع جيرانها.

  فقضية القرصنة التي ألصقت بدول إفريقيا الشمالية(المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا) ، كان وراءها  الكتاب الأوروبيون  والأمريكيون  ،  بدأت مند سنة 1516 حيث إتبعها أهالي المنطقة للدفاع عن حقوقهم حفظا  لتوزان القوى،  ولكن هؤلاء  الكتاب  ، نسوا أن معظم الدول الأوروبية في ذلك الوقت كانت تتبع نفس السياسة في العالم الجديد، وفي جنوب شرق آسيا، وفي البحر الأبيض، ولم تتغير سياسة هذه الدول في الحقيقة  الا  بعد مؤتمر فيينا سنة 1815 .

  عوامل كثيرة ساهمت في خلق الصراع في غرب البحر الأبيض خلال أكثر من ثلاثة قرون ،  وكان  العامل الديني  أقواها جميعا. فالأندلسيون كانوا قد طردوا من الأندلس باسم قضية دينية ،اين لعبت الكنيسة  دورا هاما في استمرار الصراع من الطرفين ، النسما هي أيضا  أعلنت  شبه حرب مقدسة ضد تقدم العثمانيين في وسط أروبا،   ومرة أخرى أظهرت الكنيسة  تأثيرها في توجيه ميزان القوى.

 بالإضافة الى العامل الديني كانت هناك المنافسات التجارية بين الدول المعنية، وقد كانت مضايف جبل طارق وصقلية مركزا للنزاع فكل من يبسط نفوذه على هذه المضايق يضمن لنفسه السلطة في المنطقة. وبالإضافة الى ذلك فإن كل من  موانيء الجزائر،  طنجة،  تونس،  مارسيليا، وجنوا كانت هامة بدرجة كبيرة. أما في شرق البحر الأبيض فإن مضايق الدردنيل، وجزر البحر الأدرياتيكي، والخليج الفارسي كانت كلها أسبابا أخرى للنزاع ،وقد ظهرت المنافسات التجارية في عدة أشكال،   أكثرها وضوحا هي  التنازلات  أو الإتفاق بين فرنسا وتركيا، والشركات الشرقية،  بالإضافة إلى  عدد آخر من المشاريع التجارية التي كونتها الدول الأوروبية في منطقة إفريقيا الشمالية.

 الولايات المتحدة  لم تشارك في هذا الصراع الا بعد حصولها على الاستقلال ،فعندما كانت بريطانيا هي السيدة في أمريكا الشمالية كانت هي التي تحمي المصالح التجارية في منطقة البحر الأبيض  نظرا لتفاهم  هده الاخيرة في تفاهم مع الجزائر خاصة و دول إفريقيا الشمالية عامة  ،حيث  كانت تتمتع بإمتيازات عظيمة ،   بعد سنة 1776 كان على الولايات المتحدة أن تتولى مسؤوليتها بنفسها، لان معظم الدول الأوروبية كانت تتمتع  بعلاقات ودية مع دول إفريقيا الشمالية، ولاسيما بريطانيا، وفرنسا، وهولاندا، والدول الإسكندينافية، في هدا الشأن  كشف   الكاتب أرفينغ   علاقة بريطانيا بكل من مستعمراتها في أمريكا الشمالية ودول إفريقية الشمالية   فائلا

 "إن سياسة بريطانيا في غرب البحر الأبيض... كانت بشكل واضح في صالح مستعمراتها (يقصد الولايات المتحدة)، فقد أعطتها (إلى المستعمرات) قاعدة سياسية لتجارة مربحة، كما أنها قد سمحت لها بتفادي دفع

  الجزية، ثم أنها قد أمنتها وحمتها وجعلتها تتمتع بوضع لا تتمتع به إلا الأمم الأوروبية ذات الامتيازات الخاصة "

 بخصوص  المفاوضات المباشرة  مع  الجزائر،  بذلت أمريكا جهود ا كبيرة  لكي تحافظ على علاقات ودية مع العضو الجديد في مسرح النزاع وهي الجزائر ،  و نتيجة لعوامل أخرى أعترف بها  أرفينغ نفسه، ظهرت الصعوبات على السطح وأصبح النزاع ضروريا   بسبب

1 ـ بطء اتخاذ القرارات الأمريكية  مثلا أن المعاهد التي جرت المفاوضة بشأنها في الجزائر سنة 1815 لم تصادق عليها الولايات المتحدة سوى سنة 1822  .

2 ـ النقص في تنسيق الاتصالات، فالرسالة قد تأخذ شهرين قبل أن تصل الطرف الآخر، بل أن بعض الرسائل قد ضاعت نتيجة لضياع إحدى السفن أو إلقاء القبض على حاملها   .

3 ـ تقص المعلومات عن الشعوب والبلاد المعنية ، فهناك رجل مغربي متدين قد إقنع رئيس دولته، لكي يوقع معاهدة مع وفد أمريكي، بأن الدين في الولايات المتحدة كان هو نفس الدين في المغرب.

 بالإضافة الى ذلك فإن الممثلين  الأمريكيين ولاسيما خلال العقدين التاليين لإستقلال الولايات المتحدة، لم يكونوا مطلعين على الوجهة الثقافية والتجارية والسياسية  للجزائر التى أعتاد حكامها   أن يشيروا الى الرئيس الأمريكي على أنه أمبراطور أمريكا.

  الدول الأوروبية لم تكن مستعدة لمساعدة الولايات المتحدة في علاقاتها مع  الجزائر ، فقد رفضت بريطانيا أن تحمي مصالح أمريكا أثناء حرب عام 1812   التي جعلت بريطانيا تقف ضد الولايات المتحدة في منطقة البحر الأبيض ، ورغم أن فرنسا قد قدمت لأمريكا بعض المساعدات أثناء حرب الاستقلال، إلا إنها أصبحت فيما بعد غير مبالية، بل أصبحت أحيانا تشك، وحتى تعمل ضد الولايات المتحدة. اما إسبانيا  التي كانت على علاقة غير ودية مع  الجزائر  لم  تستطيع أن تساعد الولايات المتحدة      البرتغال هي  البلد  الأوروبي الوحيد الذي  قدم مساعدة لأمريكا ، مما جعل  الكونغرس الأمريكي يفكر  في مساعدة البرتغال بدل إرسال أسطول بحري ضد الجزائر.   ومن جهة أخرى ساعدت كل من السويد، والدانمارك، وسردينيا الولايات المتحدة، ولكنها لم تفعل ذلك  لأن  هذه الدول هي نفسها  كانت في حرب مع واحدة أو أكثر من دول إفريقيا الشمالية ، أما الهولنديون فقد تفاوضوا مع الأمريكان على المساعد تهم  ولكنهم  تراجعوا  في النهاية ،وقد واجه الأمريكان الصعوبات في مفاوضتهم مع  الجزائر  أهمها، قلة معلومات المفاوضين الأمريكان عن  الجزائر ، ضآلة الرصيد المالي الذي كان تحت تصرف المفاوضين ، ضعف فهم الأوضاع عند المفاوضين الأمريكان، فمثلا كانوا يتهمون بعضهم البعض بالجهل والتزوير، وفتح الرسائل...

 

 

المعاهدة الجزائرية الأمريكية الأولى عام 1795 م

          المفاوض الأمريكي جون لامب  " لا طاقة للولايات المتحدة الأمريكية   في فرض السلام على الجزائر"

 

جاء في التقرير المفاوض الأمريكي جون لامب  "انه لا طاقة للولايات المتحدة الأمريكية على فرض السلام على الجزائر  "  في نفس السياق  قال جون آدمز وزير خارجية أمريكا آنذاك  "إن الحرب ستؤدي إلى تخريب الاقتصاد و أنها ليست خطوة حكيمة " ، و قد وافق على هذا الرأي جورج واشنطن رئيس أمريكا ، مع بداية عام 1791م ظهر اتجاه جديد للجزائر و بدا في توقيع هدنة مع البرتغال ، و معنى هذه الهدنة هو  حركة الأسطول الجزائري في المحيط الأطلنطي ، و هذا لم يكن في صالح أمريكا حيث بعد أسابيع من توقيعها قبض الأسطول الجزائري على أحدى عشر سفينة أمريكية و معها  مائة و تسعون أسيرا ، و عندما وصل الخبر إلى الرئيس الأمريكي جورج واشنطن اعتمد مبلغ أربعون ألف دولار لفدية الأسرى و  مبلغ خمسة و عشرون ألف  كجزية سنوية للجزائر ليتم تعيين داود همفريز كوزير في ليشبونة ليقوم بالمفاوضات مع لجزائر ، و بما أنه لم تكن هناك علاقات دبلوماسية بين الجزائر و أمريكا قدم همفريز أوراق اعتماده إلى الداي عن طريق قنصل السويد  في الجزائر  الا ان  هذا الأخير فشل في مهمة التي أوكلت إليه . فرغم المناداة بالحرب ضد لجزائر و ضد بريطانيا التي اتهمها بعض الأمريكيين بالتأمر  مع  الجزائر عليهم، إلا أن الحزب الأمريكي الذي كان ينادي بالسلام مع الجزائر انتصر في النهاية. و كان شعار هذا الحزب   "السلام بأي ثمن " . أرسلت أمريكا  بعثة أخرى إلى الجزائر للمفاوضة تحت مسؤولية همفزير ، و بعد صداقة بين الطرفان  تم  التوقيع  على أول معاهدة سلام و صداقة بين البلدين  في شهر سبتمبرمن عام  1795م ،والتي نصت على أن تدفع أمريكا ما يعادل مليون دولار منها 21600 دولار كجزية سنوية و منح  معدات بحرية للجزائر، و بالمقابل تتعهد الجزائر بحماية التجارة الأمريكية في البحر المتوسط و القيام بمساعيها الحميدة لدى باشا طربلس لتحقيق  السلام مع أمريكا و بناءا على هذا أصبحت الجزائر طرفا ثالثا ضامنا  للسلام حين وقعت معاهدة طرابلس أمريكا ، كما تعهدت الجزائر بالقيام بنفس لمساعي لدىالباشا تونس لصالح أمريكا ، و قد جاء في ديباجة المعاهدة  "من تاريخ إبرام هذه المعاهدة سيحل السلام الدائم و الصداقة المخلصة بين رئيس المتحدة الأمريكية و مواطنيها و بين حسين باشا داي الجزائر و ديوانه و رعاياه و أن سفن و رعايا الأمتين سيتعاملون بكل شرف و احترام  " و تطبيقا لهذه المعاهدة أطلقت الجزائر سراح أسرى  الأمريكان في جوان 1796م ، أما أمريكا فد قدمت للجزائر السفن التالية الهلال ، حسين باشا ، لالا عائشة ، حمد الله و سكجو لديراند ، و كان ذلك خلال السنتين 1798م و 1799م .

 عندما تخلت أمريكا التزماتها تجاه الجزائر ، اتخذت الجزائر في حقها الإجراءات أهمها كان عام 1801 م عندما رست الباخرة الأمريكية جورج واشنطن،حيث طلب الداي من قنصل الأمريكي ومن ربان الباخرة بان تحمل الباخرة على متنها بعثة جزائرية إلى اسطنبول تحت العلم الجزائري وبذلك كانت أول باخرة تدخل القرن الذهبي و تعبر الدردينال  مرمرة ثم إلى اسطنبول عاصمة الشرق في ذلك الحين .

 

الجزائر أول دولة  اعترفت  بالثورة الفرنسية والثورة الأمريكية

30 دولة أوربية  تتبنى  خطة   القضاء على " دولة الجزائر".

 

كانت  أوضاع الجزائر  من عام 1516 إلى  غاية عام  1830، متشابهة على العموم بما كانت عليه ارو ربا ، فالمجتمع القديم، أو ما  كان يسمى في أوروبا بالعهد القديم كان مطبقا في الجزائر بطريقة كادت تكون كاملة،  الفرق الوحيد هو أن الجزائر تقع في أفريقيا وليست في أوروبا، وقد سمع الجزائريون بالثورة الفرنسية، ولكنهم لم يفعلوا شيئا لتطبيق مبادئها في وطنهم،  الا أنهم  أقرضوا نابليون مبالغ مالية مهمة ومونوه لكي يواصل حروبه في أوروبا  ،ولكن  هدا الأخير كان يخطط لاحتلال الجزائر وبسط  نفوذه  على شمال أفريقيا  .

إن المؤرخين لا يتفقون على نوع الحكومة التي كانت تحكم الجزائر خلال الثلاثة قرون  ،  بعضهم قال  بأنه الجزائر كان لها   جمهورية عسكرية  ، وقال آخرون بأنه كان لها نظام ملكي،  كما تحدث البعض  في كتبهم عن مملكة الجزائر، ومهما كانت العبارة التي استعملها أولئك وهؤلاء، فإن الجزائر كان على رأسها الداي  هو    منتخبا مدى الحياة من طرف  الديوان (البرلمان) ،  يحكم بواسطة وزراء معينين تعيينا، بما في ذلك المراكز التالية ، وزارة البحرية  ،الشؤون الخارجية،  وزارة الحرب،  وزارة المالية ،  الداخلية، ووزارة الأوقاف والبريد  . كما كان الداي يعين  ولاة الأقاليم الثلاثة التي كانت تتكون منها الجزائر هي ، إقليم قسنطينة، إقليم وهران، وإقليم التيطري.. وبالإضاف إلى ذلك فقد كانت هناك مراكز أخرى أقل أهمية، مثل القضاء، والإفتاء، ومندوبيات مختلف النواحي .   كانت العربية هي لغة الجمهور، والتركية  لغة الحكومية، أما الفرنسية فقد كانت شائعة بين القناصل الأجنبية، و  بين النخبة الجزائرية أيضا، وكان الإسلام هو الدين الرسمي والغالب في البلاد،  بالإضافة الى  وجود أقليات يهودية و ومسيحية.

  كانت الجزائر دولة مستقلة،   لها علم،  عملة،  جيش، وعلاقات ديبلوماسية مع الدولة الأخرى،  إلا أنها كانت  تعترف بالسلطة العثمانية ( الخلافة الإسلامية)  لأسباب دينية،  و ترسل هدية إلى الخليفة في إسطنبول في كل ثلاث سنوات ولكن هذه الهدية لم تكن ضرورية . الإسم الحقيقي للدولة الـجـزائـريـة هو "أيـالـة الجــزائر" أو " مملكة الجزائر"، وبهذه الأسماء أبرمت عشرات المعاهدات مع دول العالم.   

خلال العهد العثماني كانت الجزائر من أقوى الدول فى حوض البحر الأبيض المتوسط، ، ذات مكانة خاصة فى الدولة العثمانية ،إذ كانت تتمتع باستقلال كامل مما  مكنها من نسج علاقات سياسية وتجارية مع أغلب دول العالم،  حيث كانت  أول دولة اعترفت بحكومة الثورة الفرنسية خلال عام 1789 م، وبالثورة الأمريكية بعد استقلالها عن التاج البريطاني خلال عام 1776م  .

وقد  بلغ أسطول البحري  الجزائري قوة عظيمة ،حيث استطاع خلال القرن الثامن عشر إحداث نظام للملاحة فى المتوسط يضمن أمن الدولة الجزائرية خاصة والدولة العثمانية عامة ،وبصورة أعم  للتجارة الدولية فى هذا البحر، وهو ما جعل الدول الأوربية تعمل على إنهاء هذا النظام تحت غطاء إنهاء ما كان يسمى بـ " القرصنة " التي كانت تمارسها جموع المغامرين الأوربيين بموافقة دولهم ومؤازرتها لهم ،في حين أن ذلك كان أسلوبا دفاعيا لمواجهة المد الاستعماري الذي انطلق منذ القرن الخامس عشر .

لقد انفردت الحواضر الجزائرية  بالنشاط الحرفي الذي يوفر الضروريات المنزلية ، و تمثل النموذج الصناعي في صناعة الأحذية و الأغطية و الافرشة و الشموع ثم تطورت لتشمل الدباغة ، النجارة، الحدادة ، الصباغة وصناعة الأسلحة و المجوهرات و حياكة الصوف و كان لكل حرفة نشاطها الخاص و مسؤول يشرف عليها. إضافة إلى صناعات أخرى كانت تحتكرها الدولة كصناعة السفن و مسابك المدافع و مطاحن الدقيق و المناجم .

أما على الصعيد التجاري فقد كانت العلاقات الجزائرية في هذا القطاع تشمل البلدان العربية في المغرب و المشرق و كذا الدول الأوربية التي كانت تصلها الصادرات الجزائرية الزراعية و الصناعية ، كالحبوب التي كان يسيطر على تجارتها السماسرة اليهود الذين كانوا يصدرون كميات كبيرة منها بين سنوات 1788 و 1819 رغم القحط و الجفاف.. ، كما كانت تصدر زيت الزيتون، التمر ،التين ، البرتقال.. و الأبقار و الأغنام و الخيول بالإضافة إلى الشمع و الجلود و الصوف و ماء الورد و الزرابي و الأغطية و بعض السلع الشرقية كالتوابل و الحرير.

أخذت ولاية الجزائر شكلها الأخير في عهد الباشاوات و الدايات، وصار يوجد في المركز إلى جانب الولاية ديوان هو عبارة عن مجلس للشورى،   أهم أعضائه  هم  خمس موظفين ،  المسئول عن الخزينة،  الناظر لشؤون المالية ، ويأتي بعده المكلف بالشؤون البحرية ، و يسمى وزير البحرية  ،و كان يقوم بمهمة كتابة الديوان أربعة كُتَّاب ، اما خوجة الخيل فكان يشكل حلقة وصل بين الحكومة و الشعب.

 أدى استحداث نظام التشريفات مع نهاية القرن 18  الى  توفير الاستقرار و الهدوء للسلطة بعد سلسلة الاغتيالات التي طالت الدايات  ،كما ظهرت في هذه الفترة اللبنات الأولى لجهاز تنفيذي يشبه مجلس الوزراء وهي الهيئة التي كان يطلق عليها اسم الديوان أو مجلس الداي السري ، في داخلها تبلورت عدد من المصالح الإدارية.

قسمت الولاية إلى ثلاثة أقاليم  ، إقليم الشرق و الغرب و التيطري- بالإضافة إلى الإقليم المركزي الذي يدعى دار السلطان ، وكان يوجد على رأس كل واحد من هذه الاقاليم ما يُسمَّى بالباي.

أما أمن البلاد في الداخل فكان تؤمنه القبائل المعفاة من الضرائب والمتمتعة بالامتيازات ، إذ كانت وظيفة هذه القبائل المسماة بالمخزن هي فرض الطاعة على القبائل الأخرى الملزمة بدفع الضرائب. ومن مظاهر استقلال الجزائر قبل هذه الفترة و خلالها هو ان الداي كان:

- يعقد الاتفاقيات الدولية.

- يستقبل البعثات الديبلوماسية –القناصل-

- و يعلن الحرب و يبرم معاهدات السلام.

ارتكزت الدبلوماسية الجزائرية في علاقاتها مع الدول الأوربية خلال الثلث الأول من القرن التاسع عشر على جملة من المبادئ الأساسية تعود إلى القرن السادس عشر،  كالتعاقد المتكافئ مع أي طرف كان  فلم تعقد الجزائر مهما كانت الظروف أي اتفاقية في حالة ضعف ، الوفاء بالعهد و التقيد بالالتزام بشروط الاتفاقيات 

 مع اعتبار حالة السلم هي الحالة الطبيعية في العلاقات الدولية ،و الحرب هي حالة استثنائية ،و المساواة في التعامل مع جميع الدول على حد سواء ، والالتزام بسياسة الحياد في الصراعات الأوربية منذ القرن 17.

و مع ذلك واجهت الجزائر ظروفا جد حرجة بسبب الصراع المتأجج في أوروبا ، و خاصة منذ سنة 1800 حين قامت الجزائر بإبرام هدنة مع فرنسا  التى كانت  في حالة حرب معها بسبب غزوها لمصر سنة  1798.

  أثارت هذه الهدنة ردود فعل معادية من قبل كل من انجلترا و الدولة العثمانية ، حيث هددت انجلترا باستعمال القوة لإجبارها على إلغاء هذا الاتفاق مع فرنسا إلا أنها اضطرت إلى التراجع.

إن تمسك الجزائر بمبدأ الحياد في الصراع الأوربي   الانجليزي الفرنسي بالخصوص ، كان احد الأسباب التي دفعت انجلترا إلى العمل من اجل الانتقام منها، عندما أتيحت لها الفرصة بعد انتهاء الحرب الأوربية سنة 1814.

  في عهد الداي علي خوجة الذي جاء قبيل الداي حسين،  تحسنت العلاقات الجزائرية التونسية ،نفس الأمر حدث  مع المغرب و طرابلس  ، فانطفأت نار الفتنة  ، اما  العلاقات مع الدول الأجنبية كانت تتباين من دولة لأخرى  ، فالعلاقات الجزائرية الفرنسية كانت تتأرجح بين التوتر و الهدوء خاصة بين سنوات 1808 – 1814  بسبب الديون و تحصين المراكز التجارية في الشرق الجزائري التي أصبحت تعرف بالباستيون  ، أما الانجليز و الهولنديين فقد اتضح موقفهما بعد الاعتداء الثنائي على مدينة الجزائر سنة 1816 بقصفها لمدة أكثر من 9 ساعات بمدافع أكثر من خمسين قطعة بحرية ، ستة منها هولندية ، كانت الخسائر الانجليزية معتبرة 883 قتيل و 1500 جريح و أضرار جسيمة لحقت بسفينة القيادة  الملكة شارلوت  .   فرغم الدمار الشبه كلي الدي لحق بالأسطول الجزائري اثر هذا العدوان المباغت، إلا أن دبلوماسيتها لم يعرها أي تخاذل أو ضعف ، بسبب تبرعات الدول الصديقة ،و المجهودات المحلية حيث جمعت قبل سنة 1820 قوة بحرية تفوق تلك التي دمرها الانجليز. 

برز الموقف الروسي بجلاء في مؤتمر لندن الذي سبق مؤتمر اكس لاشابيل ،حيث قدم المندوب الروسي مذكرة وزعت على المندوبين الأوربيين تطالب بضرورة استعمال القوة البحرية و البرية معا،    لكي يتحقق هدف  التحالف الأوربي لتصفية وجود الدولة الجزائرية في البحر المتوسط.

كانت الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الوحيدة التي تحضى باحترام الحكومة الجزائرية، من خلال احترام السفن الأمريكية المبحرة في المنطقة ،و ذلك بعد  نجاح المفاوضات  التي قام بها  شالر مع الحكومة الجزائرية   التي انتهت بتعيينه سفيرا في الجزائر من قبل بلاده في 31 جوان 1815. 

  بادرت أوربا فى  مؤتمر فيينا  1814 - 1815 م بطرح موضوع " أيالة الجزائر " فاتفق المؤتمرون على تحطيم هذه الدولة فى مؤتمر " إكس لا شابيل " عام 1819 م، حيث وافقت 30 دولة أوروبية على فكرة القضاء على " دولة الجزائر".   أسندت المهمة إلى فرنسا وانكلترا ،  حبن  توفرت الظروف المناسبة للغزو   تمكنت بحرية البلدين من تدمير الأسطول الجزائري في معركة " نافارين" سنة 1827م، عندما  كان في نجدة الأسطول العثماني ،وبذلك انتهت السيطرة الجزائرية على الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط. 

 وقد تميز الوضع الداخلي للجزائر مع مطلع القرن التاسع عشر بعدم الاستقرار حيث تعرضت البلاد في هاته الفترة إلى سلسلة من الفتن اندلعت في مختلف المناطق، كانت أخطرها تلك التي نشبت في شمال بايلك الشرق، و    في المقاطعة الغربية تحت راية الطريقة الدرقاوية.

وفي سنة 1803 نشبت ثورة عارمة في منطقة الشمال القسنطيني بقيادة مغامر يدعي ابن الاحرش و التي كانت خيوطها قد أحيكت من خارج البلاد ، حيث  قام حمودة باشا باي تونس الذي كان في خلاف مع الحكومة الجزائرية بتجهيز ابن الاحرش لإشعال نار الفتنة في بايلك الشرق ،امتد لهيب هده الفتنة  الى غاية مدينة قسنطينة عاصمة الإقليم التي كادت أن تسقط بين يديه، لولا المقاومة التي أبداها السكان في الدفاع عن المدينة   حيث تمكنت القوات الحكومية من محاصرة هذه الثورة و تضييق الخناق عليها دون التمكن من القضاء عليها .   كما  اعد القنصل الفرنسي بيير دوفال  خطة  لتوصيل الأسلحة لهؤلاء المتمردين   تهدف إلى القضاء على الدولة و تشتيت شمل أقاليمها.

في بايلك الغرب  اندلعت   ثورة الدرقاوة التى  لم تكن اقل خطرا على البلاد ،من ثورة ابن الاحرش في الشرق   وخيوط هذه الفتنة نسجت هي الأخرى من الخارج ،  كان وراءها  احد أتباع الطريقة الدرقاوية   يدعى محمد بن عبد الله الذي استشار شيخ الطرقاوية التي كان مقرها في المغرب حول شرعية قيامه بعصيان ضد الحكم المركزي في الجزائر فأجاز له ذلك.و على اثر ذلك قام بإشعال الثورة في المقاطعة الغربية ، كما اشتعلت كذلك نار العصيان في مناطق النمامشة و الاوراس ووادي سوف بين 1818 و 1823.  

في المرحلة الأخيرة من حياة الدولة الجزائرية   أصبحت الحالة الصحية للسكان تزداد سوءا و تدهورا  ، مما اثر سلبا على نمو السكان و ترك اثأرا سيئة على وضعهم الاجتماعي  ، فتضاءل سكان المدن و تناقص سكان الأرياف ابتداء من أواخر القرن 18، مما  تسبب في تناقص عدد القوات البرية و البحرية، و ندرة الحرفيين و الصناع و افتقار الأرياف إلى اليد العاملة في الزراعة.و يعود سبب سوء الحالة الصحية إلى انتقال العدوى و انتشار الأمراض في الأقطار المجاورة، و ذلك لصلة الجزائر بعالم البحر و انفتاحها على الأقاليم الأوربية والعربية التي كانت مصدر مختلف الأمراض، كالكوليرا و التيفوس و الجذري و الطاعون و السل  التى دخلت عبر توافد التجار و البحارة و الحجاج و الطلبة إلى الموانئ الجزائرية. وقد تميزت السنوات 1804-1808-1816 إلى 1822  باشتداد هذه الأمراض .و يضاف إلى سوء الأحوال الصحية ،حدوث الكوارث الطبيعية التي أدت بدورها إلى تناقص السكان و تضرر الاقتصاد ، و تمثلت في الجفاف وتكاثر المجاعات التي تميزت بها سنوات 1800-1806-1807-1816 و 1817.،  زحف الجراد  سنوات  1800-1804-1816-1822 و 1824 ، الزلازل كزلزال عنابة عام 1810 ،مدينة الجزائر عام 1818 ،وإقليم الساحل و متيجة عام  1825 .

   .

 هده الكوارث لم تأثر سلبا على الوضع الاقتصادي و الاجتماعي  للجزائر ،حيث  لم تمنع من انتشار البساتين ذات المحاصيل المختلفة من   برتقال ، ليمون ،عنب ،لوز ، مشمش، تفاح ، خوخ و حب الملوك وغيرها ، و  انتشار  الحدائق في العاصمة و غيرها،  اعتبرت من أكثر مناطق العالم انشراحا و بهجة ، بالإضافة إلى الطابع الرعوي الذي كان يتركز في الأرياف و أطراف المدن.

 

 

  أسرار  الحملة الصليبية الفرنسية  الاوروبية  ضد   الجزائر عام 1830م

 فرنسا  حاولت  اغتيال الداي حسين

 

في سنة 1815 أعاد مؤتمر فيننا أسرة البوربون الى عرش فرنسا ، ورغم أن الشعب الفرنسي كان قد تعب من الحرب فإن أفكار الإصلاح،  والحرية، والدستور قد بقيت حية لديه ،  حيث  انتشرت فكرة التهدئة والاستسلام بفضل حماية القوة الرجعية في أوروبا التي كان على رأسها  مترنيخ، والإسكندار الزول  فيما بعد ،وبعض الزعماء البريطانيين. و قد تبنى  لويس الثامن عشر كثيرا من الإصلاحات النابوليونية ،  من بينها الدستور واتجاهات ليبرالية أخرى بخصوص الكنيسة، والصحافة، والفلاحين في الوقت الذي  كان فيه حزب الملكيين المتطرفين يتقدم تدريجيا ليصلوا الى  رئاسة الحكومة  ،بعد وفاة  لويس الثامن عشر سنة 1824 ،  وكان الملك الجديد شارل العاشر  قد  تعاطف مع الملكيين في اول الامر  ثم أيدهم في النهاية بصفة كاملة. 

 أن نمو الاتجاهات الليبرالية في فرنسا ثم الأفكار الجمهورية، والإشتراكية، والبونابيرتية... الخ، قد جعلت الملك يتحول إلى الملكيين والى الجماعات الرجعية ، حيث أعاد شارل العاشر كثيرا من الامتيازات الى طبقة رجال الدين وأعطى طبقة الأشراف مليونا من الفرنكات كتعويض عما فقدوه أثناء الثورة ، و ألغى  حرية الصحافة وجرد معظم الطبقة الوسطى من حق الانتخابات .

وعندما شعر شارل العاشر وجماعته الرجعية أن تيار الشعب الفرنسي يسير ضدهم ،رأوا بأن يعدو حملة ضد الجزائر للنفخ في الروح ا لوطنية ولمنع، أو على الأقل، تـأجيل الثورة التي كان يتوقعها الكل  . وقد قام الملك الرجعي ووزراؤه  بحل مجلس النواب حين فاز الليبراليون بالأغلبية في الإنتخابات العامة ، حيث  أصدر شارل العاشر أمرا ملكيا في يوم الإثنين 17 ماي 1830  بحل مجلس  النواب ودعوة المجالس الانتخابية للاجتماع في شهري جوان وجويلية ،وإجراء إنتخاب مجلس الشيوخ والنواب في الثالث من أوت .

 كانت جماعة الملك شارل العاشر  تأمل  بأن الحملة ضد الجزائر  سوف تغير نتيجة الانتخابات السابقة وتجعلها، تفوز بالأغلبية   في مجلس النواب الجديد ، وقبل شهر واحد من ثورة جويلية التي نجحت في إسقاط الملك الرجعي،  كتب محررو مجلة غلوب "  إن الأزمة التي تتخبط فيها فرنسا الآن تمثل منظرا مرعبا ، وأنه المنظر المرعب للفوضى التي طالما لطخت مكانتها بالدم ،والتي هزت كيان أوروبا كالزلزال يبدو أنها على وشك العودة من جديد... "  

  ففرنسا كانت على وشك ثورة جديدة في جوان 1830، ولكن الثورة التي حدثت أثناء أقل من شهر واحد لم  تكن زلزالا في أوروبا ولا في فرنسا نفسها ، حيث أسقطت شارل العاشر وجأت بلويس فيليب  الدي  إستمر   تطبيق نفس السياسة  سلفه الملك شارل العاشر. 

  الرسميين الفرنسيين لم يذكرا أي سبب يتعلق بالمصاعب الداخلية في بلادهم ،  الا انهم  كانوا يعلمون أن شعبهم سيطيع ويتحمس إذا تحدثوا اليه عن شرف الأمة الفرنسية الذي أهانه الجزائريون ، فرجال الأعمال والتجار كانوا سيهللون لهذه الخطوة لأن الجزائر، كما أدعى الرسميون الفرنسيون، قد صادرت  الممتلكات الفرنسية على الساحل الجزائري. وقد ظنوا  أن مثل هذه النغمة ستجعل هؤلاء يسرعون إلى تأييد الحكومة ويباركون حركتها . 

   اختلف الرسميون الفرنسيون  بمبررات الحملة ضد الجزائر ، و قالوا أن الجزائر لم تطع أمر المبعوثين البريطانيين والفرنسيين، بإلغاء نظام الرق  وأنها قد استرقت ضباطا كانوا قد أسروا على بواخر تحمل  علم روما التي كانت عندئذ تحت الحماية الفرنسية .. إلخ. غير  أن بريطانيا لم تكن مقتنعة بهذ الإدعاءات، وأصرت  على أنه يجب على فرنسا أن  تقدم تفسيرات وافية حول مصير الجزائر إذا نجحت الحملة ،وقد رد ملك فرنسا   على السفير البريطاني في باريس، عن طريق رئيس وزرائه دي بولنياك  ، أنه إذا نجحت الحملة فإن فرنسا مع حلفائها.  مضيفا على  لسان رئيس وزائه بأن احتلال الجزائر في حد ذاته يجب  أن يباركه كل المسيحين وكل العالم المتحضر. وقد جاء في كلامه  "إذا كان في الصراع الذي أوشك أن يبدأ نتيجة هامة فإن الملك في تلك الحالة سيأخذ  في الاعتبار أهمية هذه المسألة لإقرار  ما يجب أن تكون عليه الأشياء أمام الوضع الجديد،  التي يجب أن تسجل أكبر ربح لمسيحية " .

 الجريدة لومنيتور  شبه الرسمية فقد نشرت أهم النقط التي اعتبرتها فرنسا العناصر الأساسية التي أدت إلى حملتها ضد الجزائر، وبناء على هذه الجريدة فإن  أسباب الحملة هي الأتي :

1 ـ لقد استرجعت فرنسا، بمقتضى معاهدة 1817، ممتلكاتها لبعض المؤسسات التجارية التي توقف  استعمالها  أثناء الثورة، ولكن الداي قرر، أنه لا يسمح بامتيازات لفرنسا لا تتمتع بها الدول الأخرى، ولذلك هدم كل الحصون والمؤسسات وتوابعها التي كانت لفرنسا.

2 ـ وبمقتضى نفس المعاهدة  كان لفرنسا امتياز صيد المرجان على الساحل الجزائري بشرط أن تدفع هي 60 ألف فرنك سنويا مقابل ذلك. وبعد سنتين من المعاهدة طلب الداي من الفرنسيين 200 ألف فرنك ففعلوا، وفي سنة 1826 أصدر الداي قرارا يمنح بمقتضاه الحرية لكل الدول في صيد المرجان.

3 ـ وفي سنة 1814 أجبر القنصل الفرنسي، ديبوي ثانفيل  ، على مغادرة مدينة الجزائر لأنه رفض أن يعوض بعض الجزائريين عما أقرضوه لبعض الرعايا الفرنسيين قبل أن يستشير حكومته.

4 ـ إن الداي   رفض أن يعطي إجابات مرضية على حجز والاستيلاء على الباخرة الفرنسية لا فورتون   في عنابة.

5 ـ في سنة 1818 أجاب  الداي كلا من أمير البحر البريطاني والفرنسي بأنه سيواصل نظام الاسترقاق ضد رعايا الدول التي لم توقع معاهدات معها.

6 ـ وفي سنتي 1826 و1827 كان هناك خرق للمعاهدات من  طرف الداي، فهناك بواخر ترفع علم روما قد صدرت رغم أنها كانت تحت الحماية الفرنسية ، كما أن هناك بواخر فرنسية قد نهبت وأرغم ربانها على أن يصدعوا بواخر القراصنة الجزائريين بهدف الاستظهار بأوراقهم.

7 ـ تصرف الداي نحو يهوديين، فبناء على اتفاقية عام 1818 كان اليهوديان سيعوضان، مع الاحتفاظ ببعض النقود لإجابة مطالب بعض الفرنسيين ضدهما، وكان الداي قد طلب أن يدفع إليه شخصيا كل القرض الذي يصل إلى  700.000 فرنك ، وأن على الرعايا الفرنسيين أن يلتجئوا إلى الحكومة الجزائرية لإيجاب مطالبهم، وقد أضاف إلى هذا الموقف الذي يثير السخط (إشارة إلى ضرب الداي للنقل الفرنسي) تهديم المؤسسات الفرنسية، لذلك أصبح حصار مدينة الجزائر أمر لا مناقص منه، وبعد أن كلف هذا الحصار فرنسا حوالي 20 مليون من الفرنكات حاولت فرنسا في جويلية من عام  1829 أن تفتح  مفاوضات ولكنها فشلت، وقد وصف اليبان الفرنسي هذا الموقف من الداي بأنه  جعل كل محاولة أخرى للتفاهم  من جانب فرنسا غير متناسب مع شرف الأمة.   

  أن البيان الفرنسي الذي نشرته جريدة  لومنيتور  قد استعمل نفس النغمة التي استعملها هلتر قبل أن يهجم على ضحيته ، الاتهام بخرق المعاهدات، والإدعاء بامتلاك بعض المؤسسات والممتلكات في بلد أجنبية، وإهانة  شرف الأمة، وغير ذلك.

وقد كشف المؤرخ الفرنسي أرسن برتاي  مؤلف كتاب  الجزائر الفرنسية إن فرنسا قد خسرت حوالي 7 ملايين فرنك  نتيجة للحصار، وأنها تعتبر نفسها صاحبة الحق في الممتلكات التي أسستها منذ القرن الخامس عشر، ولكن أكثر من ذلك أهمية هو أن المؤلف قد ذكر أحد الأ سباب التي أشير إليها في اليبان الفرنسي  وهو  غيرة فرنسا من انكلترا، لأن الداي قد أعطى الحقوق التجارية إلى التجار الأنكليز، فهذا التصرف  بناء على رأيه  قد أغضب فرنسا .   

وبعد قتال مرير وخسائر كبيرة دخل الفرنسيون مدينة الجزائر في 5 جويلية من نفس العام، ولكن القتال في الشوارع وفي الضواحي قد استمر، ومن تلك اللحظة بدأ تاريخ المقاومة الجزائرية.

  وقد أبيحث مدينة الجزئر إلى الجنود الفرنسسين  خلال أكثر من أربعة أيام ،وقد سجل المؤرخون الفرنسيون أنفسهم بخجل انتهاك الحرمات والفظائع التي أصبحت هي قانون المدنية.

لقد كانت فرصة ذهبية لفرنسا أن تضع قدمها على الشطر الاخير من البحر الأبيض المتوسط، وأن تبدأ عهدا جديدا يعرف بعهد الإمبراطورية الثانية الذي يمثل احتلال الجزائر فاتحه له. إن الحرب ضد الجزائر سنة 1830 كانت أعظم  عمل مهين وعنيف ترتكبه أمة ضد  امة أخرى، فقد استغل ملك فرنسا العواطف الدينية للمواطنين الفرنسيين و الاوروبين  طلبا للتأييد الكنسية.

   كان  هناك معارضون كثيرون لهذه الحرب من الشعب الفرنسي، ومن بريطانيا، ومن الباب العالي، فالمعارضة في البرلمان الفرنسي قد  وقفت ضد  الحرب ونادت بالسلام، وقد قام بهذا الدور الجمهوريون والاشتراكيون، والليبراليون عموما، اما الذين أيدوا الاستعمار فكانوا من أهل  النخبة و التجار ورجال الأعمال في الأقاليم، ولا سيما بمرسيليا .

  بريطانيا  كانت هي الأخرى  ضد الحملة ،حيث  أصرت على أن تقدم فرنسا مبررات وضمانا على القيام بالحملة، وقد نشرت جريدة  ليفربول ميركيري بتاريخ  28 ماي1830  رسالة من مدينة مرسيليا جاء فيها "  قد أبحر نحو الجزائر.... ولكن يشاع بأن هناك سوء   تفاهم بين القنصل الإنجليزي وأمير البحر الفرنسي في الجزائر. " وقد أشارت الرسالة  إلى أن "قطعة من الأسطول الروسي  توجهت  نحو الجزائر."

  قبل بداية 1830 كانت مدينة طولون مشغولة( حالة طواريء)، فقد نودي على الجيش الفرنسي من مختلف أقاليم البلاد، كما   كانت البحرية على استعداد  ، وقد وفرت فرنسا لذلك أسلحة ومناورات جديدة، وكان العملاء والجواسيس الفرنسيون يعملون في مختلف الاتجاهات، من مصر إلى المغرب  الأقصى تم طولون، وكانت  هناك اتصالات سرية مع الحلفاء والأصدقاء، وبينما كان  ملك فرنسا الكاثوليكي المتحمس يتآم ضد حرية شعبه وضد ديمقراطية الدستور الفرنسي،  كان داي الجزائر يواجه ثورة في بلاده كان وراءها المخبرين الفرنسيين  وفي نفس الوقت ،اكتشفت مؤامرة قبل أربعة عشر يوما من دخول الفرنسيين الى الجزائر ، هدفها اغتيال الداي مما أدى قتل كثير من المتآمرين، الدين تلقوا الدعم  من طرف فرنسا عبر جواسيسها في الجزائر .     

ومن جهة أخرى كان الفرنسيون يحاولون إضعاف معنويات أهالي الجزائر بواسطة عملائهم، ومشورتهم السرية، فقبل أن يغادروا طولون متجهين إلى الجزائر، أعلنوا بيانا طبعوه بالعربي وأرسلوا منه 400 نسخة إلى قنصلهم في تونس لتوزيعها في الجزائر  وفي هذا البيان ادعى الفرنسيون.  

1 ـ إنهم قادمون إلى الجزائر لمحاربة الأتراك وليس الأهالي.

2 ـ إنهم سيحمون الأهالي ولا يحكمونهم.

3 ـ أنهم سيحترمون دين الأهالي، ونساءهم، وأملاكهم، إلخ.

(لأن ملك فرنسا، حامي وطننا المحبوب، يحمي كل دين).

4 ـ تذكير الأهالي بأن مصر قد قبلت صداقة الفرنسيين (30 سنة مضت على حملة نابليون على مصر) وأن هؤلاء سيعاملون الجزائريين بنفس المعاملة التي عاملوا بها المصريين.

5 ـ طلبوا من الأهالي أن يتعاونوا معهم ضد الأتراك، أوعلى الأقل أن يبتعدوا إلى الريف  "أن الفرنسيين ليسوا في حاجة إلى مساعدة لهزيمة وطرد الأتراك ". 

قائد الحملة دي بورمون  تلقى تعليمات  من رؤساءه على أن  من بين الوسائل التي يمكن استخدامها للتأثير على السكان ،هو طبع ونشر إعلانات وتوزيعها في البلاد فهؤلاء السكان الدين هم من المور والعرب لا يتحملون حسب اصحاب البيان  إلا على مضمض السيطرة العنيفة والمتعسفة لبضعة ألاف من الأتراك ،فهدا الموضوع يجب أن يشكل المحور الرئيسي في هده الإعلانات إلى جانب وعد السكان بتخليصهم من القهر الذي يعنون منه والمسلط عليهم من طرف المليشيا التركية، لكن يجب تجنب وعدهم بالاستقلال وكذلك ذكر أي شيء يتعلق بالحرب وبالاحتلال في هده الإعلانات وفي البيانات العسكرية، وعدم التعرض لأي شيء من شانه أن يستكشف منها نواياها بخصوص الجزائر ،أو يعرقل في المستقبل حرية العمل التي تريد فرنسا أن تحتفظ بها بخصوص تنظيم أو التمسك نهائيا بهاته البلاد ،

 وأدا دخل إلى مدينة الجزائر عنوة فانه يجب إلا يعير اهتماما لأي اقتراح قد يتقدم به الداي، ولن يتعهد نحوه إلا بتامين حياته وكذلك منحه حرية الانسحاب والاستقرار في فرنسا إن أراد دلك وفي احتمال تقدم الداي باقتراح لقائد الحملة ، وادا كانت هده قد وصلته أثناء عبوره البحر فان عليه أن يرد بكونه سيفصح عن نوايا حكومته عندما يصل أمام مدينة الجزائر ، وعندما يكون الأسطول على مرأى من مدينة الجزائر وكانت حكومة هده البلاد قد اختارت هدا الظرف للدخول في التباحث مع الفرنسيين، فقائد الحملة يجب أن يرد بكونه ليست له صلاحيات الدخول في أي مباحثات قبل أن تسلم إليه بطاريات مدافع مدخل الميناء وكذلك دفعات الميناء الأخرى، مع التحصينات المحيطة بالمدينة والحصول على ما يؤمن رسو الأسطول الفرنسي في المرسى وفي داخل الميناء ،وعلى القائد العام أن يحدد أجلا للرد على مقترحاته على أن لا يتجاوز ثلاث ساعات. أما ادا جاءت هاته مباحثات   بعد نزول القوات إلى الساحل ، ففي هده الحالة فان عليه أن يرد بكونه لن يستطيع الدخول في أية مباحثات إلا   بشروط  على راسها  اعتراف الداي   بالسيادة الفرنسية على كامل المنطقة الساحلية الواقعة بين وادي سيبوس حتى الرأس الحمراء ،ويمكن لفرنسا كما هو الشأن في الماضي القيام بإصلاح الحصون الموجودة وتسليحها وإقامة حصون جديدة، وكذلك حقها في الاحتفاظ بحامية عسكرية بها كما يتنازل الداي , لفرنسا على مدينة ومرسي عنابة حتى الرأس الحمراء ، تسليم جميع سفن الحربية، الايالة لن تستطيع الحصول على هده السفن ولا امتلاكها في المستقبل. 

  تسليم القوات الجزائرية لأسلحتها  ، والأتراك لهم الحرية في البقاء في الجزائر لكن عددهم لن يزداد ولن يرتفع عن طريق التجنيد في الموانئ العثمانية، ولا عن طريق تجنيد عناصر أخرى في صفوف الميليشيا بطريقة أخرى .

   دفع تعويض بمبلغ ( غرامة الحرب) خمسين مليون فرنك، التي تمثل مصاريف الحصار والحرب وكذلك التعويض عن الخسائر التي تكبدتاها  فرنسا حسب زعمها على اثر انتهاك الداي للمعاهدات 

 

 

المخططات السرية  الفرنسية  لغزو الجزائر

عام 1664 ، عام 1802،عام 1808،عام1809 .

 

في سنة 1664 انجز جاسوس فرنسي   تقريرا  جاء فيه " استجابة لرغبة سيدي كولبير وتنفيذا للأمر الذي أصدره لي من طرف جلالته  ، لتحرير مذكرة حول الأشياء التي لاحظتها ولمدة خمسة وعشرون سنة من إقامتي بين الأتراك(المسلمين )  ، سواء فيما يتعلق الأمر بالدولة أو بمدينة الجزائر أو التي تتعلق بالمدن الأخرى التابعة لها  ، أولا   إن مدينة الجزائر التي هي أهم وأشهر مدينة بين المدن الواقعة على الساحل الإفريقي تقع على ربوة وامتدادها حتى على شاطئ البحر ،وتتكون من حوالي أربع ألاف موقد وما بين 25و30 ألف ساكن على أكثر تقدير في الوقت الحاضر، لقد أودى وباء الطاعون بحياة ما يزيد عن مأتي ألف شخص في السنة الماضية   وبعدد اكبر في المناطق المحيطة بالمدينة إلى درجة إن أصبحت البلاد شبه مقفرة.

 

كل البلاد الخاضعة للجزائر تتوفر على كميات هائلة من القمح والعنب والرز والجلود والحرير الناعم وعلى كميات هائلة من الزيت والمواشي من ذات الصوف وذات الشعر ،كما انه لا يمكن تنظيم مبادلات   والسود الدين يقطنون في ليبيا حيث إن أهل الجزائر لهم مركزين تجاريين ،وهما تقرت وتور قولا(ورقلة ) وعن طريقها تصل كميات كبيرة من التبر والتمر وريش النعام وصوف الغنم والخيول ،التي يستبدلونها بالقمح والشعير، ويدفعون (الأفارقة) الضرائب لمدينة الجزائر للحصول على رخصة الاتجار والتعامل مع السكان التابعين لهده المدينة ..."

  كاتب التقرير اكد  أن مشروع غزو الجزائر من السهل تحقيقه ،مبينا إلى جانب الفوائد الكثيرة التي يمثلها فانه سيضع تحت يد فرنسا  مراسي مأمونة في البحر الأبيض المتوسط... كما سيوفر الحصول على الخشب الذي هو من أجود أنواع الخشب في العالم، لبناء السفن كما سيوفر لملك فرنسا لاحتلال ممالك عديدة  كبيرة وجميلة .

  بتاريخ  18  اوت  1802  كتب الفرنسي   تيدينا  وهو محافظ للعلاقات التجارية في سافون تقريرا  حول الجزائر جاء فيه " لقد اتخذت هده الايالة مند بضعة أشهر موقفا من شانه إزعاج التجارة بوجه عام، وفتح أعين الدول البحرية كلا وروبية أخيرا . ففي الوقت الراهن  ، فان المتوسط معفن بإحدى عشرة سفينة من أسلحتها ، هي فرقاطنيتين واحد منها ذات 46 مدفعا والأخرى ذات 36 مدفعا  ، وستة شباك واثنين بولاكر وبريك واحد فهي لا تحترم آية راية . لقد وقعت ضحية لها عدة مراكب تابعة لمختلف الأمم لحد الآن. وأهمها قيمة فرقاطة برتغالية ذات 44 مدفعا و350 رجلا من طاقمها ، إن القائم على تسيير شؤون الجزائر (يقصد الداي ) هو في حالة هيجان اد هو يعتقد بكونه في مستوى، بتوقيفه لعدد من المراكب الفرنسية وإظهاره لادعاءات حمقاء.

 إن كراهية سكان البلاد البربرية  ، للأوروبيين بوجه عام , وكرصنتهم وقسوتهم وانعدام الإنسانية لديهم هي على أشدها . لقد حان الوقت لأوروبا وهي سيدة العالم أن لا تبقي أسيرة على أبوابها ، وهدا العمل العادل الذي تطالب به الإنسانية بصوت عال هو عمل مدخر للبطل الذي منح السلم للأمم وحدد والى الأبد  المكانة المرموقة لفرنسا.  أن قسوة سكان البلاد البربرية هي قوة زائفة وظرفية، وسأثبت دلك لكم بالكلام عن الجزائر التي هي أقواها .

  

لا نستطيع أن ننكر أن الجزائر تشكل قلعة حصينة  ،بسكانها الدين يتجاوز عددهم مائة ألف نسمة أولا ، ثم بحصونها بعد دلك وبطارياتها المزروعة بالمدافع ، وعلى دلك فلا يجوز تصور إمكانية مهاجمتها من جهة البحر.

 ويضيق الجاسوس الفرنسي في تقريره انه في عام 1775 نزل الأسبان بقوات مكونة من عشرين ألف من المشاة وألفين من الفرسان ، وكانت خطة الهجوم قد أعدت إعداد جيدا ولكن التنفيذ كان سيئا بسبب الخلاف الذي دب بين اورللى قائد القوات البرية وكاستيقان أميرال الأسطول . وفي عام 1783_1784 هاجم الأسبان من جديد من جهة البحر ولكن بعد أن استهلكوا كمية كبيرة من الذخيرة انسحبوا بدون ان يتمكنوا من أخدها أو تخريبها  .

وحسبه لكي تكلل حملة ضد الجزائر بالنجاح  ،يجب حشد ما بين ثلاثين إلى خمسة وثلاثين ألف رجل من خيرات القوات من مدفعه، في نسب ملائمة فشواطئ تنس بمعنى ساحل غرب الجزائر يبدو لي أفضل موقع لمكان الإنزال ... فالجزائريون لم يستعملوا أبدا مدفعية الميدان ، وادا كانت الاعتبارات السياسية لا تسمح بالقضاء على هده الحكومة، فانه يستلزم إجبار حاكم البلاد على تسليم كل الذهب الذي تحت حوزته وتجريده من كل سفنه الحربية وإلزامه بعدم تملكها أبدا للقيام بالقرصنة وإجباره كذلك على تحويل أقاليمه إلى دولة متمدنة ومشتغلة بالتجارة . 

وان اقل مكسب نحصل عليه (بالهجوم على الجزائر ) واكرر دلك  ،هو الاستيلاء على الملايير التي جمعها الحكام والتي يحتفظون بها ،فلا يمكن لهم تهريبها عن طريق البحر لان الميناء سيكون محاصرا كما انه لا يستطيع حملها معه ( الداي) عن طريق البر دلك انه  ، فإلى جانب كون الجيش الفرنسي سيقطع عليه كل اتصال مع الداخل فانه سوف لن يغامر بالإلقاء بنفسه في هدا الطريق بسبب انعدام الأمن  ، وعلى دلك فان أية هزيمة تلحق بالجيش التركي تكفي لتجعل سكان البلاد يجردون السلاح ضده ( الداي) و يصبح بدون حماية ولا قوات في وسطهم.

 

الجاسوس بوتان أنجز هو الأخر  تقريرا عن الجزائر جاء في بعض مقتطفاته " من استطلاع المدن والحصون وبطاريات مدينة الجزائر و نواحيها الذي أنجز بمقتضى أوامر وتعليمات صاحب السعادة سيدي ديكري وزير البحرية والمستعمرات والمؤرخة في 1 و2 من شهر مارس 1808، لاعتماده كمشروع لإعداد حملة وتوجيهها ضد هاته البلاد والاستقرار نهائيا في هاته البلاد  .

كل العناصر التي يتم تناولها لإعداد المشروع المذكور ،هناك عنصرين أساسيين وهما مكان الإنزال والمقاومة التي يتحتم التغلب عليها بعد دلك ،أن العنصر الأول يجد خلاله في الدراسة المفصلة لطبيعة الأرض  ، والثاني سيتضح بوصف الحصون وتقرير قوات الداي . سنشرع ادن في الكلام أولا عن الأرض ثم عن الحصون والبطاريات ثم نتناول بعد دلك مختلف المسائل، وبعد أن استعرض الأماكن القابلة للإنزال في شرق مدينة الجزائر وتبيين معايبها أردف مؤكدا  . لم يبق ادن سوى الرقعة الواقعة بين رأس فاكسين وسيدي فرج وما تحتها  ،فهنا بالفعل المكان اللائق لدلك  ، فالشاطىء في هده الرقعة رملي وفي كل هدا الجزء لا توجد لا بطارية ولا حصن ما عدا البرج الوحيد عند سيدي فرج ،والدي لا يستحق أن يوضع في الاعتبار . فهو مربع الشكل ودو ارتفاع ما بين 15 إلى 20 مترا على أكثر تقدير  ، وعرض جنباته ما بين ثلاثة إلى خمسة أمتار وبه مدفع واحد صغير في حالة سيئة،فهو برج قديم لن يستطيع الصمود أمام قصف مدفعي حتى ولو كان خفيفا . 

وترتيبات الهجوم العامة الأخرى تتمثل في إرسال مفرزة من القوات أمام كمدينة وهران ،والعمل على أن يكون باي قسنطينة في حالة حرب مع باي تونس، وقيام بحريتنا أثناء عملية الإنزال عند سيدي برج ، في حالة توفر سفن كافية  ، باستعراضات متحرشة أمام مرسي وميناء مدينة الجزائر لأجل تثبيت الجزائريين عند بطارياتهم وهو شيء يعجبهم كثيرا ، فقوات الداي  تتكون من المشاة   الأتراك... بمعنى أولئك الدين قدموا مباشرة من الشرق وكذلك من الكلوغية أبناء الجنود الأتراك الدين رخص لهم بالزواج في الجزائر، ومن عدد قليل من الزواوة . وجميعهم يمكن أن يصل عددهم إلى  خمسة عشرة ألفا  ، أي عشرة ألف تركي وخمسة ألاف كلوغلي ... ومن هدا العدد تتشكل حاميات مختلف المدن في البلاد ،ولن يبقى في مدينة الجزائر أكثر من عشرة ألاف جندي ففي الحملة ضد تونس تم تعبئة ثمانية ألاف جندي ولم يبقى سوى عدد قليل من القوات في مدينة الجزائر وكل الناس لاحظت دلك ."

 

خلال عام  1809  اعد ديبوا تانفيل  القنصل الفرنسي في الجزائر تقريرا اخر حول توفر أسباب النجاح للحملة العسكرية المزمع إرسالها ضد الجزائر،أهم ما جاء في هدا التقرير ان تانفيل يوصي "بوجوب العمل لكسب المرابطين الدين هم يتمتعون باحترام كبير من طرف السكان، و ينقادون لهم انقيادا تاما لقد تعرفت على عدد منهم من الدين يسكنون الجبال  ، سواء من الناحية الشرقية أو الغربية والدين يقومون في بعض الأحيان بزيارتي وأقدم لهم بعض الهدايا البسيطة ،وهم متفقون على التأكيد لي بان الإمبراطور (نابليون) يتمتع بتقدير كبيير في جبالهم . وقبل سفري من الجزائر بأربعة أو خمسة أشهر قام احد منهم بالمرور وقضاء الليلة عندي ومن بين الأشياء التي قالها، والتي بعض منها اغرب من بعض وبحضور السيد فيريي كاتب القنصلة، والدي هو صديقه مند ثلاثين سنة ،هده النبوءة والتي مفادها أن الباشا الذي يحكم الآن سوف يلقى نفس المصير الذي لقيه سلفه ، وسيخلف عليا هدا علي آخر والدي سيكون آخر داي للجزائر  ، اد عند دلك سيظهر أمير أوروبي في هدا الإيقاع على رأس جيش كبير والله يوفق مسعاه  .

انه لمن الغريب أن جزءا من هده النبؤة قد تحقق فعلا  ، فعلى قد خنق بعد شهور قليلة وخلفه الحاج علي . إنني أتوسل إلى الله أن يحقق بقية النبؤة شيخي المرابط في اقرب الآجال ،فالأرض والسماء تطالب مند قرون بالثار من اللصوص الدين هم على أبواب أوروبا، والدين يقومون بالتحرش ضد أقوى الأمم ، فصعوبات استعمار إفريقيا ليست هي بالحجم الذي تتصوره بعض العقول الضعيفة."

 

  فرنسا كانت قد  حاولت تحقيق امنيتها في احتلال الجزائر  باستغلالها لهزيمة الاسطول الجزائري في معركة   ليبانت بسواحل اليونان خلال  عام 1571م  وهي  معركة بحرية بين الدول المسيحية والإمبراطورية العثمانية    التى   شارك فيها الأسطول الجزائري  إلى جانب الأسطول العثماني   والتى انهزم فيها كلا الاسطولين  ،  مما جعل مطامع فرنسا تتجلى في الاستيلاء على الجزائر . إذ طلب ملك فرنسا شارل التاسع  وقتها  عن طريق سفيره بتركيا  فرانسوا دي نواي ، من باب العالي الذي كانت تربطه به صداقة و معاهدة بان توضع الجزائر تحت حماية فرنسا  غير أن حاكم تركيا رفض هذا طلب.

بدعوى من ملك فرانسوا الأول  دخلت كل من فرنسا والدولة العثمانية طوال القرن السادس عشر والنصف الأول من القرن السابع عشر الميلاديين في تحالف عسكري  بغرض  مواجهة الأسبان، وقد استجابة السلطان العثماني سليمان القانوني لفكرة هذا التحالف الذي كان الهدف منه منع قيام أي تكتل أوروبي قوي ضد الدولة العثمانية تكون فرنسا طرفا فيه، وتحطيم القوة البحرية الإسبانية التي كانت تسعى لفرض سيادتها على البحر المتوسط والشواطئ العربية ، بالإضافة  إلى  ضمن فرنسا الى جانب الدولة العثمانية لخلق تفرقة بين القوى الأوربية ذاتها، ونتيجة لهذا التحالف العثماني - الفرنسي الذي دُعم بمعاهدة تجارية أعطت الدولة العثمانية للفرنسيين حرية الملاحية في كافة المياه الإقليمية التي تسيطر عليها. فكانت فرنسا أولى الدول الأوروبية التي حصلت على امتيازات تجارية في الجزائر بعد دخولها تحت الحكم العثماني ، وقد مهد ذلك لقيام علاقات دبلوماسية حين تأسست أول قنصلية فرنسية في الجزائر عام 1580. 

كان حرص فرنسا على إقامة علاقات دبلوماسية مع الجزائر ينبع من رغبتها العميقة في استغلال خيراتها   الاقتصادية، واحتكار استثمار المرجان الذي كان الساحل الجزائري مصدرا هاما له.

 

   وقد  استغلت  فرنسا   هزيمة الأسطول العثماني في معركة ليبانت لعام 1571 فانتزعت السلطان سليمان    الموافقة على إقامة قواعد عسكرية في منطقة ساحل الجزائر الشرقي الممتد  بين القالة وعنابة  . فكان ذلك سببا في توتر العلاقات الجزائرية الفرنسية ، وقد استمر ت هده  الخلافات  ، حتى وصل الأمر بحاكم الجزائر خضر باشا  الى   تحطيم حصن القالة في عام 1603 ، واعتقال القنصل الفرنسي ،وقد عرّض هذا العمل   خضر باشا إلى  العزل من طرف السلطان في الباب العالي   تحت الضغوطات الفرنسية، ولم يقف الضغط الفرنسي عند هذا الحد بل تعداه إلى مطالبة الوالي الجديد  للجزائر  السماح بإعادة بناء حصن القالة، وتوقيع اتفاقية تضمن سلامة الأسطول الفرنسي في المياه الجزائرية.

 

  اشتدت حدة هذا الصراع  في عهد لويس الرابع عشر ،الذي كان يطمح إلى تأسيس إمبراطورية استعمارية فرنسية ، فوجه عدة حملات عسكرية ضد الموانئ الجزائرية كان أهمها  ،حملات سنة 1664 على ميناء جيجل  والحملات الواقعة بين 1683 - 1688 على الجزائر العاصمة ،كان نصيب جميع هذه المحاولات  الفشل  نظرا لاستمرار التفوق الحربي لدى الأسطول الجزائري. 

رغبت الحكومة الفرنسية منذ عام 1620 في تحسين علاقاتها مع الجزائر ، فسافر من أجل هذه الغرض وفد جزائري برئاسة سنان باشا إلى مرسيليا، ليعرض وجهة النظر الجزائرية في أُسس العلاقات المشتركة وإثناء الاجتماع وصلت شائعات حول مهاجمة الأطول الجزائري لبعض السفن الفرنسية  ، فأقدم الفرنسيون على قتل أعضاء الوفد الجزائري ، فكانت هذه الحادثة سببا في قطع العلاقات الدبلوماسية وإعلان الجزائر الحرب على الأسطول الفرنسي في البحر المتوسط مما ألحق بالتجارة الفرنسية خسائر فادحة ، وكعادة الحكومة الفرنسية بعد كل نزاع مع الجزائر، توجهت مجددا إلى السلطان العثماني مطالبة إياه بالتدخل لإعادة التعاون التجاري مع الجزائر والسماح لفرنسا بإعادة بناء المراكز التجارية وتحصينها. 

  

 

مدفع بابا مرزوق رمز قوة الجزائر البحرية   طيلة ثلاثة قرون

مرزوق اعدم الكثير من جواسيس فرنسا

 

يعتبر مدفع بابا مرزوق من أقدم وأشهرها المدافع التى صنعتها الجزائر خلال القرن السادس عشر حيث تم صنعه في سنة 1542 بمصنع دار النحاس  ، من طرف مهندس من البندقية،  وكان دلك احتفاءا بانتهاء أشغال بناء تحصينات الرصيف الذي يربط البنيون بمدينة الجزائر ودار الصناعة ، حيث تم وضعه داخل تحصينات الميناء قرب برج القومان  و بقي هناك  الى غاية  سنة 1830 .

   ذكر بلقاسم باباسي صاحب عدة كتب حول تاريخ الجزائر منها "ملحمة بابا مرزوق .. مدفع الجزائر "

 أن مدفع بابا مرزوق الذي وصفه ب"حارس العاصمة"  ، يعود له الفضل  في بقاء العاصمة قلعة حصينة طوال ثلاثة قرون  ، مدفع يعتبر فريد من نوعه في القرن 16، ويعتبر  رائد المدافع التي صنعتها دار النحاس بالجزائر   ،وبذلك يبقى هدا المدفع  جوهرة الصناعة العسكرية التي كانت "جد متطورة" في دلك الوقت .

 و قد صنع  من مادة البرونز بطول  7،5 متر، ومسافة قذف تتجاوز أل 5 كلم.

استولى عليه عند احتلال الجزائر من فرنسا الاستعمارية من ضمن مجموعة الغنائم التذكارية ، لعرضها في متحف "الانفاليد" بباريس   بناء على رغبة الأميرال "دوبيري" الذي راسل وزير البحرية الفرنسية في 6 أوت 1830 ، يطلب السماح له بنقل هده القطعة البحرية  الى فرنسا ،  اين  تم نصبها سنة 1833  في ساحة الترسانة  ،  و وضع فوقه ديك رومي مصنوع بالبرونز .  

مدفع بابا مرزوق كان قد اعدم الكثير من جواسيس فرنسا وعزم  جيوشها  لسنوات عندما حاولت غزو الجزائر المحروسة  ،  فكم من فرنسي وضع في فوهة هدا المدفع وأطلق كقذيفة إلى البحر، وكم من مفخرة حققها للأسطول الجزائري على مدار سنوات طويلة ، حيث يروي بعض المؤرخين إن احد دايان الجزائر الدين جاؤوا بعد وفاة حسن باشا ،غضب من"الأب فاشر"  القنصل الفرنسي و سفير الملك لويس الرابع عشر بالجزائر الذي ساعد بتقاريره الاستخبارية الأميرال أبراهام دوكاسن في حملته الفاشلة لغزو الجزائر، فوضعه أمام فوهة مدفع "بابا مرزوق" وقصف به السفينة التي تقل قائد الحملة ، ومن هنا أصبح الفرنسيون يسمون مدفع بابا مرزوق "لاكونسيلار"  ،ومن هنا تبين ان خلفيات سرقة مدفع بابا مرزوق وارساله الى فرنسا هو انتقام  لسفير الفرنسي الذي أعدمه بابا مرزوق في عام  1546 .

 

 

أسباب  توتر العلاقات بين الجزائر وفرنسا

قضية اليهود و ظهور أزمة الديون ب24 مليون فرنك لصالح الجزائر  

 

كانت العلاقات الجزائرية  الأوروبية غير متكافئة منذ أوائل ق 19م و هذا ما  تسبب في أضرار بالاقتصاد الجزائري، فهذه العلاقات كانت في أساسها لا تتماشى مع المصالح المالية للايالة الجزائرية ،  فالامتيازات كثيرا ما كانت تمنح مقابل أشياء تافهة و ترضيات بسيطة لم يكن لها أي مساهمة ايجابية، في ميزانية البلاد و من أمثلة على  ذلك أن غرفة التجارة بمرسيليا قدمت للداي في 8 مارس1764م كمية من الفواكه و المصبرات و بعض المواد الغذائية الأوروبية، مقابل تحسين أوضاعها و تأكيد امتيازاتها ، و كانت الأموال الأوروبية تفقد قيمتها أمام كرم الجزائر تجاه تلك الدول، فحكومة الإدارة الفرنسية مثلا نالت قرضا بدون فائدة قيمته مليون فرنك مع تسهيلات و تشجيعات للنشاط التجاري سنة 1793م.

و كانت الدول الأوروبية تتصرف كأنها صاحبة الحق الشرعي في البلاد، فهي تقوم بدور الوساطة بين الجزائر و الراغبين في الانتفاع بحق الصيد و التجارة، ففرنسا كانت تمنح لكثير  من المراكب رخصة الصيد مقابل فوائد مالية تحصل عليها بنفسها على حساب الجزائر ،  فتتحصل على فائدة قدرها 1000 فرنك و أحيانا    5000 فرنك  متجاهلة بذلك سيادة الجزائر على مياهها الإقليمية، و بذلك أصبحت الجزائر تقدم الطعام و المؤونة إلى ألد أعدائها في الصراع البحري و لو بطريقة غير مباشرة، كما  نسيبت الاحتكارات الأجنبية في خسائر الاقتصاد الجزائري،   بحيث كانت شركة  لنش الفرنسية  عند تعاملها مع الجزائر تتجاهل اتفاقيات تصدير القمح و تخول لنفسها   سيادة  على مراكزها التجارية، فهي تقوم بتصدير الحبوب حتى في سنوات القحط و المجاعة متحدية بذلك أوامر السلطات الجزائرية ، هدا التصرف كان احد الأسباب الرئيسية   في تعرض المصالح الفرنسية إلى التضييق في كثير من الأحيان.

 حيث  كان الفرنسيون يتصرفون في الجزائر تصرف السادة في ارض محتلة، فالحصن الداي هو مركز هذه الامتيازات ،تعرض للهدم من طرف الجزائريين عدة مرات في 1508-1637م ، 1799-1827م و قد تضررت   منطقة القل من انقطاع التجارة مع الفرنسيين، فاضطرت الجزائر لإعادة بناء الحصن بعد تهديمه سنة 1640م و ذلك لتوقيف عصيان شيوخ القبائل المنتفعين ببيع حبوبهم و منتوجاتهم للمركز التجاري بالحصن.

و هكذا أصبحت المراكز التجارية مواطن ضعف في الاقتصاد الجزائري،  حيث كانت  تساعد على استنزاف المنتوجات الجزائرية و دخولها إلى أوروبا بأثمان بخسة و بكميات كبيرة،  بغض النظر عن المنتوجات المهربة دون علم الحكومة الجزائرية. فالحكومة الجزائرية و هي صاحبة الحق الشرعي في الاستفادة من خيرات أرضها فلم تنل الا القليل من العامل الخارجي، بينما الشركات الأجنبية و التجار اليهود كانوا يحصلون على فوائد فاحشة،   الهدف الوحيد لهذه الدول التي على رأسها فرنسا و بريطانيا  كان  الحصول على اكبر فائدة ممكنة عن طريق شراء المواد الأولية و بيع مصنوعاتها ،و لبلوغ هذه الأهداف أصبحت سفن الدولتين لا تدفع عن بضاعتها الداخلة إلى المرسى سوى 5% بعد ما كانت هذه الرسوم المفروضة عليهم لا تقل عن 12% من قيمة الحمولة قبل منتصف القرن الثامن عشر. 

في أواخر القرن الثامن عشر و أوائل القرن 19   أخذت الحكومة الجزائرية تفقد صبغتها البحرية  ووجهت اهتمامها بالشؤون الداخلية، و هذا الاهتمام كان يخفي وراءه مطالب مالية زادت في شقاء السكان .

  قطع العلاقات التجارية بين الجزائر و فرنسا بعد استقرار النظام الإمبراطوري لنابليون و تعويض هذا الطرف بالطرف البريطاني  خلف التنافس بين الدولتين بعد اتفاقيات 1815م . 

 كان قطع العلاقات الجزائرية الفرنسية من جراء الحملة على مصر من الدوافع التي جعلت الجزائر تقطع العلاقة بالمتعاملين التقليديين من مرسيليا و ليفرونة ،و المراسي القديمة دون أن تحل قضية الصفقات الموقعة مع الجمهورية الفرنسية الأولى و التي قام بها الداي نفسه و بلغت 7 ملايين (مليار و نصف المليار).

كان الدالي سيتسلم 200 قرش(200الف فرنك) و 15.6 كيلوغرام من المرجان لكل مركب، و كانت السلطات الانجليزية تتولى الاحتكارات طوال عشر سنوات (1806-1816م) محددة بذلك الصادرات في وجه الأسواق الجزائرية، في الوقت الذي كانت فيه فرنسا تعوض النقص في الحبوب الجزائرية الضرورية لحاجات الفرنسيين.

و بعد حملة اللورد اكسمرث سنة 1816م عندما أبطل الداي المعاهدات مع بريطانيا ،كسدت منتوجات الحبوب الجزائرية في أسواق أوروبا مع انخفاضها في السعر بسبب مشاكل النقل و التوزيع .

  عوامل أخرى أدت هي كذلك  إلى تصنيف المعاملات التجارية بين الجزائر و فرنسا،   كمماطلة الحكومة الفرنسية ورفضها دفع ما عليها من أموال التي وافقت عليها بعد معاهدة 1817م، متعللة بنقص التبادل التجاري و لجوئها مع بريطانيا إلى ضغوط عسكرية جديدة ،مثل حملة الأميرال "فيرمنتال" و "جيران" سنة 1819م و لم يطبق مبدأ العودة إلى نظام الامتيازات رغم المعاهدة الأولى سنة 1820م إلا بعد 1822م لصالح شركة بارنيت  بمرسيليا التي أصبحت صاحب شركة إفريقيا دون منازع و راعي النظام التجاري .

و من ابرز مظاهر الانهيار التجاري حصول انقباض جديد في زراعة الحبوب، التي كانت إلى ذلك الوقت متواصلة في السهول المجاورة للموانئ مثل متيجة و عنابة و ارزيو ،حسب حاجيات الأسواق الخارجية رغم القرب من جمع الضرائب و على حسب الحبوب كثر المراعي و تربية المواشي.

و من نتائج نقصان حجم المبادلات التجارية بين الجزائر و فرنسا هو حرص تجار مرسيليا على تدارك ما كانوا يتحينون الفرص لفرض حكمهم الاقتصادي الفرنسي ،و سيطرته على التجار الانجليز، فحجم المبادلات الخارجية الجزائرية قد تدهور كما أن حجم المعاملات مع فرنسا قد انخفض انخفاضا كبيرا، و هو ما جر إلى ظهور سيطرة شبه استعمارية للقوى الأوروبية ،سمحت بها طريقة الدفاع عن مصالح الطبقة الحاكمة الإقطاعية بمساندة رجال المال اليهود من أصل فرنسي و هو عامل من عوامل انهيار البلاد و إغراء هذه القوى للحصول   نهائيا على هذه السيطرة .

 أثناء الثورة الفرنسية  لجا نابليون إلى الحكومة الجزائرية ،فأمدته بالحبوب  و أنواع الزرع و أقرضته المال و استمرت تسانده إلى أن تغلبت فرنسا على المجاعة و انتصرت في ثورتها. استمرت فرنسا في استيراد القمح الجزائري بواسطة شركاتها –أجانس ناسيونال دافريك- بسعر لا يتجاوز 42 فرنك للقنطار الواحد حتى قطعت فرنسا تعاملها مع هذه الشركة بشكل مفاجئ لتعقد صفقة معاملة جديدة مع شركة يعقوب كوهين بوخريص(باكري)  ،و بوزناك أبو شناك و هي شركة يهودية كانت محتكرة لحبوب الجزائر و أخشابها، و قد عمل هؤلاء على الحصول على إذن خاص من الداي في التعامل مع الخارج في التجارة ،و قد تحقق لهم ذلك سنة  1818م ، و منذ ذلك الوقت و هذه المجموعة تنفرد باحتكار الحبوب و الزرع و عرفت بذلك كيف تقبض على دواليب الدولة.

و هذا التعاقد الذي وقع بين اليهود و فرنسا بشان الحبوب كان ب 120 فرنك للقنطار بدل 42 فرنك و هو مبلغ باهضا و لم تبدي فرنسا اعتراضا على السعر ، و قد فسره بعض المؤرخين بأنه اتفاق سري بين اليهود و بعض الخونة من الفرنسيين من أعضاء السلك الدبلوماسي في الجزائر ووزراء فرنسا الغير معترضين من أمثال (تاليران) الذي يقول فيه بوخريص  " لو لم يكن الأعرج -يشير بذلك إلى تاليران – ملك يدي ما كانت لاستطيع فعل شيء في باريس " ، و كان الهدف من هذه المؤامرة هو اقتسام الإرباح بين المتآمرين دون انتفاع الخزينة الجزائرية، و خسر بذلك الطرفان معا، فرنسا و الجزائر أموالا جد قيمة ،و استمرت الجزائر تمد فرنسا بالحبوب و تقدم لها القروض المالية من غير فائض، و لا سيما عندما أفلست خزينتها و اتصلت المعاملة التجارية بينهما على يد تلك الشركة التي كانت مدينة للجزائر بـ 30000 فرنك و لتجار آخرين في مقابل ما ترتب عليها من ثمن الصرف الذي اشترته من الحكومة الجزائرية و لم تسدده، و كلما طالبت به طالب التجار الباقون بديونهم ،اعتذرت بحجة أنهم ينتظرون أن تسدد لهم فرنسا ديونها ،و هذا ما اجبر الدالي على التدخل في قضية باكري مع فرنسا باعتباره جزائري الجنسية .

  أن سبب تجميد الديون كان بإيعاز من وزير خارجية فرنسا  تاليران المتعامل مع اليهود إلى وزير المالية لكي تبقى الشركة اليهودية تحت أيديهم لا تتحاور عن مصالح فرنسا ،و كان من الممكن أن يتولى باي الجزائر  

أمر الشركة اليهودية بماله من نفوذ، و لكنه رأى نفسه في مأزق من حيث إن اغلب معاملات الدولة مع الخارج كانت بيد هده  الشركة، فما كان عليه إلا أن يلجا للقضاء، و الحقيقة أن الشركة اليهودية تعمدت التأخر في دفع الديون لإثارة مشكلة و اعتبار القضية  بين دولتين و ليست قضية  شخصية. و مع كل ذلك استمرت فرنسا في استيراد القمح بمعدل مليون فرنك سنويا ،إلى أن تجمع لديها من الدين يقدر ب 24 مليون فرك  ثم نقص إلى 18 م ف و اليهود متكتمون على الأمر.

  بعد بقاء مشكلة الديون عدة سنوات  لدى القضاء ، تشكلت سنة 1819م لجنة لدراسة قائمة الحساب  مشكلة من ثلاثة خبراء فرنسيين الدين توصلوا بتاريخ 28 أكتوبر 1819م  إلى أن للجزائر الحق في المطالبة بمبلغ سبعة ملايين فقط   ، و صوت  على التقرير  بمجلس النواب الفرنسي  يوم 24 جويلية 1820م، و قد  توصل  القضاء الفرنسي بان الشركة اليهودية  استلمت من فرنسا مبلغ 3175631فرنك لتسلمه للجزائر لكنها لم تفعل. 

  لما شدد الداي الخناق على الشركة، التجأت إلى المراوغة و الرشوة و قد نال السفير الفرنسي و مندوب الشركة بفرنسا- نيقولا بليخيل- من هذه الرشوة يومئذ مليونان فرنك ، وفي  الاخير  أظهرت فرنسا استعدادها لدفع اعتمادا إلى الحكومة الجزائرية بمبلغ 583000 فرنك أسبوعيا،  بعد طول انتظار  انتهت القضية باعتماد المبلغ المطلوب في  24 جويلية 1820م، و لما بدأت فرنسا في التسديد   مليونين و نصف المليون من ديونها  ظهرت جماعة فرنسية تدعي أن لها ديون عند الشركة اليهودية ،مطالبة بحجز المبلغ المذكور   فقامت فرنسا   بتاريخ 1819م بوضع يدها على جزء من النقود التي تعطى للتجار اليهود.

  احتج الداي لدى القنصل الفرنسي معترضا على قرار المحكمة و أرسل رسالة إلى شارل العاشر يعبر فيها عن سخطه مما حصل و لما تكررت مكاتبة الداي ثلاث مرات أحالها الملك إلى السفير بالجزائر. و عندئذ تأكد الداي الجزائري بان أمواله و أموال الدولة ضاعت بين تسويف الفرنسيين و احتيال اليهود.

 

القنصل الفرنسي دوفال تحصل على رشاوي من اليهودي بكري

 فرنسا أمرت   دوفال بافتعال حادث يكون مبررا لإعلان حملة   على الجزائر

 

لم تعرف علاقة الجزائر بفرنسا يوما بالهدوء و الاستقرار، و إن حصل بينهما يوما ما اتفاق فانه كان مجرد تغطية لأوضاع معينة، ففرنسا لم ترغب يوما بصداقة الجزائر و لم تشعر الجزائر يوما بالثقة فيما تفعله فرنسا تجاهها. لذلك منذ إنشاء حصن القالة و بداية العلاقات التجارية بينهما و أسباب الخلاف تتزايد و فرص ضرب فرنسا للجزائر تتأتى لها من حين لأخر.

  قصة ديون اليهوديين بكري وبوشناق ،كانت آخر موضوع خلاف دار بين البلدين و آخر سبب اتخذته فرنسا للقيام بآخر حملة على الجزائر لكنها دون كل الحملات السابقة كانت  ناجحة أكثر مما توقعه الجزائريون.

بعد أن حددت فرنسا حجم الديون بـ 7 ملايين من الفرنكات ،  تماطلت هده الاخيرة في التسديد  ، و بما أن باكري كان مدينا لخزينة الجزائر بمبالغ هامة هي  قيمة كميات من الصوف كان قد اشتراها من الدولة ،فانه كان يعتمد على التصفية لدفع هذه الدين و غيره من الديون التي ترتبت عليه في فرنسا،  عندما  تقدم عدد كبير من دائني باكري إلى الخزينة معترضين على الدفع  ، تعقدت التصفية نتيجة لهذه الاعتراضات، و لما رأي اليهوديين أن تسوية القضية ما تزال بعيدة شرعوا في مفاوضات  ، فوقعوا سندات بمائة ألف فرنك و تنازلوا عنها بعشرين ألف،  حيث  تقرب باكري من القنصل دوفال و وعده بمبلغ كبير إن هو عمل على إنهاء القضية في باريس و قد حصل نفس الأمر مع تاليران الذي تدخل في القضية و حمل الحكومة الفرنسية على تسديد الديون ،لكن فرنسا دفعتها إلى عائلة بوشناق و بوخريص دون دفع شيء للخزينة الجزائرية، و أبقت جزءا من المال تحت الرهن في حالة ما إن كان هناك أشخاص أو شركات لهم دين على اليهوديين.

و قد اتضح للداي ان خيط  المؤامرة في الجزائر هو القنصل دوفال و رأسها في فرنسا تاليران، و أدرك أن الاتصال بالحكومة الفرنسية عن طريق قنصلها لن يفيد ما دام طرفا في الخديعة،  لذلك طلب من الحكومة الفرنسية  سحب قنصلها و توجيه اليهوديين بفرنسا إلى الجزائر .

و قد صادف دلك أن كانت أحسن السفن الحربية الجزائرية في المشرق حيث ذهبت لنجدة القسطنطينية، فأرادت الحكومة فرنسية أن تس

/الجزء الاول/ المخططات السرية  الفرنسية  لغزو الجزائر/خلفيات الصراع الجزائري أوروبي الأمريكي في البحر الأبيض المتوسط /30 دولة أوروبية  تتبنت  خطة   القضاء على " دولة الجزائر /مخابرات الثورة اخترقت حكومة ديغول وجندت وزارء ه
/الجزء الاول/ المخططات السرية  الفرنسية  لغزو الجزائر/خلفيات الصراع الجزائري أوروبي الأمريكي في البحر الأبيض المتوسط /30 دولة أوروبية  تتبنت  خطة   القضاء على " دولة الجزائر /مخابرات الثورة اخترقت حكومة ديغول وجندت وزارء ه